الاثنين، أبريل 22، 2013

مباهج الحياة بلا مسرح د. أبو الحسن سلام البهجة أحد أهم أسباب تحملنا أعباء الحياة سواء أكان منا الغني أم كان فينا الفقير أو متوسط الحال ؛ فلكل كائن ذي شعور بهجته التي يعرف كيف يصنعها ، وكيف يصل إليها ، وكيف يسعى سعيا حثيثا لإضفاء شئ من البلهجة على من يحب أو يميل ويهوى .فالبهجة قرينة الرضى عند البعض ؛ وهي قرينة التمرد عند البعض الآخر. وكثيرا ما تقترن عند البلهاء والخاملين بالهيمان على غير هدى في عدم مبالاة بشئ ؛ كما أنها تقترن عند طبقة المتصوفة بالتسليم للجبر الإلهي ؛ وقد تقترن بالانشغال بالعمل أو التضحية من أجل الغير أو بالانقطاع للعبادة أو بمشاغبة أحدهم ( لذباب وجهه) وعند آخرين بالتحرش بطرف من الجنس الآخر ، وقد تتبدى في الثرثرة عبر الهاتف بلا طائل لمجرد التسلية وإضاعة الوقت أو هروبا من الممل ؛ وقد يجد البعض بهجته في اللف والدوران في الشوارع أو على الشواطئ . وقد يجد غيرهم البهجة في النهم إلى الطعام أو في التسكع على المقاهي ودور اللهو أو في إدمان شرب الخمر أو لعب الميسر أو التجول بالسيارة ، أو بالسياحة في بلاد أجنبية . فالبهجة إذن ضالة الإنسان ، أنّا يجدها يسكن إليها على الصورة التى يرتاح إليها أو يجد لها صدى طيبا في نفسه ؛ والبهجة هي الوجه الآخر للتعاسة أو الابنئاس والحزن وقد لا نذهب بعيدا إن قلنا إن في الحزن عند بعض الناس شيئا من الابتهاج . فالإنسان إذن لا يعيش دون عدوى الإبتهاج ؛ لأن البهجة تأتي من خارج المبتهج ؛ وهذا يعنى أن البهجة فعل اجتماعي ؛ فنحن نبتهج جماعة ؛ حيث يعدي بعضنا بعضا أن لم نصب بعدوى البهجة من الطبيعة . ولأن البهجة هي من صنع غيرنا فينا ومن صنعنا في غيرنا أو من صنع الطبيعة وتباديل الأحوال فينا بما يطيب لنا ؛ لذا ابتكر الإنسان عن طريق المحاكاة أشكالا للبهجة ، منها الرسم ومنها الرقص ومنها الغناء ومنها التمثيل . وانتهى به الأمر إلى ابتكار شكل فني جميل يجمع بين تلك الفنون عبر منظومة محاكاة شاملة ؛ فكان له فن جديد هو فن المسرح. ولأن البهجة لا تتوقف معزولة عن الفكرة باعتبار أن صناعة إنسان ما للون من ألوان الابتهاج ينطلق من فكرة ؛ لذا تأسس بناء الشكل الحامل للبهجة على فكرة ؛ سرعان ما تفرعت وتشعبت إلى أفكار فرعية وثانوية تتصل برحم الفكرة الرئيسية التي يصوغ لها كاتب موهوب عناصر اتصالها قولا وحركة ودوافع وبوااعث محمولة على أصوات شخوص لكل منها لغتها وفكرها ومجتمعها ومشاعرها وإرادتها وحريتها في تكوين جوهر ما تريد وما تشعر تحقيقا لهويتها الذاتية والموضوعية. وهكذا توجت الموهبة البشرية عبر المخيلة والنبضات الشعورية أشكالا مسرحية للبهجة ؛ محمولة على أفكار أجنحتها القيم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفلسفية والعقيدية أو الدينية . هذا هو ما يعرف المسرح . فهل لمتسائل من أي لون أو جنس أو مذهب عن ضرورة المسرح أو مدى أهميته في حياة الإنسان! في البدء كان المسرح للبهجة المصفاة ؛ ثم أصبح وسيلة إمتاع وإقناع وتأثير ، لذلك اقترن بالدين في المجتمعاتىا لقديمة فرعونية ثم يونانية ؛ فقابل هدف الدين بهدف متآخ معه حيث استهدف تطهير النفس البشرية في مقابل ما يهدف إليه الدين من السمو بالنفس البشرية ؛ وارتكز على ركيزتين أساسيتين كما فعل الدين (المعايشة) وهي انقطاع الممثل عن كل ما حوله عندما يندمج في دوره ؛ في مقابل (الخشوع) عند الصلاة في اتصال المصلي بخالقه ؛ و( الإيهام) حيث تصديق كل من الممثل والمتفرج لكل معطيات الرسالة المسرحية ، في مقابل ( الإيمان) بالنسبة للمتدين ؛ وهو تصديقه لكل معطيات الخطاب الديني المنزّل . ولأن للمسرح أثره المباشر في كسب التأييد للفكر ؛ لذا رأينا كبار فلاسفة العالم وقد حملوا المسرح مهمة كسب التأييد لأفكارهم الفلسفية ؛ وقد رأينا هذا في أعمال كبار كتاب المسرح اليوناني ( أسيخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس ) كتاب التراجيديا العظام ورأينا أرستوفانيس في الكوميديا ؛ فنقد الأفكار الفلسفية السوفسطائية لسقراط نراها في كوميديا ( السحب ) أرستوفانيس ؛ حيث يسخر من سقراط وفلسفة السوفسطائية ؛ وفي ( الضفادع)أرستوفان جسد عالم بعد الموت وقد استلهم أفلاطون في محاورات ( فيدون) . كذلك جسد سوفوكليس( أنتيجونا) ؛ حيث الحاكم والمحكوم وصراع قانون وضعي للحاكم ضد قانون الغيب ؛ وشريعة دفن الموتى( من التراب وإلى التراب) وفي عصر النهضة هذا ميكيافيللي يودع أفكاره في المسرح . ومارلو كذلك يكتب ( مأساة دكتور فاوستيس ) بائع روحه للشيطان طلبا لامتلاك الخوارق. وكذلك كانت ( فاوست ) لجيته . أما بريخت ؛ فمسعى بمسرحه نحو كسب التأييد لفكرة العدالة الاشتراكية من خلال تصوير الصراع الطبقي إنصافا للعمال ؛ ولتغيير العالم نحو مجتمع العدالة الاشتراكية .حيث يكون لكل فرد في المجتمع العامل والمنتج الحق في أن يأخذ من المنتج الذي لا ينتهي على قدر حاجته ؛ ليس أكثر ولا أقل . ونتذكر معا مسرحية ( شمس النهار) لتوفيق الحكيم ؛ فهي تمثيل أمثل لتجسيد ذلك الذي يستهدفه مسرح بريخت. ومن جهة أخرى يلجأ سارتر للمسرح ليحمله بأركان فكره الفلسفي الوجودي فيكتب المسرح كسبا لمقولة فلسفته ( لقد كتبت علينا الحرية) حرية ذات الإنسان قرينة بحرية الآخر ) فلا وجود بلا حرية ولا حرية دون التزام ومقاومة الأنا للآخر من أجل صنع كل منهما لماهية ذاته ؛ وهو أمر قد يتولد عنه الندم أو الغثيان . ذلك أن (الآخرهو جحيم الذات) ولهذا حفلت نصوصه بأفكار الوجودية المادية (وجود الكائن يسبق أي ماهية) ..فنحن نخلق ثم يكون علي كل منا صنع هويةذاته وتحقيق إرادته ملتزما بعدم تجاوز حرية الغير ؛ ونتذ1كر معا مسرحية الفرافير ليوسف إدريس ؛ فهي مثال لفكرة الوجودية المادية ( فوجودهما عن طريق المؤلف يسبق بحث كل منهما لتحقيق جوهر ذاته وكلاهما يمثل جحيما للآخر ؛ لأنه حر وملتزم في آن واحد ) كما أنها أيضا تمثيل للفلسفة الوضعية ؛ حيث يظل الفرفور عبدا ويظل السيد سيدا كما خلقهما المؤلف ؛ حتى بعد الموت . وللباحث عن الدور الاجتماعي والسياسي للمسرح أن يستعيد قراءته أو مشاهدته لعروض مسرحية لسعد الدين وهية وهي تصور علاقة الفلاح المصريب ملاك الأراضي الزراعية ودور الشرطة في خدمة الملاك ضد الفلاحين ، وله أن يستعيد صورة البطل الريفي المنسحب في مسرح نجيب سرور ( ياسين وبهية – آه ياليل ياقمر- قولوا لعين الشمس – منين أجيب ناس) أو يستعيد ( الناس اللي تحت ، الناس اللي فوق ، برج المدابغ ،وأهل الكهف 80 ) ليرى صورة المجتمع في تطوراته الاجتماعية والسياسية وتقلبات طبقته العليا والوسطى والتحتية ؛ ثم ليرى آثار الانفتاح الاستهلاكي بعد 73 وأثره في تدمير الصناعات الوطنية ؛ ويقف في النهاية على استشفافه المبكر في عام 80 للحال التي عليها مصر الآن في ظل حكم أهل الكهف ونحن في القرن الحادي والعشرين. أو يستعيد النقد السياسي المراوغ لفكرة تحالف قوى الشعب العامل في المشهد الأول من مسرحية ( مأساة الحلاج) حيث يجتمع ممثلو الطبقات ( المثقف الثورى فاقد ثوريته – الفلاح – الواعظ مثقف السلطة العضوي ، مع الحرفيين والعمال في مشهد واحد ؛ مجموعة باكية تحت قدمي ممثل طليعة الثورة الذي أسلموه لجلاده ومجموعة منتشية مخمورة لاهية . أو يسترجع صورة العلاقة المستحيلة بين طبقة العمال وطبقة ملاك الرأسمالية البيروقراطية في (جواز على ورقة طلاق) لألفريد فرج ؛ أو يتذكر دور المسرح العربي في فترة انتشار شعارات القومية العربية وهو يدعم النزعة القومية في مسرحيات لألفريد فرج ( سليمان الحلبي – الزير سالم ) والشرقاوي ( الفتى مهران – النسر الأحمر – عرابي زعيم الفلاحين – الحسين ثائرا والحسين شهيدا ) ولسعد الله ونوس (مأساة رأس المملوك جابر) ومهدي بندق واستحالة التزاوج الطبقي في ( ليلة زفاف اليكترا) ومحمد أبو العلا السلاموني في ( رحلة العذاب – رجل القلعة) ويسرى الجندي ( أبوزيد – اليهودي التائه – جحا والواد قله ) وله أن يسترجع بالذاكرة ( الملك معروف) لشوقي عبد الحكيم ومعالجته لفكرة الاشتراكية الطزباوية ؛ حيث يغبب فيها أحد جناحي عملية تحقيق العدالة ( العمل والوفرة الإنتاجية لكفاية احتياجات الشعب) أو يراجع ( الصول فرحات) التي تعالج فكرة الاشتراكية الفابية التي يتحقق فيها مجتمع العدالة المثالية على مراحل ، من خلال عمليات التأميم . وله أن ينظر أخيرا وليس آخرا (مجلس العدل) التي يراوغ فيها توفيق الحكيم ويسقطها على تفكيك فكرة تحالف قوى الشعب العامل وعملية تأميم وسائل الإنتاج ، حيث يعد مالك لفران إنضاج أوزته ( رأس ماله) فيهبه للحاكم ( القاضي بعد انضاجه ) في مجتمع تنقلب فيه الأوضاع حيث يكون الفران صديقا للقاضي وحيث تحتشد الحدث الدرامي بغلاح وعامل ومؤذن(مثقف) إلى جانب صاحب المال ( الأوزة) والمكلف بإنضاج رأس المال ( الأوزة) وله أن يقف طويلا أمام محمود دياب في مسرحيته ( أرض لا تنبت الزهور ) التي يكشف فيها عن استحالة وجود سلام حقيقي بين مصر والدولة الصهيونية ؛ ناهيك عن الكثير من العروض التي ناهضت فكرة خلل توجهات النظام الحاكم في الجمع بين رأسمالية الدولة التي سادت في الستينيات تحت شعار الاشتراكية العربية ورأسمالية السوق. وكيف قاومت العروض المسرحية لهاث النظام الحاكم في بيع شركات القطاع العام . فإذا ما تم لمن ينكر الدور الفاعل لفن المسرح مراجعة دور المسرح على المستويات الفلسفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية والنفسية والاقتصادية من خلال نصوص وعروض مسرحية تبهج وتمتع قبل أن تقنع فتؤثر في ضمائر الجمهور في اتجاه مستقبل أكثر إشراقا وأمنا ورفاهة ؛ عليه أن يحفظ لفن المسرح دوره الحضاري في حث الناس على إحسان حياتهم المشتركة من خلال صور وتعابير مسرحية مبهجة.

أوبريت الليلة الكبيرة - كامل


الليله الكبيره - ياغزال ياغزال


بنادي عليك - 2 موسيقار الأزمان فريد الأطرش