أوركسترا عناكب الثقافة العنصرية
ومعزوفة النشاز العصرية
د. أبو الحسن سلام
اعتادت أسماعنا منذ سنوات علي سماع معزوفة النشاز الإعلامي الصهيوني التي يصدع بها الأوركسترا السياسي الإعلامي للدعاية العبرية آذاننا وآذان العالم حول معاداة السامية ، كلما وجدت موقفا لمفكر أو مثقف أو منظمة أو اتحادا لا يقف موقف التأييد لمواقفها العنصرية المتطرفة بإزاء موقف وطني يتعارض مع مصالحها أو أعمالها الإرهابية اليومية التي تفتتح بها يومها وتختتمه ، وهي معزوفة الضجيج عبر وسائل الإعلام والمحافل الدولية تخويفا لبعض الدول من مغبة مساندتها لقرار مصر بترشيح فنانها ووزير ثقافتها التي رأت وما تزال تري أنه جدير بحمل صوت عراقتها ، ليتفاعل مع أصوات العراقة الإنسانية في لحضارات أمم أخري لها من العراقة مالها ، حتى يسهم بفكره وكفاءته في إدارة العمل الثقافي الدولي في رفعة شأن ثقافات الشعوب ، بما له من خبرات أكيدة في تفعيل مكونات بلده الثقافية وصيانة أثارها ، وبماله من دراية بالكثير من ثقافات الشعوب الأخرى ، فضلا عما لمصر من ثقل عالمي وبخاصة في المجالات الثقافية والفكرية . وما يكاد يمر يوم إلا ويرتفع طنين المعزوفة الإعلامية الصهيونية بالتحريض علي الرجل ، حضا علي الوقوف ضد ترشيحه ، فهو عندهم زعيم الحركة المناهضة للتطبيع الثقافي في مصر ، وكأن هناك من بين وزراء الثقافة العرب من يرحب بالتطبيع أو يقدر علي أن يفرض علي مثقف واحد من مثقفي بلده أن يطبع أو لا يطبع مع عدو غادر قاتل للأطفال وللنساء والعجائز في البيوت والمستشفيات ودور العبادة والمدارس .
ومن أعجب ما سمعنا أن هناك إنسانا عاقل يري وزيرا مسؤولا عن ثقافة بلده يفتح أبواب وزارته علي مصراعيها لكل مفكر وكل مثقف وكل فنان أو أديب من أي اتجاه فكري حزبيا كان أو عقائديا أو علمانيا ، يساريا قوميا أو ماركسيا كان أو يمينيا ، فالجميع عنده سواء في ممارسة التفاعل الثقافي في هيئات الوزارة ومراكزها ومتاحفها ومؤتمراتها المحلية والعربية والدولية دون تفرقة في التعامل الرسمي الميسر لأدوارهم الفكرية والثقافية الحاضة علي حفظ هوية الوطن ودفع حركة الثقافة المصرية والعربية نحو التقدم والسلام ،
وثقافة التسامح التي بدونها لن تتقدم الشعوب ، من العجب أن نسمع بمن يتهم رجلا له كل تلك الأوار بالتعصب أو بمعاداة السامية . وكيف يعقل أن يتعصب مثقف وفنان حقيقي كفاروق حسني ضد أحد !! كيف وجميع المفكرين والفنانين من كل المنابع الثقافية تتاح لهم في ظل وزارته فرص المشاركة في الحراك الثقافي المشتبك مابين تيارات فكرية متعارضة ومتباينة التوجهات . إن العلماني لا يتحزب ولا يعادي أحدا أو جهة ما بسبب المعتقد أو العقيدة .
فما المسألة إذا ؟! وما هي حكاية الطنين أو الضجيج الصهيوني داخل الدولة العبرية وخارجها ؟! ولماذا ترتفع عقيرة الصارخين في البرية بالعويل في هذا التوقيت ، وفي هذه المناسبة ؟! أهي مناسبة حزينة بالنسبة لهم؟! ولماذا الآن ؟! ولماذا كل ذلك العويل ضد المرشح المصري علي وجه الخصوص ؟!
لقد كان هناك مرشح سعودي في انتخابات الدورة السابقة لمنصب مدير اليونسكو هو الشاعر المفكر غازي القصيبي ، ولم نسمع صوتا يهمس مجرد الهمس من بين دعاة العنصرية الصهيونية ، يحرض عليه الرأي العام الدولي ، مع ما للسعودية من مكانة دولية
وكان هناك إعلانا عن نية دولة المغرب لترشيح مندوبتها الحالية في منظمة اليونسكو لمنصب مدير المنظمة في الدورة القادمة ، ولم يهمس هامس صهيوني واحد ليوسوس ضد المغرب . وكان هناك مرشح لبناني لإدارة اليونسكو هو وزير ثقافتها السابق ، ولم يوسوس وسواس صهيوني واحد ضد لبنان مع مابين البلدين من ثارات لم تجف دماءها بعد علي إثر هزيمة جيش الدولة العبرية ( الذي لا يقهر) !!
ونعود للسؤال .. لما الوقوف أمام ترشيح رجل الثقافة المصري – تحديدا – هل لزعمهم بأن فاروق حسني يقف حجر عثرة أمام عملية التطبيع الثقافي مع مثقفي مصر ؟!
إذا كان الظن هو ذاك ؛ فأعتقد أن ذكاء جهابذة التآمر الكوني ، قد خانهم هذه المرة . فلو كان الأمر كذلك فقد كان علي الزعامة الصهيونية أن تقيم الأفراح والليالي الملاح متضامنة مع من يقفون في صفها - بلا وعي قومي - منادين برحيل الرجل . . طالما هي تعتقد بأن فاروق حسني هو من يوقف مسيرة التطبيع الثقافي التي تحلم بها الزعامات الصهيونية
بين وزارتي الثقافة في البلدين ، حتى تري إذا ما كان هناك تطبيع ثقافي سيتحقق بين البلدين أم أنها أضغاث أحلام حاخاماتية بسوق شرق أوسطية بزعامة الحاخام الأكبر ( مسيو رابين) ؟!
إن المسألة في حقيقتها - والزعامات الصهيونية بداخل الدولة العبريو وبخارجها – تعلم ذلك ، تتمثل في المثقفين العرب أنفسهم لا المثقفين المصريين وحدهم ، ففاروق حسني بوصفه وزيرا للثقافة في الدولة المصرية لا سيطرة له إلاّ علي الهرم الوظيفي لوزارته ( هيئاتها – مراكزها – متاحفها – إداراتها الثقافية الرسمية ) أما المثقفون فلا سيطرة لأحد عليهم ، حتى اتحاد كتاب مصر ، لا سيطرة له عليهم ، ولا سيطرة له علي اتحاد الفنانين المصريين فالنقابات والإتحادات الفئوية والنوعية في مصر شأنها شأن كل نقابات العالم المتمدن في النظم المؤسساتية والبرلمانية لا يسيطر علي قراراتها غير جمعياتها العمومية ومجالس إداراتها . والعلاقة بين أعضائها تنظمها قوانينها ولوائحها . الأمر سواء عندنا وعند دولة الحاخامات . ولا دور لوزارة الثقافة سوي تيسير حركة الإبداع وفتح النوافذ أمام المبدعين والمفكرين ، حتى لا يتخلف الإنتاج الإبداعي أو يعوقه عائق ما.
هل تستطيع الدولة العبرية - التي هي ديمقراطية مع مواطنها اليهودي بينما هي فاشية مع مواطنها العربي وإرهابية مع العربي الفلسطيني المتمسك بأرضه وهويته العربية - هل تستطيع أن ترغم نقابة أو اتحادا من إتحاداتها العمالية أو المهنية أو أحدا من مثقفيها علي شيء لا يقبله ؟! فكيف يفكر هؤلاء القوم ؟ كيف يعتقدون أن وزير الثقافة المصري بقادر علي أن يرغم اتحاد أدباء مصر أو اتحاد فنانيها علي التطبيع معها ثقافيا ؟! وماذا عن نقابة محامي مصر ونقابة الصحفيين والمعلمين والعمال في مصر وفي البلدان العربية كلها ، هل يمكن إرغام مفكر أو مثقف أو فنان أو أديب أو رجل قانون أو إعلام أو رجل علم علي قبول شيء لم ينبع من ذاته ولم يوافق قناعاته ؟! فعلاما الضجة الكبرى علاما؟!
إنهم لا يريدون لمصر الحضارة والريادة الثقافية والحضارية في تلك المنطقة من العالم أن ترفع أعلام ثقافتها العربية من جديد ، بعد أن ظلت خفاقة علي مر العصور . لا يريدون إشعاعا ثقافيا عربيا ، يعلمون تمام العلم أنه لن تخرج شرارته إلا من مصر، لذلك يستميتون من أجل الحيلولة دون صعود نجم فارس ثقافتها وفنانه القدير ، ( دينمو ) حركتها الثقافية الدائبة علي مدار عشرين عاما متصلة العطاء تجديدا وتنويرا ، يضنون بعطائه علي منومة الثقافة الدولية . تلك هي قضية عناكب الثقافة العنصرية ضد الفنان فاروق حسني .
الأربعاء، يناير 07، 2009
التباس الكتابة المسرحية بين السياسة والتسييس
الكمبوشة
التباس الكتابة المسرحية بين السياسة والتسييس
د. أبو الحسن سلام
يخلط الكثير من كتاب المسرح ونقاده بين المسرح السياسي و مسرح التسييس وهو ما أدي إلي وقوع الكثير من الباحثين المسرحيين في ذلك الخلط نفسه . وتلك قضية لها ما بعدها. أما القضية الثانية فهي تتعلق بمدي حاجتنا إلي هذا اللون من العروض المسرحية بعد أن توقفنا عند استهلاك المعرفة ومنجزاتها التكنولوجية بعد أن حاولنا في فترة زاهرة من تاريخنا القديم والحديث نسعي جاهدين وراء إنتاج المعرفة وتحصيل بعض ثمارها .
فيما يتعلق بالقضية الأولي فقد وجدنا (سعد الله ونوس) يفرق بين المسرح السياسي ومسرح التسييس في مقدمة مسرحيته المنشورة ( مغامرة رأس المملوك جابر) حيث يتمثل عنده المسرح السياسي في عروض مسرحية ( تستهدف التواصل مع الجمهور ومحاورته) وهي محاورة قائمة حتما علي التفاعل المتبادل بين العرض وجمهوره ، لتحقيق تغيير ما لصالح الغالبية في مواقف سياسية في المقام الأول واجتماعية في اتجاه التقدم . فهو مسرح سياسي تثويري إذن!! ففيه الكثير من الحض علي اتخاذ مواقف معارضة ومضادة لسياسات بعينها قام بها نظام الحكم وطنيا كان أم غير وطني ، ويري الكاتب المسرحي – نيابة عن الغالبية التي يمثلها أو ينحاز إليها انحيازا سياسيا - أنها سياسات مضادة لمصالح الوطن ولمصالح الغالبية العظمي المطحونة في بلد ما تحكمه الفاشية أو الاستعمار أو الأنظمة المتخلفة والعسكرتارية الطابع أوالأنظمة الشمولية.
ومن أمثلة هذا المسرح عند كتابنا ( مغامرة رأس المملوك جابر – الملك هو الملك – الفيل يا ملك الزمان – حفلة سمر من أجل 5 حزيران ) لسعد الله ونوس ، ( محاكمة الرجل الذي لم يحارب ) لممدوح عدوان ، ( النار والزيتون – ألحان علي أوتار عربية) لألفريد فرج ، ( ليلة مقتل جيفارا العظيم – ثورة الزنج ) للشاعر الفلسطيني معين بسيسو ، ( السبع سواقي – المسامير ) لسعد الدين وهبه ، ( مسافر ليل) لصلاح عبد الصبور، ( الحمار يفكر – الحمار يؤلف ) لتوفيق الحكيم ، ( دستور ياأسيادنا) لمحمود الطوخي ، فضلا عن عروض مسرح المقهي لسلسلة مسرحيات ( إني أعترض) . وهذا المسرح يتواصل مع الأحداث الآنية المعاصرة التي تتماس مع ظاهرة تاريخية تتكرر عبر العصور حيث الاشتباك بين شعب مقهور وأنظمة حكم قهرية.
علي أن المحاورة بين هذا اللون من المسرحيات وجمهوره ، لا يتحقق من خلال النص وحده ، وإنما يتحقق من خلال العرض المسرحي ، لأن فعالية أثرها الدرامي تتحقق بالتفاعل الجماعي الحاضر المحتشد لمشروع قومي أو نهضوي ، حيث المشاركة الايجابية المدركة في حالة الحضور التحاوري بين ثقافتين : ثقافة العرض ، محمولا علي مغزاه السياسي متفاعلة مع ثقافة الجمهور الحاضر نفسه . فكأن العرض حوارية فكر متفتح ومتبادل عبرفرجة واعية تدعم عملية التواصل بين ثقافة العرض وثقافة التلقي الآني . وهو أمر مغاير لمسرح التسييس.
أما مسرح التسييس – عند ونوس – فيتمثل في عروض مسرحية تعكس علي جمهورها ظواهر الواقع ومشكلاته . وهو مسرح تنويري ، يميل إلي التعليمية . ومن أمثلته ( جواز علي ورقة طلاق – علي جناح التبريزي وتابعه قفه – حلاق بغداد – الزير سالم – سليمان الحلبي ) لألفريد فرج ، ( مأساة الحلاج – الأميرة تنتظر – ليلي والمجنون – بعد أن يموت الملك ) لصلاح عبد الصبور ، ( الفتي مهران – عرابي زعيم الفلاحين – النسر الأحمر- وطني عكا) لعبد الرحمن الشرقاوي ، ( أنت اللي قتلت الوحش ) لعلي سالم ، ( السلطان الحائر – شمس النهار – الأيدي الناعمة – بنك القلق – مجلس العدل) لتوفيق الحكيم ، ( الفرافير – جمهورية فرحات – ملك القطن ) ليوسف إدريس ، ( ياسين وبهية – آه ياليل ياقمر – قولوا لعين الشمس – منين أجيب ناس ) لنجيب سرور ، ( أرض لا تنبت الزهور- باب الفتوح ) لمحمود دياب ، ( ديوان البقر – المليم بجنيه ) للسلاموني ، ( اليهودي التائه) ليسري الجندي .
وهذا اللون من المسرحيات يقف عند إرسال ومضات سياسية متقطعة يرسلها إلي العقل المتلقي أو يكتفي بأن يبعث بومضة واحدة علي هيئة فكرة تتمحور حولها بعض الأفكار الفرعية بهدف توكيدها ، بحيث تصل تلك الومضة أو الومضات المتقطعة إلي وعي الجمهور ، لتعكس علي صفحة وعيه صورا جزئية لمشكلات ومظاهر سياسية ذات تأثير علي الوجهة المستقبلية التنموية ذات الصبغة الوطنية القومية التقدمية . وهذا قريب من المسرح الملحمي بأهدافه التنويرية والتعليمية .
أما المسرح السياسي فيتماس أويقترب من عروض المسرح التسجيلي الذي يهتم بإعادة عرض الظواهر التاريخية للاستغلال ووسائله في نهب ثروات الشعوب وعرض مظاهر ثورتها علي صور القهر العنصري والاستعماري وقهر الأنظمة الفاشية للشعوب ، عرضا قائما علي عناصر مباشرة مدعمة بالمعلومات والوثائق والأرقام ، بهدف التحريض الجماهيري لمواجهة ناجزة لمظاهر ذلك القهر .
والسؤال الذي يلح علي الآن عند الوقوف علي القضية الثانية من هذا المقال : هل هناك ضرورة للمسرح السياسي في هذا العصر ، بعد أن سيطرت الرأسمالية المتوحشة علي مقادير الشعوب ومصائرها ؟! وهل بقيت هناك مساحة لعروض التسييس المسرحية ؟!
ربما رأي غيري عدم صلاحية مثل تلك العروض لعصر المعلوماتية وإنتاج المعرفة ، بخاصة ونحن بلاد لا ننتج معرفة ولا معلومات ؛ وإنما نكتفي باستهلاك ما تنتجه شعوب غيرنا ليس في تكنولوجيا المعرفة فحسب بل ما تنتجه من غذاء ومن أزياء ومكملات تغرق أسواقنا المتخلفة . مكتفين بما أعلنه و نشره أحد كبار الأئمة ببن جماهيرنا العريضة التي تحولت إلي أذن واحدة كبيرة ، فلقد طرح ذلك الداعية فكرة مؤداها ( أن الله قد سخر لنا الغرب لينتج أحدث الأجهزة لكي نستخدمها)
وكأن الرجل يحث شعوبنا علي التقاعس ، ربما تأثرا بالمذهب القديم الداعي إلي ( إسقاط التدبير) فالله قد سخر لنا الغرب !! وكأن الغرب يعطينا أحدث وأكفأ ما ينتج من تكنولوجيا ، أو يعطينا إيّاها بدون شروط مجحفة .. أهمها التخلي عن طموحاتنا وعن هويتنا وعن عوامل توحد كلمتنا بإزاء ما يجريه الصهاينة وداعموهم من دماء علي أراضينا في فلسطين وفي العراق ، فضلا عن تحقيق إرادة الغرب بصمتنا عن كل ما يخطط له الرأسمالية المتوحشة لرفعة شأن ربيبتها المصطنعة علي تراب وطن عربي هو فلسطين .
ربما لكل ما تقدم أري ضرورة ملحة لعروض المسرح السياسي ، لأننا شعوبا في حالة مواجهة مع التخلف ، مواجهة مع إرادة أجنبية تفرض علينا قيودا سياسية وقيودا اقتصادية لتبقينا خلف خط الفقر اقتصاديا ومعرفيا ، شعوبا تعيش يومها دون غدها ، شعوبا تستهلك ما يلقي إليها من منتجات ربما هي لا تحتاجها ، بينما تحجب عنها منتجات هي في أمس الحاجة إليها لتباشر بنفسها إنتاج ما تحتاجه لتنمي به اقتصادها ومجتمعها المدني .
قد يقول قائل : وما حاجتنا إلي مسرحية سياسية كمسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) مثلا؟! فأقول هل خلت أوطاننا من نفر يداهنون الأعداء المحتلين لبلادنا ؟! نظرة واحدة إلي العراق ، وإلي فلسطين المحتلة ، هناك نفر أفرادا معدودين لهم طموحات ( المملوك العبد جابر) العبودية تسكنهم ، هم عبيد طموحات زائفة ، قد تكون المال ، وقد تكون طلب الحماية أو النفوذ ، يتعاون بعضهم مع المستعمر القاتل لأوطانهم ولإخوانهم وربما لأبنائهم وزوجاتهم أيضا . ومسرحية تعيد عرض حكاية طموح مملوك عبد نحو التحرر ، متوهما أنه بخدمة سيده المستعمر لبلده سوف تمنحه هو نفسه حريته ، وكأن حريته منفصلة عن حرية وطنه ؛ لا شك أن عرض مثل تلك المسرحية فيه حض لغيره ممن لهم طموحات كطموحات ذالك المخدوع المتوهم بالابتعاد عن ذلك الطريق الوعر الذي هو طريق (الروحة بلا رجعة ) أو ما حاجتنا إلي مسرحية كمسرحية ( مسافر ليل ) فأقول : هل خلت أوطاننا من شمولية القرار وفردية الحاكم ، هل خلت من الطغيان ، هل خلت من أشكال القهر والتعسف في فرض قوانين فيها من التزيد ما فيها ردعا للغالبية لصالح الأقلية القليلة ، أو لصالح التدخلات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة ؟!
التباس الكتابة المسرحية بين السياسة والتسييس
د. أبو الحسن سلام
يخلط الكثير من كتاب المسرح ونقاده بين المسرح السياسي و مسرح التسييس وهو ما أدي إلي وقوع الكثير من الباحثين المسرحيين في ذلك الخلط نفسه . وتلك قضية لها ما بعدها. أما القضية الثانية فهي تتعلق بمدي حاجتنا إلي هذا اللون من العروض المسرحية بعد أن توقفنا عند استهلاك المعرفة ومنجزاتها التكنولوجية بعد أن حاولنا في فترة زاهرة من تاريخنا القديم والحديث نسعي جاهدين وراء إنتاج المعرفة وتحصيل بعض ثمارها .
فيما يتعلق بالقضية الأولي فقد وجدنا (سعد الله ونوس) يفرق بين المسرح السياسي ومسرح التسييس في مقدمة مسرحيته المنشورة ( مغامرة رأس المملوك جابر) حيث يتمثل عنده المسرح السياسي في عروض مسرحية ( تستهدف التواصل مع الجمهور ومحاورته) وهي محاورة قائمة حتما علي التفاعل المتبادل بين العرض وجمهوره ، لتحقيق تغيير ما لصالح الغالبية في مواقف سياسية في المقام الأول واجتماعية في اتجاه التقدم . فهو مسرح سياسي تثويري إذن!! ففيه الكثير من الحض علي اتخاذ مواقف معارضة ومضادة لسياسات بعينها قام بها نظام الحكم وطنيا كان أم غير وطني ، ويري الكاتب المسرحي – نيابة عن الغالبية التي يمثلها أو ينحاز إليها انحيازا سياسيا - أنها سياسات مضادة لمصالح الوطن ولمصالح الغالبية العظمي المطحونة في بلد ما تحكمه الفاشية أو الاستعمار أو الأنظمة المتخلفة والعسكرتارية الطابع أوالأنظمة الشمولية.
ومن أمثلة هذا المسرح عند كتابنا ( مغامرة رأس المملوك جابر – الملك هو الملك – الفيل يا ملك الزمان – حفلة سمر من أجل 5 حزيران ) لسعد الله ونوس ، ( محاكمة الرجل الذي لم يحارب ) لممدوح عدوان ، ( النار والزيتون – ألحان علي أوتار عربية) لألفريد فرج ، ( ليلة مقتل جيفارا العظيم – ثورة الزنج ) للشاعر الفلسطيني معين بسيسو ، ( السبع سواقي – المسامير ) لسعد الدين وهبه ، ( مسافر ليل) لصلاح عبد الصبور، ( الحمار يفكر – الحمار يؤلف ) لتوفيق الحكيم ، ( دستور ياأسيادنا) لمحمود الطوخي ، فضلا عن عروض مسرح المقهي لسلسلة مسرحيات ( إني أعترض) . وهذا المسرح يتواصل مع الأحداث الآنية المعاصرة التي تتماس مع ظاهرة تاريخية تتكرر عبر العصور حيث الاشتباك بين شعب مقهور وأنظمة حكم قهرية.
علي أن المحاورة بين هذا اللون من المسرحيات وجمهوره ، لا يتحقق من خلال النص وحده ، وإنما يتحقق من خلال العرض المسرحي ، لأن فعالية أثرها الدرامي تتحقق بالتفاعل الجماعي الحاضر المحتشد لمشروع قومي أو نهضوي ، حيث المشاركة الايجابية المدركة في حالة الحضور التحاوري بين ثقافتين : ثقافة العرض ، محمولا علي مغزاه السياسي متفاعلة مع ثقافة الجمهور الحاضر نفسه . فكأن العرض حوارية فكر متفتح ومتبادل عبرفرجة واعية تدعم عملية التواصل بين ثقافة العرض وثقافة التلقي الآني . وهو أمر مغاير لمسرح التسييس.
أما مسرح التسييس – عند ونوس – فيتمثل في عروض مسرحية تعكس علي جمهورها ظواهر الواقع ومشكلاته . وهو مسرح تنويري ، يميل إلي التعليمية . ومن أمثلته ( جواز علي ورقة طلاق – علي جناح التبريزي وتابعه قفه – حلاق بغداد – الزير سالم – سليمان الحلبي ) لألفريد فرج ، ( مأساة الحلاج – الأميرة تنتظر – ليلي والمجنون – بعد أن يموت الملك ) لصلاح عبد الصبور ، ( الفتي مهران – عرابي زعيم الفلاحين – النسر الأحمر- وطني عكا) لعبد الرحمن الشرقاوي ، ( أنت اللي قتلت الوحش ) لعلي سالم ، ( السلطان الحائر – شمس النهار – الأيدي الناعمة – بنك القلق – مجلس العدل) لتوفيق الحكيم ، ( الفرافير – جمهورية فرحات – ملك القطن ) ليوسف إدريس ، ( ياسين وبهية – آه ياليل ياقمر – قولوا لعين الشمس – منين أجيب ناس ) لنجيب سرور ، ( أرض لا تنبت الزهور- باب الفتوح ) لمحمود دياب ، ( ديوان البقر – المليم بجنيه ) للسلاموني ، ( اليهودي التائه) ليسري الجندي .
وهذا اللون من المسرحيات يقف عند إرسال ومضات سياسية متقطعة يرسلها إلي العقل المتلقي أو يكتفي بأن يبعث بومضة واحدة علي هيئة فكرة تتمحور حولها بعض الأفكار الفرعية بهدف توكيدها ، بحيث تصل تلك الومضة أو الومضات المتقطعة إلي وعي الجمهور ، لتعكس علي صفحة وعيه صورا جزئية لمشكلات ومظاهر سياسية ذات تأثير علي الوجهة المستقبلية التنموية ذات الصبغة الوطنية القومية التقدمية . وهذا قريب من المسرح الملحمي بأهدافه التنويرية والتعليمية .
أما المسرح السياسي فيتماس أويقترب من عروض المسرح التسجيلي الذي يهتم بإعادة عرض الظواهر التاريخية للاستغلال ووسائله في نهب ثروات الشعوب وعرض مظاهر ثورتها علي صور القهر العنصري والاستعماري وقهر الأنظمة الفاشية للشعوب ، عرضا قائما علي عناصر مباشرة مدعمة بالمعلومات والوثائق والأرقام ، بهدف التحريض الجماهيري لمواجهة ناجزة لمظاهر ذلك القهر .
والسؤال الذي يلح علي الآن عند الوقوف علي القضية الثانية من هذا المقال : هل هناك ضرورة للمسرح السياسي في هذا العصر ، بعد أن سيطرت الرأسمالية المتوحشة علي مقادير الشعوب ومصائرها ؟! وهل بقيت هناك مساحة لعروض التسييس المسرحية ؟!
ربما رأي غيري عدم صلاحية مثل تلك العروض لعصر المعلوماتية وإنتاج المعرفة ، بخاصة ونحن بلاد لا ننتج معرفة ولا معلومات ؛ وإنما نكتفي باستهلاك ما تنتجه شعوب غيرنا ليس في تكنولوجيا المعرفة فحسب بل ما تنتجه من غذاء ومن أزياء ومكملات تغرق أسواقنا المتخلفة . مكتفين بما أعلنه و نشره أحد كبار الأئمة ببن جماهيرنا العريضة التي تحولت إلي أذن واحدة كبيرة ، فلقد طرح ذلك الداعية فكرة مؤداها ( أن الله قد سخر لنا الغرب لينتج أحدث الأجهزة لكي نستخدمها)
وكأن الرجل يحث شعوبنا علي التقاعس ، ربما تأثرا بالمذهب القديم الداعي إلي ( إسقاط التدبير) فالله قد سخر لنا الغرب !! وكأن الغرب يعطينا أحدث وأكفأ ما ينتج من تكنولوجيا ، أو يعطينا إيّاها بدون شروط مجحفة .. أهمها التخلي عن طموحاتنا وعن هويتنا وعن عوامل توحد كلمتنا بإزاء ما يجريه الصهاينة وداعموهم من دماء علي أراضينا في فلسطين وفي العراق ، فضلا عن تحقيق إرادة الغرب بصمتنا عن كل ما يخطط له الرأسمالية المتوحشة لرفعة شأن ربيبتها المصطنعة علي تراب وطن عربي هو فلسطين .
ربما لكل ما تقدم أري ضرورة ملحة لعروض المسرح السياسي ، لأننا شعوبا في حالة مواجهة مع التخلف ، مواجهة مع إرادة أجنبية تفرض علينا قيودا سياسية وقيودا اقتصادية لتبقينا خلف خط الفقر اقتصاديا ومعرفيا ، شعوبا تعيش يومها دون غدها ، شعوبا تستهلك ما يلقي إليها من منتجات ربما هي لا تحتاجها ، بينما تحجب عنها منتجات هي في أمس الحاجة إليها لتباشر بنفسها إنتاج ما تحتاجه لتنمي به اقتصادها ومجتمعها المدني .
قد يقول قائل : وما حاجتنا إلي مسرحية سياسية كمسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) مثلا؟! فأقول هل خلت أوطاننا من نفر يداهنون الأعداء المحتلين لبلادنا ؟! نظرة واحدة إلي العراق ، وإلي فلسطين المحتلة ، هناك نفر أفرادا معدودين لهم طموحات ( المملوك العبد جابر) العبودية تسكنهم ، هم عبيد طموحات زائفة ، قد تكون المال ، وقد تكون طلب الحماية أو النفوذ ، يتعاون بعضهم مع المستعمر القاتل لأوطانهم ولإخوانهم وربما لأبنائهم وزوجاتهم أيضا . ومسرحية تعيد عرض حكاية طموح مملوك عبد نحو التحرر ، متوهما أنه بخدمة سيده المستعمر لبلده سوف تمنحه هو نفسه حريته ، وكأن حريته منفصلة عن حرية وطنه ؛ لا شك أن عرض مثل تلك المسرحية فيه حض لغيره ممن لهم طموحات كطموحات ذالك المخدوع المتوهم بالابتعاد عن ذلك الطريق الوعر الذي هو طريق (الروحة بلا رجعة ) أو ما حاجتنا إلي مسرحية كمسرحية ( مسافر ليل ) فأقول : هل خلت أوطاننا من شمولية القرار وفردية الحاكم ، هل خلت من الطغيان ، هل خلت من أشكال القهر والتعسف في فرض قوانين فيها من التزيد ما فيها ردعا للغالبية لصالح الأقلية القليلة ، أو لصالح التدخلات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة ؟!
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)