المبدعون وآفة سوء التقدير
- نقد العرض ونقد النقد وتوابعه-
د. أبو الحسن سلام
" من تعطّر يعرض نفسه" أصاب الشاعر المسرحي الفرنسي (بول فاليرى) كبد الحقيقة بمقولته تلك ؛ فإبداع المبدع ( الكاتب أو المخرج أو الممثل أو المصمم أو الموسيقي أو الراقص أو السينمائي) هو عطره . وعلى قدر نفاذ رائحة عطره يلفت إليه المحيطين بدائرة وجوده؛ ومن ثمّ يجذب أريج إبداعه من يجذب وينفر منه من ينفر، كل على قدر حاسته في التلقي الوجداني أو الإدراكى ، باستثناء الناقد الذي يتلقى أريج العمل الإبداعي على مرحلتين يطرب في الأولى مجبذا أو نابذا وتأتي في الثانس\ية نقدية لا تقديس فيها ولا تنفيث. وليس معنى ذلك أن النقد بعيد عن التفضيل والتفصيل والن\تحميل . لكنه بعيد بالضرورة كل البعد عن التحامل. . فالناقد لا يقترب من عمل لا يستهويه ، لكنه استهواء وليس هوى ؛ بمعنى أنه ميل لا انحياز فيه ؛ فالقاضي لا ينحا\ز لقضية مما بين يديه على حساب قضايا أخرى. ولكنه قد يبدأ بملف قضية يكون آخر مصفوفة الملفات التي أمامه دون أن يعني ذلك أنه سيفصل فيها بما ليس فيها ؛ بل ربما يكون اختياره البدء بذلك الملف راجع إلى صغر حجم الملف نفسه. والناقد عندما يقع اختياره على عرض مسرحي من بين عشرين عرضا تابعها في موسم ما أو فعالية ما ؛ فإن ذلك لا يعني أن يكون له حكم سلبي غيبي على العرض أو على بقية العروض التي شاهدها؛ وإنما كان توجهه نحو عرض بعينه نوعا من التفضيل والتقدير أو نوعا من الاهتمام بذلك العرض محمولا على أسباب منها ما قد يكون اختلاف منظور العرض في نص ذي حيثية كنص ألفريد فرج عنه في عرض آخر برؤية أخرى تناولت النص نفسه من قبل ؛ دون تسرع أحدهم بفهم أن في مثل ذلك التناول النقدي المقارن تفضيلا لأحدهما على الآخر. ودون أن يعني الناقد بالنص ، لأن النص عندما يصبح أحد مكونات نسجية العرض ؛ فإن الحكم النقدي يحيط بمنظومة العرض وأثرها الدرامي والجمالي ، دون النظر إلى مكونات العرض منفردة . فكوب الليمونادة مزيج من ( ماء- عصير ليمون – سكر في إناء) اتخذ لونا آخر واتخذت المواد الصلبة هيئة أخرى ، وأصبح لذلك المزيج طعما له خصوصيته ومذاقه وأصبح له لونا آخر مغاير تمام المغايرة للون كل مكون من مكونات ذلك الخليط السائل. وهو غير قابل للعودة على النحو الأول لمادة كل مكون من مكوناته .. وهكذا العمل المسرحي أو السينمائي أو التشكيلى أو الموسيقي . والناقد كالباحث وكلاهما قاض ينظر فيما بين يديه؛ فيوصّفه ويقيّمه قبل أن يقوّمه. فإذا أخذ عليه كائنا من كان مؤاخذة تطعن على حكمه عدم رجوع نقده إلى نص المؤلف الذي قامت عليه عملية إنتاج العرض المسرحي؛ فهو مأخذ قد وقع في غير محل ؛ لأن الناقد(واجد واصف فمقوّم) والعرض المسرحي نسجية درامية جمالية كلية؛ لها عنوان مصطلح عليه هو العرض المسرحي. والناقد معني بنقدد\ه تحت تلك الهوية التي ليست بالضرورة جزءا من هوية النص، بل على العكس فإن النص معروضا هو جزء من العرض باعتباره إبداعا غير مكتمل ، حتى وإن كان بمثابة الجسد من العرض؛ فإنه يظل جسدا بلا روح إذا لم يعرض عرضا تتوحد كل عناصره وتنصاع لنداء روح الأداء الحي . ومن بين الأرواح ما كان روحا باهتة أو روحا باردة أو روحا فجة. وما روح الإبداع إلاّ من نفح المبدع نفسه؛ فإذا كان لروحه نفح طيب جاء فوح إنتاجه طيبا زكيا، وإن لم يكن كذلك (فما تنفع الماشطة)!!
على أن فصل القول في جهد الناقد أو جهد المبدع . وهي كذل في جهد مدرس أو عامل في أي نشاط نوعي ماثل في إخلاصه وفي إتقانه وفي خياله مع قدرته على التخييل بعناصر عرضه، فضلا عن تجديده الدائم لمعلوماته ومعارفه ورفد جهده بالعلم سعيا وراءه – كما أمرنا حتى حدود الصين أو من المهد إلى اللحد- دون أن يقتصر سعيه على علم حفظته الإسكندرية قبل غيرها منذ عهد ( بطلميوس سوتير) منشئ مكتبتها التي حفظت للعالم كله فن المسرح عندما استعار أعمال كبار المسرحيين الأغارقة ليستنسخها في مقابل ستة تالنت ذهبية بالعملة اليونانية القديمة وهي مبلغ ضخم –آنذاك- واكتفي برد ما نسخه منها محتفظا بأصل نصوصهم المسرحية . كذلك لا يجب أن يقتصر فنان المسرح على علم الإسكندرية التي شهدت أول عرض مسرحي في مصر على مسرحها الكبير 1870 بتوجيه من الخديو إسماعيل هو عرض ( مي) المأخوذة عن مسرحية الشاعر المسرحي الكلاسيكي كورني ، بتعريب وإخراج (سليم النقاش- ابن شقيق مارون النقاش – رائد المسرح العربي) التي قدمت على مسرح زيزينيا الشتوى – مكان النادي السوري بمحطة الرمل –الآن-) بدعم (سير جون أنطونيادس- صاحب حدائق أنطونيادس بالنزهة) . كما لا يجب أن يقتصر مخرج مسرحي حديث أو في طور الهواية على علم الإسكندرية مما حفظ علماؤها ومؤرخو الفن العالميين من أدوارها في التأسيس الإبداعي لصناعة السينما وفنونها على يد محمد بيومي أو دورها في التأسيس الإعلامي حيث نشأت الصحافة وصناعتها في الإسكندرية على أيدي الشوام،ولا يفوتهم الإلمام بدور ها المسرحية القديمة التي ذكر المؤرخون أنه قد كان بها 300 ملهى ودار عرض مسرحي حتى يوم دخلها الغزو العربي ، قبل أن تحرق من حرق مكتبتها العامرة ومتحفها ويتسبب في انتقال دورها الريادي وعلومها إلى حوران بالشام ثم إلى جنديسابور ببلاد فارس.
إن الفنان بلا دعم علمي دائم وتغذية راجعة متجددة لثقافته ولفنه سيصبح كالدودة التي تأكل براعم أوراق شجرة معارفها أولا بأول ، حتى لا يتبقى لها إلا الجذع العاري الضامر. وإنه لأمر طبيعي وصحي أن يؤدي النقد إلى نوع من الألم للمبدع الذي يوجه النقد إلى جهده(إيجابا وسلبا) فلا جهد يخلو من إيجابيات وسلبيات في آن . ولا علم ولا تجويد لعمل حقيقي إبداعي أو غير إبداعي بدون معاناة قد تصل بصاحبه إلى حدود الألم . وقديما قال سوفوكليس :( تألم .. تعلّم) وحديثا قال يوجين أونيل رائد المسرح الأمريكي: ( الألم أسرع دابة توصلك إلى الكمال) والألم – في علم من يعلم- هو أهم فلسفة في الثقافة الهندية، وفي ثقافة المتصوفة الإسلاميين) . وإذا كنت قد تسببت بنقدي لأحد العروض المسرحية التي شهدتها ، بعد انتهاء التحكيم فيها ، من منطلق كوني ناقدا لا محكما ، إن كنت قد آلمت بنقدي مخرجها وفنانيها ف كان ذلك نوعا من التقدير أو التفضيل للجهد المبذول بغض النظر عن نتيجة . والتفضيل ليس معناه استحسانا له أو استهجانا وإنما التفضيل واقع على الجهد وعلى الاختيار، على أساس أنهما مناط عمل المبدع ومجموعة العاملين معه. أما مناط عمل الناقد فقائم على دور المخرج في تفعيل مفردات إنتاجه المسرحي في اتجاه تحقيق تصوره – إن كان يملك تصورا ما موازيا أو مغايرا لخطاب النص الذي وقع عليه اختياره – بوصفه صاحب الاختيار الأول للنص ولطاقم الممثلين والمصممين والفنيين ومكان العرض وتوقيته. وما الناقد إلاّ محللا أو مفككا لكيفية نظم المخرج لمفردات ذلك الإنتاج في شكل مسرحي ممتع ومقنع وصولا إلى قيمة تعبيره عن رؤية ما قد تتوحد مع خطاب النص الذي يخرجه فتبدو فقيرة الأثر والتأثير ، محدودة الخيال، وقد تتعارض معه تعارضا جزئيا عند إضافة مفردات العرض في ظل رؤية مفسرة تعمق خطابه وتكشف عن سر الإبداع فيه ، وعن سر التشويه في آن واحد . والناقد لا يحل نفسه بحال محل المبدع ، ولكنه يعطي القارئ أسبابا مقنعة لاستمتاعه بما يعرض عليه . وهو في مسيرة عمله قد ينحت تعريفات جديدة ،كأن يقول (خرجة مسرحية) بدلا من ( تخريج) أو (إخراج) والخرجة كما يعلم من يعلم هي مناط فن شاعر الموشحات الأندلسية وبدون موهبته في وضع خرجة ملائمة لموشحه لا يحسب من شعراء الموشحات. فهي إذن مقدرة فائقة على حسن التخلص ودليل على تفوقه. وخرجة المخرج في عرض مسرحي تعني هوية فنه الذي ينفرد به دون غيره ، فإذا استملحت في نقدي تخريجات مبدع ما مؤلفا أو مخرجا أو ممثلا أو مصمما .... فلما يستهجن من يستهجن تخريجة ناقد والنقد هو أبو التخريجات وأبو البدع التي تؤدي إلى جنة التفنين والتقنين الإبداع لا إلى نار التلقين والتكرار .فالنقد مفتاح باب الإبداع والناقد معلم بالضرورة وهو معلم غير محبوب بالضرورة أيضا. ومع ذلك لا يكف عن التعليم وعن التعلم معدلا لسلوكه النقدي ومعدلا لسلوك الإبداع والمبدعين، سواء حصّل علمه عن طريق الإسكندرية أو حصله عن طريق الفيوم فطرائق العلم بلا حدود والعلم نفسه لا وطن له. ورحم الله بيرم التونسي الذي قال: ( رسالة الناقد امتداد لرسالة الأنبياء) .
الاثنين، يناير 25، 2010
المجتمع العربي والجوع إلى الحوار
المجتمع العربي والجوع إلى الحوار
- المسرح وفنون التسلط –
د.أبو الحسن سلام
عالج كتابنا المسرحيين فكرة التسلط في العديد من نصوصهم ، كما عالجها الكثير من كتاب المسرح العالمي؛ وتنوعت صوره فيما بين تسلط فرد صاحب نفوذ على فرد ضعيف أو لا حول له ولا قوة ، وتسلط فرد قوي صاحب زعامة في قومه أو في قبيلته على القبيلة كلها ، وتسلطت جماعة إيديولوجية قوية التنظيم والاستعداد لمواجهات عنيفة على جماعة أقل تنظيما وأضعف اعتقادا أو توحد فكري ، وتسلط نظام حكم دكتاتوري مستبد على شعب بأكمله . الصور كثيرة ومتعددة ، حتى إننا نرى اليوم كيف تتسلط دولة قوية ، تملك العتاد والمال والقدرة المتجددة على امتلاك المعرفة والتحكم في تكنولوجيا المعلومات على مستوى الكرة الأرضية كلها. ويرجع ذلك كله إلى ما سبق قوله عن (الجوع إلى الحوار) في محاضرة لي عن دور الفكرة في كتابة النص المسرحي السياسي مستشهدا بما كتبه ( سعد الله ونوس) في كلمته التي نشرت على مستوى دول العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في عام 1996 ، بتكليف من المعهد العالمي للمسرح بمنظمة اليونسكو ( المنظمة العالمية للثقافة) حيث يقول:" لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات ، التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوي رمزي ، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) حوار متعدد ، مركب ، وشامل ، حوار بين الأفراد ، وحوار بين الجماعات . ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.
وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته، فإنني أتخيّل دائما أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ، ثم يتموّج متّسعا ومتناميا ، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوّع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح ، ورغم كل الثورات التكنولوجية ، سيظل ذلك المكان النموذجي ، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا. وميزة المسرح التي تجعله مكانا لا يضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته ، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة."
يخلص من يقرأ كلمة (سعد الله ونوس) إلى أن افتقاد الناس إلى لغة تحقق التواصل بين الأفراد والجماعات بعضها بعضا ، فضلا عن الدول فيما بينها، لغة اتصال وتواصل يبني أو يفكر في مسارات البناء وأهدافه الإيجابية فيما هو خير للبشرية ، تواصل ينتهي بقبول الإنسان للآخر في المجتمع الواحد ، وفيما بين مجتمع ومجتمع آخر أجنبي عنه كما يخلص قارئ كلمة ونوّس إلى افتقاد الناس في عالمتا المعيش إلى لغة مشتركة ، تحول دون تحكّم فرد في فرد أو فرد في جماعة أو في مجتمع ، وتحول دون تحكم دولة قوية في دول ضعيفة. لغة لا انحياز فيها لفكر دون فكر آخر مغاير له سعيا وراء نفيه ، أو سعيا وراء مصلحة أو منفعة خاصة ضد منفعة عامة. لغة حوار أي تكافؤ في التعبير عن وجهتي نظر متعارضتين ، دون أن تسفّه إحداهما الأخرى. أو تنفيها من الوجود ، لمجرد اختلافهما . من هذا المنظور رأى (سعد الله ونوس) أهمية الحوار؛ ومن ثّم عني في نصوصه المسرحية بقضية التسلط ، لينبه إلى أن افتقاد الحوار في مجتمعنا العربي ؛ هو أس البلاء، وسبب الأسباب في تردّي أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وسبب تشّوه صورة العرب بين أمم الأرض. وقد يستطيع متأمل ، محلل لنص من نصوصه ملاحظة انعكاسات تلك الصورة ، ليعزوها في النهاية إلى دقة ما توصل إليه ونوس نفسه في كلمته تلك التي صّدر بها رسالته التي وجهها لمسرحيي العالم في ليل احتفالهم باليوم العالمي للمسرح.
الحوار .. الحوار .. ثم الحوار ، هو ما تفتقده المجتمعات الإنسانية أفرادا وجماعات ودول.
هكذا يرى ( سعدالله ونوس) أهمية المسرح ، إعادة الذات الفردية إلى حضن الجماعة ، عن طريق الحوار الذي تنفتح فيه الذات الفردية لكل منا على غيرها ، تتقارب النفوس وتتقارب ، تتعانق المشاعر ، تتكشف الأفكار ، وما في الرؤوس أمام أصحابها ليتأمل كل منّا ما يدور بداخل نفسه ، فلئن كان إيجابيا ينشد الانتماء؛ استحسنه ، ولئن كان سلبيا ونافرا عن الانتماء إلى الجماعة الإنسانية نفض عن وجدانه وعن فكره ما يشوّه تلك الرابطة البشرية التي هي أساس التئام الجماعة واستقرار حياتها وسعادتها. لذلك عالج سعد الله ونوس فكرة التسلط في مسرحه على نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( اغتصاب) وعلى نحو ما رسمت في مسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) وعلى نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( الفيل ياملك الزمان) ومسرحية ( الملك هو الملك).
• ( الملك هو الملك) نموذجا لافتقاد لغة حوار مشترك:
لا يدل المشهد الافتتاحي الذي أسس عليه سعد الله ونوس البناء الدرامي لنص ( الملك هو الملك) ، لا يدل على وجود لغة مشتركة حقيقية تقارب ، ولا نقول توحد بين الأطراف المتشاركة في اللعبة الإيهامية التي يحتشدون جميعهم من أجل تفعيلها ؛ بخاصة إذا كانت لعبة محترفين في السيرك. ( مكان الحدث) ومن جهة أخرى إذا كان السيرك هنا – وفق د. أبو الحسن – معادل رمزي للدنيا ، أو على سبيل الترميز معتركا للواقع السياسي العربي ، حيث اللاعبون هم السياسيون أنفسه الذين يتبادلون أدوار اللعب بمصائر شعوبهم ، الذين هم - افتراضا - جمهور المتفرجين على العرض نفسه.أو باعتبار السيرك معادلا للحياة واللاعبين هم البشر بنوازعهم في التنافس والتحفز تسلطا واستحواذا وتراجعا ، هذا فضلا عن استعراض مهارات بعضهم أمام بعض تفاخرا أو تحديا، أو تخويفا وتهديدا ، بما يعكس رغبة كل منهم في الكشف عن تفوقه في تحقيق ما يجيد إعلاء للذات . على ان تلك الرغبة في تفوق الذات عند كل لاعب في سيرك الحياة أو في سيرك المعترك السياسي ، لا تنفي ضرورة تضافر جهودهم الجماعية في إتمام لعبة مشتركة ؛ لا تتم بدون تضافر كل اللاعبين وتناغم أدوارهم في وحدة عرض جماعي. ولا يخفى على متأمل نقدي أن يلمح إلى أن ونوس نفسه ، ربما كان يريد أن يشير إشارة إطارية رمزية إلى أن أصول اللعب في السيرك ، من حيث كونها تقوم على تعاون اللاعبين وإخلاصهم ، هو الذي يصون عليهم أرواحهم ، حيث يتشاركون في لعبة واحدة خطرة ، وإن هذا التعاون بين المشاركين في اللعب هو الذي ينجز اللعبة ويتقنها لتظهر على أكمل وأجمل وجه من وجوه الإجادة والإبهار إمتاعا وإقناعا للمشاركين أنفسهم قبل جمهور المتفرجين . وكأن بسعد الله ونوس – كما يرى د. أبو الحسن – يوعز إيحاء لرجال السياسة و اللاعبين في حقل من حقولها- بأسلوب التورية الجمالية – حتى يتعلموا من ذلك التكاتف والتعاون في إنجاز مهماتهم السياسية ، وأن ينتفعوا من هذه الروح الجماعية التي يتمتع بها لاعبو السيرك . هذا من حيث المسكوت عنه من مضمون ذلك النص ، كدلالة استبق بها المؤلف كلمة نهائية التي يختم بها خطاب نصه المسرحي هذا ، في لغة فرجة مسرحية مكثفة.
* روعة المشهد الاستهلالي بين النص والتصور الدراماتورجي:
إن روعة المشهد الاستهلالي لهذا النص تكمن في تعدد دلالات تلقيها، حيث تحتمل أن تكون معادلة رمزية للحياة الدنيا بعامة ، وأن تكون معادلا رمزيا للممارسات السياسية بما فيها من ألاعيب السياسيين . وتحتمل كذلك أن تكون لونا من ألوان الإسقاط الرمزي على الواقع السياسي العربي الراهن ؛ باعتبارها مفتتحا تعليميا يوعز لرجال السياسة بكيفية اللعب في الحقل السياسي ، من حيث وجوب قيامه على جماعية الممارسة ، وروح الإخلاص للشركاء في الملعب السياسي ، حتى لا يخسر الجميع النتيجة في النهاية، ومن ثمّ فهي إيعاز لهم بالتعاون فيما بينهم والاستمتاع النظيف باللعب ، حتى يكون أداؤهم السياسي الممتع مدعاة لإمتاع شعوبهم الذين يترقبون ما يسفر عنه لعبهم السياسي ؛ أملا في أن يحقق لهم ولشعوبهم الفوز الذي ينعكس علي مسيرة البلاد . لا شك أن كل تلك التصورات تشكل مجالات متعددة ، مفترضة ، هي نتيجة لإعمال المخرج النابه ذي الحس الدراماتورجي ، إن لم يعتمد على دراماتوجي محترف ، يعيد له صياغة تصور إخراجي مفسر أو مؤول يذهب في طريق تفكيك خطاب النص الذي بين يديه وتفكيك أنساقه كشفا للتناقضات التي تستوطن الصورة المسرحية فيما يعرف بالمسكوت عنه.
- المسرح وفنون التسلط –
د.أبو الحسن سلام
عالج كتابنا المسرحيين فكرة التسلط في العديد من نصوصهم ، كما عالجها الكثير من كتاب المسرح العالمي؛ وتنوعت صوره فيما بين تسلط فرد صاحب نفوذ على فرد ضعيف أو لا حول له ولا قوة ، وتسلط فرد قوي صاحب زعامة في قومه أو في قبيلته على القبيلة كلها ، وتسلطت جماعة إيديولوجية قوية التنظيم والاستعداد لمواجهات عنيفة على جماعة أقل تنظيما وأضعف اعتقادا أو توحد فكري ، وتسلط نظام حكم دكتاتوري مستبد على شعب بأكمله . الصور كثيرة ومتعددة ، حتى إننا نرى اليوم كيف تتسلط دولة قوية ، تملك العتاد والمال والقدرة المتجددة على امتلاك المعرفة والتحكم في تكنولوجيا المعلومات على مستوى الكرة الأرضية كلها. ويرجع ذلك كله إلى ما سبق قوله عن (الجوع إلى الحوار) في محاضرة لي عن دور الفكرة في كتابة النص المسرحي السياسي مستشهدا بما كتبه ( سعد الله ونوس) في كلمته التي نشرت على مستوى دول العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في عام 1996 ، بتكليف من المعهد العالمي للمسرح بمنظمة اليونسكو ( المنظمة العالمية للثقافة) حيث يقول:" لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات ، التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوي رمزي ، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) حوار متعدد ، مركب ، وشامل ، حوار بين الأفراد ، وحوار بين الجماعات . ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.
وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته، فإنني أتخيّل دائما أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ، ثم يتموّج متّسعا ومتناميا ، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوّع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح ، ورغم كل الثورات التكنولوجية ، سيظل ذلك المكان النموذجي ، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا. وميزة المسرح التي تجعله مكانا لا يضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته ، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة."
يخلص من يقرأ كلمة (سعد الله ونوس) إلى أن افتقاد الناس إلى لغة تحقق التواصل بين الأفراد والجماعات بعضها بعضا ، فضلا عن الدول فيما بينها، لغة اتصال وتواصل يبني أو يفكر في مسارات البناء وأهدافه الإيجابية فيما هو خير للبشرية ، تواصل ينتهي بقبول الإنسان للآخر في المجتمع الواحد ، وفيما بين مجتمع ومجتمع آخر أجنبي عنه كما يخلص قارئ كلمة ونوّس إلى افتقاد الناس في عالمتا المعيش إلى لغة مشتركة ، تحول دون تحكّم فرد في فرد أو فرد في جماعة أو في مجتمع ، وتحول دون تحكم دولة قوية في دول ضعيفة. لغة لا انحياز فيها لفكر دون فكر آخر مغاير له سعيا وراء نفيه ، أو سعيا وراء مصلحة أو منفعة خاصة ضد منفعة عامة. لغة حوار أي تكافؤ في التعبير عن وجهتي نظر متعارضتين ، دون أن تسفّه إحداهما الأخرى. أو تنفيها من الوجود ، لمجرد اختلافهما . من هذا المنظور رأى (سعد الله ونوس) أهمية الحوار؛ ومن ثّم عني في نصوصه المسرحية بقضية التسلط ، لينبه إلى أن افتقاد الحوار في مجتمعنا العربي ؛ هو أس البلاء، وسبب الأسباب في تردّي أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وسبب تشّوه صورة العرب بين أمم الأرض. وقد يستطيع متأمل ، محلل لنص من نصوصه ملاحظة انعكاسات تلك الصورة ، ليعزوها في النهاية إلى دقة ما توصل إليه ونوس نفسه في كلمته تلك التي صّدر بها رسالته التي وجهها لمسرحيي العالم في ليل احتفالهم باليوم العالمي للمسرح.
الحوار .. الحوار .. ثم الحوار ، هو ما تفتقده المجتمعات الإنسانية أفرادا وجماعات ودول.
هكذا يرى ( سعدالله ونوس) أهمية المسرح ، إعادة الذات الفردية إلى حضن الجماعة ، عن طريق الحوار الذي تنفتح فيه الذات الفردية لكل منا على غيرها ، تتقارب النفوس وتتقارب ، تتعانق المشاعر ، تتكشف الأفكار ، وما في الرؤوس أمام أصحابها ليتأمل كل منّا ما يدور بداخل نفسه ، فلئن كان إيجابيا ينشد الانتماء؛ استحسنه ، ولئن كان سلبيا ونافرا عن الانتماء إلى الجماعة الإنسانية نفض عن وجدانه وعن فكره ما يشوّه تلك الرابطة البشرية التي هي أساس التئام الجماعة واستقرار حياتها وسعادتها. لذلك عالج سعد الله ونوس فكرة التسلط في مسرحه على نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( اغتصاب) وعلى نحو ما رسمت في مسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) وعلى نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( الفيل ياملك الزمان) ومسرحية ( الملك هو الملك).
• ( الملك هو الملك) نموذجا لافتقاد لغة حوار مشترك:
لا يدل المشهد الافتتاحي الذي أسس عليه سعد الله ونوس البناء الدرامي لنص ( الملك هو الملك) ، لا يدل على وجود لغة مشتركة حقيقية تقارب ، ولا نقول توحد بين الأطراف المتشاركة في اللعبة الإيهامية التي يحتشدون جميعهم من أجل تفعيلها ؛ بخاصة إذا كانت لعبة محترفين في السيرك. ( مكان الحدث) ومن جهة أخرى إذا كان السيرك هنا – وفق د. أبو الحسن – معادل رمزي للدنيا ، أو على سبيل الترميز معتركا للواقع السياسي العربي ، حيث اللاعبون هم السياسيون أنفسه الذين يتبادلون أدوار اللعب بمصائر شعوبهم ، الذين هم - افتراضا - جمهور المتفرجين على العرض نفسه.أو باعتبار السيرك معادلا للحياة واللاعبين هم البشر بنوازعهم في التنافس والتحفز تسلطا واستحواذا وتراجعا ، هذا فضلا عن استعراض مهارات بعضهم أمام بعض تفاخرا أو تحديا، أو تخويفا وتهديدا ، بما يعكس رغبة كل منهم في الكشف عن تفوقه في تحقيق ما يجيد إعلاء للذات . على ان تلك الرغبة في تفوق الذات عند كل لاعب في سيرك الحياة أو في سيرك المعترك السياسي ، لا تنفي ضرورة تضافر جهودهم الجماعية في إتمام لعبة مشتركة ؛ لا تتم بدون تضافر كل اللاعبين وتناغم أدوارهم في وحدة عرض جماعي. ولا يخفى على متأمل نقدي أن يلمح إلى أن ونوس نفسه ، ربما كان يريد أن يشير إشارة إطارية رمزية إلى أن أصول اللعب في السيرك ، من حيث كونها تقوم على تعاون اللاعبين وإخلاصهم ، هو الذي يصون عليهم أرواحهم ، حيث يتشاركون في لعبة واحدة خطرة ، وإن هذا التعاون بين المشاركين في اللعب هو الذي ينجز اللعبة ويتقنها لتظهر على أكمل وأجمل وجه من وجوه الإجادة والإبهار إمتاعا وإقناعا للمشاركين أنفسهم قبل جمهور المتفرجين . وكأن بسعد الله ونوس – كما يرى د. أبو الحسن – يوعز إيحاء لرجال السياسة و اللاعبين في حقل من حقولها- بأسلوب التورية الجمالية – حتى يتعلموا من ذلك التكاتف والتعاون في إنجاز مهماتهم السياسية ، وأن ينتفعوا من هذه الروح الجماعية التي يتمتع بها لاعبو السيرك . هذا من حيث المسكوت عنه من مضمون ذلك النص ، كدلالة استبق بها المؤلف كلمة نهائية التي يختم بها خطاب نصه المسرحي هذا ، في لغة فرجة مسرحية مكثفة.
* روعة المشهد الاستهلالي بين النص والتصور الدراماتورجي:
إن روعة المشهد الاستهلالي لهذا النص تكمن في تعدد دلالات تلقيها، حيث تحتمل أن تكون معادلة رمزية للحياة الدنيا بعامة ، وأن تكون معادلا رمزيا للممارسات السياسية بما فيها من ألاعيب السياسيين . وتحتمل كذلك أن تكون لونا من ألوان الإسقاط الرمزي على الواقع السياسي العربي الراهن ؛ باعتبارها مفتتحا تعليميا يوعز لرجال السياسة بكيفية اللعب في الحقل السياسي ، من حيث وجوب قيامه على جماعية الممارسة ، وروح الإخلاص للشركاء في الملعب السياسي ، حتى لا يخسر الجميع النتيجة في النهاية، ومن ثمّ فهي إيعاز لهم بالتعاون فيما بينهم والاستمتاع النظيف باللعب ، حتى يكون أداؤهم السياسي الممتع مدعاة لإمتاع شعوبهم الذين يترقبون ما يسفر عنه لعبهم السياسي ؛ أملا في أن يحقق لهم ولشعوبهم الفوز الذي ينعكس علي مسيرة البلاد . لا شك أن كل تلك التصورات تشكل مجالات متعددة ، مفترضة ، هي نتيجة لإعمال المخرج النابه ذي الحس الدراماتورجي ، إن لم يعتمد على دراماتوجي محترف ، يعيد له صياغة تصور إخراجي مفسر أو مؤول يذهب في طريق تفكيك خطاب النص الذي بين يديه وتفكيك أنساقه كشفا للتناقضات التي تستوطن الصورة المسرحية فيما يعرف بالمسكوت عنه.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)