لذة العرض برائحة الثلج
أبو الحسن سلام
(لا تبغي الفهم .. أشعر وأحس)
ما زالت دعوة الحلاج الصوفي تتردد بيننا كلما شاهدنا إبداعاً حقيقياً بلغة لم نتعلمها بعد . ولأن أقرب الناس تعبيراً عن ضمير أمة من الأمم هو شاعرها وأديبها وفنانها الصادق في فنه لذلك فقد كان هو القادر على أن يستشف توجهاتها ويستشعر آلامها ويعكس فرحتها ويتفاعل مع متغيرات ناسها وأحوالها فيصورها بخصائص ثقافة ناسها في تمركزهم في المكان ظناً منهم بأنه مانحهم مكانتهم بين الأمم . ويصورهم في هروبهم أو هروب بعضهم متسرباً من المكان أو متسللاً إلى مكان أو أماكن أخرى خارج الوطن ومشخصاً لدوافعهم ومجسداً لشطحاتهم ولكبواتهم فيما صنعت أيديهم أو فيما جرى عليهم .
ولأن ما جرى على البشرية وما جرّته على نفسها من كوارث أكثر من أن يستوعبه وعاء الأدب والفن ، ولأن الأدب والفن ميل قبل أن يكون حرفة أو أسلوباً يتلبسه الموضوع أو موضوعاً يرتدي شكلاً لائقاً به وحافظاً لمحتواه ؛ لذلك يلتقط الأديب والفنان الحقيقي بحدسه اللحظة الدرامية أو الجمالية في حدث أو واقعة أو فكرة مشتبكة مع غيرها اشتباكاً غير مألوف فينفخ فيها من وجدانه ويوسعها بخياله ويعمقها بفكره وثقافته أو خبرته دون أن يبخل عليها بما يحقق لها خصوصيتها وشخصيتها ويردها حرة إلى فضاء الناس كل الناس من كل الأجناس معجونة بثقافة عصره لتعبر بنفسها عن انتمائها الأصيل للإنسان ولثقافة بيئتها وهي تشير دون إصبع إلى مبدعها .
ومن الكوارث التي لم يستطع الضمير الإنساني الحقيقي نسيانها كانت تلك التي حلت بمدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتان جرّاء توحش النظام الأمريكي البغيض لحدث أو واقعة تاريخية أو اجتماعية والإبداع القائم على الحدس والتخييل هو إبداع كبير ، فالأخير تمتزج فيه منظومة معارف الفنان مع تفاعلاته النفسية التي تنتج عن تعارض أصداء ذاته مع أصداء الكون ، شأنه شأن رائحة الثلج في العرضين الأخيرين لفرقة الرقص المسرحي بدار الأوبرا . وقف وليد عوني وقفتي تأمل : الأولى كانت وقفة للذات البشرية أمام الدمار الذي صنعته بنفسها ، أما الثانية : أمام سفر حياهها التي بدأت بالبرودة وانتهت بها .
ولأن حالة التأمل تطول ، لذا تصبح حالة من حالات التصوف هي أشبه برحلة ميتافيزيقية للإنسانية في مجاهل الكون بصحبة الطبيعة . تسلمه الرياح إلى الثلوج وتسلمه الثلوج إلى أعماق المحيطات لتلفظه المحيطات إلى الغابات . لؤلؤة جميلة لتلقي بنفسها في أحضان الوحش ، تراقصه ويراقها ، يتيه بها ، يتعشقها وسلمها نفسه ، فتقتله ، فالجمال لا أمان له ، فلا حياة للجمال بدون الدفء والوجاهة . هكذا استحوذ الجمال على التوحش أخرجه من جلده .
كانت بمثابة رحلة غوص تحت سطح البحر ويالها من رحلة كائنات غريبة وألوان فردوسية وحركة تعكس أصداء الأعماق في محيط لا أول له ولا آخر وأصداء الكون بين جبال الثلج المشتعلة بالبرودة تدور بنا مع دوران الطنين الكوني الذي يسبح ف فضاء النقاء اللانهائي العريض وغزل الرياح المستدرج للأشجار في دعوة إلى رقصة جماعية ، سريعاً ما تنقلب إلى مباراة في التايكوندو تنهزم فيها الأشجار في الجولة الثانية.
وفي نداء الهواء في مفازة العراء تتحصن النفوس في الخباء لتنهار فتسلمه إلى الخواء وبرغم ذلك تنبض الأحشاء وتنجب الولائد الولدان ويذعن الجميع للرحيل لقد أتى الطوفان فإذا الجميع غارقون فما نجا منهم أحد ، غير الذي قد تفرّد من كل جنس جاء فرد ساروا على درب النجاة كما حروف جملة تعني الحياة سطر من الكلمات تقرأ من يسار ، عبروا المفازة لليمين فما تبقى غير زوج منهما ذكر وأنثى تنتهي منه سريعاً وحيدة في غابة الكون العريض والوحش يلقاها فتدخل حضنه يتعاطيان الوجد تعطيه البرودة ثم تأخذ دفئه تلهو به ما شاء للنفس وتلهو يأنس بها يأمن لها فيغيب وعي الوحش تخلع عنه عباءته ؛ تلقي إلى البرودة فيموت . الوحش قد آمن الجمال على حياته . هل عاقل ذاك الذي آمن الجمال ؟! وهل هناك من الذكاء بمثل ما هو للجمال ؟!
في رحلة السفر البديع إلى ربيع الفن في ثلج وليد مررت فيها بالبرودة حيث دفء الرقص يشتعل الخيال . الضوء يوحي بالبرودة والظلال تحيلنا إلى العدم وطنين موسيقى تؤذن للرحيل الكل يحمل حمله وهو ثقيل والنفس في دورانها تدور حول النفس في وقع بطيء. الكل يلقي حمله؛ يهرولون بالمعاول؛ مع اصطكاكات الحديد بالحديد تتوقف الموسيقى . أصداء كونشرتو ترتفع . تتداخل النقرات تحطيماً بلحن أوبرالي كل المعاول تعزف التحطيم ما بين التعارض في الخطوط . تتعارض الأصوات والألوان والصور ما بين خط صاعد أو هابط تقاطعاً مع نزيف الصوت والألوان والأجساد فزعت طيور الروح من سجن الجسد ، قد ذاب ثلج حياتها فحلقت نحو الخلود أو الجنون.
توحدت ، تفردت فجمّعتنا فانتظرنا على البرودة . تفرد العرض بوجدان المشاهد فكانت لذة العرض صلاة وعبادة بقدس أقداس الفنون غردت المشاعر فربما هتف الجميع بعبارة الحلاج داخل خرقته (لا تبغي الفهم .. أشعر وأحس) .
بين لحظات الجمود ولحظات الحركة تموت اللحظات نفسها
عن رائحة الثلج
وليد عوني
من الصعب جداً أن يطلب من فنان تفسير عمل له " أي عمل فني كان " فقد قال بيكاسو : " إذا أردتم أن أفسر أعمالي فاذهبوا وتعلموا لغة الطيور " وفي اعتقادي دائماً أننا نقدر أن نتعلم لغة الطيور ، فإذا حاولنا أن نكون جزء من هذه اللغة فهذا يعني أننا نقدر على التعبير عن هذه اللغة بشتى الطرق . ومن المستحيل أن يفهم الجميع لغة الطيور ، لأن لغتها غير مفهومة ولكنها جميلة في الأذن.. كما أن لغة الحركة في الرقص الحديث رمزية ولكنها تتبع جمال العين والسمع والفكر .. ولكل واحد منا فلسفته في الحياة . صغيرة كانت أم كبيرة .. ونحن هنا نتحدث عن الرقص الحديث في موضصوع يخص هذا العالم المسرحي الذي نعيش فيه.
حاولت دائماً أن أترجم لغة الطيور في مخيلتي إلى معنى إلى صورة إلى مشهد ، إلى حركة إلى إضاءة . ذلك لكي أتقرب إلى المتلقي الذي يسعى إلى ترجمة فكرية يكتشفها ليذهب بها إلى أبعد الجماليات ، والانفعالات الروحية والحسية ، فهي مختبئة في زوايا عقله. وهذا هو الإدراك الفني أو الحس الفني الذي يهبنا به الله . إنما هي طريقة لاكتشاف خلايا فنية تكون براعم صغيرة ، وتتفتح وتكبر ، ولها رائحة ذكية نتشممها . وليس أجمل من أن ندرك وقتها أن كل خلية تتفتح توصلنا إلى درجة من السعادة الفنية .
هناك العديد من اللغات في أعمال كل شخص فني تتلاقى وتعيد نفسها مع مرور الزمن ، ولكن قدرتها الفلسفية تتغير مع العمر ، فقد مضى على أعمالي 28 سنة وهي ثمرة 31 عمل مسرحي راقص منذ العمل الأول عن الفيلسوف جبران خليل جبران 1979 حتى رائحة الثلج 2007 تمتد هذه العروض التي تتلاقى في سماء فلسفية اجتماعية من خلال "الدكتور فرويد "، "اليوم الثاني لهيروشيما"،"سقوط إيكاروس"،"الأفيسال تختبئ لتموت"،" خيال المآته"،"سترة النجاة تحت المقعد"،"رمال متحركة"،"بين الغسق والفجر"،"رائحة الثلج" جميعها تأتي من أزمات مختلفة ولكنها متشابهة مع التطور الاجتماعي والسياسي والثقافي السلبي منها والإيجابي.
"رائحة الثلج" .. الرائحة .. وهذا يعني لغة جديدة نكتشفها . أنا وفرقتي. والمتلقي، فتأسيس العرض والبنية الهندسية للتصميم الحركي هو منبع الوقت الفني للخلق ، والطريق للوصول إلى نتيجة بلحظات ثمينة ، لتكون مكونات الإبداع والقدرات الفكرية عند الجميع قد تضاعفت وتشعبت وتعمقت . إنه نوع من التأمل.
اختراع الخالق هبة من السماء تندفع بنا إلى مستوى غير عادي ، إلى درجات الفن الحسي . هذه العلاقة التي تتحد بين المصمم والأجسام ، وبين الفكرة والتفكير .. بين النظر والسمع ، وبين التفكير الجسدي عند الراقص ، الذي يذهب بدوره إلى تضحية طاقة من داخلة للذاكرة ، والخاضع إلى أقصى حدود جسمه المعبر اللغوي السامي فكل عرض ينتهي تنتهي معه هذه العلاقة السامية بيني وبين الراقص . فيصبح العرض ملكه ، ملك الجمهور . ملك الفن والوقت . والوقت سيحدد قيمة توازنه الإبداعي وتوازن أهميته للمجتمع الفني وتاريخه . وهنا تكمن مصداقية الفنان إبداعياًَ ، وقيمة علاقته بموقته ، بفنه ومجتمعه . وثقافته.
هناك أعمال لازال تعيش وتكبر بفعل الزمن ولا نعرف سر هذا ، وأيضاً لا نعرف لماذا هناك أعمال تموت مع الزمن ، هذا سر من أسرار "لغة الطيور" وهناك أعمال نتذكرها ونضعها من جديد لكي نتعرف عليها من جديد قبل أن تذهب طي النسيان ونتمنى تقديمها، ولكنها لا تقدر أن تحيا لأنها تخص مجموعة عمل أبدعت به حينذاك ، لأنها غير موجودة الآن لأنها عاشت معها من الأساس في الإحساس والإبداع والعطاء . الإبداع يجب أن يولد كل لحظة ويتجدد . هناك عروض تموت لا يمكن تقديمها من جديد إلى أحد . إنها تخص الزمن الذي انتمت إليه ، إنما هي همزة الوصل بين عمل وآخر لكي تعطي قيمة أعلى بالذي سيأتي بعد هذه العملية الإبداعية .
نعود إلى رائحة الثلج .. هذه الرائحة تعني الكثير .. إنه ليس عطراً ، كما نحس أنه خطر كلما نستنشقه . فكل شيء يموت له رائحة ، حتى ورق الشجر قبل أن يقع . إنما موضوعي هنا موضوع إنساني أكثر منه فلسفي . وليس هناك مهرب فالإنسانية مرتبطة بفلسفة الوجود ودائرة الحياة . وعلى كل الأحوال نحن محاطين بفلسفتنا دون أن ندرك، فالنقاش الاجتماعي على جميع مستوياته ، هو عبارة عن ترابط أفكار وآراء يخوضها الإنسان على جميع طبقاته الاجتماعية ، فقد يكون فلسفياً.
القطب الشمال يذوب .. ونحن أيضاً نذوب . ونعيش الآن على هذا الذوبان الخطير ، حيث سننجرف نحن أيضاً به. إنه مجتمع بعيد وبارد ، يحتضر بهدوء وبحزن ، ونحن لانزال نقتل طبقات هواءنا بأيدينا ، ونهرب مع الخطر. ومع الكارثة نخرق الهواء النقي لتنهار جبال من الجليد في المحيطات ويغرق معها لونها ونحن نبتسم بهدوء لحيوانات أطفال (الفوك) ونقتل فيه الزمن قبل أن يكبر ونسلخ فروته البيضاء . إننا لا نحترم مستقبل البشرية ولا نريد أن ننقذ إلاّ هذا الوقت الذي نعيش فيه " فنموت كل دقيقة قبل المستقبل " .
العرض إذاً هو إيقاعي حركي حساس .. حيث أننا نسمع الإيقاع قبل فتح الستارة ، وهذا الإيقاع يأخذنا إلى متابعة خط واحد . وهو النور . النور الساطع ، البارد ، الشمس الباردة الثابتة بضوئها وكأن لا وجود للنظام الشمسي ، القطب الشمالي واقف على رأسه ينظر إلى الشمس ونحن أمامها نقف بأجسادنا ، نحن البشر نعطي هذا الإيقاع الكوني والنظام الحياتي الذي نعيش عليه ومعه وله ، إنها ظلال تتحرك ، تتكرر تتغير وتعود من جديد إلى وضعها النظامي ، إنها حركة دوران الأرض التي تلف حول نفسها متكررة منذ ملايين السنين. نعود إلى الواقع ، واقع هؤلاء الأجساد ، إنها قبيلة على شكل مجتمع جديد أو أنه مجتمع بارد مبرمج . فكل واحد يبدأ بالتعرف على نفسه أمام الجميع وكأنه يكلمه .
ويحضرنا فيلم "موعد مع رجل مثالي" لبيتر بروك ، وكأنهم في مؤتمر ما يتحدثون مع بعضهم لغة (البطريق) أو لغة (الأسماك) أو لغة (الثلوج) واحداً تلو الآخر . لغة نكاد أن نفهمها ، اتجاهات متعاكسة مختلفة في كل لحظة ، ومدروسة ، تحت أقدامهم الأرض الثلجية ، بحيث بالتدرج يؤدي ذلك إلى اختفائهم وراء الضوء ، هذا الانعكاس الضوئي وراء الثلج الشفاف يسجنون داخله وكأنهم أموات تتحرك مع الزمن . تختفي عن أنظارنا لكي تعود بهدوء وتتحرك ببطء . هذا الشفافية الضوئية تموت لتحيا. نتساءل عن الحياة الموجودة داخل الصقيع، هذا العالم الصامت ، نلمسه ، نتأمله ، نصغي إليه .
إن الزمن ، الذي يريد أن يخرج من المنطقة المحرمة ، حيث ندعوهم إلى المعبد للصلاة من وراء الصقيع ، الأصابع تتلامس ، الأجساد تتمايل ، النظرات تتساءل وتتشابك بعضها؟ ببطء مميت يسخن أجسادنا ، ليرحل بنا إلى أعماق أصوات لا نهاية لها. "جسدك هو معبدك" إنهم يتبعون أصوات موسيقى شفافة ويركعون متأرجحين متلامسين بأيديهم وأطراف أصابعهم صفحات وملمس سطح الجليد. يتساءلون : ماذا يوجد تحته؟ ومن يعيش تحته ؟ ومن يموت تحته؟! حيث نرى في الوقت ذاته أجساد أخرى تدخل بإيقاع ثانٍ ، أجساد تدخل على الجليد بدون رؤوس ولا أيدي ، تتمايل كأشكال حيوانات غريبة كقطع شجرية غريبة . إنا ننتقل إلى أعماق أصل الأرض الحارة ، بحيث نسمع إيقاع جديد يذوب به الثلج وترتفع حرارة الشمس؟ إيقاع حقيقي يأتي من إفريقيا إلى القطب الشمالي حيث الأجساد تتحرك.. أليست أفريقا هي مهد الإيقاع ومهد الصوت ؟
مادتان تتنافران كالمغناطيس ، البارد والساخن ، الإيجابي والسلبي ، ومنها تلد قطعة مثالية مبهمة ، ربما هي ليست بقطعة ثلج بيضاء بقدر ما هي شكل مثالي للحياة والإنسانية . إنها "المعرفة" أو "الإدراك" نكتشف ومن خلالها قصة هذا اللون الأبيض.
ولكن بقدر ما قد أدركنا واكتشفنا واخترعنا فهذا لا يمنع خطورة الذوبان . لمذا إفريقيا ، لماذا الشجر ، الشجر بدون المياه يموت ، إنها الحركة الحياتية للأرض . إنما هنا الثلج إذا ذاب فإنه يتحول إلى مادة قاتلة للأرض ، فالخضار سيموت سيختنق ، ولذا إنهم يرقصون رقصة طقوسية ، ومنها تلد هذه القطعة أو هذا الشكل المثالي . نتذكر فيلم "أوديسا الفضاء 2001 لستانلي كوبرك" حيث نجد فجأة من بداية خلق البشرية هذا الشكل المسطح المعدني الذي ينتقل من خلال ملايين السنين . ولانزال نتساءل ما هذا.
وندخل لنكتشف هذه القطعة وبملمسها نكون قد انتقلنا إلى مرحلة أخرى وإدراك زمني أنها قطعة ثلج بيضاء باردة تدخلنا في حالة طقوس جسدية لنسمع الموسيقى من داخلها نعلم أنفسنا . وكيف أن الانسيابية مهمة بالنسبة للسمع ، وبأن كل شكل في الحياة هو احترام ، وأن "كل معرفة للآخر هي صلاة " .
دخول أشكال ملفوفة لا نرى من خلالها إلاّ الرؤوس عكس ما رأيناه قبلاً . إنما هنا نرى فقط أقدام خفيفة وسريعة كنبات الجيشا ، وعلى أجسادهم قطع إيقاعية زرقاء متتالية متكررة منظمة . جمود النظر إلى الجمهور ، ثم النظر في اتجاه الجسم ، وصمت . ولكن الإيقاع يزداد قوة . الغوص إلى أحشاء هذه القطعة .. المسرح يتحول إلى قطعة فنية تشكيلية تجريدية ، خالية من أي نوع من التوضيح لهذه الأجسام التي اختفت . كل واحد داخل هذا الشكل المبسط إلى الحركة المبسطة . إنها قطعة من الموج سرقناها من المحيطات ولففنا بها أجسامنا ، الأيدي تخرج من أحشائها ، وأحشاء الموج تريد أن ننقذها مستنجدةً ، وتغوص لتموت من جديد . ولكن واحد تلو الآخر تتفتح هذه الأمواج من جديد لنرى الأجساد تغوص وتغوص في الأعماق غارقة ببطء يموت ، حيث أن هناك لا وجود للقاع للوصول إليه ، إنهم يغرقون من جديد ، يلقون أجسادهم مع القطع فيا لقاع ليخرجوا من هذا الحلم حيث سيولدون من جديد على شكل جنين . الذي يخرج من رحم أمه ، يلعبون بأيديهم بهذه المياه التي يغرقون بها ، هذا الرحم يتحول بدوره إلى المحيط ، ومنها يتحول من جديد إلى جليد ومن جديد يذوب ، ونذوب معه ولتحتضر وتولد من جديد .
ولا تزال هذه القطعة البيضاء تلد من الذوبان . الشكل المثالي موجود دائماً . إنه الإدراك ، إنه الحياة يتحسسونه من جديد ، إنه حاسة اللمس ، الشيء البارد ، الموت البارد. هذه المادة الباردة تتبخر وتتحول إلى غيوم لتعود بالأمطار ، والأمطار تتحول إلى ثلج ، والثلج إلى جليد من جديد . وهكذا كل شيء دائري ، إنها عملية ميثامارفوزيه دائرية ، والكون كله عبارة عن دوائر .
الشكل المثالي موجود دائماً معنا نكتشفه باكتشافنا أنها دائرة أيضاً كالحب ، لا نعرف كيف يأتي ، ونتعذب كيف يذهب ، نرقص معه وله وعليه ، نتركه ويتركنا.
نذهب إلى الهمالايا حيث الثلج نذهب إلى الإسكيمو حيث الجليد ، هناك مجتمع غير مجتمعنا المنطقي . خلية منظمة نشعر بأنهم يأتون كالثلج ويذهبون كالثلج حيث لا وجود للفصول الأربعة . إنهم ينتمون إلى هذه الفئة من هذه الخلايا ، وكأن هناك فصل خامس يعيشون أكثر منّا ولكنهم يختفون بسرعة كفصل الربيع السريع . مجموعة أتت راقصة واختفت . يأتون ويذهبون كشعب "التوفا" هؤلاء الناس الذين لا نعرفهم ، ولكنهم متعلقون بطبيعتهم البيضاء . النقاء العالم البارد يعرفنا بهم . ويجب أن ندرسهم قبل أن ينقرضوا مثل حيوانات الفوك.
الصوت ، الموسيقى ، الإيقاع ، والحركة . كل شيء واضح ومنظم كالقطب الشمالي ، حيث لا وجود للأفق هناك آلاف الآفاق ، حتى السماء هي أفق ، كأن الأرض معلقة من طرفها في هذه المنطقة بالذات وهي تتأرجح على هذا الإيقاع . إنهم يحملون قطع الثلج يحاولون تهريب قطع الثلج على ظهورهم ، لا يقدرون أن يسرعوا ، البطء هو الإيقاع . ويذوب الثلج على أجسامهم ولا يقدرون على إنقاذه. ولا نعرف أي اتجاه في القطب الشمالي ، حيث لا يوجد اتجاه . كل الاتجاهات تؤدي إلى ذوبان ، إنهم يصلون أمام هذه القطع الذائبة لا يوج اتجاه . كل الاتجاهات تؤدي إلى ذوبان ، إنهم يصلون أمام هذه القطع الذائبة وكأنها أرواح تموت ،وكأنها أيضاً خلاصهم الوحيد من الانقراض . هناك من يحمل السكينة ليغرسها في بطن الثلج الساخن ويقتلها بقوة فيتغير كل شيء ، الحركة إلى إيقاع ومن الإيقاع إلى اللون ، ويموت الثلج ويذوب الثلج ونسمع ضرب حديد ونسمع أصوات الثلج تتعذب وكأنها بين الحياة والموت ، والموت يذوب . إنهم أرواح مسجونة في كل مكان وتبدأ الحركة تنتظم أكثر وأكثر .
" بين لحظات الجمود ولحظات الحركة تموت اللحظات نفسها " . صرخات الثلج تتبخر بالبطء نفسه وبضربات المطرقة الحادة تنهار على ضربات القلب يقف القلب ومعه الحركة وتبقى صدى الموسيقى .
نسمع من بعيد صوت أوبرالي ، صوت الأفق ، صوت اللون وصوت الذوبان ، ويخرج من المياه إنسان أبيض وضخم ، يشبه الدب الأبيض . إنه إنسان وليس دب . يغني هذه الأوبرا من داخله ، بدون صدى . إننا نحلم ونحلم ، وها هي الجميلة القادمة من الأفلام الخيالية الأفلام الرومانسية . الأفلام الباردة الصامتة ، التي لا لون لها . بالأبيض والأسود . تأتي كما لو كانت هي نقاط المياة التي تذوب في قصة حب وغرام فوق الطبيعة .. هذا الرجل الدب .. نعم إنها تحبه ، تعانقه تضاجعه ويضاجعها .. يغني لها بصوت معذب ، رجل الثلج وامرأة الأفلام، علاقة كتبها تاريخ السينما : الجميلة والوحش .. كينج كونج . ونحن أيضاً نصنع من الصقيع قصة حب " سر جميلة القطب الشمالي" الأصوات تتتابع والمضاجعة مستمرة وبقوة .. دخول الحيوانات الأخرى " البيبي فوك" محمولين على أكتاف سفاحيهم ومتسلقين جبال الجليد . لقد قتلوا اثنين من الفوك حيث يعلقونهم ويرقصون لهم .. لنا .. إنها مسألة دراما بشرية لا تنتهي ، البشر يعرف كيف يقتل حتى لو عرف الخطيئة .. يعرف لماذا يقتل حتى لو قتل نفسه .. ويعرف أن طبيعته البشرية تنحدر ثانية .
وهذه الجميلة هي من البشر أيضاً .. انتهاء مضاجعة الدب تقوم بقتله بسرعة صاعقة لتتحول هي إلى الوحش ، فتظهر حقيقتها البشرية من قتل وخيانة للذة المتخفية عندنا ، فكل ما تريده هو فروته البيضاء . إنها حياتها ، هذا الجلد هو لذتها ، تتحول إلى دراكولا الدم اللحم الجلد العظام ، وتجعل من جلده وفروته وحتى رأسه المتدللي المقطوع الذي يشبه ثياباً لجسمها الجميل إنه معطف الحياة ، معطف الحلم الذي ولدت من أجله. القتل من أجل النزوات . إشباع الغريزة الذي ولد بها قابيل وهابيل . القتل ، وهي من جديد تضاجع الجلد الرأس أكثر وأكثر . إنها تحبه بجنون ، وهي هنا لا تلاعبه بل تعبده ، يصيبها الجنون ، بينما تتجسد روحه التي أخذت ترقص في عالم ثاني متحرره إلى رجل ، بينما يهوي متسلقو الجبال في أعماق وادي الجليد داخل الجليد وينتهون .
ونعود إلى مجتمعنا المجلد . وراء الجليد المجمد . وراء الضوء نراهم آتون ليتلون الصلاة الأخيرة قبل النهاية قبل الموت ، قبل الذوبان .. إنه المجتمع الذي نعرفهم في البداية ، هذه الخلية التي تريد أن تعيش .. تأتي لتودعنا وتبدأ مراسم النجاة والدعاء في معبد الجليد يتهامسون .. يرقصون بهدوء ، يشرعون في تنظيم الشكل الهندسي المتكامل . اثنين ثم ثلاثة ثم أربعة يناجون بعضهما بعضاً ، أو يودعون العالم .. يودعون الفضاء النور الأبيض .. يقفون على رأس الكرة الأرضية وكأنهم سيرمون بأنفسهم من أطراف هذه الدنيا إلى الفضاء .
فإذا الأرض لم تكن مستديرة لنجحت العملية ، ولكنهم سيعودون إلى نقطة البداية!! يمشون كأنهم في الفضاء صامتين .. بنظام كنظام الكون ، حاملين على رؤوسهم ما يمكنهم أن ينقذوا .. قطع الثلج .. إنه الرحيل العظيم .. كالكثير من شعوب تاريخ البشرية هناك دائماً الرحيل من أرض الأم ، هناك ملايين من حملوا أغراضهم على رؤوسهم ورحلوا إلى أرض ثانية ، إلى عالم ثان ، إلى صلاة جديدة وإيمان جديد ، أكثر عمقاً.
لا يمكن العيش بدون الإيمان ، فإننا نبحث عنه من البعيد في المجهول ولكن حقيقة هو أمامنا ، وبدون أمل لا نجد الأرض الجديدة ، بما أن الأرض مستديرة فلا هروب تتحول هذه الأشياء إلى كارثة على رؤوسهم يأتون بها وكأنهم ذاهبين إلى المسلخ بهدوء وخشوع وتأمل كالجيش الذي يذهب إلى المعركة لينتحر من أجل أيديولوجية الحرب وأمامنا يضعون على الأرض الضحية (حياتهم) ويحكمون عليها بالانقراض ..
وهنا يتحول كل شيء إلى كارثة ، وكأننا نعود مع المجرم إلى مسرح الجريمة ، لكي يمثل جريمته ، يضعونها أمامهم لابسين مريلة الجزار ، وملثمين .. بآلات حديدية ، وتبدأ مرحلة الإبادة ، إبادة الجنس الثلجي . وأيضاً إبادة الجنس البشري .. إنهم يقتلون هذه القطع لتتحول إلى قطع أصغر ، لكي تذوب بالقتل وليس بالحرارة ، وتتحول بالعذاب إلى مياة ، وهي المياة بدورها تتألم ، وتتحول إلى طيور .. إلى غيوم .. إلى أرواح .. في إيقاع حربي مهيب ، موسيقى قاتلة تنهار فيها جبال البشرية ، وجبال العقل وذوبان الروح وذوبان العاطفة ، الحب ، الإحساس ، الوجدان ، والضمير .. ضربات الحديد على أجسام الثلج تنتظم أكثر فأكثر ، لتعلن إيقاع حرب الطبيعة على الطبيعة إيقاع حرب الإنسان على الإنسان، إيقاع حرب الآلة على الآلة ضد هذه الكرة ، الكرة الصغيرة الجميلة "الأرض" أمنا الأرض ترقص في فراغ المجرة المهيب .
هذه هي المياة الذائبة تصعد كأرواح الأطفال حيث نراهم بالفعل وجوه أطفال تبتسم، تنظر إلينا مستنجدة من الكارثة ، إنهم أطفال بعيونهم الواسعة ، تنظر إلينا ، إلى الكارثة نظرة أخيرة إلى أشياء الحياة التي تذوب .. ويطول الوقت ويطول الإيقاع ويطول ذوبان الثلج ، وتتبعثر الإيقاعات وتتبعثر معها الإضاءات .. وتختفي وجوه الأطفال ويختفي معها "المعنى" ويصعد من الثلج رائحة غريبة يقف الجميع ، قد تمت المهمة وبأيديهم آلات القتل ..
كم أنت مجرم أيها الإنسان ..
الثلاثاء، ديسمبر 09، 2008
نظريات المسرح
نظريات المسرح ..
وما أدراك ما نظريات المسرح
د.كمال الدين عيد
هذا عرض لرسالة علمية لدرجة دكتوراه الدولة في الآداب الدرامية DOCTOR OF LETTERS للمجري الراحل (2006م) الدكتور بيتشي توماش عضو أكاديمية العلوم المجرية يتناول فيها قضية النظريات المسرحية .
ومما يبعث على الاطمئنان لنتائجها أنها مرّت بمصافي علمية FILTERATION في أكاديمية العلوم المجرية ، معهد العلوم المسرحية ببودابست، فريق البحث العلمي لشؤون المسرح بجامعة لندن ، هيئة القسم الأدبي في المسرح القومي البريطاني ، ثم تصدى عدد من باحثي المسرح في قارة أوروبا في حلقة نقاش واسعة. فضلاً عن تحرير الرسالة بين المجر وانجلترا ، لتقرر الآراء مجتمعة موضوع الرسالة : "نظرية جديدة في الدراما المعاصرة ".
ولعل أهم ما لفت نظري في هذه الرسالة هو اعتراف مؤلفها بسيادة نظرية المعرفة (الإبستيمولوجي EPISTEMOLOGY) في التفكير الأوروبي الحديث، والتي مهّدت لظهور موجتين في علوم الآداب هما: الأنثروبولوجيا ANTHROPOLOGY ، بحوث السسيولوجيا SOCIOLOGY ، واللذان أتيا بالتفكير الجديد لحماية الوجود. ثم ، نتائج جديدة أخرى ، لكنها صادمة هذه المرة. لا أقول لعالمنا العربي ، بل لكل مسارح أوروبا.
بعد أن يكشف الباحث المسرحي عن النظريات المسرحية (تاريخياً) وأكثرها لا نعلم منها غير النادر: نظرية الإيطالي فرانسسكو روبورتللو FRANCESCO ROBORTELLO التي تُصنّف الفروق تحديداً بين الكاتب وبين العرض المسرحي في عصر النهضة الأوروبي. ثم نظرية الأسباني ألونزو لوباز بنسيانو ALONSO LOPEZ PINCIANO عام 1596م المعنونة في عمله المسرحي PHILOSOPHIA ANTIGUA POETICA والتي تُقرر أن إيماءات الممثل وحركاته تكون مناسبة ومُعبّرة عن الأهميات إذا كانت الدراما تُعلن عن العالم الداخلي للممثل . ويقدم الإنجليزي دافيد جارّيك DAVID GARRIC المبحث النظري عن فن الممثل (بحث قصير في فن الممثل) A SHORT TREATISE ON ACTING عام 1744م ليُنظّر أن التمثيل أعلا خشبة المسرح يجمع النطق باللفظ والصوت الساكن ARTICULATION وحركة الجسد والمحاكاة والتقليد عبر تحريك العينين بما يستدعي لدى الجماهير أحاسيس جسدية وروحانيات أخرى.
وبين أعوام 1738 ، 1750 يكتب لويجي LUIGI ومن بعده ولده فرانسسكو ريكوبوني FRANCESCO RICCOBONI نظرية في فن التمثيل المسرحي المعنونة L'ART DU THÉÂTRE A'MADAME XXX تُحدد فَهْم الممثل للفعل اللاإرادي المنعكس المُرتد REFLEX وطبيعته ، ثم يُقلّد ذلك على المسرح، وفي مراقبة تامة لتعبيراته .. مركز السيطرة ساعة التمثيل. وفي عام 1749 يُصدر الفرنسي بيير دوسانت – ألبين PIERRE R. DE SAINTE-ALBINE نظرية (الممثل) LE COMÉDIEN لتحدد احتياجات الممثلين في أعمالهم محدداً الاحتياجات في التالي:
العقل المُدرك والفطنة – الإحساس – الحماسة.
ثم يبرز الفرنسي دينيس ديديرو DENIS DIDEROT بنظريته (التناقض الظاهري للممثل) LE PARADOXE SUR LE COMÉDIEN عام 1830م والتي لم تنتشر أوروبياً إلاّ بعد عام 1875م. كما تتبع عام 1867 نظرية عميد النقاد الفرنسيين فرانسيسك سارسي FRANCISQUE SARCY (جماليات المسرح) D'ESTHÉTIQUE DE THÉÂTRE والتي تذكر "فن عالمي جامع GENERAL+UNIVERSAL أو مكاني محلي LOCAL ومحدود PAROCHIAL يجمع بين الأبدية واللانهائية ETERNAL والمؤقت إلى حين TEMPORARILY ، إذ بمساعدة فن المسرح تظهر حياة الإنسان على الخشبة لتقدم للجماهير خداعية الحقيقة.
بعد الكشف عن هذه النظريات التي تضيف بعداً بل وأبعادا فكرية ومهنية إلى أصول مهنة المسرح. تنتقل رسالة الباحث إلى الجزء الأخطر منها. وهو لُب الرسالة، والجديد في نتائجه. تذكر الرسالة تحديداً " أتى القرن العشرون في ثلاثينياته بعدة نظريات !! في المسرح خرجت إلى العالم. ثلاثة رجال قدموا هذه النظريات بجهودهم المعملية والعملية. ولابد أن نقول الآن إنها ليست نظريات في المسرح ، وهم : ستانسلافسكي ، برخت ، آرتو.
الأول قنسطنطين ستانسلافسكي (1863-1938) ربط تقدم المسرح بصورة جديدة لإبداع الممثل وبنظام علمي يتبعه. فكتابه "إعداد الممثل" وموضوعه ليس نظرية مسرحية ، لكنه طريق لإبداع الممثل في فن التمثيل المسرحي . يكتب ستانسلافسكي عن الطريقة – النظام METHOD ، والتي تتحقق بالمصادر الشعورية والنفسية. إحدى العناصر (لو) الساحرة لاستدعاء الخيال والذاكرة وتقوية عواطف الممثل ومشاعره . ثم تفتيت وتفكيك حياة الدور المسرحي إلى وحدات صغيرة .. هذا التفتيت والتفكيك ليس روحياً SPIRITUAL بل هو طريقة لتحرير المصدر الداخلي كما يراه ستانسلافسكي لتحقيق اكتمال الدور المسرحي ، وكما يطلق هو عليه (الأحداث الفيزيكية) . فإذا ما عثر الممثل على البواعث للأحداث المناسبة فإنه يستبدلها ليبرز الوجه الروحي – النفسي لدواخل الشخصية.
مع أن كتابات ستانسلافسكي المُحللة لهذا التفسير لا تتوافق مع (الطريقة) عنده من أنها معادلة للعقل اللاواعي عند فرويد UNCONSCIOUS . ويصعب علينا هنا – ومع الطريقة – أي نوع من الإبداع المسرحي أراد ستانسلافسكي تشكيله؟ : فاجتماعياً ، هل أراد بتفسيراته شخصية حقيقية أصيلة AUTHENTIC ؟ أم فكّر في شخصية مثالية IDEAL ؟ أم كان يريد خلط هذه بتلك لتصبح شخصية رمزية SYMBOLIC ؟
أما الثاني برتولت برخت (1898-1956) فمعروف أنه في كتاباته + تجديداته الدرامية + أعماله الإبداعية قد تعارض تماماً مع ستانسلافسكي . كما انتقد برخت ستانسلافسكي متهماً إياه بالطبيعية ، وبأنه لم يُحسن رسم شخصياته بعد أن ضيّق عليها الخناق في العلاقة بينها وبين بيئتها سواء ناحية العلاقة الأسرية أو من ناحية علاقة العمل. صحيح أن برخت قد أبرز هذه العلاقات ، لكنه لم يُكمل تماماً العلاقة بين الإنسان – الشخصية ودورها الكبير في المجتمع. لذلك تدعو الدرامات- الملحمية البريختية إلى نموذج إنسان العصر الحديث ليصحو وينهض داعياً المجتمع إلى التغيير . وبملاحظة دقيقة للدراما البريختية وكل عروضها المسرحية لنجد أنها لا تسير إلى الأحاسيس أو العواطف ، لكنها أرادت التأثير بطريقة (انتلكتوالية) نابعة من العقل ومرتكزة على الدرس والتفكير والتأمل. بمعنى ليس الهدف منه تكوين شخصية بلحمها وشحمها، ولكن لإبداع شخصية تعبر عن الخطوط القوية في المجتمع بما تنسجه هذه الخطوط من آراء وأفكار. ولم تكتف الدرامات بوضع الإيمائيات عند الشخصية البريختية في حالة ذاتية غير موضوعية SUBJECTIVE ، بل المرئي أنها نقلتها إلى حالة الموضوعية OBJECTIVITY ، بل ولم تكتف بذلك ، بل وربطتها بكل المضامين الاجتماعية ، والموضوعية كذلك .
أما ثالث اللانظريات ، فهي عند الفرنسي أنتونان آرتو (1896-1948) صاحب كتاب (المسرح وقرينه) LE THÉÂTRE ET SON DOUBLE. أقول صاحب كتاب وليس صاحب مذهب أو نظرية . تقود أفكاره إلى ما سُمي بمسرح القسوة ، وإلى أن مسرحه كان يتوق إلى إعادة تنظيم (الوجود) الإنساني كوسيلة عظمى .. بمعنى تغيير القوة النفسية شديدة الحساسية للقوى الروحية عند الإنسان PSYCHIC ، ولو بدون النظر إلى الخارجيات فيها ، فالنظر إلى الحقائق النفسية أبقى وأعظم. لذلك عندما أعلن آرتو في بدايات كتاباته عن المسرح السحري MAGIC ثم مسرح الانجذاب الصوفي ECSTATIC . وحيث لا تذهب الجماهير إلى مثل هذا النوع من المسارح بل وتغُض البصر عنها، لكنها – الجماهير – في الوقت نفسه تعتقد بامتلائها بمصطلحات الكرْب ANGUISH ، الشعور بالإثم والمعصية CONSCIOUSNESS OF GUILT ، الإحساس بالنصر TRIUMPHAL FEELING ، الرضا SATISFACTION فكلها أوضاع نفسية لا يرغب المشاهد المسرحي في الدخول إليها . إذن ، أعطى مسرح القسوة سوء فهم كبير في الحياة المسرحية. وطبيعي أن يكشف المسرح عن مرض نفسي وليس فيروسياً ، إن لم يكن وباءً أو طاعوناً بعد أن قرر أن الحالتين (النفسي والفيروسي) بقسوتيهما تتطلبان الكشف والتعرية لتراهما عيون الجماهير ، لأن كل منحرف وضال وفاسد ومضاد لرغبات الإنسان يشد إلى دائرته الفرد فالشعب كله.
ويعترف آرتو بأن المسرح قرين للحياة ، لكنه ليس بواقعية الأيام بل على الطراز البدئي والنموذج الأصلي ARCHETYPE ، ومثال الواقعية الخطرة التي تخفي خلف السطح الناصع ظلاماً أسوداً يحتضن نظرية المذهب الدينامي DYNAMISM التي تفسر الكون بلغة القوى وتفاعلها . كل هذه الجنبات رغم تواجد بذور فيها ليست نظرية في المسرح. لكنها – بالتحديد العلمي – واجبات تختص بإعادة تنظيم جديد للوجود الإنساني . إنها لا تقدم أكثر من أن تعكس نظرة إلى ما يجب فعله في هذه الحياة المعاصرة.
إن كل ما جاء بكتابات الثلاثة الكبار (ستانسلافسكي ، برخت ، آرتو) ما هي إلا أحاديث عن تعقيدات المسرح ، وعن وظائفه في الحياة ، أو عن خصائصه الجوهرية.
ثم: إن النظرية تتعامل مع الموضوع ، وتشتغل به . كما أن النظرية لا تتعامل كذلك مع كل ما يخطر على البال ، ولا مع توابع الموضوعات . وهي لا تنتمي إلى أي تأثير مستقل قد تثيره المسرحية. كما أن النظرية لا تقبل الاتجاه إلى نفس الموضوع المطروح FROM THE SAME DIRECTION ، فضلاً عن أنها ليست هي الوجه المستقل للموضوع ، كما لا تقوم على علاقة معه ، خاصة في الأعمال الزائفة المتكلّفة ARTIFICIAL ، أو حتى الأعمال التركيبية الاصطناعية SYNTHETIC ، ولا الأعمال التي تأتي إلى الوجود بالتشخُّص حينما يُطور الفرد شخصيته الخاصة . لا تأتي النظرية (بِلوْي) الذراع عُنوة لإدخال مِسْحةً جمالية اضطراراً .
إذن ، وفي النهاية .. إن النظريات الأصلية تشتغل على النموذج – الموديل MODEL لكنها تختلف مع القوانين وتشذُّ عنها.
ولا أرى ، كما لا ترى النظرية أن أعمال الثلاثة الكبار تنتمي إلى واحد أو أكثر من عناصرها.
وما أدراك ما نظريات المسرح
د.كمال الدين عيد
هذا عرض لرسالة علمية لدرجة دكتوراه الدولة في الآداب الدرامية DOCTOR OF LETTERS للمجري الراحل (2006م) الدكتور بيتشي توماش عضو أكاديمية العلوم المجرية يتناول فيها قضية النظريات المسرحية .
ومما يبعث على الاطمئنان لنتائجها أنها مرّت بمصافي علمية FILTERATION في أكاديمية العلوم المجرية ، معهد العلوم المسرحية ببودابست، فريق البحث العلمي لشؤون المسرح بجامعة لندن ، هيئة القسم الأدبي في المسرح القومي البريطاني ، ثم تصدى عدد من باحثي المسرح في قارة أوروبا في حلقة نقاش واسعة. فضلاً عن تحرير الرسالة بين المجر وانجلترا ، لتقرر الآراء مجتمعة موضوع الرسالة : "نظرية جديدة في الدراما المعاصرة ".
ولعل أهم ما لفت نظري في هذه الرسالة هو اعتراف مؤلفها بسيادة نظرية المعرفة (الإبستيمولوجي EPISTEMOLOGY) في التفكير الأوروبي الحديث، والتي مهّدت لظهور موجتين في علوم الآداب هما: الأنثروبولوجيا ANTHROPOLOGY ، بحوث السسيولوجيا SOCIOLOGY ، واللذان أتيا بالتفكير الجديد لحماية الوجود. ثم ، نتائج جديدة أخرى ، لكنها صادمة هذه المرة. لا أقول لعالمنا العربي ، بل لكل مسارح أوروبا.
بعد أن يكشف الباحث المسرحي عن النظريات المسرحية (تاريخياً) وأكثرها لا نعلم منها غير النادر: نظرية الإيطالي فرانسسكو روبورتللو FRANCESCO ROBORTELLO التي تُصنّف الفروق تحديداً بين الكاتب وبين العرض المسرحي في عصر النهضة الأوروبي. ثم نظرية الأسباني ألونزو لوباز بنسيانو ALONSO LOPEZ PINCIANO عام 1596م المعنونة في عمله المسرحي PHILOSOPHIA ANTIGUA POETICA والتي تُقرر أن إيماءات الممثل وحركاته تكون مناسبة ومُعبّرة عن الأهميات إذا كانت الدراما تُعلن عن العالم الداخلي للممثل . ويقدم الإنجليزي دافيد جارّيك DAVID GARRIC المبحث النظري عن فن الممثل (بحث قصير في فن الممثل) A SHORT TREATISE ON ACTING عام 1744م ليُنظّر أن التمثيل أعلا خشبة المسرح يجمع النطق باللفظ والصوت الساكن ARTICULATION وحركة الجسد والمحاكاة والتقليد عبر تحريك العينين بما يستدعي لدى الجماهير أحاسيس جسدية وروحانيات أخرى.
وبين أعوام 1738 ، 1750 يكتب لويجي LUIGI ومن بعده ولده فرانسسكو ريكوبوني FRANCESCO RICCOBONI نظرية في فن التمثيل المسرحي المعنونة L'ART DU THÉÂTRE A'MADAME XXX تُحدد فَهْم الممثل للفعل اللاإرادي المنعكس المُرتد REFLEX وطبيعته ، ثم يُقلّد ذلك على المسرح، وفي مراقبة تامة لتعبيراته .. مركز السيطرة ساعة التمثيل. وفي عام 1749 يُصدر الفرنسي بيير دوسانت – ألبين PIERRE R. DE SAINTE-ALBINE نظرية (الممثل) LE COMÉDIEN لتحدد احتياجات الممثلين في أعمالهم محدداً الاحتياجات في التالي:
العقل المُدرك والفطنة – الإحساس – الحماسة.
ثم يبرز الفرنسي دينيس ديديرو DENIS DIDEROT بنظريته (التناقض الظاهري للممثل) LE PARADOXE SUR LE COMÉDIEN عام 1830م والتي لم تنتشر أوروبياً إلاّ بعد عام 1875م. كما تتبع عام 1867 نظرية عميد النقاد الفرنسيين فرانسيسك سارسي FRANCISQUE SARCY (جماليات المسرح) D'ESTHÉTIQUE DE THÉÂTRE والتي تذكر "فن عالمي جامع GENERAL+UNIVERSAL أو مكاني محلي LOCAL ومحدود PAROCHIAL يجمع بين الأبدية واللانهائية ETERNAL والمؤقت إلى حين TEMPORARILY ، إذ بمساعدة فن المسرح تظهر حياة الإنسان على الخشبة لتقدم للجماهير خداعية الحقيقة.
بعد الكشف عن هذه النظريات التي تضيف بعداً بل وأبعادا فكرية ومهنية إلى أصول مهنة المسرح. تنتقل رسالة الباحث إلى الجزء الأخطر منها. وهو لُب الرسالة، والجديد في نتائجه. تذكر الرسالة تحديداً " أتى القرن العشرون في ثلاثينياته بعدة نظريات !! في المسرح خرجت إلى العالم. ثلاثة رجال قدموا هذه النظريات بجهودهم المعملية والعملية. ولابد أن نقول الآن إنها ليست نظريات في المسرح ، وهم : ستانسلافسكي ، برخت ، آرتو.
الأول قنسطنطين ستانسلافسكي (1863-1938) ربط تقدم المسرح بصورة جديدة لإبداع الممثل وبنظام علمي يتبعه. فكتابه "إعداد الممثل" وموضوعه ليس نظرية مسرحية ، لكنه طريق لإبداع الممثل في فن التمثيل المسرحي . يكتب ستانسلافسكي عن الطريقة – النظام METHOD ، والتي تتحقق بالمصادر الشعورية والنفسية. إحدى العناصر (لو) الساحرة لاستدعاء الخيال والذاكرة وتقوية عواطف الممثل ومشاعره . ثم تفتيت وتفكيك حياة الدور المسرحي إلى وحدات صغيرة .. هذا التفتيت والتفكيك ليس روحياً SPIRITUAL بل هو طريقة لتحرير المصدر الداخلي كما يراه ستانسلافسكي لتحقيق اكتمال الدور المسرحي ، وكما يطلق هو عليه (الأحداث الفيزيكية) . فإذا ما عثر الممثل على البواعث للأحداث المناسبة فإنه يستبدلها ليبرز الوجه الروحي – النفسي لدواخل الشخصية.
مع أن كتابات ستانسلافسكي المُحللة لهذا التفسير لا تتوافق مع (الطريقة) عنده من أنها معادلة للعقل اللاواعي عند فرويد UNCONSCIOUS . ويصعب علينا هنا – ومع الطريقة – أي نوع من الإبداع المسرحي أراد ستانسلافسكي تشكيله؟ : فاجتماعياً ، هل أراد بتفسيراته شخصية حقيقية أصيلة AUTHENTIC ؟ أم فكّر في شخصية مثالية IDEAL ؟ أم كان يريد خلط هذه بتلك لتصبح شخصية رمزية SYMBOLIC ؟
أما الثاني برتولت برخت (1898-1956) فمعروف أنه في كتاباته + تجديداته الدرامية + أعماله الإبداعية قد تعارض تماماً مع ستانسلافسكي . كما انتقد برخت ستانسلافسكي متهماً إياه بالطبيعية ، وبأنه لم يُحسن رسم شخصياته بعد أن ضيّق عليها الخناق في العلاقة بينها وبين بيئتها سواء ناحية العلاقة الأسرية أو من ناحية علاقة العمل. صحيح أن برخت قد أبرز هذه العلاقات ، لكنه لم يُكمل تماماً العلاقة بين الإنسان – الشخصية ودورها الكبير في المجتمع. لذلك تدعو الدرامات- الملحمية البريختية إلى نموذج إنسان العصر الحديث ليصحو وينهض داعياً المجتمع إلى التغيير . وبملاحظة دقيقة للدراما البريختية وكل عروضها المسرحية لنجد أنها لا تسير إلى الأحاسيس أو العواطف ، لكنها أرادت التأثير بطريقة (انتلكتوالية) نابعة من العقل ومرتكزة على الدرس والتفكير والتأمل. بمعنى ليس الهدف منه تكوين شخصية بلحمها وشحمها، ولكن لإبداع شخصية تعبر عن الخطوط القوية في المجتمع بما تنسجه هذه الخطوط من آراء وأفكار. ولم تكتف الدرامات بوضع الإيمائيات عند الشخصية البريختية في حالة ذاتية غير موضوعية SUBJECTIVE ، بل المرئي أنها نقلتها إلى حالة الموضوعية OBJECTIVITY ، بل ولم تكتف بذلك ، بل وربطتها بكل المضامين الاجتماعية ، والموضوعية كذلك .
أما ثالث اللانظريات ، فهي عند الفرنسي أنتونان آرتو (1896-1948) صاحب كتاب (المسرح وقرينه) LE THÉÂTRE ET SON DOUBLE. أقول صاحب كتاب وليس صاحب مذهب أو نظرية . تقود أفكاره إلى ما سُمي بمسرح القسوة ، وإلى أن مسرحه كان يتوق إلى إعادة تنظيم (الوجود) الإنساني كوسيلة عظمى .. بمعنى تغيير القوة النفسية شديدة الحساسية للقوى الروحية عند الإنسان PSYCHIC ، ولو بدون النظر إلى الخارجيات فيها ، فالنظر إلى الحقائق النفسية أبقى وأعظم. لذلك عندما أعلن آرتو في بدايات كتاباته عن المسرح السحري MAGIC ثم مسرح الانجذاب الصوفي ECSTATIC . وحيث لا تذهب الجماهير إلى مثل هذا النوع من المسارح بل وتغُض البصر عنها، لكنها – الجماهير – في الوقت نفسه تعتقد بامتلائها بمصطلحات الكرْب ANGUISH ، الشعور بالإثم والمعصية CONSCIOUSNESS OF GUILT ، الإحساس بالنصر TRIUMPHAL FEELING ، الرضا SATISFACTION فكلها أوضاع نفسية لا يرغب المشاهد المسرحي في الدخول إليها . إذن ، أعطى مسرح القسوة سوء فهم كبير في الحياة المسرحية. وطبيعي أن يكشف المسرح عن مرض نفسي وليس فيروسياً ، إن لم يكن وباءً أو طاعوناً بعد أن قرر أن الحالتين (النفسي والفيروسي) بقسوتيهما تتطلبان الكشف والتعرية لتراهما عيون الجماهير ، لأن كل منحرف وضال وفاسد ومضاد لرغبات الإنسان يشد إلى دائرته الفرد فالشعب كله.
ويعترف آرتو بأن المسرح قرين للحياة ، لكنه ليس بواقعية الأيام بل على الطراز البدئي والنموذج الأصلي ARCHETYPE ، ومثال الواقعية الخطرة التي تخفي خلف السطح الناصع ظلاماً أسوداً يحتضن نظرية المذهب الدينامي DYNAMISM التي تفسر الكون بلغة القوى وتفاعلها . كل هذه الجنبات رغم تواجد بذور فيها ليست نظرية في المسرح. لكنها – بالتحديد العلمي – واجبات تختص بإعادة تنظيم جديد للوجود الإنساني . إنها لا تقدم أكثر من أن تعكس نظرة إلى ما يجب فعله في هذه الحياة المعاصرة.
إن كل ما جاء بكتابات الثلاثة الكبار (ستانسلافسكي ، برخت ، آرتو) ما هي إلا أحاديث عن تعقيدات المسرح ، وعن وظائفه في الحياة ، أو عن خصائصه الجوهرية.
ثم: إن النظرية تتعامل مع الموضوع ، وتشتغل به . كما أن النظرية لا تتعامل كذلك مع كل ما يخطر على البال ، ولا مع توابع الموضوعات . وهي لا تنتمي إلى أي تأثير مستقل قد تثيره المسرحية. كما أن النظرية لا تقبل الاتجاه إلى نفس الموضوع المطروح FROM THE SAME DIRECTION ، فضلاً عن أنها ليست هي الوجه المستقل للموضوع ، كما لا تقوم على علاقة معه ، خاصة في الأعمال الزائفة المتكلّفة ARTIFICIAL ، أو حتى الأعمال التركيبية الاصطناعية SYNTHETIC ، ولا الأعمال التي تأتي إلى الوجود بالتشخُّص حينما يُطور الفرد شخصيته الخاصة . لا تأتي النظرية (بِلوْي) الذراع عُنوة لإدخال مِسْحةً جمالية اضطراراً .
إذن ، وفي النهاية .. إن النظريات الأصلية تشتغل على النموذج – الموديل MODEL لكنها تختلف مع القوانين وتشذُّ عنها.
ولا أرى ، كما لا ترى النظرية أن أعمال الثلاثة الكبار تنتمي إلى واحد أو أكثر من عناصرها.
جوازفاطمة من يوسف باطل
الكمبوشة
( جواز فاطمة من يوسف.. باطل )
د. أبو الحسن سلام
مابين الستينيات والسبعينيات تغيرت توجهات بعض الكتاب في المسرح المصري؛ فمنهم من جنّد فكره وإبداعه كسبا لتأييد توجهات النظام الحاكم، ومنهم من توشح بالتراث استلهاما لحدث أو حدوتة يسقطها علي الواقع الاجتماعي بأسلوب ترميزي؛ لا يجعله في متناول عصا اليد العسكرتارية؛ متوسلا بتلميحاته المراوغة إذ يتقنع نقده للأوضاع خلف شخصية تراثية؛ أو متنكرة في أزياء تاريخية. بينما كتب نفر قليل منهم بعد أن أصابه الهلع من هزيمة 67 (المسامير ـ يا سلام سلم الحيطة بتتكلم ) سعد وهبه. وكتب علي سالم ( أنت اللي قتلت الوحش) وتوفيق الحكيم(بنك القلق) وكتب ميخائيل رومان مسرحيات منعت من النشر ومن العرض. وألفريد فرج (جواز علي ورقة طلاق) ويوسف إدريس (المخططين). كان هذا هو ظاهر الكتابة المسرحية؛ حتى كانت حرب أكتوبر التي لفح وهج نصرها مشاعر مثقفينا الوطنيين بكل توجهاتهم الفكرية والسياسية؛ فانبروا في الكتابة التي لم تخلو من الحماسة الوطنية؛ التي كتب بها القليل منهم مواكبا لحرب الاستنزاف ك (رأس العش) لسعد وهبة و(أغنية علي الممر ) لعلي سالم. وكتب محمود دياب ( رسول من قرية تميرة للسؤال عن الحرب والسلام) مشيدا بحرب أكتوبر 73، وكتب رشاد رشدي (محاكمة عم أحمد الفلاح). والمتابع لمنحني الصعود الوطني الحماسي والفكري وهبوط في كتابات مسرحيينا مابين كتابات السير تحت شعارات النظام الوطني في الستينيات وتحولات تلك الكتابة فيما بين سنوات المرارة وصدى بطولات جنودنا في حرب الاستنزاف ومناورات النظام ومراوغاته فيما يخطط لحرب 73 وصولا إلي الانفتاح الاستهلاكي؛ لاشك سيلاحظ الكثير من التغيرات التي طرأت علي الكتابة المسرحية في مصر؛ حيث تحولت العروض المسرحية من موقع التحريض الفكري والسياسي في الستينيات إلى التمريض النفسي والسياسي بعد هزيمة67 ثم التعريض السياسي بفترة الستينيات بعد انفتاح 73 وصولا إلي مسرح الترويض السياسي الثقافي المواكب لثقافة الإغارة النفطية الصحراوية؛ التي انتهت بنا إلي السير تحت شعار(الكل في واحد) الذي انتهي بالعرب كل العرب إلي( ثقافة الكون في واحد) حيث سيطرت عولمة العسكرتارية الأمريكية علي كل مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. لم يصبح غريبا والأمر علي نحو ما رأينا بوادر التغير في كتابات مسرحيينا دون استثناء. توفيق الحكيم يكتب (الحمار يفكر ـ الحمار يؤلف) معرضا بتجربة التأميم وشعار التطبيق العربي للاشتراكية وممارسات السلطة ويكتب عن خلل العدالة في ( مجلس العدل) مراوغا في مقدمة النص بأنه قصد (مجلس الأمن) وهو يقصد الإتحاد الاشتراكي (القاضي:رمز الحاكم- ص.الأوزة الرأسمالي – الأوزة – رأس المال المؤمم – الصرماتي: العامل – الفلاح – المؤذن: المثقف) الشخصيات رموز تعادل ممثلي فئات الشعب (العامل) وفق مسميات النظام حينذاك. ويبادر(حبيبتي شامينا ) في توجه واضح نحو التطبيع مع الدولة العبرية فايز حلاوة يشهر بتجربة الستينيات وارتباط النظام بالكتلة الاشتراكية وجلال الشرقاوي يعرض بممارسات النظام (ع الرصيف). ويكتب بهيج إسماعيل ( حلم يوسف) في توجه واضح نحو التطبيع فلا أمل لـ(فاطمة ) في الحياة الآمنة والخلاص النهائي من العداء القديم المتجدد؛ إلاّ بزواج (فاطمة) من (يوسف) والملاحظ المدقق يستطيع أن يتوقف عند اختيار المؤلف لاسم (يوسف) فهو معادل رمزي يحيل إلي أحد أنبياء اليهود، كما يستطيع التوقف عند اختياره لاسم (فاطمة) وهو معادل رمزي لـ(فاطمة الزهراء) ومن تأويل دلالة الاسمين يسقط قناع دعوة الكاتب إلي التطبيع. ومن الغريب أن هذه المسرحية تحديدا موضع إقبال مخرجي هيئة قصور الثقافة دون تأمل مخرج و للدلالة المسكوت عنها في النص. أرأيتم كيف نقلب بعض كتابنا المسرحيين مابين شعار وشعار خلال عشر سنوات.
( جواز فاطمة من يوسف.. باطل )
د. أبو الحسن سلام
مابين الستينيات والسبعينيات تغيرت توجهات بعض الكتاب في المسرح المصري؛ فمنهم من جنّد فكره وإبداعه كسبا لتأييد توجهات النظام الحاكم، ومنهم من توشح بالتراث استلهاما لحدث أو حدوتة يسقطها علي الواقع الاجتماعي بأسلوب ترميزي؛ لا يجعله في متناول عصا اليد العسكرتارية؛ متوسلا بتلميحاته المراوغة إذ يتقنع نقده للأوضاع خلف شخصية تراثية؛ أو متنكرة في أزياء تاريخية. بينما كتب نفر قليل منهم بعد أن أصابه الهلع من هزيمة 67 (المسامير ـ يا سلام سلم الحيطة بتتكلم ) سعد وهبه. وكتب علي سالم ( أنت اللي قتلت الوحش) وتوفيق الحكيم(بنك القلق) وكتب ميخائيل رومان مسرحيات منعت من النشر ومن العرض. وألفريد فرج (جواز علي ورقة طلاق) ويوسف إدريس (المخططين). كان هذا هو ظاهر الكتابة المسرحية؛ حتى كانت حرب أكتوبر التي لفح وهج نصرها مشاعر مثقفينا الوطنيين بكل توجهاتهم الفكرية والسياسية؛ فانبروا في الكتابة التي لم تخلو من الحماسة الوطنية؛ التي كتب بها القليل منهم مواكبا لحرب الاستنزاف ك (رأس العش) لسعد وهبة و(أغنية علي الممر ) لعلي سالم. وكتب محمود دياب ( رسول من قرية تميرة للسؤال عن الحرب والسلام) مشيدا بحرب أكتوبر 73، وكتب رشاد رشدي (محاكمة عم أحمد الفلاح). والمتابع لمنحني الصعود الوطني الحماسي والفكري وهبوط في كتابات مسرحيينا مابين كتابات السير تحت شعارات النظام الوطني في الستينيات وتحولات تلك الكتابة فيما بين سنوات المرارة وصدى بطولات جنودنا في حرب الاستنزاف ومناورات النظام ومراوغاته فيما يخطط لحرب 73 وصولا إلي الانفتاح الاستهلاكي؛ لاشك سيلاحظ الكثير من التغيرات التي طرأت علي الكتابة المسرحية في مصر؛ حيث تحولت العروض المسرحية من موقع التحريض الفكري والسياسي في الستينيات إلى التمريض النفسي والسياسي بعد هزيمة67 ثم التعريض السياسي بفترة الستينيات بعد انفتاح 73 وصولا إلي مسرح الترويض السياسي الثقافي المواكب لثقافة الإغارة النفطية الصحراوية؛ التي انتهت بنا إلي السير تحت شعار(الكل في واحد) الذي انتهي بالعرب كل العرب إلي( ثقافة الكون في واحد) حيث سيطرت عولمة العسكرتارية الأمريكية علي كل مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. لم يصبح غريبا والأمر علي نحو ما رأينا بوادر التغير في كتابات مسرحيينا دون استثناء. توفيق الحكيم يكتب (الحمار يفكر ـ الحمار يؤلف) معرضا بتجربة التأميم وشعار التطبيق العربي للاشتراكية وممارسات السلطة ويكتب عن خلل العدالة في ( مجلس العدل) مراوغا في مقدمة النص بأنه قصد (مجلس الأمن) وهو يقصد الإتحاد الاشتراكي (القاضي:رمز الحاكم- ص.الأوزة الرأسمالي – الأوزة – رأس المال المؤمم – الصرماتي: العامل – الفلاح – المؤذن: المثقف) الشخصيات رموز تعادل ممثلي فئات الشعب (العامل) وفق مسميات النظام حينذاك. ويبادر(حبيبتي شامينا ) في توجه واضح نحو التطبيع مع الدولة العبرية فايز حلاوة يشهر بتجربة الستينيات وارتباط النظام بالكتلة الاشتراكية وجلال الشرقاوي يعرض بممارسات النظام (ع الرصيف). ويكتب بهيج إسماعيل ( حلم يوسف) في توجه واضح نحو التطبيع فلا أمل لـ(فاطمة ) في الحياة الآمنة والخلاص النهائي من العداء القديم المتجدد؛ إلاّ بزواج (فاطمة) من (يوسف) والملاحظ المدقق يستطيع أن يتوقف عند اختيار المؤلف لاسم (يوسف) فهو معادل رمزي يحيل إلي أحد أنبياء اليهود، كما يستطيع التوقف عند اختياره لاسم (فاطمة) وهو معادل رمزي لـ(فاطمة الزهراء) ومن تأويل دلالة الاسمين يسقط قناع دعوة الكاتب إلي التطبيع. ومن الغريب أن هذه المسرحية تحديدا موضع إقبال مخرجي هيئة قصور الثقافة دون تأمل مخرج و للدلالة المسكوت عنها في النص. أرأيتم كيف نقلب بعض كتابنا المسرحيين مابين شعار وشعار خلال عشر سنوات.
المونودراما وفنون مابعد الحداثة
المونودراما وفنون ما بعد الحداثة
- دراسة في معمار النص -
د.أبو الحسن سلام
المونودراما تركيبة درامية من المونولوج والمناجاة والجانبية ،علي هيئة مسرحية قصيرة تأسست بنيتها علي صور متشظية لصراع نفسي يدور بداخل شخصية واحدة ، متعددة الأصوات . وهي أصوات درامية مستدعاة أو مستعادة من موقف أو مواقف ماضية من حياة الشخصية المونودرامية نفسها ، محمولة علي صوت واحد هو صوت تلك الشخصية نفسها ، علي أن استدعاء الشخصية لصور ومواقف ماضية تمت بينها وعدد من شخصيات اشتبكت معها في مواقف من حدث مضي ، دون أن يسفر اشتباكها مع الآخرين عن نتيجة ما لصالحها مما ترك آثارا رسبت في وجدانها وسببت لها جرحا نفسيا غائرا أو حزنا أو ضيقا أو حيرة أو وجها من وجوه الشك أو الحنق أو الأمل أو الغبطة الداخلية المشوبة بالخوف مما تتوقع . لذا تستعيد الشخصية المونودرامية صورا مما جري بينها والآخرين وتعيد إنتاجها بالتشخيص الذهني ؛ بهدف إعادة تقييم النتيجة التي أسفر عنها صراعها ؛ ومن ثّمّ تقويم موقفها من ذلك الحدث نفسه .
ملابسات التعريف:
لا شك أن هذا التعريف الذي صدّرت به مقالي هذا هو تعريف مصنوع أو منحوت ؛ وبذلك فهو متجاوز لتعريفات سابقة منها تعريف د. عبدالعزيز حمودة " المونودراما بطبيعتها تنحو نحو الدراسة النفسية . إلاّ أن ذلك لا يلغي عنصر الحدوتة تماما . بل إن الرحلة داخل أعماق النفس دون الاهتمام المتعمد بعنصر الحدوتة."
وقد تلاحظ لي أن د. حمودة يركز علي الهدف من المونودراما باعتبارها لونا من الألوان الدرامية التي تستهدف دراسة سيكلوجية الشخصية . وهو بهذا يقربها من السيكودراما ، بمعني أنها هدف ووسيلة في ذاتها
أما المخرج سمير العصفوري فيركز علي دورها كمهارة أدائية وحل لمشكلات الإنتاج في الفرق المسرحية تخلصا من أعباء إنتاجية اقتصادية وإدارية إذ يقول:" المونودراما هذا النوع من الإبداع الدرامي يستعرض مهارة الممثلين المتميزين ، وفي نفس الوقت يقدم متعة فنية منفردة وتحل كثيرا العديد من المشكلات الإنتاجية في المسرح . نحن في حاجة إلي المزيد من هذه التجارب الفنية."
واعتقد أن المونودراما كانت تلبي حاجة مسرح الغرفة أو القاعة التي أنشأها المخرج عبد الغفار عودة بفرقة المسرح المتجول في الثمانينيات ، وقاعة صلاح عبد الصبور التي أنشاها العصفوري نفسه مقتطعا مساحة من صالة العرض بمسرح الطليعة عندما كان مديرا له .
أما كاتب المونودراما أمين بكير فقد رأها وسيلة فاعلة في معاونة طلاب التمثيل علي إنجاز مشاريع تخرجهم ضئيلة التكلفة، ربما إظهارا لمهارة الطالب .
القضية إذن عند العصفوري وبكير مقصورة علي حلول تيسر للمنتج المسرحي إنتاج عروض بلا إنتاج وللممثل محترفا استعراض مهاراته الأدائية ولمشروع الممثل الطالب إنجاز مشروع تخرجه.
ومع تسليمي بصحة تعريف هؤلاء الأساتذة ، للهدف من تقديم هذا اللون من الفن المسرحي إلاّ أن هذه التعريفات لم تتعرض لتقنية البناء الدرامي والفني للمونودراما. لذا فإنني أتوقف عند معمار بنائها الدرامي والجمالي.
معمار المونودراما:
صدّرت مقالي هذا بتعريف نحته نحتا لهذا اللون المسرحي ؛ إذ قلت : " هي تركيبة درامية من المونولوج والمناجاة والجانبية علي هيئة مسرحية قصيرة تأسست بنيتها علي صور متشظية لصراع نفسي يدور بداخل شخصية واحدة ، متعددة الأصوات."
ولأن الحدث أو الصور المستعادة عبر ذهن الشخصية المنفردة في المونودراما بوصفها مسرحية الممثل الواحد ، محمولة علي صوتها المحمل بعدد من الأصوات المسترجعة دون ترتيب منطقي متسلسل للحدث أو المواقف الدرامية التي مضت وانقضت وذلك وفق أسلوب (المونتاج) الذهني ، تشخيصا يعيد تصوير مقتطفات متفرقة لصراع ما يزال صداه فاعلا في نفسية تلك الشخصية المونودرامية، بما يتوافق شكلا مع المونولوج الذي هو عندي" حديث فرد لنفسه في حوارية تدور بين صوت عقله وإرادته وصوت مشاعره ، حيث يتغلب فيها صوت المشاعر علي صوت العقل . وهو نتاج عدم التوازن بين صوتي إرادتين في شخصية واحدة (صوت المنطق وصوت الشعور) عند شخصية واحدة." وهو ما يمثل له د. مجدي وهبة بحديث معاناة هاملت " أن تكون أو لا تكون" غير أن د. وهبة نسب هذا إلي المناجاة ، فهو لا يفرق بين المناجاة والمونولوج ، بينما أراهما مصطلحين لا مصطلحا واحدا . فأنا أري أنه " علي الرغم من أن كلا من المناجاة والمونولوج صراع بين العقل والعاطفة إلاّ أن العاطفة تنتصر علي العقل في المونولوج والأمر علي العكس من ذلك في المناجاة التي ينتصر فيها العقل علي العاطفة" وأضيف إلي ما تقدم أن المناجاة هي موقف مناشدة تتوجه بها الشخصية المنفردة بالحديث إلي نفسها أو إلي قوة غيبية إعلانا لهزيمتها أمام الشرط الموضوعي ( المحيط الخارجي) فالمناجاة إذن هي الصورة الدرامية للنتيجة التي تمخض عنها الصراع بين صوت عقل الشخصية نفسها مع صوت مشاعرها وهذا التعريف يتطابق مع ما قال به د. وهبه.
والشخصية المونودرامية تستعين بالمونولوج وبالمناجاة معا عند البوح بمعاناتها السابقة في صراع صوتها المسترجع لإرادتها مع أصوات مناوئة لها في حدث درامي أو موقف انقضي في غير صالحها ، فضلا عن مسحة النقد الذي توشّح بها تلك الصور المسترجعة من الحدث علي غير تسلسل منطقي ، تعبيرا نفسيا يسقط ما بداخلها من مرارة عالقة بنفسها من نتيجة ذلك الصراع .؛ لذلك تستعين بالجانبية (الوشوشة المسرحية) أيضا . وهي :" صوت خافت يدور داخل الشخصية ، كاشفا عن وعيها المتمثل في نقدها أو انتقادها لحدث ما ، بهدف تلبية الجمهور إلي ما عساه يجري في اللحظات المقبلة"
ولأن استعادة الشخصية المونودرامية لبعض الصور أو المواقف التي انقضت ، تاركة في نفسية تلك الشخصية بعضا من الغضاضة أو الضيق والحزن أو شيئا من سرور مبهم لأمل متوهم متوقع التحقق ؛ لذلك تتداخل الصور وتتقاطع وتتواصل ، بما يقاربها بعملية المونتاج . ذلك أن استرجاع عدد من الصور هي عملية انتقائية ذهنية تقوم بها الشخصية باختيار مجموعة من الصور التي تبلور جوهر الحدث الذي مازالت آثاره فاعلة في نفسيتها . وهذا الانتقاء لا يتوافق كنسق تسلسلي يصل النهايات بالبدايات مرورا بوسط موضوعي ، لذا يتأسس معمار النص المونودرامي علي البني الجزئية المتشظية ، حيث تتجاور مجتزئات الصور وتتداخل ، وتتكررـ أحيانا ـ دون قصد من الشخصية نفسها.
ولما كان الأساس الاتصالي بين صوت الشخصية المسترجع للحدث محملا بالأصوات المتعددة للشخصيات المتصارعة معه ، مجتزئة أو متشظية ، عبر بعثه أو استنساخه لها عبر التخيل لونا من ألوان صراع إرادات متعارضة داخل الشخصية المونودرامية نفسها ؛ لذا فإن معمار البنية الحوارية الاتصالية لم يخرج عن مركب تعبيري درامي مزجي بين معمار بنية المونولوج مع بنية المناجاة وبنية الجانبية ، تعبيرا نفسيا عن حالة بوح لشخصية عزلت نفسها بإرادتها عن كل ما حولها وتركت نفسها ساحة مفتوحة لصراع داخلي محتدم بين جوهر ما تريد وما تشعر في مواجهة ما يراد لها ممن يسعي حثيثا للحيلولة دون تحقيقها لإرادتها . فهي إذن منظومة بناء ذهني مفكك النسق ، عاكس لمواقف متشظية منتقاة بلقطات متفرقة متداخلة في غير ترتيب منطقي ، بغية إعادة عرض صور مناهضة لإرادتها بتصوير نقدي . وهنا لا يكون أمامها إلاّ توظيف السرد الإنعكاسي ، حيث يمكّنها من اجتزاء مقولات من مجمل أقوال معارضيها وعرضها عرضا فيه من التشويه بالقدر الذي يشفي بعضا مما في النفس من غضاضة أو كراهية أو ضيق . لذلك كان تعبيرها إسقاطا لبواعث أزمتها ، وتنفيسا لمعاناتها .
ولأن معمار النص هنا قائم علي التداخل الزماني بحكم انقضاء الحدث في الماضي وإعادة إنتاجه عبر صور متشظية في الحاضر تنفيسا وتمهيدا لما هو آت ، فضلا عن التداخل المكاني بحكم تعدد صور الأمكنة التي يستعيدها ذهن الشخصية للأماكن والمناظر التي جري فيها الحدث إلي جانب تداخل الأصوات المستعادة محمولة علي صوته وتعبيراته ، متداخلة البواعث من جهة نظر الشخصية المونودرامية - وحدها غالبا علي غير الحقيقة ، لتحاملها علي المعارضين لها - مما ينتج تعدد دلالات ذلك الحدث المسترجع مفككا لنسق خطاب الآخرين وناقضا له ؛ لذلك أري مرتاحا أن الشخصية المونودرامية شخصية حدثية بطبيعتها ، لأنها منقسمة علي ذاتها ، إذ أنها مجموعة أصوات مصطنعة ، أو متوالدة من صلب صوت شخصية واحدة ، وهي متراكبة علي صوت تلك الشخصية نفسها في تعبير متشظ قائم علي السرد الانعكاسي –
وسواء عرفت المونودراما قبل ظهور الحداثة وما بعدها أو لم تعرف ، فذلك لا يعني عدم وجودها الذي لم يتمكن القدماء من إدراكه ؛ فعدم تراقص فروع الأشجار لا ينفي وجود الرياح – بتعبير بريخت- فظهور اختراع حديث في أي عصر ، يؤدي إلي أساليب ثقافية حداثية لها القدرة علي اكتشاف المتغيرات التي أتي بها الاختراع الحديث والتعامل معها- .
- دراسة في معمار النص -
د.أبو الحسن سلام
المونودراما تركيبة درامية من المونولوج والمناجاة والجانبية ،علي هيئة مسرحية قصيرة تأسست بنيتها علي صور متشظية لصراع نفسي يدور بداخل شخصية واحدة ، متعددة الأصوات . وهي أصوات درامية مستدعاة أو مستعادة من موقف أو مواقف ماضية من حياة الشخصية المونودرامية نفسها ، محمولة علي صوت واحد هو صوت تلك الشخصية نفسها ، علي أن استدعاء الشخصية لصور ومواقف ماضية تمت بينها وعدد من شخصيات اشتبكت معها في مواقف من حدث مضي ، دون أن يسفر اشتباكها مع الآخرين عن نتيجة ما لصالحها مما ترك آثارا رسبت في وجدانها وسببت لها جرحا نفسيا غائرا أو حزنا أو ضيقا أو حيرة أو وجها من وجوه الشك أو الحنق أو الأمل أو الغبطة الداخلية المشوبة بالخوف مما تتوقع . لذا تستعيد الشخصية المونودرامية صورا مما جري بينها والآخرين وتعيد إنتاجها بالتشخيص الذهني ؛ بهدف إعادة تقييم النتيجة التي أسفر عنها صراعها ؛ ومن ثّمّ تقويم موقفها من ذلك الحدث نفسه .
ملابسات التعريف:
لا شك أن هذا التعريف الذي صدّرت به مقالي هذا هو تعريف مصنوع أو منحوت ؛ وبذلك فهو متجاوز لتعريفات سابقة منها تعريف د. عبدالعزيز حمودة " المونودراما بطبيعتها تنحو نحو الدراسة النفسية . إلاّ أن ذلك لا يلغي عنصر الحدوتة تماما . بل إن الرحلة داخل أعماق النفس دون الاهتمام المتعمد بعنصر الحدوتة."
وقد تلاحظ لي أن د. حمودة يركز علي الهدف من المونودراما باعتبارها لونا من الألوان الدرامية التي تستهدف دراسة سيكلوجية الشخصية . وهو بهذا يقربها من السيكودراما ، بمعني أنها هدف ووسيلة في ذاتها
أما المخرج سمير العصفوري فيركز علي دورها كمهارة أدائية وحل لمشكلات الإنتاج في الفرق المسرحية تخلصا من أعباء إنتاجية اقتصادية وإدارية إذ يقول:" المونودراما هذا النوع من الإبداع الدرامي يستعرض مهارة الممثلين المتميزين ، وفي نفس الوقت يقدم متعة فنية منفردة وتحل كثيرا العديد من المشكلات الإنتاجية في المسرح . نحن في حاجة إلي المزيد من هذه التجارب الفنية."
واعتقد أن المونودراما كانت تلبي حاجة مسرح الغرفة أو القاعة التي أنشأها المخرج عبد الغفار عودة بفرقة المسرح المتجول في الثمانينيات ، وقاعة صلاح عبد الصبور التي أنشاها العصفوري نفسه مقتطعا مساحة من صالة العرض بمسرح الطليعة عندما كان مديرا له .
أما كاتب المونودراما أمين بكير فقد رأها وسيلة فاعلة في معاونة طلاب التمثيل علي إنجاز مشاريع تخرجهم ضئيلة التكلفة، ربما إظهارا لمهارة الطالب .
القضية إذن عند العصفوري وبكير مقصورة علي حلول تيسر للمنتج المسرحي إنتاج عروض بلا إنتاج وللممثل محترفا استعراض مهاراته الأدائية ولمشروع الممثل الطالب إنجاز مشروع تخرجه.
ومع تسليمي بصحة تعريف هؤلاء الأساتذة ، للهدف من تقديم هذا اللون من الفن المسرحي إلاّ أن هذه التعريفات لم تتعرض لتقنية البناء الدرامي والفني للمونودراما. لذا فإنني أتوقف عند معمار بنائها الدرامي والجمالي.
معمار المونودراما:
صدّرت مقالي هذا بتعريف نحته نحتا لهذا اللون المسرحي ؛ إذ قلت : " هي تركيبة درامية من المونولوج والمناجاة والجانبية علي هيئة مسرحية قصيرة تأسست بنيتها علي صور متشظية لصراع نفسي يدور بداخل شخصية واحدة ، متعددة الأصوات."
ولأن الحدث أو الصور المستعادة عبر ذهن الشخصية المنفردة في المونودراما بوصفها مسرحية الممثل الواحد ، محمولة علي صوتها المحمل بعدد من الأصوات المسترجعة دون ترتيب منطقي متسلسل للحدث أو المواقف الدرامية التي مضت وانقضت وذلك وفق أسلوب (المونتاج) الذهني ، تشخيصا يعيد تصوير مقتطفات متفرقة لصراع ما يزال صداه فاعلا في نفسية تلك الشخصية المونودرامية، بما يتوافق شكلا مع المونولوج الذي هو عندي" حديث فرد لنفسه في حوارية تدور بين صوت عقله وإرادته وصوت مشاعره ، حيث يتغلب فيها صوت المشاعر علي صوت العقل . وهو نتاج عدم التوازن بين صوتي إرادتين في شخصية واحدة (صوت المنطق وصوت الشعور) عند شخصية واحدة." وهو ما يمثل له د. مجدي وهبة بحديث معاناة هاملت " أن تكون أو لا تكون" غير أن د. وهبة نسب هذا إلي المناجاة ، فهو لا يفرق بين المناجاة والمونولوج ، بينما أراهما مصطلحين لا مصطلحا واحدا . فأنا أري أنه " علي الرغم من أن كلا من المناجاة والمونولوج صراع بين العقل والعاطفة إلاّ أن العاطفة تنتصر علي العقل في المونولوج والأمر علي العكس من ذلك في المناجاة التي ينتصر فيها العقل علي العاطفة" وأضيف إلي ما تقدم أن المناجاة هي موقف مناشدة تتوجه بها الشخصية المنفردة بالحديث إلي نفسها أو إلي قوة غيبية إعلانا لهزيمتها أمام الشرط الموضوعي ( المحيط الخارجي) فالمناجاة إذن هي الصورة الدرامية للنتيجة التي تمخض عنها الصراع بين صوت عقل الشخصية نفسها مع صوت مشاعرها وهذا التعريف يتطابق مع ما قال به د. وهبه.
والشخصية المونودرامية تستعين بالمونولوج وبالمناجاة معا عند البوح بمعاناتها السابقة في صراع صوتها المسترجع لإرادتها مع أصوات مناوئة لها في حدث درامي أو موقف انقضي في غير صالحها ، فضلا عن مسحة النقد الذي توشّح بها تلك الصور المسترجعة من الحدث علي غير تسلسل منطقي ، تعبيرا نفسيا يسقط ما بداخلها من مرارة عالقة بنفسها من نتيجة ذلك الصراع .؛ لذلك تستعين بالجانبية (الوشوشة المسرحية) أيضا . وهي :" صوت خافت يدور داخل الشخصية ، كاشفا عن وعيها المتمثل في نقدها أو انتقادها لحدث ما ، بهدف تلبية الجمهور إلي ما عساه يجري في اللحظات المقبلة"
ولأن استعادة الشخصية المونودرامية لبعض الصور أو المواقف التي انقضت ، تاركة في نفسية تلك الشخصية بعضا من الغضاضة أو الضيق والحزن أو شيئا من سرور مبهم لأمل متوهم متوقع التحقق ؛ لذلك تتداخل الصور وتتقاطع وتتواصل ، بما يقاربها بعملية المونتاج . ذلك أن استرجاع عدد من الصور هي عملية انتقائية ذهنية تقوم بها الشخصية باختيار مجموعة من الصور التي تبلور جوهر الحدث الذي مازالت آثاره فاعلة في نفسيتها . وهذا الانتقاء لا يتوافق كنسق تسلسلي يصل النهايات بالبدايات مرورا بوسط موضوعي ، لذا يتأسس معمار النص المونودرامي علي البني الجزئية المتشظية ، حيث تتجاور مجتزئات الصور وتتداخل ، وتتكررـ أحيانا ـ دون قصد من الشخصية نفسها.
ولما كان الأساس الاتصالي بين صوت الشخصية المسترجع للحدث محملا بالأصوات المتعددة للشخصيات المتصارعة معه ، مجتزئة أو متشظية ، عبر بعثه أو استنساخه لها عبر التخيل لونا من ألوان صراع إرادات متعارضة داخل الشخصية المونودرامية نفسها ؛ لذا فإن معمار البنية الحوارية الاتصالية لم يخرج عن مركب تعبيري درامي مزجي بين معمار بنية المونولوج مع بنية المناجاة وبنية الجانبية ، تعبيرا نفسيا عن حالة بوح لشخصية عزلت نفسها بإرادتها عن كل ما حولها وتركت نفسها ساحة مفتوحة لصراع داخلي محتدم بين جوهر ما تريد وما تشعر في مواجهة ما يراد لها ممن يسعي حثيثا للحيلولة دون تحقيقها لإرادتها . فهي إذن منظومة بناء ذهني مفكك النسق ، عاكس لمواقف متشظية منتقاة بلقطات متفرقة متداخلة في غير ترتيب منطقي ، بغية إعادة عرض صور مناهضة لإرادتها بتصوير نقدي . وهنا لا يكون أمامها إلاّ توظيف السرد الإنعكاسي ، حيث يمكّنها من اجتزاء مقولات من مجمل أقوال معارضيها وعرضها عرضا فيه من التشويه بالقدر الذي يشفي بعضا مما في النفس من غضاضة أو كراهية أو ضيق . لذلك كان تعبيرها إسقاطا لبواعث أزمتها ، وتنفيسا لمعاناتها .
ولأن معمار النص هنا قائم علي التداخل الزماني بحكم انقضاء الحدث في الماضي وإعادة إنتاجه عبر صور متشظية في الحاضر تنفيسا وتمهيدا لما هو آت ، فضلا عن التداخل المكاني بحكم تعدد صور الأمكنة التي يستعيدها ذهن الشخصية للأماكن والمناظر التي جري فيها الحدث إلي جانب تداخل الأصوات المستعادة محمولة علي صوته وتعبيراته ، متداخلة البواعث من جهة نظر الشخصية المونودرامية - وحدها غالبا علي غير الحقيقة ، لتحاملها علي المعارضين لها - مما ينتج تعدد دلالات ذلك الحدث المسترجع مفككا لنسق خطاب الآخرين وناقضا له ؛ لذلك أري مرتاحا أن الشخصية المونودرامية شخصية حدثية بطبيعتها ، لأنها منقسمة علي ذاتها ، إذ أنها مجموعة أصوات مصطنعة ، أو متوالدة من صلب صوت شخصية واحدة ، وهي متراكبة علي صوت تلك الشخصية نفسها في تعبير متشظ قائم علي السرد الانعكاسي –
وسواء عرفت المونودراما قبل ظهور الحداثة وما بعدها أو لم تعرف ، فذلك لا يعني عدم وجودها الذي لم يتمكن القدماء من إدراكه ؛ فعدم تراقص فروع الأشجار لا ينفي وجود الرياح – بتعبير بريخت- فظهور اختراع حديث في أي عصر ، يؤدي إلي أساليب ثقافية حداثية لها القدرة علي اكتشاف المتغيرات التي أتي بها الاختراع الحديث والتعامل معها- .
فنون السرد بين الرواية والمسرح
فنون السرد بين الرواية والمسرحية
د. أبو الحسن سلام
السرد لغة اتصالي تعبيري تربط الماضي بالحاضر ، وتربط الحاضر بتطلعاته المستقبلية المأمولة ؛ عن طريق الكلام أو عن طريق التشكيل التصويري المرئي أو عن طريق التعبير الحركي غير الكلامي ارتجالا صامتا أو رقصا ، سواء أقام علي تعبير فردي أم علي تعبير جماعي . وهو تعبير اتصالي في فنون المسرح وفنون السينما وفنون الإذاعة المسموعة والمرئية، فضلا عن الفنون التشكيلية.
يتفرع السرد في أربعة أساليب رئيسية علي النحو الآتي:
(السرد التصويري - السرد التلخيصي - السرد التشخيصي - السرد التجسيدي )
أولا: السرد التلخيصي: وهو للتمهيد وللتقديم وللتعليق . ففي التعليق ينحو نحو النقد أو الانتقاد.
وفي التقديم ينحو نحو التهيئة ، والتعريف بجذر الحدث وماضي الشخصية وطبيعة الوسط البيئي.
ثانيا: السرد التصويري: يعني بعرض الفعل في خطوطه الرئيسية ، دون أن يكشف السارد عن طابع ذاتي - إلاّ فيما قل - في المحتوي السردي وهو يحل الحوار بصيغة الحاضر ؛ محل الخلاصة الإجمالية .
ثالثا: السرد التشخيصي: يعني بالخطوط الخارجية لماضي الفعل ، من جهة نظر طريقة السرد وطريقة تلقيها ، لوضع الفعل في بؤرة الاحتمال عبر وعي متلق معاصر مندهش تتعدد عنده الدلالة الواحدة .
رابعا: السرد التجسيدي: يعني بالتفصيلات الداخلية للفعل متفاعلا مع الزمان الآني والمكاني وبالبواعث القائمة علي توحد الضرورة مع الاحتمال عند المتلقي .
ضرورة التعبير السردي
ضرورة التعبير السردي تفرضها طاقة الأفكار والمشاعر المتصورة أو المسكوت عنها المنطوقة والمرئية أو المختبئة خلف قناع فعل الكلام المحمول حضور علي ألسنة أصحابه الناطقين به أو خلف قناع فعل الحركة المحمولة علي دوافع فاعليها ، ويراد الكشف عنها تلميحا بأن يعهد بها إلي السارد سواء علي لسان فرد أو علي ألسنة جماعة ( جوقة) افتراضية تنوب عن صاحب خطاب غائب . والسارد " يمثل ما تراه الشخصية فحسب ، كما لو كان ينظر عبر عينيها أو كما لو كان " شاهدا غير منظور " يقف إلي جانبها . "
وعلي ما تقدم نقول إن :" السرد يمكن أن يوجد عالما تخييليا متنوعا مفتقدا إلي الموثوقية."
وظائف السرد : يستطيع المؤلف بوساطته الدخول إلي عقول الشخصيات ، وأن يكشف المصادر السرية للأفعال .. ويمكن أن يوجز أو يسهب ، كما تتطلب الأجزاء المختلفة في قصته أو في ثنايا الحدث المسرحي . ويستطيع كشف الجوانب غير المعروفة عند أية شخصية من الشخصيات ، والتعليق علي الفعل .
علي أن السرد ذاته يمكن أن يغدو مملا ؛ ولذا وضع كل الكتاب المجيدين أكبر قدر ممكن من التعبير الدرامي ، فيما يعرف بالمشهد ، بدلا من الخلاصة السردية . فضلا عن ذلك .. فالسرد يعمل علي تصوير جو أعظم من الحقيقة في كشف الشخصيات علي نحو أكثر حميمية ؛ مما في النص التخييلي الروائي أو المسرحي المعتمد علي طاقة الحكي عند المؤلف ، شريطة الحرص علي إدراك أن مالا تستطيع الشخصية قوله لا يستطيع المؤلف أن يخبر عنه بطريق السرد .
ومن بداهة القول إن الصيغ السردية مغايرة لصيغ التعبير الحواري الحاضر في الفعل ، المخلوق لحظة تجسيده التي تكشف عن هويته النوعية ؛ فالرسائل الاتصالية والحواريات الأحادية ( المونولوج والمناجاة والجانبية) المنطوقة يستخدم لها المؤلف صيغة الحاضر، أما السرد فهو بصيغة الماضي والمستقبل ، حتى وإن قيلت في حدث آني حاضر. والسرد محدود وفق مسيرة الحدث الدرامي سواء اتخذه المؤلف قناعا يستر خلفه فكرة أو رأيا ، أو حمل علي لسان إحدى الشخصيات الرئيسية أو الثانوية أو حمل علي اللسان الموحد للجوقة أو علي لسان الراوي تلك الشخصية التي هي بمثابة المعادل الدرامي لشخصية الحاكم المطلق في المجتمعات المتخلفة ، فكلاهما يمسك مصائر الناس بين أصابعه الحاكم المطلق يتسلط علي شعبه والراوي يده مطلقه علي رقاب الشخصيات الدرامية والروائية يحيي هذه ويميت تلك ، يعطي من يشاء كما يشاء ويمنع ما شاء عمن يشاء . وهي خاصية اختصت بها شخصية الراوي في المجتمعات الشرقية والعربية ، علي النقيض من الدور الجماعي الذي تلعبه الجوقة في الدراما الغربية ، تبعا لاختلاف الثقافة الغربية الديمقراطية التي تضع تقرير المصير العام أمرا منوطا بالتوافق الجماعي ، عن الثقافة الشرقية والعربية ذات الطابع الشمولي القبلي والنظم العسكرتارية القائمة علي التراتبية والأبوية البطريركية الهيراركية.
*خاصية الحوار وخاصية السرد:
يقوم الحوار علي لغة التفعيل الحاضر في الحدث الدرامي مستهدفا خلق رد فعل حاضر متباين المستويات عند الشخصية المقابلة ، بقصد تنمية الحدث الدرامي والحوار بتلك الخاصية عليه أن يكون علي نقيض الذي عليه أن يكشف عما يعنيه المكان والزمان والأحداث والشخصيات في علاقاتها المشتبكة . والسرد وفق ذلك يقوم علي لغة التظليل بالوصف والتخييلات التي تتناغم مع لغة التفعيل علي النحو الذي يحققه الفنان التشكيلي في لوحاته بتفعيل دور التكوينات المشعة إذ يحيطها بما يظللها من ألوان ذات قتامه . كما يقوم علي لغة التذييل ، الذي يحمله السارد الثالث وهو بمثابة مؤلف ضمني أو ناقد ضمني يعلق علي الأحداث نيابة عن المؤلف نفسه حالة غياب السارد الأول ( أنا المؤلف) عن مسيرة الحدث الروائي أو الحدث الدرامي والمسرحي ، وأمثلة ذلك متعددة في الرواية وفي المسرح . ففي المسرح تظهر شخصية السارد الضمني الذي يتقنع المؤلف خلفه متمثلة في شخصية ( المنادي ) في مسرحية بريخت ( محاكمة لوكوللوس) الذي يحمل صوت فكر بريخت النقدي نفسه للحاكم الديكتاتور في وصفه التذييلي لموكب جنازة الإمبراطور لوكوللوس " وخلف نعشه يسير وزيره وحكيمه وحصانه الأثير" فهذا التذييل النقدي يساوي بين السلطة التنفيذية والسلطة الاستشارية والحصان فالسلطة التنفيذية والسلطة الاستشارية أو التشريعية كانت بمثابة مطية لنظام لوكوللوس الديكتاتوري .
• تقنية البناء السردي المتدرج:
وللتظليل والتذييل السردي مستويات متدرجة حالة تناظر وظيفة (الراوية) كما في مسرحية (سليمان الحلبي) إذ تأسست الرواية السردية للافتتاحية علي تقسيم نداء التحذير والوعيد الصادر عن قائد الحملة الفرنسية ضد الشعب المصري علي ثلاثة منادين خص كل منهم بخطاب مخصوص بطبقة من طبقات الشعب ( الزعماء ممثلي النخبة الحاكمة – التجار ممثلي الطبقة العليا والطبقة المتوسطة بالقاهرة – عامة سكان القطر المصري ) هكذا تأسس الخطاب السردي السلطوي الصادر عن قيادة الغازي المحتل وفق الصياغة الدرامية التسجيلية في نص ( سليمان الحلبي) . وهو أمر لاشك عندي أن ألفريد فرج قصد إليه قصدا ، ذلك أن الرسالة الموجهة من ساري عسكر فرنسيس ( نابليون أو كليبير) كان هدفها التخويف والردع حتي تخف حدة مقاومة الشعب المصري بكل طبقاته وطوائفه عن مقاومة الغزاة . ولأن الحقيقة الفنية تتجاوز الحقيقة التاريخية ، لذلك تجلت جماليات البناء السردي لرسالة التحذير والردع في توزيع مسيرة إذاعة خطاب الردع علي ثلاثة أصوات ، بما يفرق عن فهم ووعي بأن الشعب أي شعب في أي مكان ليس علي خط اجتماعي واقتصادي وسياسي واحد ، وإنما هو طبقات ثلاثة ( عليا ومتوسطة وصغري ) ولا يدرك أمر هذا ويضعه نصب عينيه سوي مفكر تنويري يساري عرف الانتماء الحزبي في الاتجاه الاشتراكي ، وهو حال ألفريد فرج نفسه الذي كتب مسرحيته الرائعة ( حلاق بغداد) ومثلها مع رفقاء الفكر في معتقل الواحات في الستينيات ، لذا أقول إن توزيع النداء الإرهابي للغازي الفرنسي، كان تجاوزا مقصودا للحقيقة التاريخية ، فخطاب الردع وحدة واحدة من حيث محتواه بغض النظر عن خصوصية الجزاء وعموميته وتفاوت مستويات العقوبة الموقعة علي الزعماء والعقوبة الموقعة علي تجار القاهرة والموقعة علي عموم سكان القطر المصري ، فتوزيع المؤلف للخطاب اعتمد ثلاثة أساليب :
• أسلوب عرض جزئي للتحذير الخاص للزعماء بسرد تخصيص التخصيص . وقد حمله المنادي الأول ليخص به خاصة الزعماء
• أسلوب سردي تعميمي ، ليخص به فئة كبار تجار القاهرة . خص بحمله المنادي الثالث
• أسلوب تعميم التعميم ليشمل كل سكان مصر
ويتمثل السرد التلخيصي: في المقدمة الدرامية التسجيلية لمسرحية سليمان الحلبي ، وهي علي صيغة منشور درامي أقرب ما يكون إلي مسرحية الأوتشرك الروسية ( تحقيق درامي بمثابة استبيان سياسي يستهدف اكتشاف عن بعد لتوجهات الرأي العام ). ومثال السرد التلخيصي الممهد للحدث نجده في مسرحية ( الطيب والشرير ) أيضا نجد مثالا آخر للسرد التلخيصي المحمول هذه المرة علي لسان السارد الأول الذي يتكلم بنفسه نيابة عن الجماعة ، علي النحو الذي نجده في التقديمة الدرامية لمسرحية ( ليالي الحصاد) لمحمود دياب
أما السرد التشخيصي : في أطلق عليه ( مجزوء المونولوج) وهو أسلوب سرد اعتمده توفيق الحكيم في حوارية القطع والوصل التي جمعت بين الزوج ( بهادر) والزوجة( بهانة) اللذين تلاحظ لي أن ن إسم كل من هما يبدأ بحرف الباء ، مما جعلني أحيل الأول إلي بداية جنس الرجل ( آدم) وأحيل الثاني إلي بداية جنس النساء ( حواء) بوصفهما رمزي الخليقة البشرية . أما عن فكرة سرد مجزوء المونولوج ، فقد لاحظت أن كلا من الزوج الذي يعني اسمه ( المتبختر أو المتباهي بنفسه) والزوجة التي يعني اسمها ( العايقة أوالمختالة) وكليهما يتحدث ظاهريا أمام الآخر في حيز مكاني وزماني واحد إلاّ أن حديث كل منهما غير متصل أو مشتبك مع حديث الآخر ، فلا اتصال ولا تواصل فعلي ، وإن بدا ظاهريا . ذلك أننا لو ضممنا كل ما قالته الزوجة ووصلنا جملها المتقطعة بعيدا عن مجمل جمله المتقطعة لأصبح لدينا مونولوجين أحدهما يخص الزوج بهادر والآخر يخص الزوجة بهانه . غير أن الحكيم صاغ النسق الحواري السردي بحيث جعل نهاية كل جملة من أقوال الزوج هي بداية للجملة التالية لها من كلام الزوجة ، بمعني أنه جزأ مونولوج الزوج وجزأ مونولوج الزوجة وأعاد تنسيقهما في منظومة هندسية سردية ، أساسها البوح الذاتي لكل شخصية منهما . لذلك أطلقت علي تلك الحوارية السردية القائمة علي التداعيات تحقيقا للبنية الدرامية العبثية التي تتقصد التقافز من فكرة إلي أخري ومن معني إلي آخر ليبدو الحديث بلا منطق ( وأقرب مثل له طريقة تمثيل الفنان المصري يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين ) ومن أمثلة السرد التشخيصي أيضا مسرحية ( جمهورية فرحات) وهي مسرحية قصيرة كانت في الأصل قصة قصيرة للكاتب نفسه ، لذلك اعتمدت السرد أساسا لمنظومة الحكي المتقاطع المتواصل تبعا للمشكلات الاجتماعية الطارئة التي توقف استرسال الصول فرحات في حلم يقظته اليوتوبي الذي يبوح به أمام مفكر اشتراكي معتقل في طريقه إلي السجن ، دون أن ينتبه الصول نفسه أو يتغافل عن ذلك ، وهنا تتحقق المفارقة الدرامية حيث الحاكم يحلم بصنع مجتمع العدالة المثالية المطلقة وهو في الوقت نفسه يعتقل المؤمنين بفكرة الاشتراكية – ولم يكن ذلك إلاّ إسقاطا سياسيا انتقاديا يوجهه يوسف إدريس إلي النظام الناصري الذي زعم أنه يقيم مجتمعا اشتراكيا في حين أنه يسير في اتجاه الطرف الأيسر من طريق الرجعية البيروقراطية ، التي اعتمدت تأميم وسائل الإنتاج وتمليكها للدولة وإدارتها بأهل الثقة من الضباط المبعدين عن الجيش شكا في ولائهم للنظام وتوجهاته اليسارية البيروقراطية .ومن أمثلة السرد التشخيصي أيضا مسرحية ( ياسين وبهية) ومسرحية ( ليلة زفاف الكترا) للشاعر مهدي بندق والأمثلة كثيرة ومتنوعة في الأنساق السردية الدرامية في المسرح , نجدها مشتبكة مع الحوار بقدر يتناسب مع طبيعة الحدث الدرامي وطبيعة بناء الشخصية ومخزون ثقافاتها . هذا بخلاف سعي رائد مثل توفيق الحكيم الذي مزج السرد الروائي بالحوار المسرحي في توليفته المسرواية ( بنك القلق ) وفي ريادة نجيب سرور للقصيدة الدرامية ( ياسين وبهية ) القائمة علي السرد التشخيصي.
د. أبو الحسن سلام
السرد لغة اتصالي تعبيري تربط الماضي بالحاضر ، وتربط الحاضر بتطلعاته المستقبلية المأمولة ؛ عن طريق الكلام أو عن طريق التشكيل التصويري المرئي أو عن طريق التعبير الحركي غير الكلامي ارتجالا صامتا أو رقصا ، سواء أقام علي تعبير فردي أم علي تعبير جماعي . وهو تعبير اتصالي في فنون المسرح وفنون السينما وفنون الإذاعة المسموعة والمرئية، فضلا عن الفنون التشكيلية.
يتفرع السرد في أربعة أساليب رئيسية علي النحو الآتي:
(السرد التصويري - السرد التلخيصي - السرد التشخيصي - السرد التجسيدي )
أولا: السرد التلخيصي: وهو للتمهيد وللتقديم وللتعليق . ففي التعليق ينحو نحو النقد أو الانتقاد.
وفي التقديم ينحو نحو التهيئة ، والتعريف بجذر الحدث وماضي الشخصية وطبيعة الوسط البيئي.
ثانيا: السرد التصويري: يعني بعرض الفعل في خطوطه الرئيسية ، دون أن يكشف السارد عن طابع ذاتي - إلاّ فيما قل - في المحتوي السردي وهو يحل الحوار بصيغة الحاضر ؛ محل الخلاصة الإجمالية .
ثالثا: السرد التشخيصي: يعني بالخطوط الخارجية لماضي الفعل ، من جهة نظر طريقة السرد وطريقة تلقيها ، لوضع الفعل في بؤرة الاحتمال عبر وعي متلق معاصر مندهش تتعدد عنده الدلالة الواحدة .
رابعا: السرد التجسيدي: يعني بالتفصيلات الداخلية للفعل متفاعلا مع الزمان الآني والمكاني وبالبواعث القائمة علي توحد الضرورة مع الاحتمال عند المتلقي .
ضرورة التعبير السردي
ضرورة التعبير السردي تفرضها طاقة الأفكار والمشاعر المتصورة أو المسكوت عنها المنطوقة والمرئية أو المختبئة خلف قناع فعل الكلام المحمول حضور علي ألسنة أصحابه الناطقين به أو خلف قناع فعل الحركة المحمولة علي دوافع فاعليها ، ويراد الكشف عنها تلميحا بأن يعهد بها إلي السارد سواء علي لسان فرد أو علي ألسنة جماعة ( جوقة) افتراضية تنوب عن صاحب خطاب غائب . والسارد " يمثل ما تراه الشخصية فحسب ، كما لو كان ينظر عبر عينيها أو كما لو كان " شاهدا غير منظور " يقف إلي جانبها . "
وعلي ما تقدم نقول إن :" السرد يمكن أن يوجد عالما تخييليا متنوعا مفتقدا إلي الموثوقية."
وظائف السرد : يستطيع المؤلف بوساطته الدخول إلي عقول الشخصيات ، وأن يكشف المصادر السرية للأفعال .. ويمكن أن يوجز أو يسهب ، كما تتطلب الأجزاء المختلفة في قصته أو في ثنايا الحدث المسرحي . ويستطيع كشف الجوانب غير المعروفة عند أية شخصية من الشخصيات ، والتعليق علي الفعل .
علي أن السرد ذاته يمكن أن يغدو مملا ؛ ولذا وضع كل الكتاب المجيدين أكبر قدر ممكن من التعبير الدرامي ، فيما يعرف بالمشهد ، بدلا من الخلاصة السردية . فضلا عن ذلك .. فالسرد يعمل علي تصوير جو أعظم من الحقيقة في كشف الشخصيات علي نحو أكثر حميمية ؛ مما في النص التخييلي الروائي أو المسرحي المعتمد علي طاقة الحكي عند المؤلف ، شريطة الحرص علي إدراك أن مالا تستطيع الشخصية قوله لا يستطيع المؤلف أن يخبر عنه بطريق السرد .
ومن بداهة القول إن الصيغ السردية مغايرة لصيغ التعبير الحواري الحاضر في الفعل ، المخلوق لحظة تجسيده التي تكشف عن هويته النوعية ؛ فالرسائل الاتصالية والحواريات الأحادية ( المونولوج والمناجاة والجانبية) المنطوقة يستخدم لها المؤلف صيغة الحاضر، أما السرد فهو بصيغة الماضي والمستقبل ، حتى وإن قيلت في حدث آني حاضر. والسرد محدود وفق مسيرة الحدث الدرامي سواء اتخذه المؤلف قناعا يستر خلفه فكرة أو رأيا ، أو حمل علي لسان إحدى الشخصيات الرئيسية أو الثانوية أو حمل علي اللسان الموحد للجوقة أو علي لسان الراوي تلك الشخصية التي هي بمثابة المعادل الدرامي لشخصية الحاكم المطلق في المجتمعات المتخلفة ، فكلاهما يمسك مصائر الناس بين أصابعه الحاكم المطلق يتسلط علي شعبه والراوي يده مطلقه علي رقاب الشخصيات الدرامية والروائية يحيي هذه ويميت تلك ، يعطي من يشاء كما يشاء ويمنع ما شاء عمن يشاء . وهي خاصية اختصت بها شخصية الراوي في المجتمعات الشرقية والعربية ، علي النقيض من الدور الجماعي الذي تلعبه الجوقة في الدراما الغربية ، تبعا لاختلاف الثقافة الغربية الديمقراطية التي تضع تقرير المصير العام أمرا منوطا بالتوافق الجماعي ، عن الثقافة الشرقية والعربية ذات الطابع الشمولي القبلي والنظم العسكرتارية القائمة علي التراتبية والأبوية البطريركية الهيراركية.
*خاصية الحوار وخاصية السرد:
يقوم الحوار علي لغة التفعيل الحاضر في الحدث الدرامي مستهدفا خلق رد فعل حاضر متباين المستويات عند الشخصية المقابلة ، بقصد تنمية الحدث الدرامي والحوار بتلك الخاصية عليه أن يكون علي نقيض الذي عليه أن يكشف عما يعنيه المكان والزمان والأحداث والشخصيات في علاقاتها المشتبكة . والسرد وفق ذلك يقوم علي لغة التظليل بالوصف والتخييلات التي تتناغم مع لغة التفعيل علي النحو الذي يحققه الفنان التشكيلي في لوحاته بتفعيل دور التكوينات المشعة إذ يحيطها بما يظللها من ألوان ذات قتامه . كما يقوم علي لغة التذييل ، الذي يحمله السارد الثالث وهو بمثابة مؤلف ضمني أو ناقد ضمني يعلق علي الأحداث نيابة عن المؤلف نفسه حالة غياب السارد الأول ( أنا المؤلف) عن مسيرة الحدث الروائي أو الحدث الدرامي والمسرحي ، وأمثلة ذلك متعددة في الرواية وفي المسرح . ففي المسرح تظهر شخصية السارد الضمني الذي يتقنع المؤلف خلفه متمثلة في شخصية ( المنادي ) في مسرحية بريخت ( محاكمة لوكوللوس) الذي يحمل صوت فكر بريخت النقدي نفسه للحاكم الديكتاتور في وصفه التذييلي لموكب جنازة الإمبراطور لوكوللوس " وخلف نعشه يسير وزيره وحكيمه وحصانه الأثير" فهذا التذييل النقدي يساوي بين السلطة التنفيذية والسلطة الاستشارية والحصان فالسلطة التنفيذية والسلطة الاستشارية أو التشريعية كانت بمثابة مطية لنظام لوكوللوس الديكتاتوري .
• تقنية البناء السردي المتدرج:
وللتظليل والتذييل السردي مستويات متدرجة حالة تناظر وظيفة (الراوية) كما في مسرحية (سليمان الحلبي) إذ تأسست الرواية السردية للافتتاحية علي تقسيم نداء التحذير والوعيد الصادر عن قائد الحملة الفرنسية ضد الشعب المصري علي ثلاثة منادين خص كل منهم بخطاب مخصوص بطبقة من طبقات الشعب ( الزعماء ممثلي النخبة الحاكمة – التجار ممثلي الطبقة العليا والطبقة المتوسطة بالقاهرة – عامة سكان القطر المصري ) هكذا تأسس الخطاب السردي السلطوي الصادر عن قيادة الغازي المحتل وفق الصياغة الدرامية التسجيلية في نص ( سليمان الحلبي) . وهو أمر لاشك عندي أن ألفريد فرج قصد إليه قصدا ، ذلك أن الرسالة الموجهة من ساري عسكر فرنسيس ( نابليون أو كليبير) كان هدفها التخويف والردع حتي تخف حدة مقاومة الشعب المصري بكل طبقاته وطوائفه عن مقاومة الغزاة . ولأن الحقيقة الفنية تتجاوز الحقيقة التاريخية ، لذلك تجلت جماليات البناء السردي لرسالة التحذير والردع في توزيع مسيرة إذاعة خطاب الردع علي ثلاثة أصوات ، بما يفرق عن فهم ووعي بأن الشعب أي شعب في أي مكان ليس علي خط اجتماعي واقتصادي وسياسي واحد ، وإنما هو طبقات ثلاثة ( عليا ومتوسطة وصغري ) ولا يدرك أمر هذا ويضعه نصب عينيه سوي مفكر تنويري يساري عرف الانتماء الحزبي في الاتجاه الاشتراكي ، وهو حال ألفريد فرج نفسه الذي كتب مسرحيته الرائعة ( حلاق بغداد) ومثلها مع رفقاء الفكر في معتقل الواحات في الستينيات ، لذا أقول إن توزيع النداء الإرهابي للغازي الفرنسي، كان تجاوزا مقصودا للحقيقة التاريخية ، فخطاب الردع وحدة واحدة من حيث محتواه بغض النظر عن خصوصية الجزاء وعموميته وتفاوت مستويات العقوبة الموقعة علي الزعماء والعقوبة الموقعة علي تجار القاهرة والموقعة علي عموم سكان القطر المصري ، فتوزيع المؤلف للخطاب اعتمد ثلاثة أساليب :
• أسلوب عرض جزئي للتحذير الخاص للزعماء بسرد تخصيص التخصيص . وقد حمله المنادي الأول ليخص به خاصة الزعماء
• أسلوب سردي تعميمي ، ليخص به فئة كبار تجار القاهرة . خص بحمله المنادي الثالث
• أسلوب تعميم التعميم ليشمل كل سكان مصر
ويتمثل السرد التلخيصي: في المقدمة الدرامية التسجيلية لمسرحية سليمان الحلبي ، وهي علي صيغة منشور درامي أقرب ما يكون إلي مسرحية الأوتشرك الروسية ( تحقيق درامي بمثابة استبيان سياسي يستهدف اكتشاف عن بعد لتوجهات الرأي العام ). ومثال السرد التلخيصي الممهد للحدث نجده في مسرحية ( الطيب والشرير ) أيضا نجد مثالا آخر للسرد التلخيصي المحمول هذه المرة علي لسان السارد الأول الذي يتكلم بنفسه نيابة عن الجماعة ، علي النحو الذي نجده في التقديمة الدرامية لمسرحية ( ليالي الحصاد) لمحمود دياب
أما السرد التشخيصي : في أطلق عليه ( مجزوء المونولوج) وهو أسلوب سرد اعتمده توفيق الحكيم في حوارية القطع والوصل التي جمعت بين الزوج ( بهادر) والزوجة( بهانة) اللذين تلاحظ لي أن ن إسم كل من هما يبدأ بحرف الباء ، مما جعلني أحيل الأول إلي بداية جنس الرجل ( آدم) وأحيل الثاني إلي بداية جنس النساء ( حواء) بوصفهما رمزي الخليقة البشرية . أما عن فكرة سرد مجزوء المونولوج ، فقد لاحظت أن كلا من الزوج الذي يعني اسمه ( المتبختر أو المتباهي بنفسه) والزوجة التي يعني اسمها ( العايقة أوالمختالة) وكليهما يتحدث ظاهريا أمام الآخر في حيز مكاني وزماني واحد إلاّ أن حديث كل منهما غير متصل أو مشتبك مع حديث الآخر ، فلا اتصال ولا تواصل فعلي ، وإن بدا ظاهريا . ذلك أننا لو ضممنا كل ما قالته الزوجة ووصلنا جملها المتقطعة بعيدا عن مجمل جمله المتقطعة لأصبح لدينا مونولوجين أحدهما يخص الزوج بهادر والآخر يخص الزوجة بهانه . غير أن الحكيم صاغ النسق الحواري السردي بحيث جعل نهاية كل جملة من أقوال الزوج هي بداية للجملة التالية لها من كلام الزوجة ، بمعني أنه جزأ مونولوج الزوج وجزأ مونولوج الزوجة وأعاد تنسيقهما في منظومة هندسية سردية ، أساسها البوح الذاتي لكل شخصية منهما . لذلك أطلقت علي تلك الحوارية السردية القائمة علي التداعيات تحقيقا للبنية الدرامية العبثية التي تتقصد التقافز من فكرة إلي أخري ومن معني إلي آخر ليبدو الحديث بلا منطق ( وأقرب مثل له طريقة تمثيل الفنان المصري يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين ) ومن أمثلة السرد التشخيصي أيضا مسرحية ( جمهورية فرحات) وهي مسرحية قصيرة كانت في الأصل قصة قصيرة للكاتب نفسه ، لذلك اعتمدت السرد أساسا لمنظومة الحكي المتقاطع المتواصل تبعا للمشكلات الاجتماعية الطارئة التي توقف استرسال الصول فرحات في حلم يقظته اليوتوبي الذي يبوح به أمام مفكر اشتراكي معتقل في طريقه إلي السجن ، دون أن ينتبه الصول نفسه أو يتغافل عن ذلك ، وهنا تتحقق المفارقة الدرامية حيث الحاكم يحلم بصنع مجتمع العدالة المثالية المطلقة وهو في الوقت نفسه يعتقل المؤمنين بفكرة الاشتراكية – ولم يكن ذلك إلاّ إسقاطا سياسيا انتقاديا يوجهه يوسف إدريس إلي النظام الناصري الذي زعم أنه يقيم مجتمعا اشتراكيا في حين أنه يسير في اتجاه الطرف الأيسر من طريق الرجعية البيروقراطية ، التي اعتمدت تأميم وسائل الإنتاج وتمليكها للدولة وإدارتها بأهل الثقة من الضباط المبعدين عن الجيش شكا في ولائهم للنظام وتوجهاته اليسارية البيروقراطية .ومن أمثلة السرد التشخيصي أيضا مسرحية ( ياسين وبهية) ومسرحية ( ليلة زفاف الكترا) للشاعر مهدي بندق والأمثلة كثيرة ومتنوعة في الأنساق السردية الدرامية في المسرح , نجدها مشتبكة مع الحوار بقدر يتناسب مع طبيعة الحدث الدرامي وطبيعة بناء الشخصية ومخزون ثقافاتها . هذا بخلاف سعي رائد مثل توفيق الحكيم الذي مزج السرد الروائي بالحوار المسرحي في توليفته المسرواية ( بنك القلق ) وفي ريادة نجيب سرور للقصيدة الدرامية ( ياسين وبهية ) القائمة علي السرد التشخيصي.
ذاكرة الدراسات المسرحية
ذاكرة الدراسات المسرحية
أولا: تقارير صلاحية رسالة أكاديمية للمناقشة
د.أبو الحسن سلام
تقرير جماعي للجنة مناقشة رسالة ماجستير مقدمة من الطالب :
طارق جمال الدين عطية
- المعيد بقسم المسرح -
في الرسالة المقدمة منه لنيل درجة الماجستير في الآداب من قسم المسرح
- في موضوع: مصرع كليوباترا – دراسة في تناول النص الأدبي كمسرح موسيقي –
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تتكون الرسالة من مقدمة صغيرة164 صفحة بالإضافة إلي عشر صفحات لثبت المصادر والمراجع . وهي من حيث موضوعها تعد لونا فريدا من ألوان البحث في هذا التخصص. وهو دراسة طبيعة التناول الأدبي للمسرح الموسيقي في مصر وفي العالم العربي .
وقد عرض الباحث عن طريق تحليل عدد من الظواهر الفنية لأشكال المسرحية الموائمة لأسلوب المسرح الموسيقي لموضوعه علي نحو مثير ، يشير إلي تملكه لأدواته البحثية بشيء إن دل علي شيء فإنما يدل علي فهم للمصطلحات ودراية باستخدامها في حقل الأوبرا والأوبريت ، وكل أشكال المسرح الموسيقي. وفي حقل الدراما ، مؤسسا دراسته علي منهج تحليلي ووصفي أحيانا ؛حيث نهج المنهج الوصفى في تعرضه لظاهرة المسرح الموسيقي من حيث تطورها التاريخي ؛ انطلاقا من جذورها أو لتطور الدراما الشعرية في مصر وبروزها علي الشاعر /أحمد شوقي ، مع مناقشة دور المؤثرات الشرقية والغربية علي مسرحه ، وموقع هذا المسرح من الاتجاهات العالمية والمفاهيم والتعريفات الفنية ، ونهج النهج التحليلي في تعرضه الجزئي لعناصر العمل الأدبي الذي هو موضوع بحثه من حيث شخصياته ومن حيث أحداثه ، تأسيسا علي أن الحدث من حيث موضوعه العام هو الأصل في صلاحيته للعمل المسرحي للتناول الموسيقي. كما حلل أراء الباحثين والنقاد بكثير من الفهم الذي يرقي به إلي مناقشة أراء سابقة لكبار الباحثين من أمثال د. محمد مندور ، د. أحمد هيكل ، د. شوقي ضيف ، د. محمد غنيمي هلال وغيرهم . وانتفع بها في استنباط قضايا جديدة ، بعد مقارنتها بعضها بعضا ، وتمحيص الرأي فيها ، بما يجيز له الاختلاف مع واحدة منها هنا أو هناك وتدعيم وجهة نظره المخالفة بالأسانيد والدلائل والشواهد . ثم ختم دراسته بالفصل الرابع ، حيث وقف في ( 66 صفحة )علي نص ( مصرع كليوباترا) بوصفه عملا موسيقيا ؛ فناقش قضايا الإعداد الموسيقي لنص أدبي ، مرتكزا علي دراسة مراحل الإعداد الموسيقي ، الاعتبارات الواجب مراعاتها في عملية الإعداد .
ثم قام بإعداد كامل وشامل للنص الأدبي المسرحي نفسه تحت عنوان ( ليبريتو مصرع كليوباترا) وبذلك وفق توفيقا تاما في فك إشكالية التأليف الأدبي للمسرح الموسيقي .
أما من حيث الشكل فقد وازن بين موضوعاته بحيث جاء تنسيقه لتلك الموضوعات تنسيقا متناسبا.
ومن حيث الإطار العلمي العام لمنهج بحثه ، فقد انطلق من الكليات أحيانا ، وتدّرج إلي الجزئيات ، بما يثبت كلية أو عمومية انطلق منها ، وبدأ بالجزئيات وصولا إلي الكليات في أحيان أخري ، بما يتفق والموضوع المطروح – علي المستوي الفرعي في بحثه –
ومما يحمد له تعويله علي الانتفاع بمكتبة قسم المسرح العامرة بالكتب والمراجع النادرة في فروع الموسيقي والأوبرا والمسرح الموسيقي ، والمسرح في لغاتها الأوروبية الأصلية ، مستفيدا بإتقانه للغة الإنجليزية ومعرفته باللغة الألمانية ، وفهمه للغة الإيطالية ، حيث أفادته في فهم بعض نصوص الأوبرا التي ألفها الموسيقار الإيطالي ( جوتسّبي فردي) في أوبرا عايده ولنص ليبيريتو عطيل ولاترفياتا أو مكبث لفرانشيسكو .
ومما يستحق عليه التقدير والثناء استخدامه ل ( 33) مصدرا ومرجعا أوروبيا في لغاتها الأصلية ، إلي جانب (52) مرجعا عربيا ، فضلا عن عدد من الدوريات العربية المتخصصة .
ولقد رأت اللجنة المشكلة لمناقشة الطالب وامتحانه ، بعد مناقشته في بحثه المقدم منه علنيا ... رأت اللجنة أن الطالب / طارق جمال الدين عطية يستحق أن يمنح درجة الماجستير في الآداب من قسم المسرح بدرجة ( ) .
ذاكرة الكمبوشة : ( طبعا حصل علي درجة ممتاز)
ــــــــــــــــــ
شهدت إجراءات مناقشة الزميل طارق جمال الدين عطية عام 1990 الكثير من المناوشات والمماطلات من الدكتورة القائمة بالإشراف علي رئاسة مجلس قسم المسرح ح حيث لم أكن قد رقيت بعد إلي درجة أستاذ مساعد حتى يحق لي القيام برئاسة مجلس القسم ، وكانت أستاذة للأدب الفرنسي ، وكان زوجها رئيسا للجامعة وقتذاك - إذ كانت تلقي بجهده لإحدى المعيدات بالقسم من زملائه بحكم أنه تمثل في بعض المسلسلات لتضع بعض الملاحظات ، ولم تكن لدي المعيدة خبرة ما بفحص رسالة علمية ، ولم تكن لأستاذة الأدب الفرنسي بالطبع أية صلة بالمسرح من قريب أو من بعيد إلا عن طريق الكتاب إن كانت تقرأ في المسرح أصلا !! حتى ولو كانت لها رسالة – فرضا – كأطروحة في دراسة المسرح الفرنسي ، و إلا لما ألقت برسالة تلقفتها بلهفة من بين يدي أستاذة زميلة لها ، تلقفتها بدورها من بين يدي أستاذة سبقتها كانت قد عينت للإشراف علي رسالته تلك بعد سفر مشرفه الأول د. لطفي عبد الوهاب – ومن عجب أنهن كلهن أساتيذ بقسم اللغة الفرنسية بالكلية . ومن عجب أيضا أنهن لا يذهبن إلي المسارح ولا يشاهدن عروضا مسرحية ، ناهيك عن أن الموضوع في الإعداد الموسيقي لنص شعري . لا الطالب دارس للشعر ابتداء ولا هو دارس للعروض ولا هو دارس للمسرح الشعري ، ولا هو دارس متخصص في الدراسات الموسيقية !! هكذا خرجت هذه الرسالة دون مشرف أكاديمي متخصص في الفرع الذي تتعرض له أكاديميا .
عاصرت ذلك كله ، ورأيت أن هناك تسويفا ومراوغة في تحديد لجنة لمناقشتها بعد أن أعلن الطالب مرارا أنه انتهي من رسالته . ولما لجأ إلي مستنجدا بي لكي أحضر اجتماعا لمجلس القسم، وكنت مقاطعا للمجالس بسبب تلك التصرفات غير اللائقة بالعلم وبالسلوك الجامعي ، حضرت الجلسة وطالبت بعرض موضوعه ، مقاوما كل التسويفات والمماطلات بدعوى إنه ( طارق) نفسه قال إنه لم ينته بعد _ ومن الحق أن أثبت هنا أنه فعلا في كل ما يكلف به يقول أنا خلّصت لكن ... فاضل حاجة بسيطة !!) علي كل نجحت في إقناع المجلس بتشكيل لجنة مناقشته وقد كان إذ ناقشته د. رتيبة الحفني . ومر بسلام ، وتم تعيينه مدرسا مساعدا بقسم المسرح .
أولا: تقارير صلاحية رسالة أكاديمية للمناقشة
د.أبو الحسن سلام
تقرير جماعي للجنة مناقشة رسالة ماجستير مقدمة من الطالب :
طارق جمال الدين عطية
- المعيد بقسم المسرح -
في الرسالة المقدمة منه لنيل درجة الماجستير في الآداب من قسم المسرح
- في موضوع: مصرع كليوباترا – دراسة في تناول النص الأدبي كمسرح موسيقي –
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تتكون الرسالة من مقدمة صغيرة164 صفحة بالإضافة إلي عشر صفحات لثبت المصادر والمراجع . وهي من حيث موضوعها تعد لونا فريدا من ألوان البحث في هذا التخصص. وهو دراسة طبيعة التناول الأدبي للمسرح الموسيقي في مصر وفي العالم العربي .
وقد عرض الباحث عن طريق تحليل عدد من الظواهر الفنية لأشكال المسرحية الموائمة لأسلوب المسرح الموسيقي لموضوعه علي نحو مثير ، يشير إلي تملكه لأدواته البحثية بشيء إن دل علي شيء فإنما يدل علي فهم للمصطلحات ودراية باستخدامها في حقل الأوبرا والأوبريت ، وكل أشكال المسرح الموسيقي. وفي حقل الدراما ، مؤسسا دراسته علي منهج تحليلي ووصفي أحيانا ؛حيث نهج المنهج الوصفى في تعرضه لظاهرة المسرح الموسيقي من حيث تطورها التاريخي ؛ انطلاقا من جذورها أو لتطور الدراما الشعرية في مصر وبروزها علي الشاعر /أحمد شوقي ، مع مناقشة دور المؤثرات الشرقية والغربية علي مسرحه ، وموقع هذا المسرح من الاتجاهات العالمية والمفاهيم والتعريفات الفنية ، ونهج النهج التحليلي في تعرضه الجزئي لعناصر العمل الأدبي الذي هو موضوع بحثه من حيث شخصياته ومن حيث أحداثه ، تأسيسا علي أن الحدث من حيث موضوعه العام هو الأصل في صلاحيته للعمل المسرحي للتناول الموسيقي. كما حلل أراء الباحثين والنقاد بكثير من الفهم الذي يرقي به إلي مناقشة أراء سابقة لكبار الباحثين من أمثال د. محمد مندور ، د. أحمد هيكل ، د. شوقي ضيف ، د. محمد غنيمي هلال وغيرهم . وانتفع بها في استنباط قضايا جديدة ، بعد مقارنتها بعضها بعضا ، وتمحيص الرأي فيها ، بما يجيز له الاختلاف مع واحدة منها هنا أو هناك وتدعيم وجهة نظره المخالفة بالأسانيد والدلائل والشواهد . ثم ختم دراسته بالفصل الرابع ، حيث وقف في ( 66 صفحة )علي نص ( مصرع كليوباترا) بوصفه عملا موسيقيا ؛ فناقش قضايا الإعداد الموسيقي لنص أدبي ، مرتكزا علي دراسة مراحل الإعداد الموسيقي ، الاعتبارات الواجب مراعاتها في عملية الإعداد .
ثم قام بإعداد كامل وشامل للنص الأدبي المسرحي نفسه تحت عنوان ( ليبريتو مصرع كليوباترا) وبذلك وفق توفيقا تاما في فك إشكالية التأليف الأدبي للمسرح الموسيقي .
أما من حيث الشكل فقد وازن بين موضوعاته بحيث جاء تنسيقه لتلك الموضوعات تنسيقا متناسبا.
ومن حيث الإطار العلمي العام لمنهج بحثه ، فقد انطلق من الكليات أحيانا ، وتدّرج إلي الجزئيات ، بما يثبت كلية أو عمومية انطلق منها ، وبدأ بالجزئيات وصولا إلي الكليات في أحيان أخري ، بما يتفق والموضوع المطروح – علي المستوي الفرعي في بحثه –
ومما يحمد له تعويله علي الانتفاع بمكتبة قسم المسرح العامرة بالكتب والمراجع النادرة في فروع الموسيقي والأوبرا والمسرح الموسيقي ، والمسرح في لغاتها الأوروبية الأصلية ، مستفيدا بإتقانه للغة الإنجليزية ومعرفته باللغة الألمانية ، وفهمه للغة الإيطالية ، حيث أفادته في فهم بعض نصوص الأوبرا التي ألفها الموسيقار الإيطالي ( جوتسّبي فردي) في أوبرا عايده ولنص ليبيريتو عطيل ولاترفياتا أو مكبث لفرانشيسكو .
ومما يستحق عليه التقدير والثناء استخدامه ل ( 33) مصدرا ومرجعا أوروبيا في لغاتها الأصلية ، إلي جانب (52) مرجعا عربيا ، فضلا عن عدد من الدوريات العربية المتخصصة .
ولقد رأت اللجنة المشكلة لمناقشة الطالب وامتحانه ، بعد مناقشته في بحثه المقدم منه علنيا ... رأت اللجنة أن الطالب / طارق جمال الدين عطية يستحق أن يمنح درجة الماجستير في الآداب من قسم المسرح بدرجة ( ) .
ذاكرة الكمبوشة : ( طبعا حصل علي درجة ممتاز)
ــــــــــــــــــ
شهدت إجراءات مناقشة الزميل طارق جمال الدين عطية عام 1990 الكثير من المناوشات والمماطلات من الدكتورة القائمة بالإشراف علي رئاسة مجلس قسم المسرح ح حيث لم أكن قد رقيت بعد إلي درجة أستاذ مساعد حتى يحق لي القيام برئاسة مجلس القسم ، وكانت أستاذة للأدب الفرنسي ، وكان زوجها رئيسا للجامعة وقتذاك - إذ كانت تلقي بجهده لإحدى المعيدات بالقسم من زملائه بحكم أنه تمثل في بعض المسلسلات لتضع بعض الملاحظات ، ولم تكن لدي المعيدة خبرة ما بفحص رسالة علمية ، ولم تكن لأستاذة الأدب الفرنسي بالطبع أية صلة بالمسرح من قريب أو من بعيد إلا عن طريق الكتاب إن كانت تقرأ في المسرح أصلا !! حتى ولو كانت لها رسالة – فرضا – كأطروحة في دراسة المسرح الفرنسي ، و إلا لما ألقت برسالة تلقفتها بلهفة من بين يدي أستاذة زميلة لها ، تلقفتها بدورها من بين يدي أستاذة سبقتها كانت قد عينت للإشراف علي رسالته تلك بعد سفر مشرفه الأول د. لطفي عبد الوهاب – ومن عجب أنهن كلهن أساتيذ بقسم اللغة الفرنسية بالكلية . ومن عجب أيضا أنهن لا يذهبن إلي المسارح ولا يشاهدن عروضا مسرحية ، ناهيك عن أن الموضوع في الإعداد الموسيقي لنص شعري . لا الطالب دارس للشعر ابتداء ولا هو دارس للعروض ولا هو دارس للمسرح الشعري ، ولا هو دارس متخصص في الدراسات الموسيقية !! هكذا خرجت هذه الرسالة دون مشرف أكاديمي متخصص في الفرع الذي تتعرض له أكاديميا .
عاصرت ذلك كله ، ورأيت أن هناك تسويفا ومراوغة في تحديد لجنة لمناقشتها بعد أن أعلن الطالب مرارا أنه انتهي من رسالته . ولما لجأ إلي مستنجدا بي لكي أحضر اجتماعا لمجلس القسم، وكنت مقاطعا للمجالس بسبب تلك التصرفات غير اللائقة بالعلم وبالسلوك الجامعي ، حضرت الجلسة وطالبت بعرض موضوعه ، مقاوما كل التسويفات والمماطلات بدعوى إنه ( طارق) نفسه قال إنه لم ينته بعد _ ومن الحق أن أثبت هنا أنه فعلا في كل ما يكلف به يقول أنا خلّصت لكن ... فاضل حاجة بسيطة !!) علي كل نجحت في إقناع المجلس بتشكيل لجنة مناقشته وقد كان إذ ناقشته د. رتيبة الحفني . ومر بسلام ، وتم تعيينه مدرسا مساعدا بقسم المسرح .
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)