الأربعاء، ديسمبر 03، 2008

المسرح بين الحقيقة التاريخية والحقيقة الفنية

المسرح بين الحقيقة التاريخية والاجتماعية والحقيقة الفنية
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
لا يبتعد الهدف الذي وضعه أرسطو للدراما المسرحية كثيراً عن الهدف الذي وضعه للتاريخ ، كذلك لا يبتعد ذلك الهدف أيضاً عما رأى ابن خلدون في مقدمته أنه هدف للتاريخ ، فالمؤرخ عند أرسطو يكتب الحادثة كما وقعت ، أما الشاعر غنائياً كان أم ملحمياً أم درامياً فإنه يكتب الحادثة المحتمل حدوثها أو المحتمل أنها حدثت إعمالاً لخياله ، ثم يعاد تصويرها ، غير أن المؤرخ يستعمل لغة الفعل الماضي دائماً بأساليب الحكي بالسرد الوصفي للأفعال وللعلاقات وللأماكن وللعصور والأزمان المنصرمة وكلها أو أغلبها يكون محمولاً على صوت المؤرخ نفسه ، فرواية الحادثة أو الواقعة هي روايته التي عاينها وقت حدوثها ومكانه ، وقد أناب نفسه إن لم يكن قد كلف من قبل حاكم أو صاحب سلطان بكتابة حوادث وقعت في عصره كتابة يجب أن تتسم بالموضوعية . ولاشك أن الهدف من كتابة حوادث التاريخ هو الاعتبار كما يرى ابن خلدون في مقدمته وفي كتاب (ديوان العبر في المبتدأ والخبر) فعن طريق السجل التاريخي لأمة من الأمم يحفظ تراث الأمة وتراتبية قيمها وثقافاتها وأنسابها ومناط صعودها ومناط هبوطها ، نهوضها انكساراتها معاركها وحروبها وحالات سلمها ، أحوال اقتصادها وتجارتها وعلاقاتها مع دول الجوار أو علاقاتها مع القبائل الأخرى إن اقتصر التأريخ على قبيلة ما والمسرح يستهدف اعتبار متلقييه وجمهوره عندما يطهره من عاطفتي الشفقة والخوف على شخصية نبيلة تقف موقف الصراع مع الآلهة وتعرف أنها مقضي عليها لا محالة لعدم تكافؤها مع الآلهة الطرف الآخر في الصراع المأساوي أو عندما يطهر الجمهور من الصفات المرذولة والأفعال التي تحط من شأن الإنسان قولاً أو فعلاً أو طبقة أو جنساً في الصراع الكوميدي ومفارقاته . ففي كلتي الحالين يتطهر الجمهور وبذلك يتحقق الاعتبار الذي يرى ابن خلدون أنه الهدف الذي ينشده التاريخ .
ومع أن المؤرخ يلزم نفسه في كل ما يسجل أو يؤرخ بالحقيقة التاريخية أو الاجتماعية لعصره – قدر استطاعته وكفاءته وأمانته – إلاّ أن الأديب شاعراً كان أم قاصاً أم مسرحياً يلزم نفسه بحقيقة أخرى هي الحقيقة الفنية ، حتى عند تعرضه مسرحياً لحادثة أو لشخصية تاريخية ، وهي لا تتمثل هنا في صدق روايته التاريخية وإنما يتجسد في صدق تعبيراته الفنية في الحقل الذي شمر له وعكس ذاته أو طبعه بطابع ذاته وطابع ذات مجتمعه وعصره وثقافته وجمهور فنه .
ولقد كتب وليم شكسبير أعمالاً مسرحية استمدت أحداثها والكثير من شخصياتها من تاريخ اسكتلندا ومن تاريخ بريطانيا والدانمارك مثل (هاملت) و ( مكبث) و (هنري الثاني ) و(هنري الخامس) و (هنري الثامن) و (ريتشارد الثاني) و (ريتشارد الثالث) و( الملك جون) و(الملك لير) أو من تاريخ الرومان أو مصر مثل ( أنطونيو وكليوباترا) و (يوليوس قيصر) و(تيتوس اندرونيكوس) أو (كريولانوس) أو مثلما فعل كتاب مسرحيون مصريون كألفريد فرج في (سليمان الحلبي) و (سقوط فرعون) و(الزير سالم) وكما فعل علي أحمد باكثير في (الفلاح الفصيح ) وفي (اخناتون ونفرتيتي) وكما فعل مهدي بندق في (مقتل هيباشيا) وفي (السلطانة هند) وفي (غيط العنب) وفي (آخر أيام اخناتون) وفي (حتشبسوت بدرجة الصفر) وفي (بسماتيك) وكما فعلت آجاثا كريستي في مسرحيتها (أخناتون) وتوفيق الحكيم في (أهل الكهف) و (السلطان الحائر) وشوقي عبد الحكيم في (حسن ونعيمة ) وفي (شفيقة ومتولي) وكما فعل سعد الدين وهبة في (المسامير) وفي (راس العش) ونجيب سرور في (ياسين وبهية) ويسري الجندي في (الهلالية) وفي (عنتر) وشوقي في (مجنون ليلى) و(قمبيز) و(علي بك الكبير) و(مصرع كليوباترا) وكما فعل عزيز أباظه في (قيس ولبنى) وكما فعل محمد أبو العلا السلاموني في (رجل في القلعة) وفي ( الثأر ورحلة العذاب) وكما فعل د. أنس داود في (المتنبي) وفاروق جويده في (الوزير العاشق) (دماء على أستار الكعبة) و (الخديوي) وصلاح عبد الصبور في (مأساة الحلاج) وكما فعل برخت في (محاكمة لوكوللوس) و(كريولان) وفي (جان دارك) وكما فعل ت.س. إليوت في (جريمة قتل في الكاتدرائية) وجان أنوي في (بيكيت أو شرف الله) وألبير كامي في (كاليجولا) أو عبد الرحمن الشرقاوي في (الحسين ثائراً) وفي (الحسين شهيداً) وفي (عرابي زعيم الفلاحين) أو جورج بوشنر في (موت دانتون) أو هاوبتمان في (النساجون) أو جورج برنارد شو في (قيصر وكليوباترا) أو في (القديسة جون) أو (سالومي) أوسكار وايلد أو (سالومي) محمد سلماوي وغيرهم.
لقد استلهم هؤلاء الكتاب حوادث من التاريخ وشخصياته وكتب كل منهم ما كتب مستلهماً من حوادث التاريخ وشخصياته ما يمكن أن يسقطه على واقعه الاجتماعي وعصره لأنه وجد في الحدث التاريخي الذي تخيره والأماكن والأزمنة التي وقع فيها الحدث المستلهم من التاريخ ما يقارب حدثاً واقعياً حدث أو يحدث في مجتمعه وفي عصره ، ورغبة منه في أن يعتبر قومه (جمهور مسرحه) من الحدث التاريخي الذي أعاد تصويره بما يتوافق مع أسلوب الكتابة الدرامية أو المسرحية ليس هروباً من ردود فعل السلطة الحاكمة في مجتمعه ولكن لبريق الحادثة التاريخية المستلهمة ولما يبدو فيها من غرابة ومن ناحية ثانية فإن الصورة البعيدة التي ينظر إليها المشاهد أو المتلقي تكون موضع النظر وجذب الانتباه ومن ناحية ثالثة فإن الإنسان لا يمكنه مشاهدة صورة هو نفسه أحد مكوناتها غير أن الاستلهام المكاني لقصر تاريخي أو قلعة أو أثر من أثار القدماء لا يمكن أن يحل بحال محل الأثر التاريخي الحقيقي ولا يمكن أن يطابقه ، لاعتبارات كثيرة أهمها إطار العرض المسرحي في دار عرض مغلقة أو حتى في الهواء الطلق ، إلاّ إذا تم العرض في حديقة تاريخية أو قلعة كقلعة قايتباي مثلاً (كما فعل أبو الحسن سلاّم في حلم ليلة صيد ) أو على سطح مركب كبير مثلما فعل فهمي الخولي مخرج (سالومي) أو ليلى أبو سيف في قلعة صلاح الدين في عرض (الأم شجاعة) أو عرض (شهرزاد) لوليد عوني في محكى قلعة صلاح الدين فالصرح الأثري الحقيقي في مثل تلك العروض يشكل الخلفية الأقرب إلى الحقيقة "للمنظر" ومكان عرض الحدث أو إعادة عرضه ومع وضع المصمم الشينوجرافي لبعض الموتيفات والعناصر الجزئية المكملة والمحققة لمصداقية التشخيص ومقتضيات البيئة ولوازمها التعبيرية ، فسيظل العرض محافظاً على الحقيقة الفنية لا الحقيقة التاريخية ، وليس معنى ذلك أن فنان المسرح كاتباً كان أم مخرجاً أم ممثلاً أم مصمماً يعمل على تزييف التاريخ في واقعة أو شخصية ولكنه يبتكر حدثاً موازياً وفق حبكة ثانية كما فعل أحمد شوقي في (مصرع كليوباترا) إذ نسج قصة حب موازية لقصة حب (أنطونيو لكليوباترا) فجعل (هيلانة) جارية (كليوباترا) تقع في غرام (حابي) الوطني المعارض للملكة (كليوباترا) وابتكر ألفريد فرج في مسرحية سليمان الحلبي شخصية (حداية الأعرج ) شيخ منصر الناحية في موازاة شيخ المنصر الفرنسي المستعمر (كليبر) ليجسد تيمة نهب الشعب من عصابات الداخل ومن عصابة المستعمر الفرنسي الغازي معا.
وحاكمت طبقات الشعب من الباعة والحرفيين الامبراطور الروماني (لوكوللوس) في العالم الآخر على إرسال أبنائهم إلى حروب متتالية دون أن يعود على هؤلاء الفقراء شيء منها سوى فقدان أبنائهم الذين جعلهم وقوداً لحروبه التي أراد أن يثبت فيها بطولات فارغة بأرواح الطبقات الفقيرة.
غير أن هناك النزعة الطبيعية في الأدب والفن ترى بذل الجهد في صدق التصوير والتجسيد الطبيعي المطابق أو الذي يأمل التطابق مع صورة الواقع الحياتي الفعلي المعيش وتمثله أعمال الفرنسي إميل زولا والمخرج الفرنسي أندريه أنطوان وتمثله مسرحية (النساجون) للألماني هاوبتمان ، وكما فعل من قبل في نهاية القرن الثامن عشر دوق ساكس ميننجن الذي يعده أكثر الباحثين أول مخرج مسرحي حقيقي ، إذ سعى في عروضه إلى تجسيد الحقيقة التاريخية في تصميم الأزياء وفي تصميم المناظر والملحقات ومع ذلك فإن عنصر الإمتاع إن لم يتحقق في العمل الأدبي أو المسرحي فلسوف يفقد خاصيته بوصفه فناً، فبالصدق التاريخي أو الواقعي الاجتماعي تتحقق للمسرح مصداقيته وقدرته على الإقناع ، وبالصدق الفني يتحقق للمسرح نصاً وعرضاً قدرته على الإمتاع الذي يشكل الوسيلة الوحيدة إلى وجدان المتلقين (الجمهور). وتلك هي المعادلة الصعبة أمام فنان المسرح كاتباً وممثلاً ومخرجاً ومصمماً شينوجرافياً وموسيقياً. كما يشكل بحثها بحثاً مسرحياً على المستوى النظري والتحليلي في العروض مشكلة حقيقية يجتهد الباحث الحقيقي في حلها.
ومن الأسف أن إنتاج الأعمال المسرحية والسينمائية في مصر قد انحسر إن لم يكن قد تم نسيانه كلية ، تبعاً لتغير العصر وضغوط تيار الخصخصة حتى في مظاهر الطبيعة وفقاً لمخطط خارجي يفرضه طغيان العولمة الاقتصادية والثقافية الأمريكية بوجه خاص نفياً لهويتنا أو دفعاً حاضاً على نفيها إلى العدم ، مع أن الشعوب الأجنبية في الغرب والشرق مغرمة أيما غرام بآثارنا وتراثنا الأمر الذي يمكن أن ينشط الحركة السياحية في مصر، ويشكل حاجز وقاية ضد ضغوط الخصخصة العولمية ومن الأسف كذلك أن انحسر الإنتاج المسرحي أيضاً لأعمال مستلهمة للتاريخ والتراث المصري أو العالمي بسبب فداحة التكلفة الاقتصادية من ناحية وانصراف فلول الطبقة الوسطى أو النذر القليل المتبقي منها عن الثقافة عن الآداب والفنون بعد أن كانت تشكل أهم جمهور المسرح والثقافة في مصر – وبذلك انحسرت فنون أخرى لا يقوم المسرح بدونها مثل الفنون التشكيلية مع أنها في نظري من أهم عوامل خروج المسرح المصري من أزمته الإبداعية، فلقد خرج المسرح الأوروبي والعالمي من عنق زجاجة الإبداع بفضل عمل فنانين تشكيليين بولنديين منن أمثال (كانتور – باربا – شاينا – مونجييك) مخرجين لعروضهم المسرحية . وهو مثل يمكن للمسرح المصري احتذاؤه إذا أراد له ناسه المتحكمون في إدارته أن يعود للثراء الإبداعي عرضاً وتشكيلاً وتأثيراً.

حلم شكسبير وحلم كولن باول

التجريب بين حلم (شكسبير) وحلم (باول)
د.أبو الحسن سلاّم
في منتصف ليلة صيف شكسبيرية سكندرية جزويتية سويدية ؛ ترجمت المخرجة السويدية " إيفا برجمان " حلم (كولن باول) في تفكيك البنية الثقافية والسياسية والاجتماعية والتعليمية في عرض مسرحي أعده المصري ( سيد رجب ) وأنتجته أمريكية للنص المعد عن ( حلم منتصف ليلة صيف ) لشكسبير؛ ولكن في لهجة عامية خليطة (مصرية - لبنانية - مغربية - فلسطينية ) .ـ لم الشامي علي المغربي ـ فما الذي يقوله العرض غير الذي قاله النص الشكسبيري؟! وكيف جسّد مقولته البديلة؟! ومن أين جاء تمويله الذي بلغ نصف مليون جنيه مصري؟؟! .
أولاً : حول جهات تمويل العرض :
مؤسسة ( سيدا ) السويدية - الاتحاد الأوروبي : الصندوق الثقافي الأوروبي - السفارة الهولندية الملكية بالقاهرة - المعهد السويدي بالإسكندرية - المعهد السويدي بالسويد - صندوق بزينس كلاروس للثقافة والتنمية - مؤسسة فورد بالقاهرة - مسرح المدينة جوتنبرج - مسرح ياكا - معهد الدراما والجمعية الثقافية بالسويد ومصر (CASE) مركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية.
هذا إلى جانب معاونات أخرى من الجامعة الأمريكية بالقاهرة - تاون هاوس جاليري القاهرة - معهد جوته بالإسكندرية - مكتبة الإسكندرية - بيت زيكو بيروت - مسرح الدراما بالسويد )
ثانياً : حول الفن والتجريب :
لاشك أن هذا العرض فيه من الفرجة الكثير: ما بين( تمثيل وتعبير جسدي ورقص وموسيقى الجاز) بالإضافة إلى روح الكوميديا والأداء التمثيلي المهجّن ؛ المتداخل اللهجات ما بين ( المصرية - المغربية - اللبنانية - الأردنية ) والمعزوفات الموسيقية ذات الإيقاعات الصاخبة والنغمات الغربية التي تغطي مع آلات النفخ على نغمات آلة العود التائهة بين ذلك الصخب النغمي والإيقاعي ؛ بما يعكس الأداء الموسيقي المهجن المتداخل النغمات والإيقاعات وعلو صوت فنون الغرب علي فنون الشرق .
ولابد من التنويه هنا إلى حسن أداء غالبيه الممثلين المصريين المشاركين في ذلك العرض مثل الفنان (خالد الصاوي - سيد رجب - رمضان خاطر - صلاح السايح - حسين جابر - سارة زغلول - آية سليمان - محمد عبد الواحد )
أخلص مما سبق إلى أن التمويل مهجن والأداء التمثيلي مهجن والموسيقى والغناء مهجن والصورة المسرحية بكاملها مهجنة من الأداء التمثيلي والموسيقى والأزياء والرقصات ؛ بما يجوز أن يطلق عليه (العرض التجريبي الشامل ) . وهذا يحسب للعرض حيث يخلق حالة فرجة فيها من الجاذبية والمتعة الكثير . لكن ماذا عن الفكر ؟ هل هو فكر شكسبير كما كتبه في مسرحيته (حلم منتصف ليلة صيف ) ؟ بالتأكيد( لا.) ليس لأن نص العرض معد بقلم ( سيد رجب ) عن النص الأصلي في الترجمة العربية الخلابة بشعر د. محمد عناني ؛ تلك التي نشرت من قبل في( مجلة المسرح المصرية) ولكن بسبب فكر المخرجة السويدية (إيفا برجمان) الإنتاجي .
فكر المخرجة (الإنتاجي) : يقوم الفكر الإنتاجي لهذا العرض وربما الفكر الإنتاجي لكل عروض تنتجها هذه المؤسسات المهجنة الهوية على فكرة التهجين ( اللاهوية الثقافية واللاهوية الإنتاجية ) ولعل أبرز مظاهر انسياح الهوية الثقافية في هذا العرض غير تلك المقابلات الفنية بين عناصر العرض - التي أشرت إليها - هي بدايته ونهايته ، يبدأ العرض في مساحة خالية ( مكان العرض ) المعد بجراج مركز الجزويت بالإسكندرية وعلى الأرضية جهة وسط يسار المساحة الفضاء توجد دكة (بواب) وفي أسفل الوسط ترابيزة وكرسي خشبيين يدخل بطرس (المؤلف) مصري الملامح شعبي الهيئة وبيده خمس وريقات يجلس خلف المنضدة الصغيرة والفقيرة ويبدأ في التأليف . يدخل الممثل صلاح السايح في دور (عباس) في جلباب صعيدي وهيئة بواب عمارة يرقد على الدكه وهو يدندن بفمه نغمة (ادلع يا عريس يابو لاسه نايلون ) بدون الكلمات ، ويتتابع دخول مجموعة الممثلين المصريين : خالد الصاوي في دور (متولي القعر ) ومحمد عبد الواحد في دور بائع ورد ورمضان خاطر في دور (منفاخ) ويجلس كل منهم على دكة البواب إلى جوار عباس ويدندن كل منهم نفس النغمة مع عباس. غير أن أحدهم يتلصص على ذلك المؤلف الذي يكتب لهم نص مسرحية يستعدون لتقديمها في حفل زفاف (الباشا) وهو هنا يقابل (الدوق) في مسرحية شكسبير غير أن إلهام المؤلف يقطع بسبب محاولاتهم التلصص على ما يكتب وكذلك تدخلاتهم في الإيحاء له بجملة أو بفكرة وفجأة يقطع أو يوقف تعسفياً بدخول الباشا ( إدريس الرخ - مغربي فرنسي ) الذي سيؤدي دور ملك الجان (أوبرون) وفق مسرحية شكسبير - فيما بعد - متأبطاً ذراع الأميرة (برناديت حديب - لبنانية) والتي ستؤدي دور تيتانيا ملكة الجان في حالة انتشاء وسعادة ، لا يقطعها سوى صياح حسين جابر (الأب) مؤنباً ابنته (دنيا) - سارة زغلول - وخلفهما أحمد السيد في دور (عادل) ووليد مرزوق في دور(هشام) وآية سليمان في دور (ليلى) ، حيث يشكو الأب عناد ابنته التي تريد الزواج من عادل الذي تحبه في حين يريد والدها أن يزوجها بهشام فيحذرها الباشا من عدم إطاعة أبيها ثم يقطع الحدث ليصبح في الغابة (المتخيلة) عبر ذهن المتفرجين حيث هروب الحبيبين وهناك في منتصف ليلة صيفية تمرح ملكة الجان وملك الجان ويدور بينهما صراع حول طفل متبنى ترفض تسليمه إليه فيأمر جني يخدمه بإلقاء عبير زهرة معينة عليها في نومها حيث تصحو فتقع في غرام أول من تراه عيناها ويأمره بأن يفعل ذلك أيضاً مع الشاب (هشام) الذي تطارده (ليلى) التي تهتم به دون أن يلفت إلى توسلاتها حتى يصحو فيقع في حبها . غير أن المفارقة الدرامية تجعل ملكة الجان تقع في حب حمار كان أول شيء رأته عيناها فور يقظتها وهكذا تعمل المفارقة على تفجير كوميديا الموقف . وعندما تصحح الأوضاع ويعود الوفاق للأحباء ملك الجان وملكة الجان والعشاق لبعضهم بعضاً يقطع الحدث قطعاً تعسفياً ليظهر الباشا وعروسه الأميرة وكل شاب لحبيبته في حفل زفاف جماعي ، يلح مؤلف فرقة (النهضة والنور) بطرس المر وزملاؤه (القعر - عباس - منفاخ - جمال) على الباشا لتحيي الفرقة ذلك الحفل بتقديم (تراجيدية مأساوية) وأخيراً يوافق الباشا فترتجل الفرقة قصة حب مفتعلة يؤدي فيها عباس دور الحائط الذي يفصل بين عاشقين (القعر) و(منفاخ) الذي يقوم بدور الفتاة المعشوقة ويدور الغزل بين العاشقين عبر شق في الحائط إلى أن يتواعدا على اللقاء المباشر في الغابة وهنا يهجم ممثل يقوم بدور الأسد (محمد عبد الواحد) على العاشق ويقتله ويدور نواح ميلودرامي أقرب إلى التهريج الكوميدي منه إلى المأساة وهنا ينهي الباشا عرض الفرقة بشكل تعسفي وهو يبدي امتعاضه ويختم الموقف بتعليق مؤداه أن ما قدموه ليس شيئاً وأنهم يحتاجون إلى الكثير الكثير حتى يقدمون فناً حقيقياً .
ولئن كانت هذه الفرقة المرتجلة هنا هي ترجمة لفرقة العمال في مسرحية شكسبير (حلم ليلة صيف) إلاّ أن توظيفها هنا لا يخرج من وعاء شكسبير ونصه ، وإنما يخرج من وعاء باول وخطابه الزاعم بمقرطة الدول العربية . فما هو وجه المقاربة بين خطاب النص المجسد لحلم شكسبير وخطاب العرض المترجم لحلم باول ؟
هناك فرقة مسرحية مرتجلة من مجموعة شباب مصري متخلف فهلوي ، جاهل ومستمتع بجهله ، كسول ، متلصص ، ضحل التعبير يظل طوال فترة العرض عاجزاً عن إنتاج العرض مع ملاحظة أن أعضاء فرقة (النهضة والنور) تلك يتحدثون بلهجة مصرية بتعبيرات شعبية تتخللها الأغنيات الشعبية (يا ورد على فل وياسمين الله عليك .. قرب هنا .. تا عندنا ) في مقابل فرقة مهجنة من مغربي ولبنانية وفلسطيني أردني ولبناني ومصري، يؤدي كل منهم دوره بلهجته المحلية عن قصد لخلق نوع من التلاقي المهجن النافي للهوية والعاكس لحالة الانفصام اللغوي والأدائي ، هذا إلى جانب وجود آلة العود بنغمها الحنون في مقابل أصوات آلات النفخ والإيقاع الجهورية وهنا نلاحظ أن مجموعة ممثلي أدوار الطبقة العليا والجان لديهم من اللياقة وتعدد المواهب في التمثيل والرقص والأكروبات والأزياء الأنيقة البراقة وتصاحبهم فرقة موسيقية منضبطة ومعزوفات ممتعة في مقابل بؤس فرقة ( النهضة والنور) الموحدة اللهجة والثقافة الشعبية ، فإذا لاحظنا لفظة (قرب هنا .. تعا عندنا) التي تتكرر غناء مرتجلاً بدون مصاحبة موسيقية في أفواه تلك الفرقة وزيها البسيط الفقير وتراخيهم وارتجالهم ثم سيرهم في نهاية العرض خلف مجموعة الممثلين بلهجات (مغربية - شامية - مصرية متداخلة ) منكسرين مطأطئ الرؤوس . وهنا يسقط فكر المخرج القناع لنرى وجه باول الذي يزعم أنه سيمقرط العرب ويمدنهم ويشذب ثقافتهم عن طريق إلغاء هويتهم فالمجموعة المتفوقة في أدائها (الباشا،الأميرة،العشاق،الجان) المتفرنجون في فنهم قد تفوقوا لأنهم منفتحون (مغربياً ولبنانياً إلخ) في حين ظلت الفرقة المصرية التي تطلق على نفسها (فرقة النهضة والنور) متخلفة جاهلة فهلاوية مستمتعة بجهلها لها موقف من الجنس الآخر في فنها المسرحي ، لأنها لم تسلم نفسها للخطاب الأوربي أو الأمريكي لخطاب عولمة التبعية . لذلك قلت إن خطاب ذلك العرض هو ترجمة مسرحية لخطاب كولن باول .