الثلاثاء، نوفمبر 18، 2008

شهرزاد .. موناليزا .. في كباريه التجريب السياسي

شهرزاد/ موناليزا
في كباريه ( وليد عوني السياسي )
د.أبو الحسن سلام
في مدخل أوبرا الإسكندرية ( مسرح سيد درويش) تطالع الداخل لمشاهدة عرض (شهرزاد/موناليزا) صورة مكبّرة ل (موناليزا – دافنشى ) .. (لاويه بوزها) . وقد تعمد المصمم والمخرج ( وليد عوني ) تشويه تعبيرها ؛ الذي حيّر العالم ؛ حتى أن أحدا لا يستطيع التكهّن بما إذا كانت الموناليزا مبتسمة أم ممتعضة !! فإذا باللوحة (الأفيش) في صدارة مدخل دار الأوبرا تحسم حيرة المتطلع إليها ليجزم بأن اللوحة التي جري تحريف تعبيرها ( بقياس نظرية النقد الشكلانى) ليطالعنا وجهها ممتعضة من كل ما تراه من أحداث معاصرة أصابت العالم والحياة الاجتماعية البشرية بالتفكك والتشرذم والرضوخ للسلطة الأمريكية الأحادية المهيمنة علي العالم وعلي المنظمة الدولية (U.N) التي أسستها دول العالم متضامنة بعد الحرب العالمية الثانية لتصون السلام وتكرس الجهود الدولية من أجل التعايش السلمي والأمن ؛ فإذا بتلك المنظمة تتحول إلي أداة إرهاب دولي بقراراتها التي نفرضها الدول الأعضاء بمجلس الأمن ؛ بخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر بإملاءات أمريكية انفردت بصياغة القرارات الدولية ؛ ومن ثمّ لجأت إلي عسكرة العولمة وتفكيك أواصر العلاقات الدولية ودفع الحياة الإنسانية نحو شفا حفرة من السقوط في هاوية التخلف والفقر والبلطجة تحت شعار محاربة الإرهاب أو ما تزعم بأنه إرهاب ، معلنة (أن من ليس معها فهو ضدّها) وتصعيد إجراءاتها الإرهابية في اتجاه إنتاج حرب صليبية جديدة . وهو الأمر الذي وجدت الدول المتخلفة معه ضرورة التسليم ورفع راية الخضوع والتبعية دون قيد أو شرط. وبينما تحّصنت الدول الأوروبية بوحدتها الاقتصادية والثقافية ؛ تململت روسيا من انفراد أمريكا بوش بتقرير مصير العالم . أما الصين فقد تسللت عبر مسارب الاقتصاد العلمي بمنتجاتها المتعددة والمتنوعة ؛ التي غزت بها أسواق التي غزت بها أسواق العالم وبخاصة بلدان الشرق الأوسط ؛ علي حين خرجت كوريا الشمالية وإيران علي نسق التبعية .
2

هكذا وضع (وليد عوني) صورة عالمنا المعاصر أو أعاد إنتاجها باهتة متشظية أمام ناظري ( موناليزا ) لترى إن كان في مقدورها أن تبتسم .
عرض ( شهرزاد/ موناليزا) إذن عرض من عروض المسرح السياسي ؛ يحوّم فيه (وليد عوني) بحوّامة خياله وتخييلاته التفكيكية فوق خط الأفق السياسي في عالمنا المعاصر ؛ ليلتقط شظايا صور باهتة ومتباعدة ؛ منها التراثي ومنها التاريخي ومنها المعاصر ؛ ليعيد تجميعها تجميعا مونتاجيا في حلبة كباريهه السياسي في رؤية بانورامية ؛ عن طريق الرقص المسرحي ؛ بحيث يستطيع المتلقي أن يجد نفسه مدفوعا إلي مشاركة (موناليزا) في تعبير ( لي البوز) ويستطيع أن يرى فيها حكاية قرصنة عصرية ، لا تقل غرابة عن صور القرصنة القديمة أو التراثية التي حكتها لنا شهرزاد ـ ضمنيا ـ عبر حكاياتها الألفية علي مسامع (شهريار) .
يبدأ العرض في مقهى ، تطل عليه شرفة ليست ك (شرفة ليلي مراد) التي أثارتها قصيدة ( حلمي سالم ) علي صفحات مجلة (إبداع) أقامت قائمة الجماعات المتأسلمة ؛ ولا هي ك (شرفة جولييت) التي كانت مدخلا لانتصار الحب علي العادات والتقاليد ؛ وإنما هي ك (شرفة شادية في دور حميدة برواية زقاق المدق لنجيب محفوظ ) إذ تقف فيها الممثلة تتراقص وهي تنفض علي شباب الجلوس في المقهى سجادة هي بمثابة المعادل الرمزى لتراث (ألف ليلة وليلة) لتتساقط ـ افتراضيا ـ من نفضها شظايا صور لنساء شهيرات (مارلين مونروـ مارلين ديتريش ـ أم كلثوم ـ بهيجة حافظ ـ فاتن حمامة ـ هند رستم ـ هدى سلطان ـ نادية لطفي ـ سعاد حسني ) تتوسطها صورة (موناليزا) بأسفل الشرفة مباشرة. ومعها تتساقط شظايا الصور والحكايات التراثية متداخلة الأزمنة والأمكنة لتشخّص صور البطولة والقرصنة والغراميات الملتبسة بين الرجل والمرأة عبر العصور؛ لنرى شهرزاد التراث وشهرزاد المعاصرة والحداثية في صراع استحواذ وسيطرة متوالدة عبر العصور؛ حيث تصبح فيها( شهرزاد وشهريار التراث والمعاصرة ) معا ؛ معادلا رمزيا للأمم الضعيفة والقوية التي تتناوب القوى العسكرتارية العالمية الاستحواذ عليها .. مرة بقوس (أوديسيوس) الأسطورى ومرة بعفريت (مصباح علاء الدين) ومرة ثالثة بمسدس ( جندي اليانكى أو المارينز الأمريكي) متنكرا في زى ملاك تعتمر رأسه بخوذة(U.N) ): (اليونوفيل) مستظلاّ بجناحي (رخ أسطورى) صنعتا من أوراق الجرائد في إحالة رمزية إلي دور الإعلام في بسط جناحيه تغطية لجرائم ذلك المستبد العولمي الجديد ؛ الذي بدل شارة (U.N)علي خوذته بشارة (U.S.A).
تزاحمت الأفكار الفرعية في عرض (شهرزاد/موناليزا) التجريبي والتبست؛ شأن عروض وليد عوني المسرحية علي نقيض عرضه السينيمسرحي التجريبي الأخير(قصة الفراشة العذراء) ؛ الذي توافر علي السيرة الذاتية للمطربة اليهودية التونسية (حبيبة) في معالجة مسرحية سينمائية يحتار المشاهد في إدراك كنه أسلوبه هل هو أمام عرض سينمائي لفيلم قديم أم هو بإزاء عرض مسرحي فالممثلون يتحركون حركة الممثل السينمائي في بدايات تاريخ التصوير السينمائي وهم يشخصون أمامنا قصة تلك المطربة التي عاشت في مصر وأطربت الأسماع بغنائها واتهمت بقتل أحد الخواجات ـ ظلما ـ وتعرضت للإعدام لولا اعتراف القاتلة الحقيقية قبل النطق بالحكم .
ومع أن العرضين كليهما يتوافران علي دور المرأة الموهوبة في صنع هويتها ولا تكتفي بالوقوف علي قدم المساواة معه بل تتفوق عليه (كجنس) سواء بصمتها وسكونها الأخاذ كحالة (موناليزا) أو بحديثها الأخّاذ كحالة ( شهرزاد) . هكذا يتمحورعرض (شهرزاد/ موناليزا) في النهاية حول فكرة مؤداها أن كل من (موناليزا) التي قيدت (دافنشي/ الرجل) أمامها وهي صامتة لسبع سنوات ؛ حتى يستخرج من بين شفتيها ابتسامتها الغامضة ؛ بمعاونة مهرج استأجره خصيصا علي أمل إضحاكها ؛ دون أن يتمكن من الحصول إلاّ علي شبه بسمة باهتة ؛لا تزال تحير ناظريها ؛ و(شهرزاد) التي أسرت (شهريار/الرجل) بحكاياتها الليلية المتواصلة علي مدار ألف ليلة وليلة ؛ وما كانت هذه أو تلك ستصبح شخصية تاريخية أو تراثية عالمية لو قنعت بدورها مجرد (ست بيت ) تنفض السجاجيد . ولو قنعت (أم كلثوم أو شادية أو فاتن حمامة أو هدى سلطان أو نادية لطفي أو سعاد حسنى أو هند رستم أو ديّانا أو مارلين مونرو أو مارلين ديترش أو بهيجة حافظ ) بوضعها ك ( ست بيت) تنفض السجاجيد ؛ وترعي قدمي الرجل ؛ لما وصلت أي منهن إلي مصاف النجومية والتفرّد .
هكذا انتهي هذا العرض المسرحي التجريبي ـ قبل المهرجاناتي ـ إلي أن التراث الشرقي الأصيل المتجدد هو الذي سينتصر علي زيف عسكرة العولمة وثقافة اليانكي وثقافة الغزو الصحراوي لأنه تراث الهوية الإنسانية. وسواء أجيز كعرض تجريبي من لجنة المشاهدة أم لا ؛ فهو تجريبي حتى النخاع .