الأربعاء، أكتوبر 29، 2008

المقامة الأردشية المسرحية والمنهج العلمي

المقامة الأردشية والمنهج العلمي

                                         د.أبو الحسن سلام

بين العلم والمعرفة صلة نسب فكلاهما يتحقق بالتحصيل العقلي والشعوري والذوقي في رحلة حياة بشرية قد تطول وقد تقصر . وقد يشكل طولها أو قصرها طبيعة ذلك التحصيل الإدراكي /الشعوري وقيمته تبعا لطبيعة الممارسة وقوة الملاحظة تبعا لقدرات الفرد أو المجتمع البشرى . علي أن التحصيل العلمي لا يتحقق بدون منهج وهذا ما يفرق بين هذا وذاك  .

  علي أن هناك نوعا من الخلط كثيرا ما يصدر عن بعض آراء لأشخاص قد تكون لهم مكانة اجتماعية في وسط من الأوساط الثقافية أو الأكاديمية أو الفنية تقع في إطار المعرفة دون أن ترقي إلي مصاف العلم لعدم تحصنها بمنهج علمي ما . وذلك لايقلل من قيمتها بوصفها اجتهاد عقلي ينم عن استغراق صاحبه في مجال نشاط نوعي زحم حياته وحم حياتنا وحض حرقاني معلوماتي مسؤول يعرف جيدا أن قيمة المعرفة في نشرها ليفيد الناس بها ولو بالإحاطة  ـ مجرد الإحاطة ـ  كما أن مناقشتها أو مساءلتها لن تقلل من قيمتها وإنما تؤكد صحتها إن هي صحت في ميزان منهج نقدى أو تكشف عن عدم صحتها ومن ثم عدم جدواها ومن ثم يبطل تداولها في مجال النشاط النوعي الذي ألقيت في ساحته . وليس في ذلك غض من قيمة القائل المجتهد أيا ما يكون اسمه أو وزنه في ساحة العمل الثقافي أو الفني أو الأكاديمي  .

  ولعل ساحة المسرح هي أكثر ما حظي بالصدمات المعرفية من بين ساحات الأدب والفن  في السنوات العشرين الماضية التي رفدت بثقافات شعوب متعددة تبنت منهج الحداثية ومابعدها في عروضها المسرحية التي شاهدها المثقفون العرب في مجمل عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي علي مدار عشرين دورة زخمت العقل والوجدان المسرحي العربي بأحدث فنون المسرح العالمي ودراساته في إطار ينحو نحو التجريب ؛ فجددت من شباب عروضنا المسرحية . ومع كل تجديد تتسلل الصدمة الثقافية والمعرفية لتنقض انقضاضا فجائيا علي سكون المعرفة النائمة المتحصنة خلف الأقنعة الدرامية التي تقنع خلفها علماء وفنانون ونقاد مسرحيون استرخوا علي فراش تجربتهم الماضية . علي أن مثل ذلك الانقضاض المعرفي لا يخرج إلا عن عقل نشط محب للمعرفة ؛ ناهض ومشمر للتجريب . وقد عرف المسرحيون المصريون والعرب ذلك كله في الفنان الأستاذ ( سعد أردش) فلقد تميز بمبادراته القولية التي كانت أشبه بإلقاء حجر من الأحجار السقراطية – إن جاز قول ذلك – في بركة المعرفة المسرحية العربية مما أحدث الكثير من الدوران الذي ما لبث أن تلاشي مع سقوط تلك الحصاة واستقراره في قاع بحيرة المعرفة العميقة القرار . علي أن استقرار مقولة من المقولات التي يلقي بها علم من الأعلام في مجال تخصصه النوعي بخاصة إذا كان عالما أو ينتسب بصلة إلي العلم والعلماء ؛ لا يحول دون وصول باحث  خبير في الغطس وراء ها والعودة بها إلي مائدة البحث العلمي وإعمال المنهج العلمي كشفا عن أصالتها ومن ثم تأكيد صحتها أو تصحيحها والدفع بها إلي ساحة التداول النقدى أو الأكاديمي . وبذلك يسدى خدمة لذكرى أستاذ كبير اجتهد ثم مضي  فضلا عن كونه يضيف إلي حقل التخصص النوعي مقولة معرفية بعد أن حصنها بالمنهج العلمي .

  ومن المقولات الكثيرة التي صدرت عن الفنان الأستاذ المعلم ( سعد أردش)[1] قوله الذي يحصر فن المسرح في الكلمة . وهي مقولة رأيت وربما رأى غيري أنها تعبر عن موقف من عدم فعالية المسرح التجريبي . يقول :

" هناك شبه إجماع علي أن " المسرح " فن الكلمة" . ولقد يقال نفس الشيء عن الشعر والقصة ، والرواية ، وفنون الأدب كافة ، بل إن التعريف قد ينطبق أيضا علي الفنون التشكيلية والتعبيرية ؛ ذلك أن المقصود بالكلمة هنا ليس مجرد " اللفظ" أو التعبير الخارجي ، إشارة كانت أو قناعا أو حركة أو شكلا أو كتلة ، وإنما المقصود هو المضمون الذي يرسله هذا اللفظ أو ذلك التعبير إلي المستمع أو إلي المشاهد – تصريحا أو تلميحا . غير أن "المسرح"   يختلف عن جميع الفنون الأدبية والتشكيلية والتعبيرية من حيث هو " مجمع الفنون" ؛ أى إنه لا يقوم علي الكلمات فقط ." [2]

  ولنا هنا وقفة منهجية: فماذا عن مسرح التفكيك وما بعد الحداثة الذي يفكك النسق البنائي للنص أو للعرض - عمدا مع سبق الإصرار والترصد - ويؤسس خطابه علي التناقض وينفي المضمون أو الدلالة التامة للإبداع في النص وفي العرض . وهو المنهج السائد في مجال التجريب ؟؟!

ويضيف الأستاذ ( أردش ) " ويمكن أن نخلص من هذا إلي أن النص المسرحي المكتوب علي الورق هو خليقة فنية تختلف كل الاختلاف عن العرض المسرحي . فالنص أشكال جامدة علي الورق ، يستمتع به قارئ واحد في اللحظة الواحدة ؛ والعرض حياة متفجرة تزخر بالدم والحركة والفكر والانفعال ."

  ومما لاشك فيه أن ذلك الفصل الدقيق بين النص المسرحي وعرضه في فضاء مسرحي علي جمهور حاضر هو قول أصاب كبد التخصص .

  يضيف الأستاذ ( أردش ) " والعرض حياة متفجرة تزخر بالدم والحركة والفكر والانفعال ؛ تقيم حوارا حيا بين مجموعة من الفنانين في الفراغ المسرحي ومجموعة من المشاهدين في مكان المتفرجين " [3]

  ولا أدري في أي نوع مسرحي يقام حوار بين الفنانين والمشاهدين ؟!! ..  أفي المسرح الدرامي أم في المسرح الملحمي أم في المسرح العبثي أم في المسرح التسجيلي أم هو مقصور علي العرض المسرحي السياسي الوجاهي
الحوار تفاعل إدراكي متبادل . فهل كل الأنواع المسرحية تستهدف المتلقي المندهش المدرك لما يعرض أمامه حتى نأخذ بالمقولة السابقة من المقامة الأردشية

  وفي مجال التفريق بين دور المؤلف ودور المخرج المسرحي يقول : " لقد يبدو لي الأمر كالفرق بين التخطيط علي الورق لمعركة حربية وبين المعركة ذاتها إذ تستعر نارها بين جيشين . وشتان بين حذق التخطيط وبطولات المعركة الحية .

  " هذا الإبداع الجديد المتمثل بصفة أساسية في خطة المخرج ، لابد أن  يقدم العرض المسرحي بشكل يختلف كثيرا أو قليلا عن الحدود التي تصوّرها الكاتب وهو يبسط نصه الأدبي علي الورق . فإذا سلّمنا بهذه النتيجة ؛ ولسنا نملك إلاّ أن نسلم بها نظريا وتطبيقيا ، فإننا يجب أن  نسلم أيضا بأن تناولات المخرجين للنص الواحد لن تكون متطابقة ، بل ستكون – دون شك – طبعات مختلفة لنفس النص"[4]

 ومع إصابة الأستاذ فيما عرض له في الفقرة السابقة من مقاله المطول بمجلة     ( فصول ) إلاّ أن يعود فيرتبك إذ ينقض قوله السابق إذ يقول في المقال نفسه :

" المخرج ملزم بالنوعية التي تندرج تحتها المسرحية – مهما كانت هذه النوعية بسيطة أو مركبة . فليس له الحق في تجاوز الاتجاه الذي اختطه المؤلف لمسرحيته . والذي لا يقتصر  - بطبيعة الحال – علي مجرد النية ، أو علي مجرد تنظير النقاد ، وإنما يتبدىّ واضحا في سياق كلمات النص ، ونبضات الشخصيات؛ والمناخ الاجتماعي الذي يلف المسرحية فيسكنها إلزاما تحت نوعية من نوعيات المسرح ، أو جنس من أجناسه ."[5]

  لم يقف الأستاذ بنا عند رأى محدد في علاقة المخرج بالنص المسرحي الذي يسعى لإخراجه هل يلتزم بإتباع الاتجاه الذي تأسس النص وفقه أم يخرج عليه وهذا واضح في عبارة المرتبكة التي يختتم بها مقاله هذا :

" بالرغم ممن الحديث عن التزامات المخرج قبل المؤلف ، فإنه من العسير بل قد يكون من المستحيل ، أن نتخيل إمكانية التطابق بين تصورات كل منهما ، فلقد يبني المؤلف لنفسه أحلاما وهو يبدع النص ويصوغ أحداثه وشخصياته ، ولقد يحلم المخرج بشكل آخر لإبداعه دون أن تتغير المادة الرئيسية للإبداع ( النص)[6]

ويتوج مقولته الأخيرة فيقول " يجب أن نلقي نظرة علي حقوق المخرج في مواجهة حقوق المؤلف"[7]

*مفهوم الأمانة بين المخرج الدراماتورجي والنص المسرحي :

    يرى الأستاذ (أردش ) بصدد تعامل المخرج مع النص المسرحي ضرورة أن يكون المخرج أمينا مع النص الذي يشرع في إخراجه متمثلا ب (بريخت ):" برتولد بريخت الذي يغص مسرحه بتناولات جديدة لنصوص سوفوكليس وشكسبير وبرنارد شو ، ونصوص أخرى من المسرح الآسيوى ، تناولات تعد نماذج لنظرية جديدة هي نظرية " المسرح الملحمي " تناقض نظرية أرسطو في"المسرح الدرامي " . إن بريخت في الحقيقة مخرج مؤول . ولكنه يبدأ تأويله من صياغة جديدة للنص الأدبي ."[8]  " ومسرحه غير قابل لهذا السبب علي وجه التحديد – لتفسير جديد - . وبريخت وغيره من المخرجين ، عندما يعيدون تأليف النص الأدبي إنما يعالجون بأمانة معيارا من أهم المعايير التي تحكم مهنة المخرج، وهذا المعيار أمانة المخرج قبل نص المؤلف الأصلي ."[9]

  إن التأويل مرحلة تتجاوز مرحلة التفسير ؛ فهو لا يعمل علي تأكيد فكرة ما أو صورة ما وإنما يقف علي مداخل معارضتها أو تجاوزها وربما يرقي إلي مستوى تفكيكها نسقا ودلالة ؛ وهنا يكون بعيدا عن مفهوم الأمانة مع النص الأصلي بعد القمر عن الأرض . ترى هل ( أنتيجوني الأنتيكة) التي كتبها بريخت ليعارض بها نص (أنتيجوني ) سوفوكليس كان بريخت أمينا فيها مع نص سوفوكليس الأصلي ؟! وهل كانت معارضته لنص ( كريولانوس) الشكسبيرى أمينة عندما تناص معه بنص ( كريولان) ؟! وهل كان إخراجه لنص صمويل بيكيت ( في انتظار جودو) أمينا مع النص الأصلي ؟! وهل يقدم أي نص كلاسيكي الآن بأمانة ؟! هل قدم الأستاذ ( أردش ) نص ( يا طالع الشجرة ) لتوفيق الحكيم بما يتوافق مع أسلوب مسرح العبث ؟! ألم يعترف هو نفسه في كتيب العرض نفسه بأنه ( أخرج تلك المسرحية إخراجا واقعيا) ؟!! ثم ما هو مفهوم الأمانة ؟! هل هو الأمانة في عرض فكر الكاتب أم هي أمانة عرض أسلوبه ؟ وأين موقع عمل المخرج المعد من الإبداع ؟! ما الجديد الذي قدمه ؟!  ثم ماذا يكون سبب الإعداد إذا كان علي المعد توخي الأمانة مع أسلوب النص . ألا نكون بإزاء موقف مضاد للحداثية ولما بعدها في مجال المسرح ؟! ألسنا بذلك نقف موقفا رافضا للتجريب المسرحي ؟؟

أليس في ذلك تعارض مع ما نادى به (أردش ) نفسه في مقاله نفسه " يجب أن نسلم أيضا بأن تناولات المخرجين للنص الواحد لن تكون متطابقة ، بل ستكون – دون شك -  طبعات مختلفة لنفس النص ."[10]

 إن ارتباك مقولة علم من الأعلام في مجال كمجال المعرفة المسرحية يربك الباحثين ويضع غشاوة معرفية أمام الكثير من الدارسين أو المهتمين بالثقافة المسرحية . ولذا وجب عرض المقولات المعرفية علي المنهج العلمي لتصحيحها وذلك لا ينقص من قدر قائلها فيكفيه فضلا أنه طرحها . وليس من المقبول في مجال المنهج العلمي أن نسلم بصحة عبارة يقول فيها : " نستطيع أن نحكم مثلا علي عرض من مئات العروض التي قدمت لمسرحية " هاملت" لشكسبير بأنه جيد ، وعلي عرض آخر بأنه سيئ ، دون أن يؤثر تقويمنا علي التقويم الراسخ لنص شكسبير ."[11]   

 هذا طرح يوقفنا موقف الدهشة من فرط غرابته .. وهل هناك تقويم راسخ لنص شكسبيري ؟! فماذا عن رأي جورج برنارد شو ؟ وماذا عن رأي فولتير وماذا عن رأي تولستوى في مسرح شكسبير؟؟

 ولو كان الأمر كذلك فلماذا أخذ بريخت علي ( الملك لير ) مأخذه من حيث رأي أن المأساة فيما لو لم يفكك ( لير ) نظامه الإقطاعي ؛ فهي عنده ليست مأساة علي الإطلاق ليست مأساة . ولو كان الأمر كذلك فما هي ضرورة إعداد نصوصه برؤى حداثية بريختية أو بيتر بروكية .  المدهش في الأمر أن  أردش نفسه من مريدي بريخت ومن أتباع مدرسته التغريبية وهو من هو في تفكيك أنساق نصوص شكسبيرية وإغريقية .

   



[1] سعد أردش " العرض المسرحي بين التأليف والإخراج " ( فصول ) مج 2 ع3 ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ابريل ، ماية ، يونيو 1982 ، صص45 -  50

[2]  نفسه ص 45

[3] نفسه ص46

[4] نفسه ص 46

[5] نفسه ص50

[6] نفسه ص50

[7] نفسه ص50

[8] نفسه 46

[9] نفسه ص46

[10] نفسه ص46

[11] نفسه ص46

الثلاثاء، أكتوبر 28، 2008

المسرح بين ثقافة العنف والسلام

ثقافة العنف  والسلام

بين (نظرية الكل في واحد) و(نظرية الكون في واحد)

- تطبيقاً على نصوص مسرحية -

                                                    د.أبو الحسن سلام

ترددت  كثيراً في اختزال جهدي البحثي مكتفياً بعرض ما توصلت إليه منذ سنوات في بحثي حول (الإرهاب ودوره في وسائل الإعلام والمسرح) ذلك البحث الذي اشتغل عليه كتاب لي في ثلاثة أجزاء صدر في طبعتين على مدار عشر سنوات – ولكني حسمت أمري وشرعت في كتابة  بحث جديد حول ثقافة العنف والسلام بين (نظرية الكل في واحد) و(نظرية الكون في واحد) – تطبيقاً على نصوص مسرحية - .

ولأن الزمن المتاح أمامي – في هذه الجلسة – لا يسمح لي بعرضه كله ، لذلك سأكتفي بعرض العناصر أو التساؤلات التي تأسست عليها هذه الورقة البحثية منعاً لالتباس المفاهيم في واقع هيمنة تفلسف الالتباس .. لتصبح قضية فلسطين هي قضية الشرق الأوسط وذبح الشعوب في فلسطين والعراق ولبنان تمهيداً أمام الديمقراطية والإرهاب مرادفاً للإسلام في الخطاب الديماجوجي الأمريكي والاستسلام هو السلام .

وهنا تكون التساؤلات مشروعة بغية إعادة قراءة تاريخ ثقافة السلام في المنطقة وتاريخ  ثقافة الاستسلام – فلسفة الفناء في فكرة - .

* حول هدف الثقافة :

تهدف الثقافة في إطارها العام إلى تشذيب الفكر وتشذيب الفعل الإنساني حتى يحسن الناس في مجتمعاتهم حياتهم المشتركة بالصورة التي يتوافقون عليها : ومع ذلك كثيراً ما نجد الفعل الثقافي يشذ عن ذلك الهدف العام حيث توجه الفعالية الثقافية بتوجيه إعلامي كثيف على المستوى الداخلي والخارجي الحكومي وغير الحكومي نحو ترويض الفكر وترويض الفعل الجماهيري في بلد ما ليتوافق مع نمط فكري وحياتي أجنبي مستشر استشراء الطاعون ؛ كأن يراد لمجتمع عربي أو آسيوي أن يغير أنماط سلوكه الثقافي في المأكل وفي الملبس وفي طرائق التفكير وبمعنى أوضح أن يخلع سروال هويته وقميص حيائه  ويستبدله بالجينز أوبالعري أو باللاحياء !! حتى يتأهل لحياة ديمقراطية على الطريقة الأمريكية .

* حول الفناء في سبيل حياة الفكرة :

        تحت شعار (نظرية الكل في واحد) تنازعتنا  فكرتان تبادلتا تفعيل فعلنا الثقافي والحياتي اليومي . إحداهما رئيسية سرت في أمتنا العربية سريان النار في الهشيم ولفترة طويلة إلى حد ما .. وهي فكرة القومية العربية ، التي ازدهرت بعد رحيل الاحتلال الأوروبي (انجلترا – فرنسا – إيطاليا) عن بلاد العرب شرقاً وغرباً ، وحتى لا تخلو المنطقة العربية بعد حالة التداخل العرقي والطائفي التي صنعتها تقسيمات (سايس بيكو) وفقاً لسياسة فرق تسد إلى جانب الحيلولة دون تغلغل المد الشيوعي في المنطقة وهو أمر لم يكن بعيداً عن الرضا الأمريكي غير المباشر – حينذاك- .

من هنا كان السعي دؤوباً بوسائل إعلامية موجهة لعل أنجعها كانت الخطب السياسية الحماسية.

أما الفكرة الثانية التي تنازعت حياتنا فهي فكرة (عالمية الديانة الإسلامية) التي ستظل بفكرة مؤداها ( أن لا وطن للإسلام) فهو دين عالمي شأنه شأن الديانة المسيحية.

غير أن فكرة القومية الزاعقة في البرية ما لبثت أن إزاحتها إزاحة مؤقتة نتيجة المد الثوري في المنطقة .

وعندما انسحبت فلول الدعوة القومجية العربية وضحلت مياة خطب زعمائها الحماسية بعد هزائمها العسكرية المتكررة أمام مدافع القومية اليهودية خلف فكرة وعد ميتافيزيقي بتملك أرض  فلسطين ؛ ما لبث أن تحول بجبر الاحتلال البريطاني إلى وعد حقيقي وتمكين للعصابات الصهيونية من تجسيده على أرض الواقع ودعم الوجود الشرعي لدولة التجييش الصهيوني  بقرار الأمم المتحدة ؛ ومن ثم تمكنت القومية اليهودية المجيشة من الحصول على وطن  مفتوح الحدود بعد شتات تاريخي طويل بعد أخراس الصوت الزاعق للفلول المستظلة بكهف عالمية الديانة الإسلامية المنسحبة عن فكرة المواطنة .

ومع انسحاب الفكر القومي العربي وصعود الفكر القومي اليهودي عاودت تلك الفلول دعوتها إلى نفي فكرة الوطن ، ليس بالخطاب الحماسي المنبري وحده ؛ ولا بسبيل الكتب الصفراء التي تغطي الأرصفة في الشوارع والزوايا فحسب ؛ ولكن بسلاح الإرهاب ضد المسلمين أنفسهم بوصفهم مجتمع جاهلية – حسب زعم تلك الفلول – ومن ناحية أخرى ضد أمريكا في عنفوان قوتها الباطشة بذراعها الممتدة عبر العالم كله .

تضافرت ثقافة القهر العالمي مع ثقافة القهر الداخلي لشعوب المنطقة العربية مع استمرار قضم دولة التجييش الصهيوني للأراضي العربية في خلق ثقافة العداء بالمواجهة الكلاماتية السلبية عند المثقفين اليساريين والقوميين والسائرين خلف فكرة استبدال مستبد عادل بمستبد عال آخر بعد أن فقد الأول صفته الثانية .

وعلى خط مواز اشتعلت ثقافة العداء بالمواجهات الإرهابية بفعل الجماعات الإسلاماوية تلازم فعلهم – التدميري لمجتمعاتهم مع مواجهاتهم الإرهابية ليس للعدو الأمريكي والبريطاني الذي احتل العراق ولأذنابهم فحسب ؛ بل للشعب العراقي نفسه دون تمييز لأحد ، فتداخل فعل الإرهاب الطائف العراقي مع إرهاب دخلاء خارجيين تسللوا أو سمح  لهم بالتسلل لتصفية الخبراتالعراقية من علماء ومهنيين وطيارين بعد تدمير الروح العراقية والبنية التحتية .

وفي اعتقادي أن ذلك كله ما كان ليحدث لولا ترسخ (نظرية الكل في واحد) فنياً بإطلاق يد (المخلص المستبد العادل) المتمطي على سرير تاريخنا العربي الإسلامي متكئاً على وسادة (السمع والطاعة) تلك التي سلمتنا (لنظرية الكون في واحد) متمثلة في الداخل (بفكرة الحاكمية المودودية) استناداً إلى تفسيره لآية من ثلاث في سورة المائدة تكفر الأولى منها " من لم يحكم بما أنزل الله " ومتمثلة في الخارج بفكرة (الحاكمية البوشية) استناداً إلى شعار رأس الغطرسة " من ليس معنا فهو ضدنا"

ومن ثم أعمل الإرهاب (الإسلاماوي) والإرهاب الأمريكي والصهيوني فينا عملهما ذبحاً وتقتيلا وتدميراً معلنا في مقابل استسلامنا لفكرة الحاكمية عند أولئك وعند هؤلاء فبتنا لا نعرف لمن نعلن استسلامنا مع أننا المعتدى علينا في كلتا الحالتين والمسلوبو الإرادة عبر تاريخنا البعيد ، بما لا يتيح أمامنا على أي نحو : هل نقاوم أو هل نستسلم وتوقيت ذلك ، وكيف يتسنى لنا تقرير ذلك وقد قبعنا ننتظر المخلص المستبد العادل أو المهدي المنتظر التي ورثناها عن اليهود في شتاتهم وفي منفاهم البابلي على يد بُخَتْنصَّرْ.

هنا نكون قد وصلنا إلى الإلتباس الحالي حول مفهوم السلام ومفهوم الاستسلام .

 

* المصادر الفكرية للإرهاب : حدث واقعي يظهر بشكل فجائي يتعين ويتكرر بأشكال عديدة وبوجوه مختلفة ومعقدة [1]. نشأت ظاهرة الإرهاب – تاريخياً – في حضن الممارسات الدينية والعنصرية لليهود مننذ ولى يوشع بن نون قيادتهم خلفاً لموسى .

وفي مجال التفريق بين الفكر الإرهابي والإرهاب الفكري نجد أن الفكر الإرهابي يتسم بالدقة والتخطيط والتأني والمرحلية ووسيلته السلاح بهدف القتل والتدمير والاختطاف وسلب الأموال والأعراض .

في حين يتسم الإرهاب الفكري بالتسرع وعدم الدقة وعدم المنهجية والاندفاع والتبسيط ووسيلته التشهير والدعاية والإشاعة والكذب بهدف التخويف والتهديد النفسي لردع الآخرين .

وإذا كانت مصادر الإرهاب الديني والسياسي عند اليهود قد تمثلت في التلمود وفي برتوكولات حكماء صهيون ، فإن مصادره الدينية والسياسية تاريخياً ماثلة في حركة الخوارج ، وتتمثل نظرياً حديثاً في كتابات أبي الأعلى المودودي وكتابات حسن البنا وكتابات سيد قطب وكتابات محمد قطب وكتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج وغيرهم . بينما تتمثل جغرافياً في حركة الترحال القديمة التي شكلت ما يمكن تعريفه بثقافة الإغارة وقد كانت الأساس في حياة الشعوب البيداء فيما قبل الإسلام وما لبثت أن تغيرت أشكال الإغارة لدى شعوب البوادي مع حالة الاستقرار الاقتصادي النفطي من مظاهر العنف المسلح إلى الإغارة الثقافية بسلاح التفسير الديني الوهابي الذي أنجز مهمته في غزو شعوب الماء ودحر ثقافتهم مدعماً بسلاح الأموال النفطية لوقف حركة المد الديمقراطي وتثبيت ثقافة الكل في واحد وتجييش جنودها تحت شعار السمع والطاعة لفتح بلاد العالم أمام الفكر الديني من المنظور الوهابي .

الفعل الإرهابي : يرتكز الفعل الإرهابي على أربعة عناصر

(عنصر الرعب – عنصر المقابل – عنصر الاستمرار – عنصر الدعاية) [2]

أنساق الإرهاب : تتشكل اتجاه الفعل الإرهابي في أربعة أنساق رئيسية

·   النسق الإرهابي السياسي : الذي يعتمد على الرعب وسيلة تستهدف نسق أو نظام سياسي آخر عبر صراع عنيف بين الحكومة أو النظام الحاكم وفصيل من أحد الأحزاب أو تكتل حزبي .

·   النسق الإرهابي الفوضوي : وسيلة يعتمدها المحكومين بصورة تلقائية وغير قانونية أو غير شرعية ضد الحكام الذي يمارسون الإرهاب بواجهة قانونية ، مثاله : أحداث 18 – 19 يناير 1977م ، وحادثة (النخيلة) في العام الماضي 2004 – 2005م .

·   النسق الإرهابي الدولي : وسيلة تعتمدها دولة ضد دولة أخرى في إطار الصراع السياسي والاقتصادي والفكري بما يخرج على حدود المواثيق والقوانين الدولية خروجاً مباشراً أو متستراً خلفها من خلال قرار لمجلس الأمن الدولي – كما يحدث ضد فلسطين والعراق ولبنان - وما يحدث لصالح أمريكا وإسرائيل .

·   النسق الإرهابي للأفراد : وسيلة مواجهات فردية أو قبلية في مجتمع تفشت فيه ظاهرة العنف بين الأفراد أو الجماعات الطائفية .

ويرتكن الفعل الإرهابي إلى ركنين أساسيين :

-   عامل سيكولوجي يتمثل في عنصري الرعب واستمرار تهديده لأطول فترة لدى الرأي العام ، وإلاّ اعتبر الفعل الإرهابي جريمة عادية .

-   عامل سياسي يتمثل في الاستنفار الأمني الدائم للدولة وأجهزتها السياسية وما يترتب على ذلك من خسائر مادية وبشرية وإعلامية بما يضر بسمعة البلاد على المستوى الدولي ويشوه صورة الإسلام عقيدة وسلوكاً .

 

إن الردع والسلام تؤمان .. وهذا ما يؤكده واقع العلاقة المتوازنة بين القوى الدولية الكبرى ليس في عصرنا فحسب ، بل في العصور الغابرة أيضاً .

فدولتا الفرس واليونان القديمتان عدوتان غلبت فارس اليونان لأنها الأقوى وانعكست النتيجة عندما أصبحت اليونان هي الأقوى .

دولة الفرس ودولة الروم كانتا على عداء تاريخي قبل الإسلام في العصور الوسطى .

ما الذي حال دون تدمير إحداهما للأخرى . قوة الردع عند كل منهما

الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية : ما الذي حال دون تدمير إحداهما للأخرى . قوة الردع عند كل منهما .

إن الهدف من السلام هو تحقيق الأمن لشعوب الأطراف المتحاربة أو المتصارعة في ناحية من العالم .. فهل تحقق الأمن لأطراف الصراع في منطقتنا العربية ؟! هل تحقق لشعوب الدول التي وقعت على معاهدات سلام مع الدولة الصهيونية ؟!

على الرغم من أن شيئاً من ذلك لم يتحقق على أرض الواقع ، نجد من الغرابة أن يتشدق البعض بما أطلقوا عليه (خيار السلام) وكأن أمام العرب بدائل غيره !! وعلى هذا ، فإن شعار السلام الذي رفعته الأنظمة العربية الحاكمة ، لم يزد عن كونه راية بيضاء رفعتها الأنظمة أمام مدفع الهوية الصهيونية بما يوقفنا أمام حتميتين احداهما تشهر مدفعها والأخرى ترفع رايتها البيضاء. فأين هو الخيار الذي تزعمه أنظمة الرايات البيضاء ؟! وهنا نكون وجهاً لوجه أمام زيف توظيف المفاهيم فالاستسلام يصبح السلام والحتمية تصبح الخيار ، وانتفاء إرادة اتخاذ القرار يصبح نصراً والإرهاب يصبح جهاداً عند زمرة من المتمسحين بالأصولية الدينية ويصبح ديمقراطية عند أمريكا ومن شايعها في أوروبا.

فما معنى الكلام عن ثقافة سلام بدون قدرة على الردع ، وما معنى الكلام عن السلام ونحن نعيش نكبات متصلة منذ الغزو العثماني (1517 حتى 1798م) ونعيش الانقسامات القبلية والطائفية والحدودية بقرارات (سايس بيكو) بعد هزيمة مشروع محمد علي النهضوي التحديثي ونعيش صراعات التصفية الدموية والتطهير العرقي منذ مكنت إنجلترا الشتات الصهيوني من دولة فلسطين التاريخية اتصالاً مع المذابح الصهيونية اليومية للشعب الفلسطيني والمذابح الطائفية اليومية التي أتاحها الاحتلال الأمريكي والبريطاني للعراق ، والمذابح العرقية في السودان والصومال بتمويل أمريكي وأوروبي .

وهل يتحقق السلام بين شعبين دون تحقق الشرط الموضوعي أي دون أن تسود ثقافة السلام في المجتمع لا أن تقتصر على النخبة الحاكمة ومثقفيها سواء المثقفين التقليديين أو مثقفي طلب هزيمة الأعداء بالأدعية الدينية – من أن العدو في نظر هؤلاء هو كل من لا يدين لهم بالسمع والطاعة -.

وهل يتحقق السلام خارجياً دون وجود سلام اجتماعي داخلي . إن ثقافة السلام لدى النخب الحاكمة في بلدين بينهما عداء تاريخي ليست قادرة على تحقيق سلام حقيقي بينهما دون وجود ثقافة سلام شعبية حرة في كلا الدولتين معاً.

إن السلام لا يمكن أن يتحقق على أي حال من الأحوال بين دولة لها سيادتها على حدودها المعترف بها دولياً ودولة ما تزال بغير حدود جغرافية شرعية معترف بها دولياً حيث تأسست على الاعتداء والتوسع على حساب الغير لاستيعاب الشتات اليهودي العالمي وليس أمام هدفها في التوسع سوى شراء الأرض أو استلابها بالحروب .

إن السلام لا يتحقق بين شعبين تحتل جيوش إحداهما بلاد الشعب الآخر .

وتاريخنا القديم يعلمنا أن ما أدركه الملك الفرعوني إخناتون في القرن الرابع ق.م عندما قرر سحب القوات المصرية وأمراء الولايات التي احتلها ملوك الفراعنة الذين سبقوه من الأراضي الآسيوية لم يحقق سلاماً فردياً – من طرف واحد – بقرار فردي مرتكزاً على (نظرية الكل في واحد) وفلسفة الجمع بين السلطتين الدينية والسياسية في آن واحد .

إن ذلك القرار الفردي النابع من ثقافة اخناتون المستبد العادل التأملية المسالمة ، أدت إلى محاولات متكررة لقتله بتدبير من الكهنة الذين تمكنوا منه في نهاية المطاف لا لأنه ألغى عبادة آمون وأقام بديلاً عنها عبادة آتون فحسب ، ولكن لإزاحته لكهنة آمون عن السلطة وحرمانهم مع أطراف النخب الحاكمة المتسترة وراء ديانة آمون من جني الثروات من المستعمرات في (خيتا وفي ميتاني) - بلاد الشام الآن - .

وحول فلسفة السلام عند إخناتون وهي من أقدم الممارسات التي استمرت في تطبيق ثقافة السلام لما يقرب من سبعة عشر عاماً ما بين (1375-1358ق.م) تعرض المسرح لحياته ولفلسفته في التوحيد ، وفي تحرير شعوب مملكتي خيتا وميتاني ، وفي نشر السلام على الأرض إذ كتبت عنه عشرات النصوص المسرحية منها : (مسرحية إخناتون لأجثا كريستي[3] سقوط فرعون لألفريد فرج [4] إخناتون ملك التوحيد لشوقي خميس [5] ، آخر أيام إخناتون لمهدي بندق [6] أيام إخناتون لإبراهيم الحسيني [7] اخناتون لمنصور مكاوي [8] )

إذن فشلت محاولات إخناتون في فرض سلام من طرف واحد ذلك أن الشرط الموضوعي كان غائباً ، حيث اعتمدت حركة السلام على إرادته الذاتية إرادته هو وحده دون أن توأمة مع إرادة الرأي العام للنخبة الحاكمة في مصر في أضعف الإيمان ، حيث أن الرأي الجماهيري العام مغيب ومنقاد ؛ لذلك توالت محاولات اغتيال إخناتون التي نجحت في تغييبه عن الوجود كله ومن ثم غابت فكرة السلام. ذاك كان شأناً من شؤون ثقافة خيار السلام الذي توفر الشرط الذاتي لصحة نفاذه على أرض الواقع وغاب شرطه الموضوعي على مستوى ثقافة الداخل (الوطني) وعلى مستوى الثقافة الخارجية (الطرف الأجنبي) .

ونستخلص من ذلك أن خيار السلام من طرف واحد لا يعد خياراً ولكنه سلام المنتحرين .

 

مثال تطبيقي من مسرحية أيام إخناتون:

وإذا كان فشل ثقافة خيار السلام من طرف واحد قد فشلت في تاريخنا المصري القديم وجرى على بلادنا ما جرى من غزوات الاحتلال الأجنبي المتتالية عبر العصور ، فإن ذلك لم يحل دون غزو عربي لإسبانيا بجيش طارق وتأسيس عبد الرحمن الداخل دولته في بداية الدولة العباسية بنفر من بني أمية أفلتوا بأرواحهم من البطش العباسي وتمكنوا من تأسيس دولة الأندلس في إسبانيا .

وقد صور بعض كتاب المسرح الاسبانيين والعرب أمجاد تلك الدولة كما صور تفتت دولتهم وتفرقهم في ممالك ضعيفة سرعان ما اجتاحتها جيوش الاسبان الموحدة بسبب تناحرهم ومؤامراتهم بعضهم بعضاً . ومن الكتابات المسرحية حول دور العرب الأندلسيين في نهضتهم وفي نكساتهم .

طارق أو فتح الأندلس للشاعر التركي عبد الحق حامد [9] - فتح الأندلس للزعيم الوطني المصري مصطفى كامل [10]– سقوط الأندلس للشاعر عزيز أباظة [11]– فاروق جويدة : الوزير العاشق [12]

 

الإرهاب بين ثقافة الكل في واحد وثقافة الكون في واحد :

" امنحوتب الثالث : السياسة دايماً ليها ضحاياها والحاكم العاقل اللي يحكم بأقل عدد من

                   الضحايا " [13]

بعد نجاة إخناتون من محاولة شاب فرعوني لقتله والإمساك بالجاني :

" إخناتون : اتكلم ما تخافش .. ليه عايزين تقتلوني دي تالت محاولة قتل الشهر ده

الشاب : أنا ما أعرفش أي محاولة قبل كده ، وأنا مش خاين .. الملكة المقدسة "تي" اتهمتني بكده ، لكن أنا فاهم حاجة تانية ؛ إن الخاين هوه الملك

إخناتون : أنا ..؟

الشاب : أيوه

إخناتون : وإيه كمان

الشاب : وكافر بالإله آمون ..

إخناتون : كمّل

الشاب : ومتواطئ مع أعداء مصر في مملكة خيتا وميتاني ، ومع قبائل الخابيرو

إخناتون : وإيه كمان ؟

الشاب : عشان كده الكاهن الأكبر أهدر دمك.

إخناتون : وانت شايفني خاين وكافر ومتواطئ فعلاً .. فكرت كويس؟

الشاب : أنا ما اتعودتش أفكّر . الكاهن الأكبر هو اللي بيفكر لينا كلنا .

إخناتون : إنت ما عندكش عقل ؟

الشاب : عندي .. لكن أكيد عقل الكاهن الأكبر بتاح موس أكبر من عقلي " [14]

(يأتي صوت بتاح موس من الخارج)

بتاح موس: مولاي الملك .. (يدخل مسرعاً ليركع تحت قدمي ‘خناتون)

            اعذرني يا مولاي مش قادر أسيطر على الناس ولا على الكهنة..الدنيا بتغلي بره"

" تي : دا الوعد اللي بينا يا بتاح موس ..

بتاح موس: مولاتي أنا ما أعرفش حاجة عن حوادث الاغتيال اللي ممكن تكون حصلت للملك

           .. وعشان كده أنا هانتقم من الخاين ده بنفسي .. دا ما يستحقش غير القتل

(يطعنه بتاح موس بخنجره ، يحاول إخناتون إنقاذه فلا يستطيع )

إخناتون : لا ما تقتلوش

(يسقط الشاب على الأرض يدور بعينيه بين إخناتون وبتاح موس)

الشاب : (بصعوبة) مش عارف مين فيكم اللي صح ومين اللي غلط (يموت)

بتاح موس : مولاي دا خاين

إخناتون : (منفعلاً) الخاين هوه إنت .. اخرج بره القصر".

 

 

المسرح ونظرية الكل في واحد بين قرار الحرب والسلام :

 

" حور محب : وصلتني النهاردة الصبح رسالة بتقول إن اتنين من أمرائنا قتلوا بسبب ثورات

                التحرر في آسيا .. جثة واحد منهم وصلت لمعبد آمون والتانية لسه ما

                وصلتش ..

                (إخناتون صامتاً .. يدور داخل المكان ، يبدو عليه الحزن والتفكير الشديد)

تي :   إخناتون .. طول حياتي وأنا بلاقي في نفسي ميل للإله رع عن بقية الآلهة لكن عمري ما عاديت الكهنة .. دول نابهم أزرق وكل وقتهم للخطط والمؤامرات .

إخناتون : قصدك تقولي إيه يا أمي ؟

تي : قصدي أقول إنك بسكاتك عن ثورات التحرير في آسيا بتدّي للكهنة فرصة عمرهم .. لو

        رحت معبد آمون دلوقت هتلاقي جثة الأمير اللي وصلت محنطة ومحطوطة وشها       مكشوف على المذبح في معبد آمون اللي رايح واللي جاي بيتفرج عليها ، وبيسيب       نفسه للكهنة يملوه كره وعداوة ليك .

حور محب :   بيقولوا إن الدور جاي على مصر وناسها

إخناتون :      وإيه المطلوب مني ؟

حور محب :   تجهيز حملة لإخماد الثورات في آسيا

تي :           والصلح مع الكهنة .. ولو بالكذب

حور محب :   فكر يا مولاي

إخناتون : حور .. اكتب إلى أمرائنا في آسيا قول لهم إن الملك إخناتون سياسته السلام ، مش

        الحرب وعليهم جميعاً اتباع سياسة السلام . ومن لا يقدر منهم يمكنه العودة ، جهز       كمان جيش لحماية ولايات مصر في آسيا من قبائل الخابيرو الهمجية .. الحرب فقط        ضد قبائل مش ضد ثورات التحرر .

حور محب :   ولكن يا مولاي

إخناتون :      نفذ يا حور محب "

 

ولأن الأمم تهرم وتشيخ وتذبل والحضارات تموت فذلك ما جرى على العرب وعلى غيرهم من الأمم لذلك وجدنا في المسرح من يصوّر عصور السبات الطويل لشعوب المنطقة العربية بعد سقوط الامبراطورية الإسلامية ومن هؤلاء الكاتب المسرحي والناقد السوري عبد الفتاح قلعجي الذي يبلور فكرة المخلص ارتكازاً على (نظرية الكل في واحد) في هذا الحوار في هذاالحوار من مسرحيته (هبوط تيمورلنك)

لا ليكسب التأييد لها بل لينقضها ويفكك محتواها الفكري : حيث المنظر لأناس محصورين في كهف معتم تحت الأرض تنبعث منه الغازات والأبخرة وهم ينتظرون المخلص المجهول لينقذهم مكتفين بالنوم وبالغناء الناشد لتحقق أملهم :

"بايزيد: وماذا نفعل الآن؟

حسن: ننتظر حتى يأتي الخامس

الجميع : (يغنون في رتابة وبرود)

        أقبل أيها المنتظر – مهما كنت – شراً أنت – خيراً أنت – أقبل أيها المنتظر (صمت)

تقي الدين: نحن كلمة ينقصها حرف

سارة : كلمة لا معنى لها

بايزيد: عندما يحضر الحرف الخامس سنقرأ أنفسنا ونعرف من نحن

حسن : (يعزف ويغني) أقبل أيها المنتظر . أقبل أيها المنتظر

        (ينعس الجميع ويتثاءبون) أقبل أيها الحرف الخامس "

وفجأة يسقط عليهم من كوة سقف الكهف (تيمورلنك) بلباسه التتري وسيفه

"حسن : (في برود وهمس) كدت أغفو .. انظروا إنه هو

سارة : (في لامبالاة) هو الخامس

بايزيد: (في لامبالاة) أخيراً وصل

تيمورلنك: (يتفحص المكان بعينيه ، يقترب من الجدار ، ينادي)

        نور الدين.. نور الدين ( صمت .. ينظرون إليه في دهشة ، يخطو متفحصاً الجماعة)

        نور الدين

بايزيد: من نور الدين؟

تيمورلنك: نور الدين قائد جيشي

بايزيد: قائد جيشك .. (ينفجر بالضحك ، يضحك الباقون)

تيمورلنك: صمتاً . (يصمتون فجأة) أنا تيمورلنك خاقان التتر الأعظم . قاهر العالم ،

          من يجرؤ أن يضحك في حضرتي

                (لا يستطيعون منع أنفسهم من الضحك فينفجرون معاً)

بايزيد: (يدور حول تيمورلنك) لا نعرف أحداً بهذا الاسم

حسن : أنا لم أسمع باسم تيمورلنك أبداً

سارة : ومع ذلك كنا نتوقع قدومك

تقي الدين: صحيح .. لكننا لم نكن نتصور أنك ستأتي بهذا اللباس مثل مهرجي السيرك "[15]

فالكاتب يفضح ضحالة ثقافة الجيل المعاصر النائم والمنتظر للمخلص الحاضر الغائب . وفكك فكرة المستبد العادل أو المهدي المنتظر .

 

* ثقافة الحرب قراءة استرجاعية أخيرة :

        تأسست فلسفة الحرب في منطقتنا العربية على مناطحة حتمية القومية العربية من ناحية لحتمية القومية اليهودية . الأولى تسعى نحو لم شتات الدول العربية في دولة موحدة تضم الأمة كلها شعوباً في نظام واحد لروابط دينية ولغوية وجغرافية وثقافية واقتصادية دون حسبان للكثير من الفجوات القائمة فكرياً وسياسياً ، بينما سعت الثانية نحو لم شتات اليهود في وطن عسكري ديني واحد على أرض حصل أجدادهم بدءاً من موسى على وعد ميتافيزيقي بوراثتها . هذا إلى جانب حتمية إشكالية أشد تعقيداً يتمثل في شعار عالمية الدين الإسلامي. إذن فنحن أمام حتميات ثلاث يؤمن أصحابها إيماناً يقينياً أعمى . وهكذا يتجدد الصدام الدموي الرسمي وغير الرسمي من وقت لآخر على أرض الواقع حتى مع حالة الجذر التي تعيشها الآن فكرة القومية العربية بينما ارتفعت رايات داود على أرض فلسطين ليرسم تحتها قادة الدولة الصهيونية الخارطة السياسية للمنطقة بالأسلحة الأمريكية الذكية . بينما انكمشت فكرة عالمية الإسلام واستحالت إلى مجرد شعارات تدوي بها مكبرات الصوت في زوايا بلاد المسلمين هنا أو هناك لينطلق بخطاب المتفجرات غير المسؤولة في الممتلكات والأرواح في أمريكا وفي أوروبا وتنفجر القبائل البشرية الاستشهادية اليائسة في فلسطين المغتصبة ، وفي العراق المغدورة .

هكذا دار الصراع في حلقته الأخيرة بين شتات أمة يهودية احتفظت بطابع الدين القومي وأمة تشتت في محاولاتها لتجاوز حدود الأوطان.

وعلى ذلك نصل إلى أن الأفكار الحتمية ، بل كل إنجاز عملي قام على فكرة الحتمية لا دوام له ، ولنا مثال في اتحاد السوفييتي وفكرة الحتمية الاشتراكية . ذلك هو منطق الجدل المادي والتاريخي للبقاء فما من شيء ثابت في الكون . وما من امبراطورية قامت على فكرة طال أمدها أو قصر إلا وسقطت صريعة أمراض الشيخوخة . اميراطورية الإسكندر قامت على الفكرة الأرسطية حول توحيد العالم تحت راية الفكر اليوناني والامبراطورية الرومانية قامت على فكرة قانون "كراكللا" ولكنها شاخت وماتت حلم نابليون الامبراطوري في اللحاق بمجد الإسكندر . قام على فكر "ليبينيز" وحلم النازية في سيطرة الدم الأزرق على العالم . قامت على فلسفة القوة عند نيتشه الامبراطورية الإسلامية قامت على فكرة عالمية الإسلام وعلى الغز والفتح .

إن الفكرة التي تتحقق عن طريق التواصل عبر الحوار الإيجابي المثمر هي التي ترسخ وتحيا بالالتزام واقعاً متفاعلاًومتضامناً حياً قابلاً للتجدد والاستمرار ، في حين تتآكل الفكرة التي تحققت بتجييش الجيوش العربية بفعل المقاومة والنضال الذي تزكيه دماء أصحاب المصلحة الحقيقية في نفي الواقع الجبري الداخلي والخارجي المحلي والعامي الذي حط على أوطانهم . وهنا نكون بإزاء ظاهرة الإرهاب الثوري وجهاً لوجه ، وهو عمل نضالي مشروع في ماجهة الاحتلال بكل أشكاله وخاصة ذلك الاحتلال الاستيطاني التوسعي .. فهكذا تتحرر الشعوب عبر رحلة نضال في الداخل لتحقيق الديمقراطية وفي مواجهة الاحتلال وهو أمر يتحقق مشروطاً بوجود ساحة ووجود عقيدة قتالية وآلة نضالية ودعم وطني شعبي ورسمي مستتر    -ربما- . ولأن ذلك الدعم شبه معدوم في ظل خيار السلام الذي رفعته الأنظمة العربية الحاكمة وروجت له ترويجاً إعلامياً في ظل نظرية (الكل في واحد) تلك التي أورثتنا الإذعان التاريخي لفكرة الزعيم المخلص المستبد العادل فأوصلتنا إلى نظرية (الكون في واحد) .

وهكذا سلمنا المستبد العادل المحلي إلى المستبد العادل العالمي الذي شاء أن يسوقنا إلى القدس قطينا تحت راية مقرطة الدول الأقنان ، رافعين الرايات البيض بأيدينا في مواجهة المدافع الصهيونية منشدين خلف (شعبولا) أحدث أغنياته الشعبية (زعلان على لبنان / وعالبيت اللي انضرب / وعلى فلسطين كمان / راح فين صوت العرب؟) .

إن القراءة التحليلية لتراجيديا الحرب والسلام .. الحرب والاستسلام الردع والسلام تؤكد أن الردع والسلام توأمان ، وأن الردع هو الذي يحول دون تفكير الطرف المعادي في الاعتداء على الطرف الآخر . وأن السلام لا يقوم إلاّ عبر تفاوض قائم على الندية بين الأطراف أصحاب المصلحة في إنهاء النزاع .. وأن إمكانية إقامة سلام مع دولة التجييش التي ليست لها حدود جغرافية معترفاً بها دولياً حتى الآن .

فما هي حدود ثقافة السلام في ظل هذه المعطيات ؟

في ظل ممارسات قانونية دولية يفرضها الطرف الدولي الأقوى بما يتيح له خرقها فور وضعها متى يشاء وكيفما يشاء .

في ظل حتمية رفع شعار (خيار السلام) نكون بإزاء إذعان عربي رسمي تظلله مظاهرات الشجب الشعبي وتحوطه ثقافة الأدعية الدينية على الأعداء. لقد كنا شعوباً لها إرادة دون استطاعة حيث سلمنا للمستبد العادل رقابنا طاعة للحديث : " إذا كنتم ثلاثة فأمّروا أحدكم عليكم " فاسلمتنا (نظرية الكل في واحد) إلى (نظرية الكون في واحد) .

إن السلام لا يتحقق وفق خيار طرف واحد من أطراف الصراع ، إن القراءة الاستعادية للفكر الاخناتوني حول فلسفة السلام من طرف واحد تكشف عن انهيار نظامه وتعدي الممالك التي حررها من احتلال أسلافه لها على الامبراطورية المصرية حينذاك بالإضافة إلى تخلص النخبة الدينة والسياسية منه وإلى الأبد .

إن القراءة الاستعادية للفكر "الرومولوسي" للسلام من طرف واحد في الامبراطورية الرومانية تكشف عن تفكيك الامبراطورية الرومانية واجتياح العسكرية الجرمانية لأراضيها والأمر نفسه في حالتي (إخناتون) و(الامبراطور رومولوس) قريب منها قرار تفكيك جورباتشوف للامبراطورية السوفيتية مع ما تحيط به من شبهات العمالة .

إن القراءة الاستعادية للفكر السياسي العربي الرسمي المعاصر حول فلسفة السلام تكشف عن تحول الدول العربية والإسلامية إلى جزر منعزلة على الرغم من التجاور الأفقي في الوقت الذي تقضم أسنان العسكرية العربية أراضيها وتدير المذابح لأبنائها في فلسطين فيما يشبه مباراة خراب دموية مع جيوش أمريكا وبريطانيا على أرض الرافدينن . إن إعادة قراءة شعار (الكل في واحد) الذي تدين به أمتنا عبر تاريخها البعيد وعلى امتداد تاريخها المعاصر تكشف عن أمتنا أفنت نفسها بنفسها في سبيل فكرة .

لكن ما هو الحل ؟! ولا أقول البديل .. فقد جربنا البدائل مستبد عادل لا يتبقى منه غير صفته الأولى فنسعى عبر معارضة ونضال مرير قد يصل إلى عشرات السنين للبحث المستميت عن مخلص مستبد عادل آخر بديلاً عنه .

لا بدائل تصلح بعد الآن وإنما هو الحل ، فما هو الحل ؟ مع فقدان إرادتنا على الحرب وإرادتنا على ردع العدو التاريخي الذي زعمته الأنظمة صديقاً وجار سلام . الحل في نزع الاعتقاد الراسخ بإعلان السمع والطاعة لفكرة المستبد العادل والانهماك الجاد في اتقان كل منا لعمله حتى يتقدم مجتمعنا مع مقاومة ألوان استغلال النخبة الاقتصادية والسياسية لثمار جهودنا وعرقنا مع النضال السياسي عبر الحوار من أجل وجود حياة ديمقراطية حقيقية بعيداً عن الديمقراطية المركزية للنخبة الحاكمة .

هذا وإلا فلنستسلم أو نقف بطانة خلف (شعبولا) وهو يجعر بأحدث أغانيه في وصلة ندب زاعقة :

" زعلان على لبنان             ع البيت اللي انضرب

 على فلسطين كمان             راح فين صوت العرب؟ "

وربما خرجنا على نص "شعبولا" وقلنا : (راح فين أحمد سعيد ؟! )

 

                                                                د.أبو الحسن سلاّم



[1]  راجع : أدونيس العكرة ، الإرهاب السياسي (بحث ف أصول الظاهرة وأبعاده الإنسانية) ، بيروت ، دار الطليعة ، سلسلة السياسة والمجتمع ، 1983م ، ص ص 21 – 22.

[2]  راجع : أبو الحسن سلاّم ، الإرهاب بين وسائل الإعلام والمسرح ج1 ، ط3 ، الإسكندرية ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، 2004 ، ص 103 .

[3]  أجاثا كريستي ، إخناتون ، روايات الهلال 342 ، القاهرة ، مؤسسة دار الهلال ، يونيه 1977م .

[4]  ألفريد فرج ، سقوط فرعون ، الأعمال الكاملة ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب .

[5]  شوقي خميس ، إخناتون ملك التوحيد ، مختارات فصول 112 ، القاهرة ، الهيئة العامة للكتاب ، 1996م .

[6]  مهدي بندق ، آخر أيام إخناتون ، الإسكندرية ، مؤسسة حورس الدولية ، 1997م .

[7] إبراهيم الحسيني عثمان ، أيام إخناتون ، نصوص مسرحية (34) ، القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، 2001م .

[8]  منصور مكاوي ، إخناتون ، القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، 2002م .

[9]  عبد الحق حامد ، طارق أو فتح الأندلس ، ترجمها عن التركية ، إبراهيم صبري ، سلسلة الألف كتاب الأول (137) ، القاهرة ، مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز ، د/ت.

[10] مصطفى كامل ، فتح الأندلس ، تحقيق : د.إبراهيم حمادة ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب .

[11]  عزيز أباظة ، غروب الأندلس ، الأعمال الكاملة ، القاهرة .

[12]  فاروق جويدة ، الوزير العاشق ، القاهرة ، مكتبة غريب ، 1981م .

[13] إبراهيم الحسيني ، نفسه .

[14]  نفسه ، اللوحة السادسة ، ص ص 114 – 115 .

[15] نفسه ، ص 83.