الأربعاء، أكتوبر 22، 2008

الجسد بين الدين والفن أبو الحسن سلام

الجسد بين الدين والفن
    إن نظرة الأديان السماوية للجسد تقرنه بالخطيئة والرجس والتدنيّ والانجراف وراء الغرائز . غير أن الهندوسية ـ وهي ديانة أرضية بشرية ـ تدعو إلي روحنته وكشف لطفه. علي أن علاقة الجسد بالفن تميل بحدة نحو نظرة الثانية وتتجنب النظرة الأولي التي ترى الجسد عورة ويجب تكفينه حيا . وهذا المقال وقفة تأملية حول علاقة الجسد بين الدين والفن .

 *الجسد في الديانة اليهودية:   حقرت اليهودية الجسد البشرى لصالح الروحانية البحتة ؛ ولذلك هو عندها رجس ومتلبس بالخطيئة ظنا علي الإطلاق .

 *الجسد في الهندوسية :   رأت الجسد مجموعة مركبة من العمليات العقلية .. ومعني ذلك أنها نظرت إلي سلوكه من منطلقات الإرادة البشرية وهي نظرة تجريبية تقيم فعله في إطار شروط موضوعية  ولاتحكم عليه بالظن المطلق .
  تقف الهندوسية ـ وهي ديانة غير سماوية  ـ  من فكرة الجسمانية موقفا فلسفيا ؛ باعتبار الجسد البشرى الواحد جسدين في النفس الواحدة ؛لاجسدا واحدا :   جسد كلي ، وجسد داخلي لطيف .. وهذا موقف يذهب إلي روحنة الجسد والعمل علي اكتشاف جغرافيا الجسد اللطيف . لذلك كانت نظرة الديانة الهندوسية نظرة تجريبية لاتطلق الأحكام جزافا بل تتأمل وتحلل وتكتشف جمالية الجسد . 
* الجسد في المسيحية  :  اختلطت بعض سنن من ثقافة اليهودية ببعض من ممارسات المسيحية . ولا غرو فقد ولدت المسيحية من رحم اليهودية . . لذا فالجسد عندها هي ايضا منحط في غرائزه ؛ لذا وجب احتشامه.  والجديد الذى أضافته المسيحية هو تقويم الجسد تقويما احترازيا دائما باعتبار أنه منحط وغرائزى ظنا .

* الجسد في الإسلام    :  الجسد حرمه . وبخاصة جسد المرأة. فهو عورة وغرائزه منحطة . من هنا وجب احتشامه . هكذا كان الحكم قطعيا علي إطلاقه و بالمظنة أيضا .
 * الجسد عند العلمانيين :  إن الفكرة التي أخذ ت بها المدنية الغربية منذ مئات السنين ؛ حول الفصل بين الدين والدولة أو بين الثقافة الدينية والثقافة المدنية قد ادّت إلي تقدير الجسد والكشف عن جغرافيته  ؛ وإمكاناته التعبيرية ؛ عن طريق فنون الباليه وفنون الرقص المسرحي وفنون المايم . وهو أمر أخذت به مصر منذ خمسين عاما مضت ؛ عندما أنشأ الوزير العالم (ثروت عكاشه ) المعهد العالي للباليه ؛ ضمن مجموعة المعاهد الفنية التي جمعتها أكاديمية واحدة هي ( أكاديمية الفنون) بمصر . فضلا عن إنشائه ( لقطاع الفنون الشعبية)  ضمن ـ منظومة هيئة المسرح والسينما ـ       وهو الأمر الذي تطور وأمتد بإنشاء( الفنان فاروق حسني) لفرقة (الرقص المسرحي بدار الأوبرا المصرية) ؛ تلك التي عقدت إدارتها الفنية  للفنان المخرج المفكر ( وليد عوني) .
 لم يقف أمر تقدير لطف الجسد البشرى عند ذلك الحد بل تخطاه إلي تكريم فنون الجسد  ؛ بما أتيح للمبدعين المسرحيين العالميين في العروض المسرحية التي تحتفي بالجسد وفنونه المتصلة بفنون السينوغرافيا ( المعادل التشكيلي المرئي للحدث المسرحي) علي مدار عشرين دورة من دورات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي  ؛ حيث ترسخ ذلك التوجه نحو اعتماد لغة الجسد متزاوجة مع لغة الصورة وسيلة للتعبير الدرامي والفني .
 من البداهة والأمر كذلك  ..القول بأن مراعاة الممثل في استخدامه لفنون الإشارة والإيماء أن يسترشد بصورها عند الأمم والمجتمعات المختلفة عندما يقدم علي تمثيل شخصية تنتمي لواحدة من تلك البئات السالفة الذكر ؛ لأ ن تلك الإشارات والإيماءات والرموز الأدائية  ؛هي مواضعات الشعوب علي تباين ثقافاتها في تأكيد هوية تراثها وهوية إتصالها الحضارى وتواصلها الثقافي . والفنان " لايكون فنانا إلاّ إذا استطاع ان يعبر بشكل ملموس عن الصورة التي في رؤيته . فكل ماهو ذاتي ؛ أو لاشعورى "أو " تحت السطح " أو " رمزى" ـ يجب أن يجعل موضوعيا ؛  بخاصة في المسرح . فالرموز غير القابلة للوصول إلي الغير ؛ هي ليست رموزا . ولايغيّر من هذا الوضع ماقد يستخدم من اساليب لدعم رموز غير مفهومة ، سواء أكانت هذه الأساليب وظيفية ترتبط بتجهيز المسرح ؛ أو مجرد استخدام الأقنعة ." **


** أنجنا إنترز " الرقص والبانتوميم " ( الأوجه المتعددة للرقص )  ص88