الأربعاء، أبريل 01، 2009

الكتابة السيكودرامية

الكمبوشه
الكتابة السيكودرامية للنص المسرحي
- تطبيقا علي نص "أمر مكتبي –

د. أبو الحسن سلام

نادرة تلك النصوص المسرحية السيكودرامية الخالصة
فمع أننا نعيش الأزمات النفسية جنبا إلي جنب مع الأزمات الاقتصادية والثقافية والسياسية منذ زمن بعيد إلاّ أننا لا نعرف من بين كتابنا المسرحيين وأدبائنا الروائيين والشعراء من أبدع نصا سيكودراميا ، سواء تأثر بتحليلات النظرية الفرويدية أم تتبع خطوات ( جاكوب مورينو) رائد التوجه السيكودرامي كوسيلة علاجية ذات أثر ناجع. ولا ندري أكان ذلك بسبب ندرة تعامل الكتاب مع حالات سيكلوجية تصلح لتناولها دراميا أو لانعدام ممارساتهم التطبيقية خوضا في هذا اللون من الكتابة أو لعدم احتكاكهم المباشر بمجال الطب النفسي ، أو لصعوبة الكتابة في ذلك اللون من الدراما .
نحن لا نعرف من الكتابات الدرامية النفسية غير القليل ومنها كتابات ( كافكا ) و( دستوفسكي ) في الرواية. وفي مسرحنا العربي ربما مالت كتابات يوسف إدريس في مسرحية( المهزلة الأرضية)- تحديدا وفي بعض قصصه ورواياته- نحو بناء الصورة الدرامية بناء قائما علي تشريح البعد النفسي للشخصية فضلا عن نص هنا ونص هناك لآخرين مثل (أرض لا تنبت الزهور ) لمحمود دياب ، ونص (الدنس) لحسن أحمد حسن ، وإن انتميا لأسلوب مسرح القسوة ، الذي يعول علي الطقس وإسقاط شحنات الكبت، والتطهر من سمات القسوة العالقة بالمرجعياته الثقافية ومظاهرها في سلوك الشخصية الدرامية ، على النحو الذي عني بتصويره (الفريد جاري) و(أنتونان آرتو) في فرنسا .
غير أني فوجئت بنص سيكودرامي أرسله لي الكاتب المسرحي محمد إسماعيل القناوى ، هو تعبير أصيل عن المسرحية السيكودرامية ، ففيه من صدق التعبير عن الصورة السيكودرامية الكثير الذي يقطع بأن لصاحبه خبرة وثيقة الصلة بمجال التمريض النفسي . وقد صدق حدسي بذلك عندما عرفت أن الكاتب يعمل في مجال الطب النفسي فعلا .
لقد توقفت طويلا عند اللوحة الافتتاحية لنصه(أمر مكتبي) ففيها تركيز يؤكد صدق معايشته لتجربة شخصيته السيكولوجية ، فوجدت أن من حقه على الحركة النقدية أن تحتفي بنصه هذا بصفته كاتبا سيكودراميا حقيقيا ، يكتب عن خبرة عملية بمجال العلاج النفساني ، وقد تمثلت خبرته في الصيغة الدرامية البليغة للافتتاحية ببنيتها اللغوية المنضوية تحت إطار عام ، جامع لجزئيات تشف عن خصوصية تعبير كل شخصية ، وعمومية الحالة النفسية لجميع الشخصيات بما يؤكد المبدأ العلمي ( الجزئي يتأثر بالكلي والعكس صحيح) فالعلاقة بينهما جدلية طالما اجتمعا في حيز واحد زمنيا ومكانيا. " يقول د. مدحت أبوبكر "يخلص الكاتب السيكودرامي لثنائية الوعي واللاوعي عندما يعيش داخل ذاته ثم يتركها" وهكذا رأينا المؤلف هنا، حيث يوقفنا أمام ثلاثة نماذج بشرية غير سوية يعيش كل منها داخل ذاته، وهي غير متكيّفة مع وسطها الاجتماعي، غير متكيفة مع بعضها بعضا. تتمحور فكرة النص حول مقولة إنه( لا مكان للأسوياء في مجتمع المرضي النفسانيين.) أما البنية الدرامية النفسية للغة الحوار، فقد تأسست على التنويع بين أسلوب الإضمار وأسلوب الصمت ، مع تنويع أدواره ، حيث تشكل لغة إضمار الشخصية وصمتها عن البوح عما بداخلها حقيقة الواقع النفسي الذي تعيشه الشخصية . وبهذا تمكن المؤلف من تشخيص حالة إسقاط كل شخصية لمكبوتاتها ، على هيئة أفعال تلحق الضرر بالحالة السوية التي تتواجد معها :
" ( يدخل مرعي في بؤرة ضوء ) "مرعي: كل يوم أشوف الناس أحس إني ذئب وهمّا... (صمت) غنم كل يوم." (عوض: يدخل عوض في بؤرة ضوء أخرى) كل يوم أشوف الناس أحس إني ...تعبان وهمّا... بيض الحمام اللذيذ (صمت) كل يوم"
"سامي: (يدخل سامي في بؤرة ثالثة) كل يوم أشوف الناس أحس إني(لحظة صمت طويلة) أحس إني صرصار وهمّا حيدوسوني" (صابر: يدخل من عمق المسرح في بؤرة ضوء بينما يظلم على الشخصيات الأخرى) كل يوم أشوف الناس، أشوفهم ، أعيش معاهم ، أخانقهم أصالحهم ، أكلمهم،أخاصمهم،أشكي منهم ليهم ، ابتسم لهم ، أعيّط في مناديلهم ، أحسهم .. (صمت) كل يوم.( تخفت الإضاءة تدريجيا حتى الإظلام التام) تقوم البنية الدرامية لهذه التقديمة الدرامية على تقنية القطع والوصل لتجسيد حالة العزلة النفسية ، فكل شخصية من الشخصيات المرضية الثلاث تعيش في جزيرة نفسية منعزلة عن الآخرين المتواجدين معها ، نحن أمام قطيع بشري، كل عضو يعيش داخل ذاته وينغلق عليها ، ووجود الشخصية السوية ( صابر) هو استثناء له عواقبه الوخيمة ، فهو غير متكيف مع ذلك القطيع الآدمي غير السوي. ولكي يجسد المؤلف ذلك التباين فيما بين الشخصية السوية والشخصيات السيكو يعّول على البعد الذاتي منفردا في بناء الشخصية السيكودرامية في حالة انعدام التوازن النفسي اعتمادا على سلوكها القولى والحركي اللاإرادي المتقطع الأوصال فيما بين التعبير عن الإحساس والنتيجة المترتبة عليه، وذلك بتوظيف تقنية الصمت أسلوبا للفصل بين الإحساس والنتيجة. فضلا عن توظيف النص الموازي ( البؤر الضوئية والإظلام) لتوكيد العزلة النفسية الفردية. فبالصمت والبؤر الضوئية والإظلام جسد المؤلف جمالية البنية السيكودرامية.