الجمعة، يوليو 17، 2009

بنات بحري بين محمود سعيد ووليد عوني

بنات بحري بين محمود سعيد ووليد عوني
أ.د/ أبو الحسن سلاّم

إشكالية النسبة والتناسب بين لوحة (بنات بحري) على المسرح واللوحة الأصلية
تشكل النسبة والتناسب في العمل الإبداعي الأهمية الكبرى في خلق حالة الاكتمال الفني، وهو الغاية التي ينشدها الفنان أو الأديب صاحب النهج الذي يعادل أو يسعى جاهداً إلى خلق نوع منن أنواع التعادل بين الحقيقة الموضوعية (التاريخية – الواقعية المعيشة) والحقيقة الفنية خاصة إذا نهج في أحد أعماله الإبداعية نهجاً طبيعياً أو واقعياً.
ومحمود سعيد الفنان التشكيلي الذي تمتزج في أعماله التصويرية سمات الواقعية مع سمات الطبيعية وسمات التعبيرية ، حيث يصور الشريحة الاجتماعية الشعبية ويشخص شخوصها تشخيصاً هو أقرب إلى التشريح الذي ينطبع على الوجوه ليعبر عن مزيج من الرضا والقناعة والمسحة الحزينة المهمومة في خطوط تكشف عن حدة كامنة ومتربصة في الوجوه وألوان تشي بالقدم ، إذ تشعر الناظر إليها بأن هذا العالم الذي ينظر إليه هو عالم قديم أو عالم منقرض ؛ بعثته للتو فرشاة الفنان النابضة بعشق الماضي وكل ما هو شعبي وتراثي أصيل ، فالملامح النوبية التي تنطق بها وجوه الشخصيات ، هي التي تحيل الناظر إلى ذاكرته البصرية ليسترجع – وهو يناظر تلك الوجوه – الوجه النوبي المبتسم المهموم في آن واحد ، وتحيل النظرة إليه إلى الذاكرة البصرية عند من وقف أمام لوحة (الموناليزا) لدافينشي ؛ ذلك الوجه المشع بالبسمة الحزينة والنظرة التي تتجه إلى كل الجهات ؛ فالناظر إلى (الموناليزا) من أية زاوية من زوايا الرؤية يجد تلك البسمة الحزينة والنظرة الحزينة نفسها ، مرتسمة في وجه الشخصية المصورة ؛ والناظر إلى أي وجه من وجوه لوحة (بنات بحري) يكاد يرى نفس الملامح والخطوط والسمات مكررة بشكل أو آخر على وجوه شخصيات اللوحة ، وهذا ما يبعدها – إلى حد ما – عن النهج الطبيعي في الوقت الذي يقربها منه أيضاً ، فتكرار السمات نفسها والملامح على كل الوجوه يبعدها عن تشخيص حالة التفرد ما بين وجه وآخر ؛ غير أن الاكتمال الفني في تشخيص ملامح الشخصية منفردة – كل على حدة – يجسد المنحى الطبيعي الناقل للصفة الوراثية والبيئية بكل ما يتفاعل فيها من عناصر. وبذلك تطل شخصية الفنان محمود سعيد معلنة من وراء وجوه شخصيات لوحته الفريدة عن ذاته الساكنة في اللوحة مما يؤطرها بإطار التعبيرية التي تتجلى فيها مشاعر الفنان نفسه وهنا يؤكد النقد الفني الحقيقي على أن الأدب والفن لا تنفصل في أي منهما ملامح عدد من الأساليب الفنية حتى لو طغى أسلوب منها في العمل الإبداعي على ملامح الأساليب التي شاركت في نسج خيوطه الإبداعية وشهر العمل به ؛ فكل إبداع أدبي أو فني حقيقي تتداخل فيه الأسلايب فتعمقه وتثريه وتضعه على طريق الخلود وهذا هو شأن هذه اللوحة ، لذا أغرت الفنان وليد عوني ليعيد إنتاجها إبداعاً نابضاً بالحركة والحياة عبر وسيط إبداعي مغاير ، فعندما نقف أمام اللوحة الجمالية الراقصة التي جسد فيها الفنان (وليد عوني) (بنات بحري) على المسرح تجسيداً حياً عندما أعاد قراءتها قراءة بصرية ؛ ودعانا لنقرأ اللوحة معه قراءة جديدة وحداثية عن طريق فك شفرة حروفها وجملتها الحركية غير الكلامية متوحدة مع الجمل النغمية الموسيقية المصورة لجماليات التعبير الاستعراضي الدرامي الراقص ، المتوسل بالمونولوج الراقص الذي يحاور فيه جسد كل راقصة من (بنات بحري الثلاثة) نفسه مع أول إطلالة تخرج منها كل منهن من أحد جوانب المسرح (الكالوس) بصحبة المبدع الثاني للوحة المخرج (وليد عوني) نفسه الذي أعاد قراءة اللوحة المستنسخة من لوحة محمود سعيد على ضوء (فانوس) شعبي شحيح الضوء ، قراءة تأمل انفرادية ليميل نحو (كواليس) المسرح مرة يميناً وأخرى شمالاً فيصحب في كل مرة احدى البنات متدثرة بملاءتها السوداء التي تؤطر بها من الخلف جزءاً من عُجزها، ثم تطوي طرفيها على ذراعيها وتقبض عليهما بطرفيها كما لو كانت تقبض على لجام طاقة شباب فتيات بحري كلهن لتشكم جماح أنوثتهن المراهقة التي أطلقها المخرج عندما أطلق البنات من إطار اللوحة ليملأن الفضاء المسرحي تبختراً وتغندراً وتمايلاً وانثناءً تخرج له عيون المشاهدين إعجاباً وترحابا وهن كما هن ممشوقات كما رسمهن محمود سعيد في لوحته الأصلية ، على الرغم من الانثناءات والاستدارات . وما أن تستقر كل بنت منهن في بقعة الضوء التي تتركز عليها وتؤطرها ، ويتشكل من ثلاثتهن تكويناً منفصلاً ، قائماً على الانفرادية ومن ثم الإحساس الأنثوي بالتفرد الهلنستي ؛ كما لو كانت كل منهن تشعر من داخلها بأنها (هيلين) فاتنة الأمير (باريس الطروادي) بعثت في فضاء خشبة المسرح بأوبرا سيد درويش بالإسكندرية .
المتفرج السكندري الذي رأى نفسه وجهاً لوجه أمام (هيلينيات ثلاث) تقنعت كل منهن خلف ملاءة (بنت بحري) فتوهم كل متفرج نفسه باريس الإسكندراني ففز من مقعده لتدفعه زوجته التي قيدته إلى جوارها بلكزة رجولية تلصقه بظهر الكرسي.
ولأنني ذهبت إلى العرض دون نصفي الآخر (الحلو بالطبع) ، لذلك فقد تلبّسني الوهم فظننت من شدة إعجابي (ببنات وليد عوني) أنني (أبو اسكندر باريس).
ولكن طبع الناقد وتطبعه عاودني بعد مرور أيام على مشاهدتي لبنات بحري بريشة وليد عوني استنساخاً من اللوحة الأصلية لمحمود سعيد بعد أن زالت عني نشوتي الموسيقية والتشكيلية وتلبستني جنية النقد أدرت شريط الفيديو الذي أهداني إياه المخرج الفنان وليد عوني وعاودت مشاهدة ( بنات بحري) بعين ثالثة هي عين الناقد ؛ فلاحظت خللاً في تناسب الراقصات الثلاث مع مقاييس اللوحة المستنسخة خلفهن عن أصل لوحة (بنات بحري) للفنان محمود سعيد ، فالشخصيات المرسومة في اللوحة المفترض خروج البنات منها ليجسدن حوارية رقص شعبي بديع يستعرض فيها مفاتنهن من وراء (الملاءة اللف) وبدونها في تمردهن الجماعي على سجن اللوحة أو في تعبير كل منهن المنفرد على هيئة مونولوج راقص يعبر فيه الجسد عن جوهر ما يشعر به وما يعانيه منن جراء قيود اللوحة وجوهر ما يريده من انطلاق وتحرر تعبيراً عن الطاقة الشعورية والانفعالية الكامنة بداخلها مع استعراض ما تنفرد به عن زميلتيها من إغراء وجمال وسحر وقدرة على جذب الأنظار إلى بوح الجسد النسوي الفتي المتمرد. إلى جانب تآزرهن في أداء جماعي راقص يستعرض فيه هوية بنت بحري ، التي يعكسها زجل بيرم التونسي – ابن بحري والسيالة – في رسمه لشخصية الإسكندر، فهن في رقصهن الجماعي مشاكسات فحركات الأجساد في جماعية التعبير الحركي الدرامي الراقص تشف عن تصدٍ جماعي لمعاكسات شباب متخيل يضايقهن ويتقاطع مع سيرهن الترويحي الاستعراضي على الكورنيش وذلك لا يحول دون قصدية كل واحدة من البنات الثلاثة في أن تتبدى متفردة في فتنتها وقدرتها على اجتذاب الشباب والإيقاع بهم ثم نفورها ممن ينجذب إليها منهم.
ويتبدى الخلل أيضاً في المساحة الخالية في مركز اللوحة المستنسخة من اللوحة الأصلية لمحمود سعيد ، وهي المساحة التي تركها الفنان الناسخ للوحة الأصلية تعبيراً عن كونها المساحة التي تقف فيها (بنات بحري) الثلاث ، فالناظر إلى اللوحة في الخلفية يشعر بعدم توازن اللوحة فمن ناحية يمين اللوحة – من جهة نظر المتفرج – يرى بائع شراب العرقسوس الشعبي ، ومن ناحية يسارها يرى طفلاً يجلس على ظهر حمارجلسة غير متمكنة – جانبية بما يغاير الحقيقة الواقعية لأنه يصبح معرضاً للسقوط – إلاّ إذا كانت طفلة ويخشى عليها من خطر فض غشاء بكارتها إذا أجلست على ظهر الحمار جلسة تمكن تسقط فيها ساقيها على جانبي الحمار الذي سمح لها بركوبه . وعلى الجانب المختفي للحمار يقف والدها متجهاً بكل كيانه نحو الفراغ الذي خصص لتكوين (بنات بحري) في الصورة ، كما لو كن متواجدات.
إن هذا الفراغ يشكل تشويهاً ملحوظاً للوحة ، قبل خروج الراقصات الثلاث من كواليس المسرح وهو تشويه قريب من أسلوب المدرسة الشكلانية ، لو أن الفنان المخرج كان متعمداً أو متقصداً ذلك الانحراف في الصورة ، بغرض صنع جمالية التشويه أو ما يطلق عليه برتولت بريشت : ( الرائع في المشوه والمشوّه في الرائع)
غير أنه من الحق أن نقول إن تلك المساحة الخالية في اللوحة المصورة والمستنسخة عن لوحة (بنات بحري) لمحمود سعيد لا تكاد تلفت نظر المشاهد في تصدّي الراقصات الثلاث لأمامية الصورة في حركتهن الرشيقة البديعة وتكويناتها الجمالية.
ومع ذلك يبقى الخلل قائماً في نسبة أجسام الراقصات الثلاثة إلى نسبة أجسام شخصيات اللوحة التي تتصدر الصورة المستنسخة عن الأصل ، خاصة وأن الراقصات الثلاثة (بنات بحري) يتصدرن اللوحة في كل تكوين لهن أمام المساحة الخالية في اللوحة الخلفية المصوّرة . فلا نسبة ولا تناسب.
وللانصاف أقول ماذا كان بوسع وليد عوني أن يفعل ؟ هو واقع بين إشكالية وضوح تفصيلات اللوحة الخلفية المستنسخة للجمهور ، وإشكالية صغر أحجام الراقصات المجسدات للبنات الثلاثة بالنسبة لأحجام الشخصيات المرسومة فمن أين يأتي براقصات ذوات أجسام تتوافق مع أجسام الشخصيات المرسومة في اللوحة الخلفية. وهي إشكالية لا حل لها. وهنا نصبح وجهاً لوجه أمام ما طرحناه في مقدمة هذا المقال حول إشكالية الحقيقة التاريخية والاجتماعية والحقيقة الفنية. ولاشك أن الأدب والفن يغلب الحقيقة الفنية على الحقيقة التاريخية أو الحقيقة الاجتماعية وهذا معناه أن على طرف المعادلة في العرض المسرحي أن يرضخ لشرط التعاقد الضمني الذي تم بينه وبين العرض المسرحي والذي يقضي بأن العرض المسرحي يقدم نفسه في رداء الإيهام والجمهور المتلقي لذلك العرض عليه أن يتقبل الإيهام عبر أساليبه الممتعة ومضامينه المقنعة وبذلك يتحقق التفاعل عبر معادلة العناصر الفنية في نسجية العرض المسرحي مع التعبير الشعوري المعروض في تلاحمه وتفاعله مع التعبير الشعوري الجماهيري المستقبل له.

تقنيات الكتابة السينمسرحية في تسابيح أدول النيلية

تقنيات الكتابة السينمسرحية في تسابيح نيلية
د. أبو الحسن سلام
الفن الحقيقي يجود بما فيه من قوة ؛ ليبلغ غرضاً لم يصل إليه سواه وهو يتخطى المعتاد طامحاً إلى أن يكون موسيقياً ، ولأن المرء لا يستطيع أكثر مما يعرف ولا يعرف أكثر مما يستطيع فكثيراً ما يكتفي الفنان بخلق الموسيقى الداخلية في إبداعه وذلك بعقد قران غير شرعي بين الشعر والموسيقى على فراش النثر.
ولقد سعى أدول عبر تسابيحه النيلية لنقل معرفته على قدر استطاعته واستطاع تحقيق ذلك على قدر معرفته وهي غير قليلة فجاء ما صوره شبيهاً به من حيث الجدة والأصالة ، ولم يكن في حاجة إلى اصطياد الألفاظ لأن لديه شيئاً يقوله . ومع أن الوصول إلى الينابيع والأصول يحتاج إلى وسائل يصعب الوصول إليها - بتعبير فاجنر – إلاّ أننا وجدنا أدول يصل إلى منابع تراثه وأصوله بيسر ، وذلك مرجعه معايشته لمنابعه فهي كما هو واضح تسكنه ومن ثم تسكن كل أعماله بدءاً من (ناس النهر) غير أن روح العصر تفرض ألواناً من التعبير تلائم إيقاعاتها المتسارعة ولذلك ينسج أدول تسابيحه النيلية في شكل خليط بين المسرح والسينما بحيث يعطي أولوية التعبير للغة الصورة

يقول ستانسلافسكي :
" إن الاستسلام لسلطة القوالب الجامدة لا يكلف شيئاً " وفي نص (تسابيح نيلية) لم أجد المؤلف مقيداً إلى قوالب جامدة .
ويقول بيكاسو : " أنا لا أنقل من الطبيعة بل أعمل معها وأمامها" ولم أجد حجاج أدول في نصه هذا إلاّ عاملاً مع الطبيعة وأمامها .
ويقول باختين : " إن جميع الكلمات توجد بثلاثة وجوه :
كلمة محايدة في اللغة لا تنتمي لأي شخص ، وكلمة تنتمي لشخص آخر وهي محملة بصدى ما ينطق به هذا الشخص . أما الكلمة الثالثة فهي التي تحمل ما أعبر عنه " وأرى أن كلمة حجاج أدول في نص تسابيح نيلية الكلمة الأولى إلى كلمة ثالثة وإذا كانت (كل الكلمات تشتمل على اقتباس من كلمات سابقة حيث لا وجود لاقتباس متطابق مع الأصل أبداً لأن المضمون لا يتوقف عن التغيير) - بتعبير باختين – فقد رأيت ذلك ماثلاً في نص (تسابيح نيلية) خير مثول فالكلمات فيها وإن كانت مقتبسة من كلمات التراث الديني والطقوس الشعبية المصرية إلاّ أنها تتطابق مع الأصل التراثي بل تصب في مضمون أراده أدول نفسه. وإذا علمنا أن في مجال النص المسرحي توجد نصوص مترابطة ونصوص تقوم على الترابط النص ونصوص غير مترابطة
وأن النص المترابط : يقوم على الروابط التي تصل بين مختلف أجزاء النص ومكوناته ومن أمثلته وجود راوٍ أو كورس أو غناء يربط بين المشاهد دون سعي إلى خلق اكتمال فني مثل الملحمية .
وأن الترابط النصي : هو سمة التفاعل المميزة للنص وهي خاصية عدم الاعتراف بفكرة موت المؤلف وفيه سعي ظاهر للوصول إلى الاكتمال الفني
وأن النص غير المترابط : هو نص يتقصد عدم النزوع إلى الترابط مثل الدادية ، السيريالية ، العبثية ، نصوص ما بعد الحداثة) فهي تتقصد اللااكتمال فنياً .
فإن قراءتنا لنص (تسابيح نيلية) تكشف عن أنه ينتمي لنوعية النص غير المترابط، لأنه يتجاوز شروط فن المسرح دون أن يعتدي عليها ليزاوج بينها وبين فن السيناريو الذي يقوم على الصورة واللغات غير الكلامية ويجعل لغة الكلام مجرد لغة موازية وهو أمر سوف نقيم عليه الدليل بشواهد من النص نفسه.

السمات المركزية لنص " تسابيح نيلية "
كل نص يتأسس على سمات مركزية هي : (الشبكة – الروابط – النسيج – انفتاح النص)
الشبكة : وتتكون من منظومات الفكر والشكل والتعبير ومنظومة التناص والمقاربات المعرفية اليقينية والمظنونة ونص (تسابيح نيلية) يتمثل تلك المنظومة خير تمثيل .
الروابط : وتتكون من عناصر الربط المتقن بين منظومة المادة والشكل والتعبير أي في اختيار المادة وفي البنية الصغرى (المشاهد) وفي البنية الكبرى التعبير النهائي الذي تنتجه المسرحية . وقد وجدت أن نص (تسابيح نيلية) غير متقصد لصنع روابط متقنة
النسيج : وهو نتاج تفاعل البعد الفكري مع البعد اللغوي والبعد الدلالي والبعد النحوي والبعد التعبيري والإحالات المعرفية التداولية والسياقية . والنسيج في مسرحية أو سينمسرحية ( تسابيح نيلية) لا يتأسس على اللحمة وسداها بل يقوم على تقنية القطع والوصل والقطع والمزج . وهي تقنية في التصوير السينمائي والتليفزيوني.
مظاهر تجليات نص (تسابيح نيلية)
نعرف أن لكل إبداع تجلياته التي لا يسمى إبداعاً بدونها . وتتمثل تجليات نص (تسابيح نيلية) في عدد من المظاهر منها :
( توليد الصور – توليد الدلالات في الصورة الواحدة – جماليات الصورة – عمق التصوير – تلقائية التعبير وغيرها مثل :
• تراكيب البنية وتفاعلها دلالياً وتداولياً ومعجمياً مع الموقف لتحقيق الأثر الاحتفالي والطقسي الممتع.
• تقنية التفكيك المتعمد لمواريث اعتقادية .
• تقنية المناجاة بمستوياتها المتباينة من حيث الغرض : ( مناجاة ابتهالية ترديدية فردية أو جماعية لنص ديني – مناجاة إعلامية – مناجاة تعليمية) وكلها تهدف إلى تأصيل الموروث التديني ( الفرعوني – المسيحي – الإسلامي)
• تفاعل النص مع نصوص أخرى وقد حفل نص تسابيح نيلية بغير القليل من نصوص دينية ومدائح وتسابيح هي جزء لا يتجزأ من منظومة المعارف غير اليقينية (الظنية) المتجذرة في الوجدان الشعبي المصري منذ آلاف السنين ومن أمثلتها مناجاة كل من الكاهن الفرعوني والقس ورجل الدين المسلم فكل منهم يترنم بترديد نص من نصوص عبادته وفق شريعته ووفق وجهته التدينية .
• تنويع العلامات وطرق تشكلها وسبل تواصلها بعضها بعضاً وسبل تواصل المتلقي معها وفق مستويات التلقي

ولا شك أن العلامات في نص (تسابيح نيلية) من الوفرة في طرق التشكل وسبل التواصل بحيث تحسب لحجاج أدول ولإعادة بعثة للدراما الطقسية فتوالد قصة موسى وتشخيص أهل النوبة لها مع ولادة كل مولود بتكرار الاحتفالية حيث يلقي نموذج مركب صغير في النيل وتنثر بداخل حبوب القمح وتضاء شمعة وتوالد قصة إيزيس وأوزوريس وست وحورس في مشهد احتفالي تشخيصي يؤديه أهل النوبة وغياب شخصية آدم بعد ولادة ابنه إدريس وبقاء هوّا (حواء) منفردة مع فتيات ونساء وحبيبة لمقاومة ست الذي يتخذ أشكالاً متعددة ومتباينة لغزاة وطئوا أرض النيل كلها صور متوالدة ينسجها أدول بمهارة ويربط بينها بمهارة.

ولأنه عاشق للنيل لذلك نجد أن اللطبيعة لها الأولوية ويقدم الزمان على المكان في المشهد الافتتاحي لتظهر مؤثرات الميديا في المسرح فكان البدء بتحديد الزمان بدقة دون تحديد دقيق للمكان وكان البدء بصورة الأفق قبل وقوع عين الكاميرا على الأرض وهو يبدع ذلك بتقنيات السينما :
- بداية الغروب الشفق يصبغ المشهد : لقطة عامة بانورامية
- خاصة شواشي النخيل : لقطة قريبة
- يتلاشى الغروب مع بزوغ القمر : تقنية القطع والمزج
- "جانب من نهر النيل وضفته ونخيل رشيق": تحديد المكان ثم تحديد
عناصره المصنوعة للبيئة وخصوصيتها وصولاً إلى الإنسان.



تقنيات الصورة :
• عين المؤلف بديلاً لعين الكاميرا : تركيز عين الكاتب على الغروب في السماء هو تركيز على المطلق وعلى اللامكان فالسماء في مواجهة كل مكان من الأرض لأنها غلاف لها .
• بدء الصورة بالعام المطلق ، فالعام المحدد (السماء ثم الأرض) ثم الخاص البيئي فالخاص الذاتي (الزي- الغناء)
• عودة للعام المقيد ( مجموعة من الفتيان والفتيات في هرولة ضاحكين) (راقصين رقصات نوبية)
الفعل ورد الفعل :
جمال الطبيعة على ضفاف النيل في النوبة دفعت شباب النوبة إلى الانتشاء والانطلاق تعبيراً عن الفرحة التي اتخذت من الغناء والرقص مظهراً تتنوع أشكاله ما بين الذاتية والعمومية.
تقنيات السيناريو :
الوصف : برسم حركة الكاميرا بوصفها العين المسجلة أو الناقلة لانعكاس الطبيعة على الفرد وعلى الجماعة في مجتمع ما . والطبيعة هنا السماء والأرض سماء تغلف بقعة من نيل مصر وريفها في النوبة .
فالكاميرا في السينما أو الفيديو تتسع حدقتها وتضيق ويبتعد مدى إبصارها ويقترب، تستيقظ وتغفو ، تلمح وتحدق ، تماماً مثلما تفعل العين البشرية . أي أنها تحس وتشعر ، تحنو وتحتد ، تغض الطرف وتتلصص غير أنها مأمورة بإرادة الفنان وبوجدانه .
ولقد أحل حجاج عينه محل الكاميرا فكان لها ما كان للكاميرا السينمائية لتسجل للقارئ فعل الطبيعة في تحريك الفعل الإنساني في اتجاه الاستمتاع بتلك الطبيعة الخلابة
لكن أين الدراما وهي الأصل في فن المسرح وفي فنون السينما ، ومعلوم أن لا دراما بدون صراع لعاطفة بشرية مع أخرى وصراع لإرادتين بشريتين في حالة من النمو – بغض النظر عن تعدد أشكاله ودرجاته – وعندما نقول النمو فقصد التدرج في الفعل ورده ، في تفاعلهما إيجاباً أو سلباً
من هنا يخلص أدول في تصويره من العام المطلق إلى العام المقيد متدرجاً أو مقترباً عبر نظرته البانورامية للطبيعة الكونية مروراً بالطبيعة البيئية هابطاً من علٍ إلى أرض ريف النوبة بجمالياته ليركز نظرته أو نظرتنا من خلال عينه الفنانة على "هوّا " أو حواء و "آدم"
ومع أن تلك الوقفة التي انتهت إليها عين الكاميرا البشرية لحجاج أدول إلى نقطة اللقاء الذي هو بداية التلاحم إيجاباً أم سلباً مما يعد البداية الحقيقية لأي صراع ، إلاّ أن ذلك مع ما لازمه من جماليات التصوير ، ولزمه من ضرورات التأسيس الدرامي للفعل ، إلاّ أن تقنية التشوف عن بعد ، تعميقاً للصورة وتأكيداً لبلاغتها ، لا تبوح بالمسكوت عنه إلاّ لعين متأملة وباحثة ؛ تزن الصورة بميزانها فتقدر أو تثمن عمق تصوير الكاتب حجاج أدول.
فهبوط الكاميرا البشرية (عين الكاتب) من السماوات العلى مع بداية غروب في اتجاه الأرض ، هو إحالة معرفية تراثية معادلة لهبوط (آدم وحواء) من الجنة عندما أفل نجمهما بعد تذوقهما لطعم المعرفة. وبهبوطهما الاضطراري إلى الأرض كانت بداية الصراع . صراع الأنا مع الآخر أو حواء (هوّا) و (آدم) الذي تنوع وتكاثر فأصبح آدم أكثر من آدم وأصبحت حواء أكثر من حواء ومعادله الفتى في نص (تسابيح نيلية) ماثل في تحول رقص (آدم) و(هوّا) إلى رقص جماعي لمجاميع شبابية من الجنسين.
هكذا ينقل لنا حجاج أدول ما وراء الصورة ، دلالة التعبير الأدبي والفني فهو يوحي بأن بدء الخليقة ، بدء الحياة الآدمية قد وقعت في النوبة على ضفاف نيل مصر العظيمة. وهو بتلك الإحالة الإيحائية يسحب البساط من تحت أقدام الزعم الهندي الشائع بأن هبوط آدم وحواء قد كان على جزيرة سيريلانكا




الفكرة والشكل والأسلوب :
يوظف المؤلف تقنيات كتابة السيناريو ليكشف لنا النص المسرحي عن تأثيرات فنون الفيديو والكتابة السينمائية على المسرح . حيث التركيز على الصورة بوصفها لغة غير كلامية . لذا نجد عين الكاتب بديلاً لعدسة الكاميرا ونجد بعض تقنيات السيناريو ماثلة في نص (تسابيح نيلية) بصفتها الوسائل الدرامية والجمالية الأكثر تحقيقاً لبلاغة خطاب أدول الفكري الذي يتمحور حول النوبة بوصفها مهبط (حواء وآدم) من الجنة إلى الأرض لإعمارها. وهو خطاب لو وظف الكاتب له اللغات الحوارية وغير الكلامية لفقد جمالياته وفقد بلاغته وتحول إلى خطاب دعائي مباشر ؛ وبذلك يفقد تأثيره ومن ثم مصداقيته ولا يتبقى له إلاّ مجرد الحفظ بين دفتي المطبوعة التي حوته.
فتوظيف أدول للغة غير الكلامية لغة التصوير المرئي تتيح للتلقي تعدد الدلالات ، وهو بذلك يقف تحت راية الحداثة ، ومن ثم يعد بعمله هذا مجدداً في الشكل الفني للكتابة المسرحية من منطلق الضرورة التي يحتمها الموضوع أو الفكرة التي انطلق منها .
والكاتب المسرحي قد ينطلق من فكرة وقد درج مسرح الفكر عند جورج برنارد شو، وعند بريشت ، وعند سارتر، وعند كامي ، وعند كتاب العبث وكذلك الأمر عند توفيق الحكيم ويوسف عز الدين عيسى ومهدي بندق ويوسف إدريس في (المخططين)
وقد ينطلق من الحدث كما فعل كتّاب المسرح اليوناني وقد ينطلق من الشخصية كما فعل شكسبير وكما فعل ألفريد فرج في مصر . وقد ينطلق من حالة يعيشها غير أنه في جميع الحالات يمد الشخصيات بما تحتاج إليه لتعبر عن جوهر ما تريد وعن جوهر ما تشعر به ، دون أدنى تدخل ، حتى مع تقنعه أحياناً خلف شخصية من شخصياته – خاصة في المسرح الفكري –
وحجاج أدول ينطلق من فكرة ، غير أنه لا يعين لها لغة الحوار الكلامية وسيطاً اتصالياً محمولاً على ألسنة شخصية هنا أو هناك في حالة متنامية من الصراع والمعارضات ، وإنما يترك للعين المتلقية لصور المسرحية والجمالية مهمة الاتصال رؤية لا سماعاً ليتيح للذهن المتلقي تأمل ما وراء الصورة من معنى أو دلالة تبعاً لخبرته البصرية وقدرته المعرفية على تفسير علاماتها في ترابطها أو كليتها. وبذلك يكون أدول مغايراً في تحقيقه للفكرة المنطقية الأساسية التي يقوم عليها تسابيحه النيلية الراقصة.

تقنيات الصورة في المشهد الافتتاحي :
لم يحو المشهد الافتتاحي (الأول) من الحوار سوى أربعة أسطر يحوي كل سطر منها كلمتين أو ثلاث كلمات وضعها أدول متفرقة على ألسنة مجموعة الفتيات :
- هوّا . هوّا
- انتبهي يا هوّا
- سيمسك بك آدم
- إنه خلفك
بالإضافة إلى ثلاثة أسطر على ألسنة متفرقة لمجموعة الفتيان المشجعين لجنسهم ممثلاً في شخصية (آدم)
- آدم ، لا تتركها
- تريدها ؟ خذها
- إنها فقط تتدلل

حياة تقوم على الفطرة وربما على المشاعية البدائية ، فلا قيود عند وجود رغبة عاطفية متبادلة ، فالمجتمع إذ يبارك التبادل العاطفي بين ذكر وأنثى فهذا كاف دون حاجة إلى أية قيود أو تقاليد وطقوس ، يكفي طقس الاحتفال كإطار ابتهاج بتحقيق رغبة ذكر في أنثى مع رغبتها المتبادلة مع رغبته ، فرغبتهما عندئذٍ هي رغبة جماعية – رغبة الفطرة - .
إن الكلمات القليلة لمجموعة الفتيات المشجعات على مراوغة (حواء) التدللية وفي مقابلها الكلمات الأقل لمجموعة الفتيان المشجعين لمطاردة (آدم) لحواء تتخذ أسلوب المبارة والمشجعين ، حيث يشجع فريق من المشاهدين فريقاً وتشجع الفريق الآخر مجموعة أخرى . فأسلوب إقامة الصورة الدرامية على ركائز المقاومة وليس على ركائز الصراع هو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند سارتر حيث تقاوم الأنا الآخر في سبيل تحقيق كل منهما لهويته بعد أن أوجد وجوداً جبرياً وبذلك يتحقق الوسط الذهبي حيث لم يصبح الآخر هو الجحيم وهو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند الحكيم حيث يعادل فعل الأنا فعل الآخر وبذلك يتحقق الوسط الذهبي الذي بشر به كل من أفلاطون وأرسطو ويتجسد الخطاب الديني (وجعلناكم أمة وسطاً)
وإذا كانت لغة التحميس الأنثوي (لحواء) معادلة للغة التحميس الذكوري في المشهد الافتتاحي ؛ فإن لغة الصورة قد كانت جحيماً بالنسبة للغة الحوار بالأصوات . فالمشهد كله قد تأسس على السرد دون وجود سارد أو راوٍ ناطق ، ولكن عين الكاميرا البشرية لأدول نفسه تسلم ما سجلته عدستها لعين المشاهد ، فالمسرحية للمشاهدة فحسب ، ليست للسماع فالفرجة بصرية .
لذلك وضع أدول بدائل لمصطلحات السيناريو وذلك على النحو الآتي الذي ينظر لحجم اللقطة ونوعها :
عبارة من النص بديلها في السيناريو
بداية الغروب . الشفق يصبغ المشهد" لقطة بانورامية عامة
باللون الذهبي الشاعري، خاصة شواشي النخيل وأعالي الشجر" لقطة قريبة (متوسطة)
" التركيز على الفتاة هوّا والفتى آدم " لقطة مباشرة (فوكس)
الفتيان يرقصون وحدهم الفتيات يرقصن وحدهن تبادلية اللقطة (حوارية اللقطات)
المجموعتان تتشاكسان في إقبال وإدبار حركة الكاميرا اللاهثة
آدم يتقدم وكأنه يريد أن يقتحم مجموعة الفتيات لقطة قريبة
الفتيات وهم سعيدات باهتمام آدم بهوّا يأخذن هوّ بعيداً لقطة قريبة تتحول بعيداً بشكل سريع يتابع حركة الفتيات السريعة
هوّا تراوغ آدم لكنه يكاد يمسك بها حركة لاهثة متبادلة للكاميرا في لقطة متوسطة وقريبة لهوّا ثم لآدم وبالعكس
رقصة المجموعتين معاً لقطة متوسطة
ورقصة آدم وهوّا سوياً لقطة قريبة
رقصة آدم وهوّا رقصة مركبة تعبر عن الحب بين الذكر والأنثى وصف لطبيعة الأثر التعبيري الذي يجب على اللقطة تحقيقه
يتقدم الجميع ويتوسطهم رجال دين ثلاثة الكاهن الفرعوني والقسيس المسيحي والشيخ المسلم لقطة متوسطة
آدم وهوّا أياديهما متشابكة يركعان أمام النيل. همهمات ترتيل من الناس لقطة قريبة ثم تركز على أيادي الإثنين ثم تتحول إلى لقطة قريبة
أضواء الطبيعة وأصواتها خاصة من السماء كل هذا يعلن مباركة زواج آدم وهوّا لقطة بان
تتقدم سيدة من آدم وكأنها أمه – تعطيه حلية (جص الرحمن الذهبية) ليضعها آدم على جبين الفتاة بمساعدة السيدة لقطة متوسطة تتحول إلى لقطة قريبة ثم قريبة جداً

( إظلام يتكاثف في هدوء منهياً المشهد)

ونلاحظ أن لغة الوصف لغة تقريرية وليست إنشائية وهذا هو أسلوب لغة السيناريو ، فهي أشبه بإرشادات لحركة الكاميرا ولنوعية اللقطات فاللغة الأدبية تتأسس على الأسلوب الإنشائي أكثر بكثير من الأسلوب التقريري . والنص المسرحي مهما كثرت فيه لغة الإرشاد الموازية للغة الحوار فإنها تكون محدودة ومقتصدة . وهي تنتفي أو تكاد عند الكتاب القدماء والكتاب الذين يخرجون نصوصهم بأنفسهم ، فالصورة التي سيكون عليها العرض مطبوعة في ذهنه ، من هنا فإن دور الخيال في العرض لا يتعدى دوره في النص نفسه .
تتأكد فكرة تقديس المكان على حساب الزمان في المشهد الافتتاحي في أسلوب دائرية الحدث (دائرية الصورة) حيث تعود الكاميرا إلى لقطة بانورامية للطبيعة السماوية بعد تشابك أيدي (آدم – هوّا) وانطلاق الهمهمات المرتلة في حضرة الدين الوثني (الفرعوني) والواحدي المسيحي ثم الإسلامي . فتوالد الارتباط الحتمي بين الذكر والأنثى قبل فكرة الأديان ومع تغيرها وتدرجها من الفرعونية إلى المسيحية والإسلام بوصفها رموزاً للتحول من عصر إلى عصر تالٍ فإن المكان لم ولن يتغير حيث النيل باق وخالد والارتباط بين الجنسين باق وخالد فكلاهما حقيقتان ثابتتان منذ هبوط آدم وحواء على ضفاف نيل النوبة .
غير أننا نلحظ أن الركوع لم يكن لغير النيل واهب الحب والسلام والاستقرار - في كل حالات التغير الديني من الوثنية إلى المسيحية والإسلام فالنيل أقدم من الأديان وأخلد منها لأنها تغيرت في حين لم يتغير من ثم فإن الامتنان له والتعبير عن حب البشر على ضفتيه أن يركعوا له ويسبحوا بحمد نعمه. وبعد فتلك هي قراءتي للمشهد الافتتاحي . ومن المعلومات المرعية أن المشهد الافتتاحي لكل عمل درامي مسرحي أو سينمائي أو تليفزيوني ؛ يكثف الحدث ليشف للمتلقي عن جوهره، ويلمح إلى دلالته العامة، فهو مثل نواة شجرة الفاكهة يمكن شم رائحة فاكهة شجرتها بمجرد شميم تلك النواة.

ملاحظات أخيرة :
اعتمد الكاتب على لغة وصف تقريرية وهذا أسلوب مناسب لكتابة السيناريو فهي عبارة عن رسم لحركة الكاميرا في تسجيل المنظر والحدث تبعاً لتصور محدد ومرسوم يؤدي إلى تحقيق رؤية ما.
- نص تسابيح نيلية هو إعادة إنتاج إطار فلكلوري لتاريخ مصر والمصريين
- المكان مقدس عند الكاتب وهو سبيل لجمع شمل الاختلافات العرقية والجنسية والدينية والطبقية فالنيل يجمع حوله كل أطياف المصريين فالنيل يجمع ولا يفرق
- النوبة هي مهبط آدم وحواء ومن على ضفاف النيل هناك انطلقت الحياة وعرفت الديانة
- الأولوية للطبيعة وسموها
- وضع المؤلف عينه بديلاً لعين الكاميرا
- تبدأ الصورة عنده بالعام المطلق المقيد ثم الخاص المقيد وصولاً إلى الخاص الذاتي . وتلك التقنية تشكل الأساس في الفن السينمائي
- التصوير دائماً خارجي في الغروب أو في الشروق أي انطلاقاً من البداية أو من النهاية
- ارتباط أهل النوبة بالتدين بصورة المركبة فطقوس الفرعونية لا تنفيها طقوس المسيحية ولا تنفي طقوس الإسلام طقوس الفراعين أو المسيحية إذ تتداخل الطقوس على ضفاف النيل
- الطقوس التدينية متعاقبة ومتراكبة ومتباينة غير أن ارتباط الذكر بالأنثى معتقد ثابت وفاعل ومتفاعل قبل التشريعات وبعدها فهو الخالد أبداً منذ آدم وحواء
- ارتباط المدائح الصوفية الإسلامية بتصاعد شروق الشمس وارتباط همهمات التدين البدائية والوثنية بغبشة الفجر
- وصف المنظر الخارجي وصفاً تفصيلياً هو بمثابة أساس نظري لحركة الكاميرا
- خلت المشاهد من الخط الدرامي فيما قبل المشهد الثاني من الفصل ا لثاني وما قبل ذلك من مشاهد هو صورة استعراضية تقوم على تقنية المناجاة الترديدية لاقتباس من نص ديني أو ترديد فردي أو جماعي للمدائح الصوفية الميرغنية . بعضها استسلامي وبعضها تحفيزي وبعضها ابتهالي مصحوب غالباً بالرقصات المتناسبة مع الخطاب الإنشادي أو الإعلامي أو التعاليمي أحياناً
- تقوم تقنية الكتابة المختلطة مابين تقنية السيناريو وتقنية المسرحية على أسلوب السرد الانعكاسي حيث تكثر الاقتباسات النصية من خطاب ديني فرعوني (نشيد اخناتون) أو خطاب ديني مسيحي (صلوات إكليلية كنسية) أو نصوص قرآنية يسترجعها (كاهن فرعوني – قس – شيخ - مسلمين)
- تتداخل الأزمنة والعصور في نسيج النص عن طريق الاسترجاع بتقنية سينمائية في عنونه المؤلف (بالمشهد الخلفي) وهو مشهد استطرادي يتم عبر Flash back وعن طريق تلك التقنية يتداخل رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري في كل مشهد تتم فيه مباركة علاقة بين فتى وفتاة تعارفا ووقع كل منهما في حب الآخر وذلك في وجود رجل الدين الفرعوني ورجل الدين المسيحي ورجل الدين الإسلامي فالجميع يباركون الارتباط جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري وهذه تقنية الحداثة وما بعدها .
- تميل المشاهد إلى التصوير المتشظي فارتباط عناصر المشهد واه ، ويمكن استبدال مشهد محل مشهد آخر تقديماً أو تأخيراً أو حذفاً
- النص يؤكد في كل مشهد من مشاهده أن المصريين يتنفسون الطقوس وأن الحب المتبادل بين الذكر والأنثى هو المحرك.
- اعتمد البناء الفني على أسلوب القطع والوصل والقطع والمزج وهو أسلوب سينمائي / تليفزيوني
- اعتمد النص في المقاطع الحوارية على الكثير من الغنائية المباشرة وكذلك في الوصف الإرشادي لحركة الكاميرا . غير أن الوصف السردي الإرشادي تخف فيه نبرة الغنائية لاعتماده على الصورة وفنونها مما يبعد بها عن المباشرة ويضع لها دلالات متعددة وفقاً لحساسية المصور ولخبرته في صنع جماليات اللقطة ما بين التقريب والتبعيد والإضاءة والتظليل ومن ثم الإيقاع .
- لم يخل النص من مقاطع برزت فيها تقنية المسكوت عنه ومنها على سبيل المثال الأغنية الأفريقية في المشهد الثاني من الفصل الأول والتي منها :
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضاً عذبة يا حقيقة
يا أم جمال وصابر
( بالإمكان انتقاء مقطع أو اثنين من هذا النشيد )
ربط أدول بين جمال وصابر كأنه يلمح إلى أن وجود جمال أو كل من كان مثله يحتم التذرع بالصبر . ولذلك يشير على من لا يقبل بذلك التعبير أن ينتقي من النشيد ما يريد ويترك أو يحذف ما لا يريد . والتورية واضحة ، لأن له موقف منشور ومعلوم من (جمال عبد الناصر) في تهجيره لأهل النوبة.
ونلاحظ أيضاً وصفه لطقس المديح عند الميرغنية بالزفة وللطقس المسيحي بالكوكبة وللطقس الفرعوني بالموكب . ودلالة الزفة (هيصة) ودلالة الكوكبة النخبة ودلالة الموكب الرسمية.
ونلحظ أخيراً . تراجع ترتيبه للأديان فقد درج على أن تبدأ الطقوس في الفصل الأول بالبدء بالطقس الفرعوني ثم يليه الطقس المسيحي وينهيه بالطقس الإسلامي وذلك منهج تاريخي يراعي التدرج من البداية حتى عصرنا غير أنه غيّر ذلك الترتيب أو عكسه في المشهد الأول من الفصل الثاني إذ بدأ بالطقس الاحتفالي الإسلامي ممثلاً في المدائح الصوفية الميرغنية ثم الطقس المسيحي ممثلاً في الأكاليل المسيحية وانتهى بالطقس الفرعوني ممثلاً بأناشيد إخناتون مع اجتماع ممثلي تلك الطقوس جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري اللذين ترك تمثال كل منهما مكانه في المعبد وخرج جسداً حياً مشاركاً في الاحتفالية. احتفالية العشاق الراقصة. ليعود مرة أخرى إلى توظيف السينما على شكل شرائح أو فيلم أو رسوم متحركة في ا لمشهد الخلفي (الاستطرادي) المتداخل مع مشهد (إدريس ابن آدم) الذي أصبح العمدة ونبره ابنة هوّا زوجة وابنهما "تود" وأخيه كلها معادل رمزي لأوزوريس وإيزيس وست وحورس ليخلق لوناً من ألوان التوالد الوراثي في الحاضر .
وهنا – هنا فحسب يبدأ الصراع في هذا النص الذي هو أقرب إلى النص الاستعراضي منه إلى النص الدرامي .

أ.د/ أبو الحسن سلاّم

مونودراما (مذكرات شمعة)

مونودراما (مذكرات (شمعة))
د. أبو الحسن سلاّم
في ذكرى وداع الأصدقاء والزملاء والأبناء
(د. محسن مصيلحي - د. صالح سعد - حازم شحاتة- أحمد عبد الحميد
نزار سمك - بهائي الميرغني - حسن عبده - شادي الوسيمي - سامية جمال
ياسر ياسين - إبراهيم الدسوقي – مؤمن عبده ) الذين قتلتهم شمعة تبرأت من الاتهام؛ مع أنه قتلتهم مع سبق الإصرار والترصد. وفي الرجاء أملاً في شفاء أبنائنا :
( محمد يسري وجمال ياقوت وزملائهم )

" شمعة : ( تعلن براءتها في مؤتمر صحافي وتتهم المخرج ورئيس هيئة قصور الثقافة)

وقعتني ع الأرض وانت بتنحني
حييت ضيوفك
سبتني
دفعتني برجلك كفتني على بوزي
(لحظة صمت)
لمّا الصراخ هزّني
زلزلني واتدحرجت
سمعت من كل أركان المكان ده أنين
واحدة بتصرخ :
الحقوني يا هوه .. (صوت شابة)
سامية أنا سامية
محسن. أنا صالح ( أصوات تتابع)
حازم . بهائي . حسن
بينادي صوت ورا صوت
يا من يغيث ينجدني أنا أحمد (صوت شاب)
أنا إبراهيم. ياسر أنا شادي ( صوت شاب)
انقذني يا محمد (صوت شاب)
دخل يخلص شوقي من ناره ( م.الشموع)
النار خدت لتنين في أحضانها
وقدّهم ضعفين
شموع قايده
صهرتهم الملحمة
وصهرهم التجريب
وصهرني قبليهم ( صوت شمعة)
(لحظة صمت)
في أول التمثيل وقبل ما يبدأ
صحتني من نومي
شدتني من فرشتي
طلعتني بره
فرحت
قلت لنفسي : أنا حره
وفجأة بصيت لقيتك
علبة الكبريت
اشعلت بالكبريت فتيلي
عشان تنوّر إيه ؟!!
الكهربه موجوده ليه يا بيه؟!
جريت ورا التجريب
بصفتك إيه؟!
خبير على الخشبة ومدرك إيه؟ ( م.الشموع)
ولاّ شجيع مسرح وأبصر إيه
مهما تكون صفتك فأهلا بيك
( لحظة صمت)
ارجع وأقول وقعتني عالأرض (شمعة)
مع إني كنت منوّره ليلتك
فتيلي يدّيك إشارة
برضو ولا تسأل
طب اعتذر وأقل ما فيها
ارفعني..
انقذ روحك
انقذني
طنشت ضيعتني
ضيّعت خلق كتير
عشر شموع من أسرتي ضاعو
عشرة كمان
لما صرخ عيّل:
حريق يا ناس حريق ( صوت طفل)
عشر شموع وقعت وآهيه بتنداس
أنا عارفه مش قصدك توقعني
ولا كنش قصد الناس
كلمة (حريق) هيه اللي جرّتهم
وده شيء طبيعي.. ( م.شموع)
يا روح ما بعدك روح
بس السؤال مين دا اللي حيجاوبو
مدير في قصر الثقافة ولاّ في الهيئة؟!
سمح لحضرة جناب المخرج المرحوم
يزرع حديقة شموع
في أوضه ليها بابين
وعرضها وطولها يدوب خمسين
بابها الرئيسي يسنكره بمتراس
ويقفل التاني بشاسيه ..
باتنين (صزت شاب)
قال إيه .. (م.الشموع)
يا داخل لجل تتفرج ( صوت مسجل مع لافتة ترفع)
تدخل وحيد
وتوطي في دخولك
حالة ولادة جديدة .. ( صوت ءسجل لمخرج العرض)
دا كلامه (صوت شابة)
أما خروج الناس دا في علم الغيب (م.الشموع)
خمسين وميت فرد من ورا فرد
دخلوا القفص
في " حديقة الحيوان"
ودي مسرحية كتبها "ألبي" زمان ( شمعة)
أحداثها بين شخصين
لكن بقا تقول إيه
بقم عشرة وتلاته كمان !!
مبدع وبيجرب حنعمل إيه ( م.الشموع)
أنا اعترضت ( الشمعة)
في سري ..
كتّيمي
أول بداية العرض (م.الشموع)
شطاطه وعود كبريت ..
في إيدو بيحكه
وناشفه راس لاتنين (شاب)
العود مزرجن متخذ موقف (شابه)
راسه وميت برطوشه ما يولّع
حاسس بإحساسي (شمعة)
باين صعبت عليه
مرضيش يولع
قال دي روح وحرام
حرام أولع فيه
بس المجرب راسه وألف سيف
تجريبي وما يحلاش بدون كبريت ( م.الشموع)
أنا بس مين جابني لقضايا يا هوه ؟! (شمعة)
من منحل الثورة المخص .... خص ... يوه. ؟!!
تلاتين سنة في مخزن قطاع ..
قال إيه ..
رضينا بالتستيفه وسكتنا (م.الشموع في ترنيمة غنائية)
متستفين دست .. دست
بألوف
متستفين فوق الرفوف
رضينا بالأتربة تغبّر في كسوتنا
عشرين موظف بدفتر كل يوم يتعد
ومرتبات وفلوس خارجه ولا بتترد
ييجي الأمين ويروح وإحنا هنا راقدين
جانا اللي خصخصنا.
بدرنا في الأسواق
نقلونا ورخصنا
بين الرجا والخوف
شحنونا " بني سويف "
من حظي أنا لاسود (صوت مندوب مشتريات القصر)
مندوب ثقافة القصر
جه ساوم البقال (م.الشموع)
شال دستتين ببلاش
لا فاتورة . لا ضرايب
( لحظة صمت)
أنا جيت هنا لقدري ( شمعة)
مسرحكو كان قبري
(أصوات متتابعة كل بتعليق)
- الشمعة تتولع لو كهربه اتقطعت
- أو في احتفال و "سبوع"
- أو في ضريح ومقام
لكن في معرض صور كاسينو "بالفيبر" (م.الشموع)
ومكيفات "فريون" متعلقه في صدره
النار كلت خراطيمها تعمل إيه .. ( عسكري مطافيء)
غير تنفخ الأوكسجين عالنار وتبعدها
والنار بتجري من ورا الجمهور (آخر)
والباب كالوس ممسوس بنار قايده (ثالث)
أبداً مفيش فايده (الثلاثة)
أبداً مفيش فايده (الشمعة)
الكهربا في القاعة بتشعشع ( شاب)
طفّاها أبو التجريب
ولعنا في الضلمة
على دستين الشمع بيمثل ..
"حديقة الحيوان"
حديقة الحيوان (م.الشموع)
ما بين صفوف الكراسي مولّعه دستة (شمعة)
وتحت رجلين اللي بيمثل هناك
دستة !!
عرض انتهى " وإيركوندشن " شغّال (شمعة)
والنار بتحضن كالوس من غير ما تستأذن ( الشمعة)
باس الكالوس النار والنار في حضنو السقف (شاب)
غاز المكيف (شابة)
مد خرطومه
بالحضن ياخد النار ويترقّص
ينفخ هوا تجري في ضهر الناس (م.الشموع)
( أصوات تعلق بالتتابع مع ضجيج وصراخ مسترجع)
- والناس بتجري
- الباب في حضن النار
اتنين شموع اخواتي (شمعة)
من نارهم
وقعوا في عرض الباب
فعاهدهم
( صوت معدني مصحوبا بصرير اغلاق أبواب بالتتابع)
- مفيش نفر داس شمعه
حيعدي
إلاّ إن قلع هدمته
ولبس تياب النار
صعب عليّ فتى واقف وبيصوّر ( شمعة)
- استسمحك يا باب خليه يفوت
يخرج
كفاية إنه سجّل الواقعة
سجل إهانة الناس لدستة شموع
داسوها بالأقدام في هوجة هروب
لمجرد إن عويل في الصالة
صرّخ وقال : ( صوت الطغل)
" حريقة :
اجري .. حريقه
السقف فيبر غيم يسقط نار (م.الشموع)
يجروا ونار تجري وفوقهم نار (الشمعة)
سدّت عليهم باب خروجهم نار
مساكين بيجروا والجزم من نار
جري الوحوش ما كان يحوش (م.الشموع)
الغيب
استسمحك يا باب بحق دي الولعه ( الشمعة)
خليه يفوت يخرج
بأي شكل ..
طريقه.
خليه يفوت يا باب (م.الشموع)
عشان يقول الحقيقة ( شمعة)
حقيقة إن الشموع والكهربا
أعداء
وإن فكّر التجريبي يصالحهم ..
ويبقوا أصدقاء
في " حديقة الحيوان " أو " الإنسان "
تبقى النتيجة
ما جرى
ما كان "
تبقي النتيجة ما جرى ما كان ( م. الشموع)
( لغط وضجيج الصحافيين وميكروفونات وهرولة
في إضاءة خاطفة وومضات فلاش كاميرات تصوير الشمعة)

د.أبو الحسن سلام

الإسكندرية في 10/9/2005م