الثلاثاء، نوفمبر 03، 2009

الفراق الطبيعي بين المفكر وإنتاحه الإبداعي

الفراق الطبيعي بين المفكر ومنتجه الإبداعي
د. أبو الحسن سلام
* مقدمة في فن الموسيتليمسرحية:
لأن حاجة الإنسان إلي الدائمة إلى اكتشاف المجهول حاجة غريزية لا تتوقف لذا نراه دوما في حالة ابتكار علمي أو إبداع أدبي وفني لوسائل مناسبة تحقق له تلك الرغبة الغريزية ابتداء بمحاكاة الطبيعة سواء بالتصور والتصوير أو التشخيص وانتهاء بابتكارات تسهل عليه مواصلة الحياة الإنسانية بطرق أكثر نفعا وأقصر طرقا للوفاء بحاجته للاستمرار وتطوير حياته المشتركة ورقيها من ناحية ، وإسقاطا لمعاناته اليومية عبر نضاله الحياتي وكده من أجل صنع مكان مناسب يتوافق مع جهوده في توفير حياة هانئة يرتضيها واستقرار نسبي يؤمن له حياة أسرية مجتمعية سعيدة ، في ظل تفاعلاته مع وسطه المجتمعي ، بما يتطلبه ذلك الأمر من حتمية صراع ال ( أنا ) مع الآخر ، كل في سبيل تحقيق إرادته والتعبير عن مشاعره الموالية لمصالحه المتشابكة والمتعارضة مع مصالح الآخرين ، ومن ثم ظل الإنسان وما يزال في حالة معارضة مستمرة للغير ، مرتقيا في مدارجها نحو الصراع الذي هو جوهر الدراما الإنسانية ( جوهر استمرار الحياة ،تبعا للقانون الطبيعي العلمي : " الجديد ينبع من القديم ويجبّه )
من هنا نبعت أهمية الحاجة البشرية إلى التعبير عن مظاهر الصراع البشري فكان ظهور فن الدراما ظهورا تلقائيا وحتميا ، متعدد الأشكال والألوان في تعابير الأمم عن مثلها العليا ، إذ توقف عند الفراعنة عند الواجب الطقسى الديني في المعابد إنتاجا واستقبالا عن طريق المحاكاة ، وتمثل في الملاحم عند أمم أخرى عن طريق فنون الحكي عند أمم أخرى ، سريعا ما ارتقت تعابيرهم الفنية الأدبية لتصبح فنونا درامية يغلب فيها المحاكاة على عناصر الحكي والسرد الوصفي ثم التدرج لتصبح منقسمة المظهر بين فنيين أحدهما تراجيدي يؤكد مظاهر النبل الإنساني عند طبقة الملوك وعلية القوم المقربين من الملوك والآخر كوميدي يؤكد دناءة الطبقات الشعبية وغوغائيتا في عرف في النظرية الأرسطوية بنظرية الفصل بين الأنواع ( المأساة – الملهاة) ، ومن ثم كشف فن الدرامي منذ تصنيفات أرسطو عن الدور الاجتماعي السياسي الذي يلعبه باقتدار في التعبير عن الحياة الإنسانية والمجتمعية والتأثير فيها . ولأن هذه المجتمعات متغيرة ومتطورة ، فما من شك في أن الفنون المعبرة عنه تتغير أيضا ، لذا ظهرت الحاجة بين بعض الأمم إلى تنويع طرق تعبيرها ، فكان السعي نحو تزاوج الفنون بعضها بعضا . ولأن الموسيقي هي أكثر الفنون في التأثير السريع في النفوس ؛ لذلك سعت كل الفنون إلى أن تكون موسيقية ( وفق تعبير نيتشه) لذا ظهرت فنون المسرح الموسيقي وامتزجت الدراما بالموسيقي وامتزجت فنون الرقص وفنون التشكيل التصويري بعروض المسرح ،مع امتداد ذلك التواصل إلى مع الفنون السينمائية والفنون الإذاعية والفنون التليفزيونية؛ وصولا إلى أنسب صورة فنية لعرض قضايا الإنسانية الكونية أو المجتمعية استلهاما من التاريخ أو الفكر الفلسفي وإسقاطا على الواقع المعيش أو عرضا لمواجهة صراعية بين حواجز العادات والتقاليد القبلية والحاجة الملحة إلى تجاوزها لمزيد من تطوير المجتمعات وتسريع خطوها في اتجاه مستقبل يراه العلم أنسب لنفع الإنسان رقيه ، أو لمواجهة فكرية سياسية ضد سياسات تلحق الضرر بالغالبية في مجتمع ما ، أو مواجهة ضد قيود النظم الحاكمة على حقوق المواطنة والتعبير الديموقراطي الصحيح أو استلهام تراثي أو خيالى ( فانتازي) يسقطه المبدعون على واقعهم البشري، اعتمادا على تعدد المواهب والمعارف والخبرات في الحياة بعامة وفي حقل التخصص بخاصة ، مستعينا بتقنيات ذلك الفن موسيقيا كان أم مسرحيا أم كان سينمائيا أو تشكيليا عبر الصورة أو النحتية أو فن الرقص. وكلها جهود لا تقوم إلا على إعمال فكري من المبدع نفسه. فلا ابتكار ولا إبداع في العلم أو في الفن بدون إعمال فكري.ولا قيمة لفكر أو إبداع إلا في نشره ، ولا قيمة لنشر غير مؤثر في متلقيه ولأن قيمة الفكر وقيمة الإبداع في نشره وفي الأثر الذي يحققه لمتلقيه ، ومدى اتساع ذلك الأثر لذا يسعى كل منتج فكري أو إبداعي أو علمي إلى النشر و الانتشار ملحا على صاحبه الذي أنجزه أن يحث الخطو نحو نشره بالسبل الملائمة ، فور انتهائه منه ؛ لإحساس ذلك المنتج العلمي أو الفكري أو الإبداعي بحاجته الحتمية إلى الفراق الطبيعي عن وصاحبه ( العالم أو المفكر أو المبدع) .
على أن حتمية ذلك الفراق الطبيعي بين المنتج وصاحبه لا يتحقق دون شرط موضوعي ملائم ؛ هو بمثابة الوسيط الإجرائي . أما وقد تحقق للمخرج - الباحث - ( مدحت مكاوي) ذلك الشرط ؛ بعد مرور عامين على مناقشة أطروحته الأكاديمية للماجستير ؛ فما كان أمامه سوى تحقيق إرادة منتجه العلمي حول تزاوج فن الموسيقى مع فني الإخراج المسرحي والإخراج التليفزيوني في آن واحد ؛ كشفا عن إيجابيات زواج الموسيقى بفنيين معا ، وما يعتور ذلك التزاوج من سلبيات .
ولعل هذا الكتاب بوصفه دراسة منهجية يكون هو أول حالة كشف أو فضح منهجي لمثل تلك الزيجة الفنية ؛ سعيا وراء توثيقها توثيقا شرعيا ( أكاديميا) على يد موثق خبير بأطرافها الفنية ، ضليع في تطبيق أركانها الأسلوبية ، متملك لأدوات ذلك التوثيق .. هذا من ناحية الشكل ، فماذا عن المضمون ؟!
لأن هذا الكتاب يتعرض لآثار تلك الزيجة الثلاثية (الموسيتليمسرحية) من مخرج مزدوج الهوية على يد باحث باحث ندب نفسه للإخراج التلفازى و المسرحي بعد تخرجه في قسمي المسرح وعلم الاجتماع بجامعة الإسكندرية ؛ منتميا وظيفيا إلى التليفزيون مخرجا ، وصاحب سوابق إخراج درامي ووثائقي وبرامجي، فضلا عن صحيفة اتهامه بقضاء عقوبة السنة التمهيدية للدراسات العليا بقسم المسرح نفسه ؛ فمن الطبيعي والأمر كذلك أن يتملك خبرة كافية باطراف المنتج الذي هو بصدد نقل زيجته الثلاثية ( موسي – تيلى – مسرحية) تلك من حالتها العرفية إلى حالة شرعية ،؛ لذا اجتهد في أن يزن كل طرف من أطرافها بميزانه ، على كفتي تاريخه وأثره الاجتماعي ، مما اضطره إلى الوقوف على محطة تطور أشكال العرض الموسيقي مسرحيا وتلفازيا أمام مرآة النشأة التاريخية في إطار التطور التقني لكل من الفنين ؛ مقارنا بين أوجه الشبه وأوجه الاختلاف.؛ حتى إذا ما وصل ركب عرسه البحثي إلى محطة المسرحية الموسيقية المزدوجة الخطوط مع العرض الموسيقي التليفزيوني ؛ لم تفته مقارنة أوجه الشبه وأوجه الاختلاف .

غي أنه عند الوصول إلى محطة التأثير الدرامي الجمالي للإخراج بين الفنين ؛ تستلفته ( سيدتي الجميلة) * وهي تعرض نفسها على الجماهير سافرة ةمن ورائها ولي نعمتها وكفيلها المخرج القدير حسن عبد السلام مسرحيا ،. ثم يعاود التطلع المتمعن إليها في صورتها المسرحية مرة وفي انعكاس تلك الصورة على الشاشة الفضية في المرة الثانية ؛ ليخلص إلى جماليات الأصل المسرحي ويطابقها نقديا بجماليات انعكاس صورته تليفزيونيا. والشيء نفسه يفعله عندما يقف ركب عرسه البحثي أمام لإبداع الأداء الاستعراضي للفنانة الشاملة ( نيللي) في (سوق الحلاوة*) مسرحيا وتليفزيونيا ومن ورائها عرّابها المخرج القدير (السيد راضي) ؛ لينتهي قطار رحلته البحثية في المحطة الخامسة بإشهار راية الوصول بعرض ( تجاربه الإخراجية في مجال إبداعاته المتعددة مسرحيا وتليفزيونيا) في زفة حضور إعلامي وجماهيري افتراضي ؛ يأمل أن يجد لرحلته البحثية الصدى المناسب ، الذي يردد على مسامعه ما يعادل أثر جهده البحثي إيجابا وسلبا بعد الإطلاع المحلل والناقد لمحتوى ذلك الكتاب.



ـــــــــــــــــــــــ

• العرض المسرحي الشهير اقتباس بهجت قمر وسمير خفاجي عن المسرحية العالمية ( سيدتي الجميلة) المستلهمة لمسرحية جورج برنارد شو ( بيجماليون) ، والمسرحية بطولة فؤاد المهندس والفنانة شويكار وإخراج حسن عبد السلام من بواكير إنتاج ( فرقة الفنانين المتحدين )
• العرض المسرحي الاستعراضي ( سوق الحلاوة) بطولة الفنان عبد المنعم مدبولى والفنانة نيللي لفرقة ( الكوميدي شو)

المبدعون وآفة سوء الفهم

المبدعون وآفة سوء التقدير
- نقد العرض ونقد النقد وتوابعه-
د. أبو الحسن سلام

" من تعطّر يعرض نفسه" أصاب الشاعر المسرحي الفرنسي (بول فاليرى) كبد الحقيقة بمقولته تلك ؛ فإبداع المبدع ( الكاتب أو المخرج أو الممثل أو المصمم أو الموسيقي أو الراقص أو السينمائي) هو عطره . وعلى قدر نفاذ رائحة عطره يلفت إليه المحيطين بدائرة وجوده؛ ومن ثمّ يجذب أريج إبداعه من يجذب وينفر منه من ينفر، كل على قدر حاسته في التلقي الوجداني أو الإدراكى ، باستثناء الناقد الذي يتلقى أريج العمل الإبداعي على مرحلتين يطرب في الأولى مجبذا أو نابذا وتأتي في الثانس\ية نقدية لا تقديس فيها ولا تنفيث. وليس معنى ذلك أن النقد بعيد عن التفضيل والتفصيل والن\تحميل . لكنه بعيد بالضرورة كل البعد عن التحامل. . فالناقد لا يقترب من عمل لا يستهويه ، لكنه استهواء وليس هوى ؛ بمعنى أنه ميل لا انحياز فيه ؛ فالقاضي لا ينحا\ز لقضية مما بين يديه على حساب قضايا أخرى. ولكنه قد يبدأ بملف قضية يكون آخر مصفوفة الملفات التي أمامه دون أن يعني ذلك أنه سيفصل فيها بما ليس فيها ؛ بل ربما يكون اختياره البدء بذلك الملف راجع إلى صغر حجم الملف نفسه. والناقد عندما يقع اختياره على عرض مسرحي من بين عشرين عرضا تابعها في موسم ما أو فعالية ما ؛ فإن ذلك لا يعني أن يكون له حكم سلبي غيبي على العرض أو على بقية العروض التي شاهدها؛ وإنما كان توجهه نحو عرض بعينه نوعا من التفضيل والتقدير أو نوعا من الاهتمام بذلك العرض محمولا على أسباب منها ما قد يكون اختلاف منظور العرض في نص ذي حيثية كنص ألفريد فرج عنه في عرض آخر برؤية أخرى تناولت النص نفسه من قبل ؛ دون تسرع أحدهم بفهم أن في مثل ذلك التناول النقدي المقارن تفضيلا لأحدهما على الآخر. ودون أن يعني الناقد بالنص ، لأن النص عندما يصبح أحد مكونات نسجية العرض ؛ فإن الحكم النقدي يحيط بمنظومة العرض وأثرها الدرامي والجمالي ، دون النظر إلى مكونات العرض منفردة . فكوب الليمونادة مزيج من ( ماء- عصير ليمون – سكر في إناء) اتخذ لونا آخر واتخذت المواد الصلبة هيئة أخرى ، وأصبح لذلك المزيج طعما له خصوصيته ومذاقه وأصبح له لونا آخر مغاير تمام المغايرة للون كل مكون من مكونات ذلك الخليط السائل. وهو غير قابل للعودة على النحو الأول لمادة كل مكون من مكوناته .. وهكذا العمل المسرحي أو السينمائي أو التشكيلى أو الموسيقي . والناقد كالباحث وكلاهما قاض ينظر فيما بين يديه؛ فيوصّفه ويقيّمه قبل أن يقوّمه. فإذا أخذ عليه كائنا من كان مؤاخذة تطعن على حكمه عدم رجوع نقده إلى نص المؤلف الذي قامت عليه عملية إنتاج العرض المسرحي؛ فهو مأخذ قد وقع في غير محل ؛ لأن الناقد(واجد واصف فمقوّم) والعرض المسرحي نسجية درامية جمالية كلية؛ لها عنوان مصطلح عليه هو العرض المسرحي. والناقد معني بنقدد\ه تحت تلك الهوية التي ليست بالضرورة جزءا من هوية النص، بل على العكس فإن النص معروضا هو جزء من العرض باعتباره إبداعا غير مكتمل ، حتى وإن كان بمثابة الجسد من العرض؛ فإنه يظل جسدا بلا روح إذا لم يعرض عرضا تتوحد كل عناصره وتنصاع لنداء روح الأداء الحي . ومن بين الأرواح ما كان روحا باهتة أو روحا باردة أو روحا فجة. وما روح الإبداع إلاّ من نفح المبدع نفسه؛ فإذا كان لروحه نفح طيب جاء فوح إنتاجه طيبا زكيا، وإن لم يكن كذلك (فما تنفع الماشطة)!!
على أن فصل القول في جهد الناقد أو جهد المبدع . وهي كذل في جهد مدرس أو عامل في أي نشاط نوعي ماثل في إخلاصه وفي إتقانه وفي خياله مع قدرته على التخييل بعناصر عرضه، فضلا عن تجديده الدائم لمعلوماته ومعارفه ورفد جهده بالعلم سعيا وراءه – كما أمرنا حتى حدود الصين أو من المهد إلى اللحد- دون أن يقتصر سعيه على علم حفظته الإسكندرية قبل غيرها منذ عهد ( بطلميوس سوتير) منشئ مكتبتها التي حفظت للعالم كله فن المسرح عندما استعار أعمال كبار المسرحيين الأغارقة ليستنسخها في مقابل ستة تالنت ذهبية بالعملة اليونانية القديمة وهي مبلغ ضخم –آنذاك- واكتفي برد ما نسخه منها محتفظا بأصل نصوصهم المسرحية . كذلك لا يجب أن يقتصر فنان المسرح على علم الإسكندرية التي شهدت أول عرض مسرحي في مصر على مسرحها الكبير 1870 بتوجيه من الخديو إسماعيل هو عرض ( مي) المأخوذة عن مسرحية الشاعر المسرحي الكلاسيكي كورني ، بتعريب وإخراج (سليم النقاش- ابن شقيق مارون النقاش – رائد المسرح العربي) التي قدمت على مسرح زيزينيا الشتوى – مكان النادي السوري بمحطة الرمل –الآن-) بدعم (سير جون أنطونيادس- صاحب حدائق أنطونيادس بالنزهة) . كما لا يجب أن يقتصر مخرج مسرحي حديث أو في طور الهواية على علم الإسكندرية مما حفظ علماؤها ومؤرخو الفن العالميين من أدوارها في التأسيس الإبداعي لصناعة السينما وفنونها على يد محمد بيومي أو دورها في التأسيس الإعلامي حيث نشأت الصحافة وصناعتها في الإسكندرية على أيدي الشوام،ولا يفوتهم الإلمام بدور ها المسرحية القديمة التي ذكر المؤرخون أنه قد كان بها 300 ملهى ودار عرض مسرحي حتى يوم دخلها الغزو العربي ، قبل أن تحرق من حرق مكتبتها العامرة ومتحفها ويتسبب في انتقال دورها الريادي وعلومها إلى حوران بالشام ثم إلى جنديسابور ببلاد فارس.
إن الفنان بلا دعم علمي دائم وتغذية راجعة متجددة لثقافته ولفنه سيصبح كالدودة التي تأكل براعم أوراق شجرة معارفها أولا بأول ، حتى لا يتبقى لها إلا الجذع العاري الضامر. وإنه لأمر طبيعي وصحي أن يؤدي النقد إلى نوع من الألم للمبدع الذي يوجه النقد إلى جهده(إيجابا وسلبا) فلا جهد يخلو من إيجابيات وسلبيات في آن . ولا علم ولا تجويد لعمل حقيقي إبداعي أو غير إبداعي بدون معاناة قد تصل بصاحبه إلى حدود الألم . وقديما قال سوفوكليس :( تألم .. تعلّم) وحديثا قال يوجين أونيل رائد المسرح الأمريكي: ( الألم أسرع دابة توصلك إلى الكمال) والألم – في علم من يعلم- هو أهم فلسفة في الثقافة الهندية، وفي ثقافة المتصوفة الإسلاميين) . وإذا كنت قد تسببت بنقدي لأحد العروض المسرحية التي شهدتها ، بعد انتهاء التحكيم فيها ، من منطلق كوني ناقدا لا محكما ، إن كنت قد آلمت بنقدي مخرجها وفنانيها ف كان ذلك نوعا من التقدير أو التفضيل للجهد المبذول بغض النظر عن نتيجة . والتفضيل ليس معناه استحسانا له أو استهجانا وإنما التفضيل واقع على الجهد وعلى الاختيار، على أساس أنهما مناط عمل المبدع ومجموعة العاملين معه. أما مناط عمل الناقد فقائم على دور المخرج في تفعيل مفردات إنتاجه المسرحي في اتجاه تحقيق تصوره – إن كان يملك تصورا ما موازيا أو مغايرا لخطاب النص الذي وقع عليه اختياره – بوصفه صاحب الاختيار الأول للنص ولطاقم الممثلين والمصممين والفنيين ومكان العرض وتوقيته. وما الناقد إلاّ محللا أو مفككا لكيفية نظم المخرج لمفردات ذلك الإنتاج في شكل مسرحي ممتع ومقنع وصولا إلى قيمة تعبيره عن رؤية ما قد تتوحد مع خطاب النص الذي يخرجه فتبدو فقيرة الأثر والتأثير ، محدودة الخيال، وقد تتعارض معه تعارضا جزئيا عند إضافة مفردات العرض في ظل رؤية مفسرة تعمق خطابه وتكشف عن سر الإبداع فيه ، وعن سر التشويه في آن واحد . والناقد لا يحل نفسه بحال محل المبدع ، ولكنه يعطي القارئ أسبابا مقنعة لاستمتاعه بما يعرض عليه . وهو في مسيرة عمله قد ينحت تعريفات جديدة ،كأن يقول (خرجة مسرحية) بدلا من ( تخريج) أو (إخراج) والخرجة كما يعلم من يعلم هي مناط فن شاعر الموشحات الأندلسية وبدون موهبته في وضع خرجة ملائمة لموشحه لا يحسب من شعراء الموشحات. فهي إذن مقدرة فائقة على حسن التخلص ودليل على تفوقه. وخرجة المخرج في عرض مسرحي تعني هوية فنه الذي ينفرد به دون غيره ، فإذا استملحت في نقدي تخريجات مبدع ما مؤلفا أو مخرجا أو ممثلا أو مصمما .... فلما يستهجن من يستهجن تخريجة ناقد والنقد هو أبو التخريجات وأبو البدع التي تؤدي إلى جنة التفنين والتقنين الإبداع لا إلى نار التلقين والتكرار .فالنقد مفتاح باب الإبداع والناقد معلم بالضرورة وهو معلم غير محبوب بالضرورة أيضا. ومع ذلك لا يكف عن التعليم وعن التعلم معدلا لسلوكه النقدي ومعدلا لسلوك الإبداع والمبدعين، سواء حصّل علمه عن طريق الإسكندرية أو حصله عن طريق الفيوم فطرائق العلم بلا حدود والعلم نفسه لا وطن له. ورحم الله بيرم التونسي الذي قال: ( رسالة الناقد امتداد لرسالة الأنبياء) .

المجتمع العربي والجوع إلى الحوار

المجتمع العربي والجوع إلى الحوار
- المسرح وفنون التسلط –
د.أبو الحسن سلام
عالج كتابنا المسرحيين فكرة التسلط في العديد من نصوصهم ، كما عالجها الكثير من كتاب المسرح العالمي؛ وتنوعت صوره فيما بين تسلط فرد صاحب نفوذ على فرد ضعيف أو لا حول له ولا قوة ، وتسلط فرد قوي صاحب زعامة في قومه أو في قبيلته على القبيلة كلها ، وتسلطت جماعة إيديولوجية قوية التنظيم والاستعداد لمواجهات عنيفة على جماعة أقل تنظيما وأضعف اعتقادا أو توحد فكري ، وتسلط نظام حكم دكتاتوري مستبد على شعب بأكمله . الصور كثيرة ومتعددة ، حتى إننا نرى اليوم كيف تتسلط دولة قوية ، تملك العتاد والمال والقدرة المتجددة على امتلاك المعرفة والتحكم في تكنولوجيا المعلومات على مستوى الكرة الأرضية كلها. ويرجع ذلك كله إلى ما سبق قوله عن (الجوع إلى الحوار) في محاضرة لي عن دور الفكرة في كتابة النص المسرحي السياسي مستشهدا بما كتبه ( سعد الله ونوس) في كلمته التي نشرت على مستوى دول العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في عام 1996 ، بتكليف من المعهد العالمي للمسرح بمنظمة اليونسكو ( المنظمة العالمية للثقافة) حيث يقول:" لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات ، التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوي رمزي ، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) حوار متعدد ، مركب ، وشامل ، حوار بين الأفراد ، وحوار بين الجماعات . ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.
وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته، فإنني أتخيّل دائما أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ، ثم يتموّج متّسعا ومتناميا ، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوّع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح ، ورغم كل الثورات التكنولوجية ، سيظل ذلك المكان النموذجي ، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا. وميزة المسرح التي تجعله مكانا لا يضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته ، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة."
يخلص من يقرأ كلمة (سعد الله ونوس) إلى أن افتقاد الناس إلى لغة تحقق التواصل بين الأفراد والجماعات بعضها بعضا ، فضلا عن الدول فيما بينها، لغة اتصال وتواصل يبني أو يفكر في مسارات البناء وأهدافه الإيجابية فيما هو خير للبشرية ، تواصل ينتهي بقبول الإنسان للآخر في المجتمع الواحد ، وفيما بين مجتمع ومجتمع آخر أجنبي عنه كما يخلص قارئ كلمة ونوّس إلى افتقاد الناس في عالمتا المعيش إلى لغة مشتركة ، تحول دون تحكّم فرد في فرد أو فرد في جماعة أو في مجتمع ، وتحول دون تحكم دولة قوية في دول ضعيفة. لغة لا انحياز فيها لفكر دون فكر آخر مغاير له سعيا وراء نفيه ، أو سعيا وراء مصلحة أو منفعة خاصة ضد منفعة عامة. لغة حوار أي تكافؤ في التعبير عن وجهتي نظر متعارضتين ، دون أن تسفّه إحداهما الأخرى. أو تنفيها من الوجود ، لمجرد اختلافهما . من هذا المنظور رأى (سعد الله ونوس) أهمية الحوار؛ ومن ثّم عني في نصوصه المسرحية بقضية التسلط ، لينبه إلى أن افتقاد الحوار في مجتمعنا العربي ؛ هو أس البلاء، وسبب الأسباب في تردّي أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وسبب تشّوه صورة العرب بين أمم الأرض. وقد يستطيع متأمل ، محلل لنص من نصوصه ملاحظة انعكاسات تلك الصورة ، ليعزوها في النهاية إلى دقة ما توصل إليه ونوس نفسه في كلمته تلك التي صّدر بها رسالته التي وجهها لمسرحيي العالم في ليل احتفالهم باليوم العالمي للمسرح.
الحوار .. الحوار .. ثم الحوار ، هو ما تفتقده المجتمعات الإنسانية أفرادا وجماعات ودول.
هكذا يرى ( سعدالله ونوس) أهمية المسرح ، إعادة الذات الفردية إلى حضن الجماعة ، عن طريق الحوار الذي تنفتح فيه الذات الفردية لكل منا على غيرها ، تتقارب النفوس وتتقارب ، تتعانق المشاعر ، تتكشف الأفكار ، وما في الرؤوس أمام أصحابها ليتأمل كل منّا ما يدور بداخل نفسه ، فلئن كان إيجابيا ينشد الانتماء؛ استحسنه ، ولئن كان سلبيا ونافرا عن الانتماء إلى الجماعة الإنسانية نفض عن وجدانه وعن فكره ما يشوّه تلك الرابطة البشرية التي هي أساس التئام الجماعة واستقرار حياتها وسعادتها. لذلك عالج سعد الله ونوس فكرة التسلط في مسرحه على نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( اغتصاب) وعلى نحو ما رسمت في مسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) وعلى نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( الفيل ياملك الزمان) ومسرحية ( الملك هو الملك).
• ( الملك هو الملك) نموذجا لافتقاد لغة حوار مشترك:
لا يدل المشهد الافتتاحي الذي أسس عليه سعد الله ونوس البناء الدرامي لنص ( الملك هو الملك) ، لا يدل على وجود لغة مشتركة حقيقية تقارب ، ولا نقول توحد بين الأطراف المتشاركة في اللعبة الإيهامية التي يحتشدون جميعهم من أجل تفعيلها ؛ بخاصة إذا كانت لعبة محترفين في السيرك. ( مكان الحدث) ومن جهة أخرى إذا كان السيرك هنا – وفق د. أبو الحسن – معادل رمزي للدنيا ، أو على سبيل الترميز معتركا للواقع السياسي العربي ، حيث اللاعبون هم السياسيون أنفسه الذين يتبادلون أدوار اللعب بمصائر شعوبهم ، الذين هم - افتراضا - جمهور المتفرجين على العرض نفسه.أو باعتبار السيرك معادلا للحياة واللاعبين هم البشر بنوازعهم في التنافس والتحفز تسلطا واستحواذا وتراجعا ، هذا فضلا عن استعراض مهارات بعضهم أمام بعض تفاخرا أو تحديا، أو تخويفا وتهديدا ، بما يعكس رغبة كل منهم في الكشف عن تفوقه في تحقيق ما يجيد إعلاء للذات . على ان تلك الرغبة في تفوق الذات عند كل لاعب في سيرك الحياة أو في سيرك المعترك السياسي ، لا تنفي ضرورة تضافر جهودهم الجماعية في إتمام لعبة مشتركة ؛ لا تتم بدون تضافر كل اللاعبين وتناغم أدوارهم في وحدة عرض جماعي. ولا يخفى على متأمل نقدي أن يلمح إلى أن ونوس نفسه ، ربما كان يريد أن يشير إشارة إطارية رمزية إلى أن أصول اللعب في السيرك ، من حيث كونها تقوم على تعاون اللاعبين وإخلاصهم ، هو الذي يصون عليهم أرواحهم ، حيث يتشاركون في لعبة واحدة خطرة ، وإن هذا التعاون بين المشاركين في اللعب هو الذي ينجز اللعبة ويتقنها لتظهر على أكمل وأجمل وجه من وجوه الإجادة والإبهار إمتاعا وإقناعا للمشاركين أنفسهم قبل جمهور المتفرجين . وكأن بسعد الله ونوس – كما يرى د. أبو الحسن – يوعز إيحاء لرجال السياسة و اللاعبين في حقل من حقولها- بأسلوب التورية الجمالية – حتى يتعلموا من ذلك التكاتف والتعاون في إنجاز مهماتهم السياسية ، وأن ينتفعوا من هذه الروح الجماعية التي يتمتع بها لاعبو السيرك . هذا من حيث المسكوت عنه من مضمون ذلك النص ، كدلالة استبق بها المؤلف كلمة نهائية التي يختم بها خطاب نصه المسرحي هذا ، في لغة فرجة مسرحية مكثفة.
* روعة المشهد الاستهلالي بين النص والتصور الدراماتورجي:
إن روعة المشهد الاستهلالي لهذا النص تكمن في تعدد دلالات تلقيها، حيث تحتمل أن تكون معادلة رمزية للحياة الدنيا بعامة ، وأن تكون معادلا رمزيا للممارسات السياسية بما فيها من ألاعيب السياسيين . وتحتمل كذلك أن تكون لونا من ألوان الإسقاط الرمزي على الواقع السياسي العربي الراهن ؛ باعتبارها مفتتحا تعليميا يوعز لرجال السياسة بكيفية اللعب في الحقل السياسي ، من حيث وجوب قيامه على جماعية الممارسة ، وروح الإخلاص للشركاء في الملعب السياسي ، حتى لا يخسر الجميع النتيجة في النهاية، ومن ثمّ فهي إيعاز لهم بالتعاون فيما بينهم والاستمتاع النظيف باللعب ، حتى يكون أداؤهم السياسي الممتع مدعاة لإمتاع شعوبهم الذين يترقبون ما يسفر عنه لعبهم السياسي ؛ أملا في أن يحقق لهم ولشعوبهم الفوز الذي ينعكس علي مسيرة البلاد . لا شك أن كل تلك التصورات تشكل مجالات متعددة ، مفترضة ، هي نتيجة لإعمال المخرج النابه ذي الحس الدراماتورجي ، إن لم يعتمد على دراماتوجي محترف ، يعيد له صياغة تصور إخراجي مفسر أو مؤول يذهب في طريق تفكيك خطاب النص الذي بين يديه وتفكيك أنساقه كشفا للتناقضات التي تستوطن الصورة المسرحية فيما يعرف بالمسكوت عنه.

المختصر في مصادر الثقافة المسرحية

مصادر الثقافة المسرحية

فن المسرح بين التواصل الثقافى و الاجتماعى والحضارى

أ. د.أبو الحسن سلام


المسرح فن التواصل الثقافى بين الجماعات الاجتماعية فى البلدان المتحضرة منذ فجر التاريخ . عرفه المصريون الفراعنة قبل ألفى سنة من الميلاد تمثيلا وعرضا طقسياً فى المعابد، عرفته الحضارة اليونانية وخرجت به الى المجتمع فأزدهر وأنتشر وتطور حتى رسم له أرسطو معالم الطريق فخط التراجيديا (المأساة) طريقها وأهدافها، وحدد للكوميديا (الملهاة) حدودها وأهدافها وفصل بينهما فصلا تاماً، بحيث لا تتداخل الكوميديا فى مسرحية تراجيدية ولا تتداخل التراجيديا المسرحية الكوميدية، لهذه شروطها فى الكتابة ولتلك شروطها التى يلتزم فيها كتاب المسرحية بوحدات ثلاث هى (الموضوع - المكان - الزمان) ومع ذلك الفصل الذى أقره أرسطو بين نوعية الدراما (التراجيديا والكوميديا)؛ الا أن نقابة الممثلين على عصره رفضت ذلك التحديد الفاصل بين شقى الدراما (الملهاة - المأساة) فظهرت مسرحيات يخلط فيها كتابها بين المأساة والملهاة.
مع تطور المجتمعات عبر العصور ظهرت الحاجة الى أشكال مسرحية جديدة تواكب التطور، وتعكس ثقافة العصر وثقافة المجتمعات على اختلافها، فالمسرحية اليونانية التى عبرت عن الأختلافات الفكرية والفلسفية فى علاقة الإنسان بالكون والغيب، وفى علاقة الإنسان بالإنسان؛ أفراد وجماعات، حكاماً ومحكومين، رجالا ونساء، حقائق وأساطير، متوجهة بأنظارها نحو الموضوع، مقدمة الفعل البشرى للإنسان على الفاعل، باعتبار الفعل منجزاً غيبياً، ليس على الإنسان إلا تحقيقه ظاهريا، تأكيداً لإرادة الآلهة؛ تخلخلت نظرتها الأولى نوعاً ما على يد "يوريبديس" ثالث ثلاثة كانوا وما يزالون أعظم كتاب التراجيديا حتى الآن ، عندما رسم شخصية الانسان فى مسرحه مشاركا للآلهة فى صنع أفعاله ومسؤولا عن نتائجها وعندما رسم "ارسطوفانيس" أعظم مؤلفى الكوميديا شخصياته بشرا يناطحون الآلهة فى معارضاتهم لها، جريا على عادة الكتابة الكوميدية فى التهكم وعدم التحرج من وضع الكلمات البذيئة وفق الضرورة الدرامية على ألسنة الشخصيات ، جنبا الى جنب مع القفشة والتظرف فى تعبيرات شعبية قد تصل الى حد السوقية دون الخروج عن الموقف الدرامى ومفاراقاته الكوميدية ، حيث مغايرة الموقف لما هو متوقع مما يفجر الضحك، كما تغيرت المسرحية على يد كتاب العصر الرومانى فمالت كثيرا نحو الأستطراد والأستعراض بما يتلائم مع طبيعة الثقافة فى الأمبراطورية الكبيرة ذات الطابع العسكرى شبه العولمى حيث سيطرت روما على ممالك وبلدان أجنبية أوروبية وأفريقية وآسيوية ، مما نوع ثقافاتها وجعل منها مزيجا ثقايا مهمشا للهوية الثقافية القومية لدى الشعوب التى غزتها بجيوشها.

لذلك ظهرت أشكال فرعية للعروض المسرحية خرجت كلها من حضن المسرحية اليونانية القديمة منها ( مسرحية العباءة – مسرحية السيف – المسرحية المنتعلة ... وغيرها ) وما كانت هذه أو تلك سوى عناصر أو مفردات ( ملحقات مسرحية خاصة بالشخصية المجسدة فى العرض المسرحى ) حيث يرتدى الممثل عباءة هى جزء من أزياء الشخصية ويتمنطق بسيف بأعتباره يمثل دور ملك أو دور قائد ويسير بقبقاب أو حذاء مرتفع النعل، حتى تبدو للمشاهدين الذين يشكلون خمسة عشر ألفا وأربعين أو مائة ألف نسمة – حسب سعة المسرح المكشوف.
وعندما انزاح عصر الظلام والعسف الدينى الكنسى - عصر محاكم التفتيش، الذى أوقف التعليم وأبطل العلم وقتل العلماء وروج لثقافة التخلف والخرافات وأخذ الناس بالشبهات والوشايات بعد خمسة قرون بدأت مع القرن الميلادى الأول، ظهرت الحاجة من جديد الى المسرح، أداة توصيل للخطاب الدينى الذى استحال على الأوروبيين فهمه، لجهلهم باللغة اللاتينية التى كانت لغة التوراة ولغة الانجيل – فى تلك العصور - ليس هذا فحسب، بل جهل الناس للقراءءة والكتابة بسبب أغلاق الكنيسة للكتاتيب والمدارس ومعاهد العلم والمسارح والملاهى والمكتبات وتفشى صكوك الغفران التى لا يستطيع انسان ما من غير طبقة النبلاء او رجال الدين الأنتقال من مكان الى مكان فى بلد آخر اقليمى فى البلد الواحد الا بتصريح مرور، على النحو الذى نشهده فى دول الخليج العربى وفى السعودية .
وهنا تفجرت قريحة أحدى الراهبات وكانت تدعى " روزفيتا " عن التعامل مع المصلين بالإشارة والإماءة المصاحبة للخطبة أو القراءة الدينية للنص المقدس ؛ وبذلك وضعت بذرة التنفيذ الإيمائى من جديد بعد أن أندثر مع ما ضاع من آثار المسرح اليونانى، قبل أن تكتشف النصوص المسرحية لكبار الكتاب الأغارقة التى حفظتها للتراث الانسانى والعالمى مكتبة الإسكندرية القديمة وأنتقلت منها الى ( جوران ) فى الشام بعد حريق المكتبة ثم أنتقلت الى الأندلس ( أسبانيا والبرتغال ) فتلقفتها آيادي علمائها، الذين كان لأحدهم وهو " ابن رشد " فضل أعادة فكر أرسطو وكتاباته الى الحياة ومنها كتابه ( فن الشعر ) الذى يعد دستور المسرح قديما ودستور المسرح حديثا ومعاصرا .
مع عصر النهضة بدأ من القرن السادس عشر الميلادى تطور المسرح وأنفتحت آفاقه فى أسبانيا وفى بريطانيا فظهرت مسرحيات "بن جونسون - كريستوفر مارلو - شكسبير" وأعقبتها صيحة الكلاسيكيين الجدد فى فرنسا " راسين - كورنى – موليير " فتغيرت تقنيات كتابة المسرحية وتقنيات أدائها وعرضها دون أن يتغير دور المؤلف بوصفه كاتب المسرحية ومخرجها وممثلها الرئيسى ومدير الفرقة او المنتج للعرض وظل المؤلف مسيطرا على لعبة المسرح وظل هو اللاعب الرئيسى فى الحلقة او على المنصة المسرحية ، بعد أن خرج المسرح من داخل الكنائس الى فنائه الخارجى ثم الى قصور الملوك والنبلاء وصولا الى مسرح العلبة الايطالى وهو الماثل فى الأبنية المسرحية المعروفة لنا الآن والمصممة بحيث يؤدى العرض على المنصة فى صندوق أو غرفة كبيرة مواجهة لصالة المتفرجين، ليصبح العرض المسرحي بمثابة مجتمع مصغر يعرض نفسه بالتمثيل وبالسينوجرافيا (المعادل التشكيلي المرئي لموضوع المسرحية) علي جمهور أكبر، حتى قيض للمسرح أن يكون لوظيفة المخرج استقلالها وخصوصيتها على يد "جورج الثاني : دوق ساكس مايننجن" احدى المقاطعات الألمانية الذي نظم عمل المخرج وخصه بأسلوب طبيعي تاريخي يعني بكل تفاصيل العرض ، بما يحقق مصداقية الأداء وطبيعته في التمثيل وفي الأزياء وفي المناظر بعد أن كان الأداء خطابيا وعالي النبر وفيه من الزخارف والانفعالية والافتعالية الكثير الذي كان بمثابة تعويض عن غياب المناظر والملحقات المعبرة عن حقيقة البيئة الدرامية في عروض المسرح التي كانت تجري في قصور الملوك متحاشية وجود الجوقة ، مستبدلة لها بالراوى الذى ظل يحمل اسم الجوقة أو الكورس مع أنه ممثل واحد منفرد العزف مما يعبر عن الرأى العام وهى الوظيفة التى كانت منوطة بالجوقة فى المسرح اليونانى .
ازدهر المسرح فى العصر الاليزابيثى فى أنجلترا ولمع أسم " شكسبير" بوصفه الكلاسيكى الذى وضع بذرة الرومانتيكية (التى تغلب المشاعر الانسانية والفعل الانسانى المتدفق المشاعر والأنفعالات فى مواقفه الغرامية وفى نبله وفى معاركه الفروسية وفى مؤامراته، على التعقل والمضوعية) والذى شهر بمحطم الوحدات الأرسطية الثلاث : ( الموضوع - المكان - الزمان ) ومحطم (نظرية الفصل بين الأنواع) حيث مزج فى مسرحياته الكوميديا بالتراجيديا ؛ مع أن تحطيم شروط أرسطو تلك تم على عصره أولا ثم فى العصور الوسطى (التمثيليات الدينية كما فى مسرحية ( آدم ) التى أنتفت فيها وحدة الموضوع وأنتفت وحدة المكان حيث أنتقال آدم وحواء من السماء الى الأرض وحيث تغير الشخصيات بعد نزولهما الى الأرض وتغير الأزمنة أيضا) لذلك أختلطت الكوميديا بالتراجيديا والشعر بالنثر والفصحى بالعامية والتمثيل بالغناء تبعا لحاجة توصيل المغزى أو الخطاب التوراتى أو الدينى .

كذلك أنتقلت صفة النبل المطلق والآبدى عن الشخصيات التراجيدية، فلم تعد التراجيديا التى أتخذت أسمها (تراجو: ماعز – دى: غناء) من ( مآساة الماعز عند ذبحها أحتفالا بعيد الربيع أو الاله " ديونيسوس") مختصة بتجسيد نبل الملوك والنبلاء نيابة عن البشر.
ولم تعد الكوميديا التى أتخذت أسمها من (ضجيج غناء العامة والغوغاء والقرويين) ( كومو : أهل الريف - دى : غناء أو ضجيج) لم تعد مختصة بأعادة تصوير أو تشخيص دناءة بسطاء الناس وعامتهم ، وكأن النبل قدر الملوك والأغنياء والدناءة قدر العامة والفقراء . لم يعد المسرح يفصل بين الفن بحيث يخص الفقراء بالكوميديا عند عرض صورتهم وحياتهم منحطين ، بلهاء ، محتالين ، جهلاء، قبيحى المنظر ، متسولين ، أمام جمهور المشاهدين من الطبقات العليا والوسطى .
تغيرت الكتابة المسرحية والعروض أيضا تغيرا ملحوظا مع ظهور الكهرباء وتطور المخترعات والأكتشافات العلمية ، فأصبح بالامكان تغيير المناظر عند اطفاء أضواء المسرح بعد أن كان ذلك مستحيلا فى العصور السابقة ، حيث كان العرض يقدم قبل غروب الشمس مرورا بالمشاعل ، حتى أن الممثل عند أنتهاء المشهد كان ينسحب أمام الجمهور ليدخل الممثل الذى يليه فى المشهد التالى دون فواصل زمنية أو مكانية تميز زمنا عن آخر أو مكانا عن مكان . ولم يعد مستساغا نطق الممثل بجمل مثل ( نحن الآن على متن سفينة تتجه نحو قبرص ) كما فى مسرحية (عطيل) لشيكسبير، ولم يعد مقبولا أن يخرج الراوى بديلا عن الجوقة فى مسرحية .
(ريتشارد الثانى) لشيكسبير يصف لنا المعركة الحربية فى لطف ورقة : (تخيلوا أنكم تشاهدون الآن معركة حربية ..) فذلك كله أصبح من الماضى ، لأن مصمم المناظر ، وتطور علوم السينوجرافيا تستطيع أن تجعل الممثل الواحد عشرة ممثلين هم أنفسهم الممثل نفسه بتقنيات (الهولوغرام ).
تغيرت العروض المسرحية وتطورت وتعددت نسبتها ما بين عصر المؤلف بحيث يقال مسرح شيكسبير أو سوفوكليس أو توفيق الحكيم أو ألفريد فرج أو مسرح سعدالله ونوس ، فأصبح للمسرح كفيلا جديدا هو المخرج ، سريعا ما تبدل لنصبح امام مسرح الممثل على نحو ما هو حاصل في مصر الآن – بخاصة بعد العرض المدمر لفكرة العلاقة بين المعلم و التلاميذ التي تبدلت من :
" قم للمعلم و فه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا "
الى " قم للمعلم و فه التكديرا " بالاجراءات الأخيرة المهينة لتاريخ التعليم في مصر .
أصبحت نجومية الممثل هي أساس عملية أنتاج عرض مسرحي الآن بعد أن كان العرض المسرحي الواحد يضم عشرات من أكبر وألمع نجوم المسرح والسينما في مصر ( الريحاني – القصري – ماري منيب – عباس فارس – يوسف وهبي – أمينة رزق – فاطمة رشدي – أحمد علام – روزاليوسف ) أو ( كرم مطاوع – نجيب سرور – سعد أردش – زكي رستم – حسن فايق – اسماعيل يس – محمود المليجي – شفيق نور الدين – سميحة أيوب ) وغيرهم ، اصبح العرض المسرحي يضم مجموعة من ممثلي الأدوار الفرعية و الثانوية ، يخدمون على الممثل النجم الذي ينبري في اطلاق لسانه بالنكات أو القفشات أو الحركات و الايمائات السمجة و الألفاظ النابية . و ما كان ذلك كله الا تعبيرا عن ثقافة سادت بعد حرب 1973 وأنفراط عقد القيم ، نتيجة لسقوط كل الشعارات التى رفعت خلال الستينيات ووصولها الى الحضيض بعد اعتماد سياسات الأنفتاح الأستهلاكى ، وأنفراد القلة التى أستحوزت على الثروات ، وعدم قدرة النظام على الوفاء بحاجات الشعب الأساسية وأهمها الحياة الديمقراطية أو النابية الصحيحة التى بسبب غيابها عم الفساد ، فضلا عن الدور الثقافى المدمر الذى لعبه الغزو الثقافى الصحراوى الوافد باغراءاته الأقتصادية الزائفة وهجمته الشرسة على امتلاك العقارات والأراضى وتصقيعها استهدافا لحالة الغلو المتزايد فى الأسعار وانتهاء ببيعيها بأضعاف أضعاف السعر الذى أشترى به . هكذا أثرت تلك التحولات السياسية والأقتصادية تأثيرا سلبيا على المجتمع المصرى ومن ثم جسدت العروض المسرحية صورة الواقع المعيش بكل مخازيه ، كما فعلت حين صورت عروض مسرح الستينيات و السبعينيات واقع الحياة في مصر في مراحل الكفاح ضد الأستعمار ومراحل النهضة الصناعية والعلمية والثقافيه وايجابيات النظام جنبا الى جنب مع سلبيات الحجر على حرية الراى – آنذاك – فالمسرح مرآة تعكس الواقع الاجتماعى ، كما تعكس المسكوت عنه (ما وراء المظاهر او الظواهر الاجتماعيه) وهو يستشف المستقبل ايضا .
واذا كان مسرح الستينات قد قام على ايدى نخبة من الكتاب ورجال الادب مثل (توفيق الحكيم – نعمان عاشور- رشاد رشدى – الفريد فرج – محمود دياب – ميخائيل رومان) .
امتدادا للدور الذى اضطلع به قبل يوليو 1952 كتاب اخرون مثل ( محمود تيمور – فرح انطون – عباس علام - ابراهيم رمزى – اسماعيل عاصم – الريحانى – بديع خيرى – احمد شوقى ) فضلا عن نقاد واساتذة ادب كبار مثل ( طه حسين – لويس عوض- محمد مندور – المازنى ) ومن تبعهم كفؤاد دواره وعلى الراعى وعبد القادر القط ومن اعاد المسرحية الشعرية الى الحياة المسرحية مثل عبد الرحمن الشرقاوى وصلاح عبد الصبور ومهدى بندق وانس داوود وفاروق جويدة فى اطار كل هذا الزخم الثقافى وصوره التى انعكست حضاريا واجتماعيا على المسرح منذ نشوئه على الصورة التي وصلتنا عن اليونان ،تطويرا لصورته التقصيه عند الفراعنه الذين سبقوا اليونان الى فن المسرح بنحو الفى عام ، ومرورا بعصور الحضارة التى وصلت ذروتها فى عصر النهضة وما تبعه من اكتشافات علمية رفعت العقل البشرى محركا وحيدا لحركة المصير الانسانى حتى انكر دور الغيب فى مقدرات البشرية ، الى ان كشفت الحربان العالميتان زيف ذلك الزعم عندما اباد العقل البشرى المتغطرس ما يزيد عن خمسين مليونا من الادميين ، عندها فحسب تراجع دور العقل الانسانى وارجع العصمه الكونية وتقدير الامر مرة اخرى الى الغيب.
الا ان دأب الانسان نحو السعى الى التحرر من كل قيد ، فجر عنه النزوع نحو الفكر الفلسفى مرة اخرى ، لا لربطه بوصف الكون او بتفسير الكون والطبيعه فى احوالها وتقلباتها وعلاقة الانسان بذلك كله ، بل لتبصره فى توجية الانسانية نحو ايديولوجية تقود خطاه نحو التحرر من الطبقية المستغله لنتاج عمل الطبقة العاملة فيما خططت له المركسية فكرا ، وحولة الاشتراكيون فى بعض الدول مغلقا بالبيروقراطية وسيطرت الحزب الواحد ، التى انتهت بالفشل الزريع او نحو ايدولوجية تقود خطاه نحو تحرر (الانا) بوصفها ذاتا لا هوية لها سوى هويتها الذاتيه على نحو مسعى الفلسفة الوجودية والتى قيدة حرية الفرد بشرط التزامه بحرية الغير دون ان يكون لها تجسيد فى نظام حكم ، وعلى العكس اثر ذلك كله المسرح فظهر المسرح الملحملى عند بيكاتور وتلميذه بريخت وظهر المسرح التسجيلى خطوة أبعد نوعا ما نحو التحريض الجماهيرى من المسرح الملمحمى اذ ركز المسرح الملحمى بتقنيات التغريب (خلق مسافة بين العرض المسرحى و الجمهور حتى يترك له الحكم على ما يعرض عليه ويتخذ منه موقفا بالرفض او بالقبول ومن ثم يغير من عاداته او قيمة السلبية وبذلك خرج المسرح الملحمى من عباءة الفلسة الماركسية لأنها تدعو الى التغيير لا الى مجرد التفسير كالفلسفة الحديثة التى سبقتها) كما ركز المسرح التسجيلى على الظاهرة التاريخية ( ما يتكرر من ظواهر عبر تاريخ البشرية تكرس أستغلال القلة المحتكرة أو المستعمرة بأنظمتها العسكرية والحربية لدول أخرى تعج أراضيها بالثروات) وهو مغاير لما ركزت عليه الملحمية من ظواهر أجتماعية تكرس أستغلال الطبقة الأجتماعية للطبقة العاملة تحديدا .
عرفت الحياة المسرحية المسرح الملحمى وعرفت المسرح التسجيلى ترجمة على يد د. عبد الرحمن بدوى والدكتور عبد الغفار مكاوى والدكتور يسرى خميس وعرفت مسرح العبث لصموئيل بيكت ويونسكو وأداموف أربال أدوارألبى وكامى على يد نعيم عطية وفايز أسكندر ونادية كامل وصلاح عبد الصبور وسلماوى وغيرهم . كما عرفت مصر هذه الأنواع على يد سعد أردش وأحمد زكى فى العروض التى أخرجوها مع زملائهم كمال عيد وفاروق الدمرداش وكرم مطاوع ومن قبل هؤلاء الرائد المخرج نبيل الألفى.
وفى مجال الثقافة المسرحية عرفت مصر فن المسرح نصوصا وكتابات نقدية وتاريخا وحرفية تمثيل وحرفية عروض ومناظر على أيدى نخبة نذرت نفسها وعقولها لنقل آثار المسرحيين العالميين الغربيين والشرقيين ترجمة وأقتباسا وأعداد ، وتأليفا فى بعض الأحيان عرف المثقف العربى فى مصر وفى البلاد العربية من هو ستانسلافسكى بوصفه المفكر المسرحى الروسى الذى وضع نظاما لفنون التمثيل يحتذى به كل مخرجى المسرح والسينما والتليفزيون والاذاعة فى كل مجالات الحياة التمثيلية العالمية ، عرفناه عن طريق ترجمة د. محمد زكى العشماوى والفنان محمود مرسى وعرفته الحياة المسرحية خلال ترجمات درينى خشبة لمؤلفاته وعرفنا كتاب المسرح اليونانى أول ما عرفنا عبر ترجمات الدكتور طه حسين ووصلتنا الدراسات التاريخية والنقدية وترجمات النصوص المسرحية على يد أساتذة لا عد لهم ولا حصر منهم محمد القصاص ومحمد مندور ورشاد رشدى ولويس عوض ونعيم عطية وفايز أسكندر وأبراهيم رمزى وعبد القادر القط ومحمد عوض محمد وفاطمة موسى ونادية كامل ومحمد عنانى وسمير سرحان وعبدالعزيز حموده وفؤاد دواره وفتحى العشرى وجلال العشرى وسعد أردش وكمال عيد وصلاح عبد الصبور. وعدد كبير من الأدباء والمترجمين اللبنانيين والسوريين والعراقيين .
تواصلت حركة المسرح وواصلت زخمها مع أنشاء مهرجان القاهرة التجريبى الدولى وتوطدت علاقة السرح المصرى والعربى بالمسرح العالمى عبر دوراته المتكررة على مدى ثمانية عشر عاما مضت ، حيث رفدت العروض العالمية حركتنا المسرحية بالكثير من الأبتكارات التى فعلت القدرات والطاقات الأبداعية والتخييلية لدى شباب مخرجينا وكتابنا وفنانينا المسرحيين ومما لاشك فيه أن الدور التى تلعبه الجريدة الأسبوعية ( مسرحنا) فى رفد شباب مسرح الأقاليم بالثقافة المسرحية وتربط بين نشاطات المسرح فى أقاليم مصر وفى البلاد العربية بما يضفر جهود المسرحيين العرب ويبادل خبراتهم وتوثيقها فضلا عن تدعيمها وعرض مشكلاتها وكشف آفاتها وسلبياتها وأبراز ايجابياتها ، مع رفدها بنصوص مسرحية قصيرة مترجمة وفتح باب النشر أمام كتابات مسرحية أبداعية أو نقدية جديدة وتوسيع حركة المسرح المصرى والعربى ليصبح المسرح للجميع حقيقة فعلية مؤكدة لا مجرد شعار .