تقنيات الكتابة السينمسرحية في تسابيح نيلية
الفن الحقيقي يجود بما فيه من قوة ؛ ليبلغ غرضاً لم يصل إليه سواه وهو يتخطى المعتاد طامحاً إلى أن يكون موسيقياً ، ولأن المرء لا يستطيع أكثر مما يعرف ولا يعرف أكثر مما يستطيع فكثيراً ما يكتفي الفنان بخلق الموسيقى الداخلية في إبداعه وذلك بعقد قران غير شرعي بين الشعر والموسيقى على فراش النثر.
ولقد سعى أدول عبر تسابيحه النيلية لنقل معرفته على قدر استطاعته واستطاع تحقيق ذلك على قدر معرفته وهي غير قليلة فجاء ما صوره شبيهاً به من حيث الجدة والأصالة ، ولم يكن في حاجة إلى اصطياد الألفاظ لأن لديه شيئاً يقوله . ومع أن الوصول إلى الينابيع والأصول يحتاج إلى وسائل يصعب الوصول إليها - بتعبير فاجنر – إلاّ أننا وجدنا أدول يصل إلى منابع تراثه وأصوله بيسر ، وذلك مرجعه معايشته لمنابعه فهي كما هو واضح تسكنه ومن ثم تسكن كل أعماله بدءاً من (ناس النهر) غير أن روح العصر تفرض ألواناً من التعبير تلائم إيقاعاتها المتسارعة ولذلك ينسج أدول تسابيحه النيلية في شكل خليط بين المسرح والسينما بحيث يعطي أولوية التعبير للغة الصورة
يقول ستانسلافسكي :
" إن الاستسلام لسلطة القوالب الجامدة لا يكلف شيئاً " وفي نص (تسابيح نيلية) لم أجد المؤلف مقيداً إلى قوالب جامدة .
ويقول بيكاسو : " أنا لا أنقل من الطبيعة بل أعمل معها وأمامها" ولم أجد حجاج أدول في نصه هذا إلاّ عاملاً مع الطبيعة وأمامها .
ويقول باختين : " إن جميع الكلمات توجد بثلاثة وجوه :
كلمة محايدة في اللغة لا تنتمي لأي شخص ، وكلمة تنتمي لشخص آخر وهي محملة بصدى ما ينطق به هذا الشخص . أما الكلمة الثالثة فهي التي تحمل ما أعبر عنه " وأرى أن كلمة حجاج أدول في نص تسابيح نيلية الكلمة الأولى إلى كلمة ثالثة وإذا كانت (كل الكلمات تشتمل على اقتباس من كلمات سابقة حيث لا وجود لاقتباس متطابق مع الأصل أبداً لأن المضمون لا يتوقف عن التغيير) - بتعبير باختين – فقد رأيت ذلك ماثلاً في نص (تسابيح نيلية) خير مثول فالكلمات فيها وإن كانت مقتبسة من كلمات التراث الديني والطقوس الشعبية المصرية إلاّ أنها تتطابق مع الأصل التراثي بل تصب في مضمون أراده أدول نفسه. وإذا علمنا أن في مجال النص المسرحي توجد نصوص مترابطة ونصوص تقوم على الترابط النص ونصوص غير مترابطة
وأن النص المترابط : يقوم على الروابط التي تصل بين مختلف أجزاء النص ومكوناته ومن أمثلته وجود راوٍ أو كورس أو غناء يربط بين المشاهد دون سعي إلى خلق اكتمال فني مثل الملحمية .
وأن الترابط النصي : هو سمة التفاعل المميزة للنص وهي خاصية عدم الاعتراف بفكرة موت المؤلف وفيه سعي ظاهر للوصول إلى الاكتمال الفني
وأن النص غير المترابط : هو نص يتقصد عدم النزوع إلى الترابط مثل الدادية ، السيريالية ، العبثية ، نصوص ما بعد الحداثة) فهي تتقصد اللااكتمال فنياً .
فإن قراءتنا لنص (تسابيح نيلية) تكشف عن أنه ينتمي لنوعية النص غير المترابط، لأنه يتجاوز شروط فن المسرح دون أن يعتدي عليها ليزاوج بينها وبين فن السيناريو الذي يقوم على الصورة واللغات غير الكلامية ويجعل لغة الكلام مجرد لغة موازية وهو أمر سوف نقيم عليه الدليل بشواهد من النص نفسه.
السمات المركزية لنص " تسابيح نيلية "
كل نص يتأسس على سمات مركزية هي : (الشبكة – الروابط – النسيج – انفتاح النص)
الشبكة : وتتكون من منظومات الفكر والشكل والتعبير ومنظومة التناص والمقاربات المعرفية اليقينية والمظنونة ونص (تسابيح نيلية) يتمثل تلك المنظومة خير تمثيل .
الروابط : وتتكون من عناصر الربط المتقن بين منظومة المادة والشكل والتعبير أي في اختيار المادة وفي البنية الصغرى (المشاهد) وفي البنية الكبرى التعبير النهائي الذي تنتجه المسرحية . وقد وجدت أن نص (تسابيح نيلية) غير متقصد لصنع روابط متقنة
النسيج : وهو نتاج تفاعل البعد الفكري مع البعد اللغوي والبعد الدلالي والبعد النحوي والبعد التعبيري والإحالات المعرفية التداولية والسياقية . والنسيج في مسرحية أو سينمسرحية ( تسابيح نيلية) لا يتأسس على اللحمة وسداها بل يقوم على تقنية القطع والوصل والقطع والمزج . وهي تقنية في التصوير السينمائي والتليفزيوني.
مظاهر تجليات نص (تسابيح نيلية)
نعرف أن لكل إبداع تجلياته التي لا يسمى إبداعاً بدونها . وتتمثل تجليات نص (تسابيح نيلية) في عدد من المظاهر منها :
( توليد الصور – توليد الدلالات في الصورة الواحدة – جماليات الصورة – عمق التصوير – تلقائية التعبير وغيرها مثل :
• تراكيب البنية وتفاعلها دلالياً وتداولياً ومعجمياً مع الموقف لتحقيق الأثر الاحتفالي والطقسي الممتع.
• تقنية التفكيك المتعمد لمواريث اعتقادية .
• تقنية المناجاة بمستوياتها المتباينة من حيث الغرض : ( مناجاة ابتهالية ترديدية فردية أو جماعية لنص ديني – مناجاة إعلامية – مناجاة تعليمية) وكلها تهدف إلى تأصيل الموروث التديني ( الفرعوني – المسيحي – الإسلامي)
• تفاعل النص مع نصوص أخرى وقد حفل نص تسابيح نيلية بغير القليل من نصوص دينية ومدائح وتسابيح هي جزء لا يتجزأ من منظومة المعارف غير اليقينية (الظنية) المتجذرة في الوجدان الشعبي المصري منذ آلاف السنين ومن أمثلتها مناجاة كل من الكاهن الفرعوني والقس ورجل الدين المسلم فكل منهم يترنم بترديد نص من نصوص عبادته وفق شريعته ووفق وجهته التدينية .
• تنويع العلامات وطرق تشكلها وسبل تواصلها بعضها بعضاً وسبل تواصل المتلقي معها وفق مستويات التلقي
ولا شك أن العلامات في نص (تسابيح نيلية) من الوفرة في طرق التشكل وسبل التواصل بحيث تحسب لحجاج أدول ولإعادة بعثة للدراما الطقسية فتوالد قصة موسى وتشخيص أهل النوبة لها مع ولادة كل مولود بتكرار الاحتفالية حيث يلقي نموذج مركب صغير في النيل وتنثر بداخل حبوب القمح وتضاء شمعة وتوالد قصة إيزيس وأوزوريس وست وحورس في مشهد احتفالي تشخيصي يؤديه أهل النوبة وغياب شخصية آدم بعد ولادة ابنه إدريس وبقاء هوّا (حواء) منفردة مع فتيات ونساء وحبيبة لمقاومة ست الذي يتخذ أشكالاً متعددة ومتباينة لغزاة وطئوا أرض النيل كلها صور متوالدة ينسجها أدول بمهارة ويربط بينها بمهارة.
ولأنه عاشق للنيل لذلك نجد أن اللطبيعة لها الأولوية ويقدم الزمان على المكان في المشهد الافتتاحي لتظهر مؤثرات الميديا في المسرح فكان البدء بتحديد الزمان بدقة دون تحديد دقيق للمكان وكان البدء بصورة الأفق قبل وقوع عين الكاميرا على الأرض وهو يبدع ذلك بتقنيات السينما :
- بداية الغروب الشفق يصبغ المشهد : لقطة عامة بانورامية
- خاصة شواشي النخيل : لقطة قريبة
- يتلاشى الغروب مع بزوغ القمر : تقنية القطع والمزج
- "جانب من نهر النيل وضفته ونخيل رشيق": تحديد المكان ثم تحديد
عناصره المصنوعة للبيئة وخصوصيتها وصولاً إلى الإنسان.
تقنيات الصورة :
• عين المؤلف بديلاً لعين الكاميرا : تركيز عين الكاتب على الغروب في السماء هو تركيز على المطلق وعلى اللامكان فالسماء في مواجهة كل مكان من الأرض لأنها غلاف لها .
• بدء الصورة بالعام المطلق ، فالعام المحدد (السماء ثم الأرض) ثم الخاص البيئي فالخاص الذاتي (الزي- الغناء)
• عودة للعام المقيد ( مجموعة من الفتيان والفتيات في هرولة ضاحكين) (راقصين رقصات نوبية)
الفعل ورد الفعل :
جمال الطبيعة على ضفاف النيل في النوبة دفعت شباب النوبة إلى الانتشاء والانطلاق تعبيراً عن الفرحة التي اتخذت من الغناء والرقص مظهراً تتنوع أشكاله ما بين الذاتية والعمومية.
تقنيات السيناريو :
الوصف : برسم حركة الكاميرا بوصفها العين المسجلة أو الناقلة لانعكاس الطبيعة على الفرد وعلى الجماعة في مجتمع ما . والطبيعة هنا السماء والأرض سماء تغلف بقعة من نيل مصر وريفها في النوبة .
فالكاميرا في السينما أو الفيديو تتسع حدقتها وتضيق ويبتعد مدى إبصارها ويقترب، تستيقظ وتغفو ، تلمح وتحدق ، تماماً مثلما تفعل العين البشرية . أي أنها تحس وتشعر ، تحنو وتحتد ، تغض الطرف وتتلصص غير أنها مأمورة بإرادة الفنان وبوجدانه .
ولقد أحل حجاج عينه محل الكاميرا فكان لها ما كان للكاميرا السينمائية لتسجل للقارئ فعل الطبيعة في تحريك الفعل الإنساني في اتجاه الاستمتاع بتلك الطبيعة الخلابة
لكن أين الدراما وهي الأصل في فن المسرح وفي فنون السينما ، ومعلوم أن لا دراما بدون صراع لعاطفة بشرية مع أخرى وصراع لإرادتين بشريتين في حالة من النمو – بغض النظر عن تعدد أشكاله ودرجاته – وعندما نقول النمو فقصد التدرج في الفعل ورده ، في تفاعلهما إيجاباً أو سلباً
من هنا يخلص أدول في تصويره من العام المطلق إلى العام المقيد متدرجاً أو مقترباً عبر نظرته البانورامية للطبيعة الكونية مروراً بالطبيعة البيئية هابطاً من علٍ إلى أرض ريف النوبة بجمالياته ليركز نظرته أو نظرتنا من خلال عينه الفنانة على "هوّا " أو حواء و "آدم"
ومع أن تلك الوقفة التي انتهت إليها عين الكاميرا البشرية لحجاج أدول إلى نقطة اللقاء الذي هو بداية التلاحم إيجاباً أم سلباً مما يعد البداية الحقيقية لأي صراع ، إلاّ أن ذلك مع ما لازمه من جماليات التصوير ، ولزمه من ضرورات التأسيس الدرامي للفعل ، إلاّ أن تقنية التشوف عن بعد ، تعميقاً للصورة وتأكيداً لبلاغتها ، لا تبوح بالمسكوت عنه إلاّ لعين متأملة وباحثة ؛ تزن الصورة بميزانها فتقدر أو تثمن عمق تصوير الكاتب حجاج أدول.
فهبوط الكاميرا البشرية (عين الكاتب) من السماوات العلى مع بداية غروب في اتجاه الأرض ، هو إحالة معرفية تراثية معادلة لهبوط (آدم وحواء) من الجنة عندما أفل نجمهما بعد تذوقهما لطعم المعرفة. وبهبوطهما الاضطراري إلى الأرض كانت بداية الصراع . صراع الأنا مع الآخر أو حواء (هوّا) و (آدم) الذي تنوع وتكاثر فأصبح آدم أكثر من آدم وأصبحت حواء أكثر من حواء ومعادله الفتى في نص (تسابيح نيلية) ماثل في تحول رقص (آدم) و(هوّا) إلى رقص جماعي لمجاميع شبابية من الجنسين.
هكذا ينقل لنا حجاج أدول ما وراء الصورة ، دلالة التعبير الأدبي والفني فهو يوحي بأن بدء الخليقة ، بدء الحياة الآدمية قد وقعت في النوبة على ضفاف نيل مصر العظيمة. وهو بتلك الإحالة الإيحائية يسحب البساط من تحت أقدام الزعم الهندي الشائع بأن هبوط آدم وحواء قد كان على جزيرة سيريلانكا
الفكرة والشكل والأسلوب :
يوظف المؤلف تقنيات كتابة السيناريو ليكشف لنا النص المسرحي عن تأثيرات فنون الفيديو والكتابة السينمائية على المسرح . حيث التركيز على الصورة بوصفها لغة غير كلامية . لذا نجد عين الكاتب بديلاً لعدسة الكاميرا ونجد بعض تقنيات السيناريو ماثلة في نص (تسابيح نيلية) بصفتها الوسائل الدرامية والجمالية الأكثر تحقيقاً لبلاغة خطاب أدول الفكري الذي يتمحور حول النوبة بوصفها مهبط (حواء وآدم) من الجنة إلى الأرض لإعمارها. وهو خطاب لو وظف الكاتب له اللغات الحوارية وغير الكلامية لفقد جمالياته وفقد بلاغته وتحول إلى خطاب دعائي مباشر ؛ وبذلك يفقد تأثيره ومن ثم مصداقيته ولا يتبقى له إلاّ مجرد الحفظ بين دفتي المطبوعة التي حوته.
فتوظيف أدول للغة غير الكلامية لغة التصوير المرئي تتيح للتلقي تعدد الدلالات ، وهو بذلك يقف تحت راية الحداثة ، ومن ثم يعد بعمله هذا مجدداً في الشكل الفني للكتابة المسرحية من منطلق الضرورة التي يحتمها الموضوع أو الفكرة التي انطلق منها .
والكاتب المسرحي قد ينطلق من فكرة وقد درج مسرح الفكر عند جورج برنارد شو، وعند بريشت ، وعند سارتر، وعند كامي ، وعند كتاب العبث وكذلك الأمر عند توفيق الحكيم ويوسف عز الدين عيسى ومهدي بندق ويوسف إدريس في (المخططين)
وقد ينطلق من الحدث كما فعل كتّاب المسرح اليوناني وقد ينطلق من الشخصية كما فعل شكسبير وكما فعل ألفريد فرج في مصر . وقد ينطلق من حالة يعيشها غير أنه في جميع الحالات يمد الشخصيات بما تحتاج إليه لتعبر عن جوهر ما تريد وعن جوهر ما تشعر به ، دون أدنى تدخل ، حتى مع تقنعه أحياناً خلف شخصية من شخصياته – خاصة في المسرح الفكري –
وحجاج أدول ينطلق من فكرة ، غير أنه لا يعين لها لغة الحوار الكلامية وسيطاً اتصالياً محمولاً على ألسنة شخصية هنا أو هناك في حالة متنامية من الصراع والمعارضات ، وإنما يترك للعين المتلقية لصور المسرحية والجمالية مهمة الاتصال رؤية لا سماعاً ليتيح للذهن المتلقي تأمل ما وراء الصورة من معنى أو دلالة تبعاً لخبرته البصرية وقدرته المعرفية على تفسير علاماتها في ترابطها أو كليتها. وبذلك يكون أدول مغايراً في تحقيقه للفكرة المنطقية الأساسية التي يقوم عليها تسابيحه النيلية الراقصة.
تقنيات الصورة في المشهد الافتتاحي :
لم يحو المشهد الافتتاحي (الأول) من الحوار سوى أربعة أسطر يحوي كل سطر منها كلمتين أو ثلاث كلمات وضعها أدول متفرقة على ألسنة مجموعة الفتيات :
- هوّا . هوّا
- انتبهي يا هوّا
- سيمسك بك آدم
- إنه خلفك
بالإضافة إلى ثلاثة أسطر على ألسنة متفرقة لمجموعة الفتيان المشجعين لجنسهم ممثلاً في شخصية (آدم)
- آدم ، لا تتركها
- تريدها ؟ خذها
- إنها فقط تتدلل
حياة تقوم على الفطرة وربما على المشاعية البدائية ، فلا قيود عند وجود رغبة عاطفية متبادلة ، فالمجتمع إذ يبارك التبادل العاطفي بين ذكر وأنثى فهذا كاف دون حاجة إلى أية قيود أو تقاليد وطقوس ، يكفي طقس الاحتفال كإطار ابتهاج بتحقيق رغبة ذكر في أنثى مع رغبتها المتبادلة مع رغبته ، فرغبتهما عندئذٍ هي رغبة جماعية – رغبة الفطرة - .
إن الكلمات القليلة لمجموعة الفتيات المشجعات على مراوغة (حواء) التدللية وفي مقابلها الكلمات الأقل لمجموعة الفتيان المشجعين لمطاردة (آدم) لحواء تتخذ أسلوب المبارة والمشجعين ، حيث يشجع فريق من المشاهدين فريقاً وتشجع الفريق الآخر مجموعة أخرى . فأسلوب إقامة الصورة الدرامية على ركائز المقاومة وليس على ركائز الصراع هو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند سارتر حيث تقاوم الأنا الآخر في سبيل تحقيق كل منهما لهويته بعد أن أوجد وجوداً جبرياً وبذلك يتحقق الوسط الذهبي حيث لم يصبح الآخر هو الجحيم وهو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند الحكيم حيث يعادل فعل الأنا فعل الآخر وبذلك يتحقق الوسط الذهبي الذي بشر به كل من أفلاطون وأرسطو ويتجسد الخطاب الديني (وجعلناكم أمة وسطاً)
وإذا كانت لغة التحميس الأنثوي (لحواء) معادلة للغة التحميس الذكوري في المشهد الافتتاحي ؛ فإن لغة الصورة قد كانت جحيماً بالنسبة للغة الحوار بالأصوات . فالمشهد كله قد تأسس على السرد دون وجود سارد أو راوٍ ناطق ، ولكن عين الكاميرا البشرية لأدول نفسه تسلم ما سجلته عدستها لعين المشاهد ، فالمسرحية للمشاهدة فحسب ، ليست للسماع فالفرجة بصرية .
لذلك وضع أدول بدائل لمصطلحات السيناريو وذلك على النحو الآتي الذي ينظر لحجم اللقطة ونوعها :
عبارة من النص بديلها في السيناريو
بداية الغروب . الشفق يصبغ المشهد" لقطة بانورامية عامة
باللون الذهبي الشاعري، خاصة شواشي النخيل وأعالي الشجر" لقطة قريبة (متوسطة)
" التركيز على الفتاة هوّا والفتى آدم " لقطة مباشرة (فوكس)
الفتيان يرقصون وحدهم الفتيات يرقصن وحدهن تبادلية اللقطة (حوارية اللقطات)
المجموعتان تتشاكسان في إقبال وإدبار حركة الكاميرا اللاهثة
آدم يتقدم وكأنه يريد أن يقتحم مجموعة الفتيات لقطة قريبة
الفتيات وهم سعيدات باهتمام آدم بهوّا يأخذن هوّ بعيداً لقطة قريبة تتحول بعيداً بشكل سريع يتابع حركة الفتيات السريعة
هوّا تراوغ آدم لكنه يكاد يمسك بها حركة لاهثة متبادلة للكاميرا في لقطة متوسطة وقريبة لهوّا ثم لآدم وبالعكس
رقصة المجموعتين معاً لقطة متوسطة
ورقصة آدم وهوّا سوياً لقطة قريبة
رقصة آدم وهوّا رقصة مركبة تعبر عن الحب بين الذكر والأنثى وصف لطبيعة الأثر التعبيري الذي يجب على اللقطة تحقيقه
يتقدم الجميع ويتوسطهم رجال دين ثلاثة الكاهن الفرعوني والقسيس المسيحي والشيخ المسلم لقطة متوسطة
آدم وهوّا أياديهما متشابكة يركعان أمام النيل. همهمات ترتيل من الناس لقطة قريبة ثم تركز على أيادي الإثنين ثم تتحول إلى لقطة قريبة
أضواء الطبيعة وأصواتها خاصة من السماء كل هذا يعلن مباركة زواج آدم وهوّا لقطة بان
تتقدم سيدة من آدم وكأنها أمه – تعطيه حلية (جص الرحمن الذهبية) ليضعها آدم على جبين الفتاة بمساعدة السيدة لقطة متوسطة تتحول إلى لقطة قريبة ثم قريبة جداً
( إظلام يتكاثف في هدوء منهياً المشهد)
ونلاحظ أن لغة الوصف لغة تقريرية وليست إنشائية وهذا هو أسلوب لغة السيناريو ، فهي أشبه بإرشادات لحركة الكاميرا ولنوعية اللقطات فاللغة الأدبية تتأسس على الأسلوب الإنشائي أكثر بكثير من الأسلوب التقريري . والنص المسرحي مهما كثرت فيه لغة الإرشاد الموازية للغة الحوار فإنها تكون محدودة ومقتصدة . وهي تنتفي أو تكاد عند الكتاب القدماء والكتاب الذين يخرجون نصوصهم بأنفسهم ، فالصورة التي سيكون عليها العرض مطبوعة في ذهنه ، من هنا فإن دور الخيال في العرض لا يتعدى دوره في النص نفسه .
تتأكد فكرة تقديس المكان على حساب الزمان في المشهد الافتتاحي في أسلوب دائرية الحدث (دائرية الصورة) حيث تعود الكاميرا إلى لقطة بانورامية للطبيعة السماوية بعد تشابك أيدي (آدم – هوّا) وانطلاق الهمهمات المرتلة في حضرة الدين الوثني (الفرعوني) والواحدي المسيحي ثم الإسلامي . فتوالد الارتباط الحتمي بين الذكر والأنثى قبل فكرة الأديان ومع تغيرها وتدرجها من الفرعونية إلى المسيحية والإسلام بوصفها رموزاً للتحول من عصر إلى عصر تالٍ فإن المكان لم ولن يتغير حيث النيل باق وخالد والارتباط بين الجنسين باق وخالد فكلاهما حقيقتان ثابتتان منذ هبوط آدم وحواء على ضفاف نيل النوبة .
غير أننا نلحظ أن الركوع لم يكن لغير النيل واهب الحب والسلام والاستقرار - في كل حالات التغير الديني من الوثنية إلى المسيحية والإسلام فالنيل أقدم من الأديان وأخلد منها لأنها تغيرت في حين لم يتغير من ثم فإن الامتنان له والتعبير عن حب البشر على ضفتيه أن يركعوا له ويسبحوا بحمد نعمه. وبعد فتلك هي قراءتي للمشهد الافتتاحي . ومن المعلومات المرعية أن المشهد الافتتاحي لكل عمل درامي مسرحي أو سينمائي أو تليفزيوني ؛ يكثف الحدث ليشف للمتلقي عن جوهره، ويلمح إلى دلالته العامة، فهو مثل نواة شجرة الفاكهة يمكن شم رائحة فاكهة شجرتها بمجرد شميم تلك النواة.
ملاحظات أخيرة :
اعتمد الكاتب على لغة وصف تقريرية وهذا أسلوب مناسب لكتابة السيناريو فهي عبارة عن رسم لحركة الكاميرا في تسجيل المنظر والحدث تبعاً لتصور محدد ومرسوم يؤدي إلى تحقيق رؤية ما.
- نص تسابيح نيلية هو إعادة إنتاج إطار فلكلوري لتاريخ مصر والمصريين
- المكان مقدس عند الكاتب وهو سبيل لجمع شمل الاختلافات العرقية والجنسية والدينية والطبقية فالنيل يجمع حوله كل أطياف المصريين فالنيل يجمع ولا يفرق
- النوبة هي مهبط آدم وحواء ومن على ضفاف النيل هناك انطلقت الحياة وعرفت الديانة
- الأولوية للطبيعة وسموها
- وضع المؤلف عينه بديلاً لعين الكاميرا
- تبدأ الصورة عنده بالعام المطلق المقيد ثم الخاص المقيد وصولاً إلى الخاص الذاتي . وتلك التقنية تشكل الأساس في الفن السينمائي
- التصوير دائماً خارجي في الغروب أو في الشروق أي انطلاقاً من البداية أو من النهاية
- ارتباط أهل النوبة بالتدين بصورة المركبة فطقوس الفرعونية لا تنفيها طقوس المسيحية ولا تنفي طقوس الإسلام طقوس الفراعين أو المسيحية إذ تتداخل الطقوس على ضفاف النيل
- الطقوس التدينية متعاقبة ومتراكبة ومتباينة غير أن ارتباط الذكر بالأنثى معتقد ثابت وفاعل ومتفاعل قبل التشريعات وبعدها فهو الخالد أبداً منذ آدم وحواء
- ارتباط المدائح الصوفية الإسلامية بتصاعد شروق الشمس وارتباط همهمات التدين البدائية والوثنية بغبشة الفجر
- وصف المنظر الخارجي وصفاً تفصيلياً هو بمثابة أساس نظري لحركة الكاميرا
- خلت المشاهد من الخط الدرامي فيما قبل المشهد الثاني من الفصل ا لثاني وما قبل ذلك من مشاهد هو صورة استعراضية تقوم على تقنية المناجاة الترديدية لاقتباس من نص ديني أو ترديد فردي أو جماعي للمدائح الصوفية الميرغنية . بعضها استسلامي وبعضها تحفيزي وبعضها ابتهالي مصحوب غالباً بالرقصات المتناسبة مع الخطاب الإنشادي أو الإعلامي أو التعاليمي أحياناً
- تقوم تقنية الكتابة المختلطة مابين تقنية السيناريو وتقنية المسرحية على أسلوب السرد الانعكاسي حيث تكثر الاقتباسات النصية من خطاب ديني فرعوني (نشيد اخناتون) أو خطاب ديني مسيحي (صلوات إكليلية كنسية) أو نصوص قرآنية يسترجعها (كاهن فرعوني – قس – شيخ - مسلمين)
- تتداخل الأزمنة والعصور في نسيج النص عن طريق الاسترجاع بتقنية سينمائية في عنونه المؤلف (بالمشهد الخلفي) وهو مشهد استطرادي يتم عبر Flash back وعن طريق تلك التقنية يتداخل رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري في كل مشهد تتم فيه مباركة علاقة بين فتى وفتاة تعارفا ووقع كل منهما في حب الآخر وذلك في وجود رجل الدين الفرعوني ورجل الدين المسيحي ورجل الدين الإسلامي فالجميع يباركون الارتباط جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري وهذه تقنية الحداثة وما بعدها .
- تميل المشاهد إلى التصوير المتشظي فارتباط عناصر المشهد واه ، ويمكن استبدال مشهد محل مشهد آخر تقديماً أو تأخيراً أو حذفاً
- النص يؤكد في كل مشهد من مشاهده أن المصريين يتنفسون الطقوس وأن الحب المتبادل بين الذكر والأنثى هو المحرك.
- اعتمد البناء الفني على أسلوب القطع والوصل والقطع والمزج وهو أسلوب سينمائي / تليفزيوني
- اعتمد النص في المقاطع الحوارية على الكثير من الغنائية المباشرة وكذلك في الوصف الإرشادي لحركة الكاميرا . غير أن الوصف السردي الإرشادي تخف فيه نبرة الغنائية لاعتماده على الصورة وفنونها مما يبعد بها عن المباشرة ويضع لها دلالات متعددة وفقاً لحساسية المصور ولخبرته في صنع جماليات اللقطة ما بين التقريب والتبعيد والإضاءة والتظليل ومن ثم الإيقاع .
- لم يخل النص من مقاطع برزت فيها تقنية المسكوت عنه ومنها على سبيل المثال الأغنية الأفريقية في المشهد الثاني من الفصل الأول والتي منها :
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضاً عذبة يا حقيقة
يا أم جمال وصابر
( بالإمكان انتقاء مقطع أو اثنين من هذا النشيد )
ربط أدول بين جمال وصابر كأنه يلمح إلى أن وجود جمال أو كل من كان مثله يحتم التذرع بالصبر . ولذلك يشير على من لا يقبل بذلك التعبير أن ينتقي من النشيد ما يريد ويترك أو يحذف ما لا يريد . والتورية واضحة ، لأن له موقف منشور ومعلوم من (جمال عبد الناصر) في تهجيره لأهل النوبة.
ونلاحظ أيضاً وصفه لطقس المديح عند الميرغنية بالزفة وللطقس المسيحي بالكوكبة وللطقس الفرعوني بالموكب . ودلالة الزفة (هيصة) ودلالة الكوكبة النخبة ودلالة الموكب الرسمية.
ونلحظ أخيراً . تراجع ترتيبه للأديان فقد درج على أن تبدأ الطقوس في الفصل الأول بالبدء بالطقس الفرعوني ثم يليه الطقس المسيحي وينهيه بالطقس الإسلامي وذلك منهج تاريخي يراعي التدرج من البداية حتى عصرنا غير أنه غيّر ذلك الترتيب أو عكسه في المشهد الأول من الفصل الثاني إذ بدأ بالطقس الاحتفالي الإسلامي ممثلاً في المدائح الصوفية الميرغنية ثم الطقس المسيحي ممثلاً في الأكاليل المسيحية وانتهى بالطقس الفرعوني ممثلاً بأناشيد إخناتون مع اجتماع ممثلي تلك الطقوس جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري اللذين ترك تمثال كل منهما مكانه في المعبد وخرج جسداً حياً مشاركاً في الاحتفالية. احتفالية العشاق الراقصة. ليعود مرة أخرى إلى توظيف السينما على شكل شرائح أو فيلم أو رسوم متحركة في ا لمشهد الخلفي (الاستطرادي) المتداخل مع مشهد (إدريس ابن آدم) الذي أصبح العمدة ونبره ابنة هوّا زوجة وابنهما "تود" وأخيه كلها معادل رمزي لأوزوريس وإيزيس وست وحورس ليخلق لوناً من ألوان التوالد الوراثي في الحاضر .
وهنا – هنا فحسب يبدأ الصراع في هذا النص الذي هو أقرب إلى النص الاستعراضي منه إلى النص الدرامي .
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
الخميس، فبراير 12، 2009
الاثنين، فبراير 09، 2009
ليلة من ليالي على علوللا
في الكمبوشه
ليلة من ليالي على علوللا
أ. د/ أبو الحسن سلاّم
"على علوللا ".. مواطن مصري بسيط .. فقير وشريف .. يعمل في شركة صناعية تابعة للقطاع العام. ذات صباح باكر نزل إلى الشارع ببيجامته وبيده كسرولة متجهاً إلى محل الفول .. النسوة والأطفال يغلقون أمامه طريق الاقتراب من قدرة الفول ماذا يفعل والزحام شديد والبرد قارس وموعد ذهابه إلى عمله قد أزف، وبنتاه قد تأخرتا عن موعد الذهاب إلى المدرسة فما كان منه إلاّ أن صاح في جمع المتكالبين حول قدرة الفول
ـ يا ناس اتعلموا النظام
لكن أحداً لم يلتفت إليه ، باستثناء طفلة صغيرة حافية ، استدارت نحو ذلك الصوت الأجش الصارخ حول القدرة و ياليتها ما استدارت ، فلقد سقط من بين أصابعها الصغيرة (قرش صاغ أبيض مخروم) فانحنت لتبحث عنه تحت أقدام النسوة والصبية فدهستها الأقدام فصرخت ولكن (علي علوللا) سارع بإنقاذها فإذا برجل أو في الحقيقة هي جثة رجل تتحرك وبالكاد تصل إلى مكان تجمع الجوعى ؛ فإذا ببائع الفول يسارع إلى تحيته
ـ مرحبا يا حضرة الصول.. نهارنا قشطة
وإذا بالطفلة التي فقدت رأس مالها (القرش الأبيض المخروم) تجري نحو الرجل الجثة
ـ يابا .. الإش وقع مني
ـ وقع .. وقع إزاي ؟!! .. نهار أبوكِ زي بعضه
فتسارع من بين النسوة إحدى المؤهلات للشهادة الزور وهي تشير نحو (علي علوللا)
ـ اللافندي ده هو السبب . كان بيزعق : انتوا عمركو ما حتعرفوا النظام
فإذا بالمخبر السري ـ والد الطفلة ـ التي فقدت رأس مالها
ـ قرش أبيض مخروم
يلتفت نحو (اللافندي) ويجلجل المكان بجعورته ؛ ويخلخل تجمع المتحلقين حول قدرة الفول بجثته
ـ مفيش إيه يا روح أمك؟ البلد مفيهاش نظام؟! تعالالي يا روح والدك وأنا أوريك البلد فيها نظام ولا مفيهاش
ويتململ (اللافندي) من بين قبضة المخبرالسرى (عبد الجواد) . وعبثاً يحاول الانفلات
ـ ياعم أنا مقلتش حاجه
ـ بتقوللي يا عم .. أنا الصول عبد الجواد .. بتاع أمن الدولة يتقاللي يا عم؟
ـ يامؤمن صدق . والله ما قلت حاجة عن الدولة
ـبتقوللي يا مؤمن .. شايفني مربّي دقني!! طب هو النظام إيه غير الدولة والدولة إيه غير النظام؟!
ـ يا سيدنا أنا معرفشي حاجة عن الدولة . مليش دعوة بالسياسة
ـ ماهو دا أدعى إلى إنك تاخد درس في السياسة .. تتعلم النظام ؛ وتعرف إن الدولة هي النظام والنظام هو الدولة
ـ يا ناس .. يا عالم غيثوني .. يا حضرة الشاويش
ـ شاويش ؟!! نزعت رتبي ؟!! يبقى ده على حرمه إن ما دخلتك أراميدان
كل ذلك الصراخ يجري والمتكالبات على قدرة الفول لا يعرن أذنا للمشهد الدائر بين رجل ليس له في السياسة ناقة ولا جمل – فيما يظن – وممثل الأمن القومي .. فالنسوة أيضاً ليس لهن في السياسة (هو علوللا) و(هن علوللا) .
ـ حسنين يا فوال ..
يصيح الصول بتاع أمن الدولة
ـ أأمر يا حضرة الصول
ـ إملا للبت كسرولة الفول
ـ من عنيا
ـ القرش وقع منها في دكانتك . كان قرش أبيض
ـ القرش لابيض ينفع في اليوم لاسود
ـ بتبرطم بتقول إيه؟
ـ لا ولا حاجة بالسلامة يا سيدنا لافندي
وهكذا ضاع صوت (علي علوللا) وضاعت الكسروله والتعريفه في زحمة التكالب والصياح طلباً للفول .. ويسأله الصول عبد الجواد
ـ اسمك إيه يا رفيق قلت لي
ـ لأ مسميش رفيق اسمي علي علوللا
ـ هأ أو .. دا اسمك الحركي
ـ يعني إيه؟ حركي ؟! بقول لسيادتك اسمي علي علوللا
ـ آه .. ابقى قول الكلام ده لما نوصل
ـ نوصل .. نوصل فين؟
ـ عند بيت خالتك
ـ خالتي ؟! خالتي مين ؟ ماليش خالات
ـ فوت قدامي يا لكع!!
ولم يعرف (علي علوللا) مكان وصوله إلاّ وهو طائر في الفضاء بداخل زنزانة في ( سجن ليمان طره ) ليسقط فوق ثلاثة رفقاء اعتقلوا بعد أحداث 18-19 يناير 1977.
وعلى الرغم من ترحيبهم به وحفاوتهم ؛ فقد ظل مندهشاً لتصرفهم معه بما يغاير ما أشيع عن ( حزب التجمع) الذي ينتمون إليه ؛ فالحكومة ملأت الدنيا صياحاً بأنه(حزب شيوعي) وأعضاؤه كفره . ويمر يوم وأسبوع وشهر ولم يسمع من واحد منهم شيئاً ضد الدين ؛ ولم يلحظ فعلاً أو سلوكاً يدل على أن هؤلاء غير الناس العاديين البسطاء المتواضعين ، على الرغم من أن أحدهم أستاذ في الجامعة والثاني مهندس والثالث طبيب والرابع محامي والخامس مدرس والسادس مدير شركة تأمين والسادس جرنالجي والسابع مذيع والثامن ممثل والتاسع مطبعجي والعاشر مؤلف مسرحي وهذا رسام كاريكاتير وذاك مؤلف أغاني وأشعار.
لم تمض علي صاحبنا أكثر من ثلاثة أشهرإلاّ وكان يجيد المناقشة في أمور سياسية واقتصادية بالغة الأهمية؛ إذ عرف أن الماركسية ليست هي الشيوعية ؛ لأن الماركسية فكر فلسفي اجتماعي اقتصادي يتمحور حول نظرية تحرير الطبقة العاملة من استغلال أصحاب المصانع ؛ ارتكازاً على ما يعرف بنظرية ( فائض القيمة) أي ما زاد على التكلفة الحقيقية لإنتاج سلعة ما ( بلوفر مثلاً) تكلفته الفعلية عشرة جنيهات يدخل فيها ثمن الصوف وأجر العامل وقيمة الكهرباء المستخدمة في تشغيل الماكينة التي صنعته وأجور التخزين والنقل والحراسة والتسويق والنسبة المستحقة لرأس المال اللازم لعملية صنعه واحتياطي قطع الغيار والصيانة ، غير أن المصنع يبيعه بمبلغ ( 50 جنيها) أي هناك (أربعون جنيها) زائدة عن التكلفة الفعلية التي صرفت على إنتاجه. وهذه هي القيمة الزائدة عن قيمته الفعلية .
عرف صاحبنا أن هذه الزيادة هي من حق العامل الذي صنع البلوفر.. غير أن صاحب المصنع يستحوذ على ذلك الفائض بدون وجه حق..
ـ الله!! طب والحكومة واقفة مع الراجل المستغل دا ليه ؟!
رد من بين الرفاق أحدهم
ـ الحكومة تساعده طبعا .. الحكومة هي مين ؟! كلهم ظباط عساكر رجعوا من روسيا في بعثة علي السلاح .. خافوا منهم .. قالوا عملوالهم غسيل في المخ
ـ طبعا بلشفوهم
ـ أبعدوهم خارج الجيش عالمصانع . دا رئيس شركة نحاس.. ودا رئيس شركة نسيج ودا كوتش ودا لبن !! بعد ما كان مدفعية ولاّ طيران أو إشارة وفروه
ـ سرحوهم ..
ـ ضاعت الخبرة في غمضة عين
ـ أصبح الظابط مدير لحاجة ما لهوش فيها خبرة
ـ لما جات الحرب بينا مع إسرائيل .. ما جرى معروف تمام !!
ـ والغلابة الفلاحين كانوا حطبها .. هم÷ّ والعمال معاهم .
كل دا عرفه (عالولا) وعرف إن (التجمع ) للدفاع عن الغلابة الشقيانين ؛ كانوا عمال فلاحين؛ طبقة وسطي موظفين دوره بث الوعي عند هؤلاء لجل ما يناهضوا المظالم ؛ يمنعوا صحاب المصانع والمزارع ينهبوا عرق الفواعلية اللي قدام المكن ؛ يفضحوا استنزاف كبار المسؤولين لخيرات الوطن ؛ يكشفوا العملاء ومصاصي الدماء . مش مهم يقولوا عنهم دول يسار . مش مهم الاعتقال بتهمة الشيوعية أو أى اتهام مادام دا حزب وقفته وقفة نضال وحض عمال المصانع والمزارع لجل تحصيل الحقوق ؛ حزب تمهيد الطريق نحو اشتراكية وبحق وحقيق.
عرف (علي علوللا) أن الشيوعية لا تطلق إلاّ على تنظيم سياسي يتخذ من النظرية الماركسية أساساً لبرامجه نحو توحيد صفوف الطبقة العاملة التي أدركت أنها مستغلة. كذلك عرف (علي علوللا) ما هو فيض الإنتاج ولماذا تكافئ أمريكا المزارعين الذين ينتجون محصولاً أقل من القمح . ولماذا تلقي البرازيل الكثير من محصول البن في المحيط حفاظاً على السعر الذي تحدده الدولة لمزيد من الاحتكار والسيطرة على الأسعار العالمية. وعلم من الزملاء أن حزب التجمع قد اتصل بزوجته وبأولاده وهو يقدم إليهم المساعدات المالية والمعنوية مع أول كل شهر. وأن مجلة (أدب ونقد) وجريدة (الأهالي) هي التي تنقل للناس في مصر وخارجا صوته وأخباره وتسهم في كشف المفاسد الحكومية والتجاوزات الأمنية ضد أمن المواطنين . وتنبه إلي مايحاك ضد الغالبية لسرقة اللقمة من أفواه أبنائهم .
استرجع علي علوللا ذلك الشريط عندما وجد نفسه وحيداً في الزنزانة رقم (3) بعنبر التأديب (بسجن ليمان طره) بعد أن أفرجت المحكمة عن جميع المعتقلين وترك هو وحده حبيس الزنزانة لا أنيس ولا ونيس سوى رنين صوت( الشاويش عبد الهادي) حارس عنبر التأديب الذى يلومه كلما فتح عليه باب الزنزانة في تمشية الصباح وفترةالقيلولة:
ـ ما هو لو كنت قلت إنك عضو في (حزب التجمع) كنت طلعت مع اللي طلعوا .. يابني مدام مش عارفين يصنفوك تبقى حا تستنى معانا)
بعد مرور أسبوع من الإفراج عن الزملاء يجد ( علولللا) نفسه في (عنبر التجربة) مع (جماعة التكفير والهجرة) ويتذكر عدالة الحياة العامة بين اليساريين وزنزانة الحياة العامة التي تصادر اللحوم والسكر والسجائر وأمواس الحلاقة وبطاريات الراديو من كل زيارة ترد إلى أحدهم ؛ ثم تعيد لجنة الحياة العامة توزيعها ؛ وفق جدول دقيق على زنازين المعتقلين اليساريين ؛ سواء كانوا من (حزب التجمع) أو من زملاء منسوبين إلى أحزاب أو تنظيمات غير معلنة .. ويقارن بين عدالة اليساريين ونظامهم وأنانية أولئك الملتحين الذي يرفض كل واحد منهم أن يعطي جاره قطعة من دجاجة أو جناح بطة جاءته في زيارة ما إذ يتركها تتعفن ولا يعطي زميله الملتحي شيئا مما حصل عليه من زيارة أقربائه. ـ مع أنه متهم مثله بعضوية تنظيم إسلاماتيكي إرهابي ويسكن معه في نفس الزنزانة ـ
ويقارن (عاللولا) كذلك بين تنوع الموضوعات التي يناقشها اليساريون من سياسة إلى أدب إلى فن إلى اقتصاد إلى تاريخ إلى فلسفة إلى علاقات دولية إلى سياسات الحكومة إلى أحوال الطبقات الشعبية إلى قضية فلسطين والديمقراطية بوصفها المدخل الطبيعي والصحيح لحل كل المشكلات الوطنية والاقتصادية والاجنماعية المستعصية علي الحل؛ وبين انكباب كل من في الزنازين التي تشغي بأصحاب الجلاليب البيضاء القصيرة واللحي الطويلة في العنبر الجديد (التجربة) على تسميع آيات القرآن في تراتيل متداخلة ذكرته بالكتاتيب التي تعلم فيها على يد سيّدنا الشيخ ( حزنبل) في ( الدلجمون غربية) ـ موطن ولادته ـ عندها شعر كما لو كان يجلس بين عدد من الإذاعات أو المآتم التي يسلط كل مآتم منها ميكروفوناته على المآتم الأخرى ، شعر بأنه محاصر بغزو إذاعي ضوضاء فلا شيء يمكن فهمه مما يدور في معمعة التراتيل المتداخلة التي لايدع صوت من بين تلك الأصوات مساحة لأذن تسمع أو عقل يعي
وإذا كان علي علوللا يستمتع بقسط من النوم في زنازين المعتقلين اليساريين ؛ فإنه في زنازين المتأسلمين لا يذوق طعم النوم ؛ إذ بعد مباراة التسميع المتداخل التي إن تنتهي ؛ يدور النقاش ـ أو العراك بالأحرى ـ صراخ لا يوقفه سوى فحيح صوت أجش مشروخ فاقد لمعينه من الشهيق ؛ هو صوت( أميرالحبسة) بالخطبة الرئيسية التي تدور دائما وفي كل ليلة حول تكفير المجتمع .
ـ المدارس والوظائف وعقود النكاح وكل ما يتصل بالدولة كفر وإلحاد لأنه بدعة وضلالة وكل ضلالة في نار جهنم وبئس المصير . - طب والمشايخ ( يتساءل عالوللا) - كفّار مداهنين للدولة الكافرة والزواج
ـ كفر لأنه عقد باطل سجل على أوراق دولة كافرة
كل شيء في نظر هؤلاء الملتحين كفر لذلك وجبت الهجرة من هذه الدولة الكافرة. ويتساءل ـ كيف
ـ ألم تكن بلاد الله واسعة
فيتجرأ علوللا
ـ إذن فأنتم جماعة التكفير والهجرة
وكأنه نطق كفراً . صاح كبير القعدة (أمام الجماعة)
- نحن جماعة آخر الزمان .. ألا تفهم؟
ـ نحن الذين قال تعالى فينا : " والأرض يرثها عبادي الصالحين"
ـ بس الآية دي نزلت في بني إسرائيل
ـ أتفهم في كتاب الله كما نفهم؟
ـ القرآن لكل البشر ولكل العصور. أريد أن أعرف لأن المعنى هو أن القيامة قامت
ـ أي نعم
ـ والأرض فنيت
ـ أي نعم)
ـ وأنتم في الأرض مثل كل البشر
ـ لا سنكون في مأمن . روسيا الكافرة وأمريكا الكافرة ستضرب كل منهما الأخرى بالنووي وستفنى الأرض
ـألستم في الأرض
ـ سنكون آمنين بإذن الله في كهف في أحد جبال اليمن وهو ضد الإشعاع الذري
ـ وهل الحكومات ساذجة لتسمح لكم بذلك
ـ نسيب النقطة دي
هكذا صاح بلهجة عامية والشرر يتطاير من عينيه .ولكن علوللا لم يتوقف
ـ عايز أفهم .. الإشعاع في كل مكان.. في الهوا.. في الزرع.. في الماء مش حتاكلوا مش حتشربوا مش حتشموا هوا ؟
ـ قلت لك سيبك من النقطة دي
ويصمت علوللا بعد ذلك لما يقرب من الأسبوع مكتفيا بأن يستمع ويستمع ويستمع ، دون أدنى رغبة في الاستماع ؛ إلى أن أتى الفرج بانتقال بعض المعتقلين إلى سجون أخرى ويتساءل علوللا
ـ اشمعنى أنا يا صول عبد الرحمن؟!
ـ علشان أنت بين بين
ـ يعني إيه؟ فيه تهمة اسمها بين بين ؟
ـ مش باين لك مذهب .. لا أنت جماعات ولا أنت شيوعي ولا أنت ناصري .. ملكش مله
ـ يعني حاتنّي محبوس لوحدي .
ـ بكره ينقلوك مع الجنائيين
وفي إحدى زنازين الجنائيين (بسجن الاستئناف) يتحول علي علوللا إلى (أسانسير) يسند ظهره إلى حائط الزنزانة أسفل الشباك المطل على ( درب عسكر شارع عائشة التيمورية) وبصعد على كتفيه مسجون يتجه بوجهه نحو الحائط فيقف علي علوللا والمسجون واقف على كتفيه ووجهه للحائط حتى يصبح خلف قضبان الشباك العلوى الوحيد في مواجهة بيت( "أم حسن") الذي وقفت في مدخل الشرفة المتداعية للسقوط الفتاة صديقة هذا المسجون أو ذاك الذي رفعه على علوللا إلى الشباك. وهنا تدور وصلة غزل بين المسجون الصاعد على الأسانسير (علي علوللا) وعشيقته في شرفة أم حسن التي تؤجر الغرفة للزوارمن أهالي المسجون أو صديقاته بواقع (عشر دقائق بعشرة جنيهاتللفرد الواحد) . ومع أن علي علوللا غير راض عن نفسه وعن وظيفة اسانسير؛ إلاّ أن تلك هي وسيلته الوحيدة للبقاء وسط الجنائيين عتاة الإجرام من القتلة ومروّجي المخدرات. . فبدلاً من تعوده على سماع المناقشات الفكرية السياسية التقدمية أو الدينية التسيسية الظلامية ؛ إذا به يستمع إلى غزل صريح ويتفرّج علي مشاهد ( بورنو) حقيقية ومباشرة ، في مشهد حي أشبه بمشهد تغريبي ملحمي بريختاوى:
ـ حته ببريزه يا طماطم .. إيه يا بت الحلاوة دي .. طب حته كمان ببريزه
وفي كل طلب يطالب به المسجون المكبوت عشيقته عن بعد تتسع مساحة عرى الفتاة حتي تصل إلي ما يعاقب عليه القانو خروجا علي الآداب العامة في أماكن عامة.
ومع أن لغة المسجون العاشق تبدو شبه بريئة من حيث الظاهر إلاّ أن علي علوللا يعرف أن المسجون العاشق يطلب من عشيقته أن تتعرى قطعة قطعة. وهكذا ينتهي الأمر بعلي علوللا إلى أن يصبح أسانسير العشاق بين سجن الاستئناف وشرفة( أم حسن).
ويتساءل في نفسه : ألم يكن التجمع أفضل لي من الحبس الذي لا آخر له والاستماع إلى ما ينفع الغالبية والكلام عن العدالة أفضل من (حته ببريزة يا طماطم ) ؟!!.
غير أن صوت غناء المسجون العاشق يصدح منتشيا بترديد أغنية المطرب الشعبي (عدوية) (حلاوتها أم حسن) يعلو ويعلو ويتكرر كصوت صادر من إسطوانة مشروخة؛ عندها لا أدرى كيف تبادر إلي ذهن ( علي عالوللا) وربما لا يدرى هو نفسه كيف أو لماذا يتذكّر الآن شعار مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 76 ( لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) يعلو بصوت الزعيم يدوّى في أذنيه عاليا !! وهنا تلوح بسمة باهتة علي شفتيه وهو يتمتم بكلمة ربما أراد أن يرضي بها خاطرة أو يتوازن بها نفسيا .وهنا .. وجد صوته ينطلق منغما ؛ في أداء يعادل طبفة أداء المسجون المنتشي ( حلاوتها أم حسن) (لا صوت يعلو علي صوت أم حسن ) .
وهنا ..هنا فحسب .. تنفجر حوائط الزنزانة بالضحكات المجلجلة التي أزعجت مأمور سجن ليمان طرة الذي ظن أن هناك مظاهرة تأييد لجارته (أم حسن) فدفع بجنوده لفض تلك المظاهرة الشيوعية العميلة – حسبما صورت له نفسه المباحثية البليدة.
ليلة من ليالي على علوللا
أ. د/ أبو الحسن سلاّم
"على علوللا ".. مواطن مصري بسيط .. فقير وشريف .. يعمل في شركة صناعية تابعة للقطاع العام. ذات صباح باكر نزل إلى الشارع ببيجامته وبيده كسرولة متجهاً إلى محل الفول .. النسوة والأطفال يغلقون أمامه طريق الاقتراب من قدرة الفول ماذا يفعل والزحام شديد والبرد قارس وموعد ذهابه إلى عمله قد أزف، وبنتاه قد تأخرتا عن موعد الذهاب إلى المدرسة فما كان منه إلاّ أن صاح في جمع المتكالبين حول قدرة الفول
ـ يا ناس اتعلموا النظام
لكن أحداً لم يلتفت إليه ، باستثناء طفلة صغيرة حافية ، استدارت نحو ذلك الصوت الأجش الصارخ حول القدرة و ياليتها ما استدارت ، فلقد سقط من بين أصابعها الصغيرة (قرش صاغ أبيض مخروم) فانحنت لتبحث عنه تحت أقدام النسوة والصبية فدهستها الأقدام فصرخت ولكن (علي علوللا) سارع بإنقاذها فإذا برجل أو في الحقيقة هي جثة رجل تتحرك وبالكاد تصل إلى مكان تجمع الجوعى ؛ فإذا ببائع الفول يسارع إلى تحيته
ـ مرحبا يا حضرة الصول.. نهارنا قشطة
وإذا بالطفلة التي فقدت رأس مالها (القرش الأبيض المخروم) تجري نحو الرجل الجثة
ـ يابا .. الإش وقع مني
ـ وقع .. وقع إزاي ؟!! .. نهار أبوكِ زي بعضه
فتسارع من بين النسوة إحدى المؤهلات للشهادة الزور وهي تشير نحو (علي علوللا)
ـ اللافندي ده هو السبب . كان بيزعق : انتوا عمركو ما حتعرفوا النظام
فإذا بالمخبر السري ـ والد الطفلة ـ التي فقدت رأس مالها
ـ قرش أبيض مخروم
يلتفت نحو (اللافندي) ويجلجل المكان بجعورته ؛ ويخلخل تجمع المتحلقين حول قدرة الفول بجثته
ـ مفيش إيه يا روح أمك؟ البلد مفيهاش نظام؟! تعالالي يا روح والدك وأنا أوريك البلد فيها نظام ولا مفيهاش
ويتململ (اللافندي) من بين قبضة المخبرالسرى (عبد الجواد) . وعبثاً يحاول الانفلات
ـ ياعم أنا مقلتش حاجه
ـ بتقوللي يا عم .. أنا الصول عبد الجواد .. بتاع أمن الدولة يتقاللي يا عم؟
ـ يامؤمن صدق . والله ما قلت حاجة عن الدولة
ـبتقوللي يا مؤمن .. شايفني مربّي دقني!! طب هو النظام إيه غير الدولة والدولة إيه غير النظام؟!
ـ يا سيدنا أنا معرفشي حاجة عن الدولة . مليش دعوة بالسياسة
ـ ماهو دا أدعى إلى إنك تاخد درس في السياسة .. تتعلم النظام ؛ وتعرف إن الدولة هي النظام والنظام هو الدولة
ـ يا ناس .. يا عالم غيثوني .. يا حضرة الشاويش
ـ شاويش ؟!! نزعت رتبي ؟!! يبقى ده على حرمه إن ما دخلتك أراميدان
كل ذلك الصراخ يجري والمتكالبات على قدرة الفول لا يعرن أذنا للمشهد الدائر بين رجل ليس له في السياسة ناقة ولا جمل – فيما يظن – وممثل الأمن القومي .. فالنسوة أيضاً ليس لهن في السياسة (هو علوللا) و(هن علوللا) .
ـ حسنين يا فوال ..
يصيح الصول بتاع أمن الدولة
ـ أأمر يا حضرة الصول
ـ إملا للبت كسرولة الفول
ـ من عنيا
ـ القرش وقع منها في دكانتك . كان قرش أبيض
ـ القرش لابيض ينفع في اليوم لاسود
ـ بتبرطم بتقول إيه؟
ـ لا ولا حاجة بالسلامة يا سيدنا لافندي
وهكذا ضاع صوت (علي علوللا) وضاعت الكسروله والتعريفه في زحمة التكالب والصياح طلباً للفول .. ويسأله الصول عبد الجواد
ـ اسمك إيه يا رفيق قلت لي
ـ لأ مسميش رفيق اسمي علي علوللا
ـ هأ أو .. دا اسمك الحركي
ـ يعني إيه؟ حركي ؟! بقول لسيادتك اسمي علي علوللا
ـ آه .. ابقى قول الكلام ده لما نوصل
ـ نوصل .. نوصل فين؟
ـ عند بيت خالتك
ـ خالتي ؟! خالتي مين ؟ ماليش خالات
ـ فوت قدامي يا لكع!!
ولم يعرف (علي علوللا) مكان وصوله إلاّ وهو طائر في الفضاء بداخل زنزانة في ( سجن ليمان طره ) ليسقط فوق ثلاثة رفقاء اعتقلوا بعد أحداث 18-19 يناير 1977.
وعلى الرغم من ترحيبهم به وحفاوتهم ؛ فقد ظل مندهشاً لتصرفهم معه بما يغاير ما أشيع عن ( حزب التجمع) الذي ينتمون إليه ؛ فالحكومة ملأت الدنيا صياحاً بأنه(حزب شيوعي) وأعضاؤه كفره . ويمر يوم وأسبوع وشهر ولم يسمع من واحد منهم شيئاً ضد الدين ؛ ولم يلحظ فعلاً أو سلوكاً يدل على أن هؤلاء غير الناس العاديين البسطاء المتواضعين ، على الرغم من أن أحدهم أستاذ في الجامعة والثاني مهندس والثالث طبيب والرابع محامي والخامس مدرس والسادس مدير شركة تأمين والسادس جرنالجي والسابع مذيع والثامن ممثل والتاسع مطبعجي والعاشر مؤلف مسرحي وهذا رسام كاريكاتير وذاك مؤلف أغاني وأشعار.
لم تمض علي صاحبنا أكثر من ثلاثة أشهرإلاّ وكان يجيد المناقشة في أمور سياسية واقتصادية بالغة الأهمية؛ إذ عرف أن الماركسية ليست هي الشيوعية ؛ لأن الماركسية فكر فلسفي اجتماعي اقتصادي يتمحور حول نظرية تحرير الطبقة العاملة من استغلال أصحاب المصانع ؛ ارتكازاً على ما يعرف بنظرية ( فائض القيمة) أي ما زاد على التكلفة الحقيقية لإنتاج سلعة ما ( بلوفر مثلاً) تكلفته الفعلية عشرة جنيهات يدخل فيها ثمن الصوف وأجر العامل وقيمة الكهرباء المستخدمة في تشغيل الماكينة التي صنعته وأجور التخزين والنقل والحراسة والتسويق والنسبة المستحقة لرأس المال اللازم لعملية صنعه واحتياطي قطع الغيار والصيانة ، غير أن المصنع يبيعه بمبلغ ( 50 جنيها) أي هناك (أربعون جنيها) زائدة عن التكلفة الفعلية التي صرفت على إنتاجه. وهذه هي القيمة الزائدة عن قيمته الفعلية .
عرف صاحبنا أن هذه الزيادة هي من حق العامل الذي صنع البلوفر.. غير أن صاحب المصنع يستحوذ على ذلك الفائض بدون وجه حق..
ـ الله!! طب والحكومة واقفة مع الراجل المستغل دا ليه ؟!
رد من بين الرفاق أحدهم
ـ الحكومة تساعده طبعا .. الحكومة هي مين ؟! كلهم ظباط عساكر رجعوا من روسيا في بعثة علي السلاح .. خافوا منهم .. قالوا عملوالهم غسيل في المخ
ـ طبعا بلشفوهم
ـ أبعدوهم خارج الجيش عالمصانع . دا رئيس شركة نحاس.. ودا رئيس شركة نسيج ودا كوتش ودا لبن !! بعد ما كان مدفعية ولاّ طيران أو إشارة وفروه
ـ سرحوهم ..
ـ ضاعت الخبرة في غمضة عين
ـ أصبح الظابط مدير لحاجة ما لهوش فيها خبرة
ـ لما جات الحرب بينا مع إسرائيل .. ما جرى معروف تمام !!
ـ والغلابة الفلاحين كانوا حطبها .. هم÷ّ والعمال معاهم .
كل دا عرفه (عالولا) وعرف إن (التجمع ) للدفاع عن الغلابة الشقيانين ؛ كانوا عمال فلاحين؛ طبقة وسطي موظفين دوره بث الوعي عند هؤلاء لجل ما يناهضوا المظالم ؛ يمنعوا صحاب المصانع والمزارع ينهبوا عرق الفواعلية اللي قدام المكن ؛ يفضحوا استنزاف كبار المسؤولين لخيرات الوطن ؛ يكشفوا العملاء ومصاصي الدماء . مش مهم يقولوا عنهم دول يسار . مش مهم الاعتقال بتهمة الشيوعية أو أى اتهام مادام دا حزب وقفته وقفة نضال وحض عمال المصانع والمزارع لجل تحصيل الحقوق ؛ حزب تمهيد الطريق نحو اشتراكية وبحق وحقيق.
عرف (علي علوللا) أن الشيوعية لا تطلق إلاّ على تنظيم سياسي يتخذ من النظرية الماركسية أساساً لبرامجه نحو توحيد صفوف الطبقة العاملة التي أدركت أنها مستغلة. كذلك عرف (علي علوللا) ما هو فيض الإنتاج ولماذا تكافئ أمريكا المزارعين الذين ينتجون محصولاً أقل من القمح . ولماذا تلقي البرازيل الكثير من محصول البن في المحيط حفاظاً على السعر الذي تحدده الدولة لمزيد من الاحتكار والسيطرة على الأسعار العالمية. وعلم من الزملاء أن حزب التجمع قد اتصل بزوجته وبأولاده وهو يقدم إليهم المساعدات المالية والمعنوية مع أول كل شهر. وأن مجلة (أدب ونقد) وجريدة (الأهالي) هي التي تنقل للناس في مصر وخارجا صوته وأخباره وتسهم في كشف المفاسد الحكومية والتجاوزات الأمنية ضد أمن المواطنين . وتنبه إلي مايحاك ضد الغالبية لسرقة اللقمة من أفواه أبنائهم .
استرجع علي علوللا ذلك الشريط عندما وجد نفسه وحيداً في الزنزانة رقم (3) بعنبر التأديب (بسجن ليمان طره) بعد أن أفرجت المحكمة عن جميع المعتقلين وترك هو وحده حبيس الزنزانة لا أنيس ولا ونيس سوى رنين صوت( الشاويش عبد الهادي) حارس عنبر التأديب الذى يلومه كلما فتح عليه باب الزنزانة في تمشية الصباح وفترةالقيلولة:
ـ ما هو لو كنت قلت إنك عضو في (حزب التجمع) كنت طلعت مع اللي طلعوا .. يابني مدام مش عارفين يصنفوك تبقى حا تستنى معانا)
بعد مرور أسبوع من الإفراج عن الزملاء يجد ( علولللا) نفسه في (عنبر التجربة) مع (جماعة التكفير والهجرة) ويتذكر عدالة الحياة العامة بين اليساريين وزنزانة الحياة العامة التي تصادر اللحوم والسكر والسجائر وأمواس الحلاقة وبطاريات الراديو من كل زيارة ترد إلى أحدهم ؛ ثم تعيد لجنة الحياة العامة توزيعها ؛ وفق جدول دقيق على زنازين المعتقلين اليساريين ؛ سواء كانوا من (حزب التجمع) أو من زملاء منسوبين إلى أحزاب أو تنظيمات غير معلنة .. ويقارن بين عدالة اليساريين ونظامهم وأنانية أولئك الملتحين الذي يرفض كل واحد منهم أن يعطي جاره قطعة من دجاجة أو جناح بطة جاءته في زيارة ما إذ يتركها تتعفن ولا يعطي زميله الملتحي شيئا مما حصل عليه من زيارة أقربائه. ـ مع أنه متهم مثله بعضوية تنظيم إسلاماتيكي إرهابي ويسكن معه في نفس الزنزانة ـ
ويقارن (عاللولا) كذلك بين تنوع الموضوعات التي يناقشها اليساريون من سياسة إلى أدب إلى فن إلى اقتصاد إلى تاريخ إلى فلسفة إلى علاقات دولية إلى سياسات الحكومة إلى أحوال الطبقات الشعبية إلى قضية فلسطين والديمقراطية بوصفها المدخل الطبيعي والصحيح لحل كل المشكلات الوطنية والاقتصادية والاجنماعية المستعصية علي الحل؛ وبين انكباب كل من في الزنازين التي تشغي بأصحاب الجلاليب البيضاء القصيرة واللحي الطويلة في العنبر الجديد (التجربة) على تسميع آيات القرآن في تراتيل متداخلة ذكرته بالكتاتيب التي تعلم فيها على يد سيّدنا الشيخ ( حزنبل) في ( الدلجمون غربية) ـ موطن ولادته ـ عندها شعر كما لو كان يجلس بين عدد من الإذاعات أو المآتم التي يسلط كل مآتم منها ميكروفوناته على المآتم الأخرى ، شعر بأنه محاصر بغزو إذاعي ضوضاء فلا شيء يمكن فهمه مما يدور في معمعة التراتيل المتداخلة التي لايدع صوت من بين تلك الأصوات مساحة لأذن تسمع أو عقل يعي
وإذا كان علي علوللا يستمتع بقسط من النوم في زنازين المعتقلين اليساريين ؛ فإنه في زنازين المتأسلمين لا يذوق طعم النوم ؛ إذ بعد مباراة التسميع المتداخل التي إن تنتهي ؛ يدور النقاش ـ أو العراك بالأحرى ـ صراخ لا يوقفه سوى فحيح صوت أجش مشروخ فاقد لمعينه من الشهيق ؛ هو صوت( أميرالحبسة) بالخطبة الرئيسية التي تدور دائما وفي كل ليلة حول تكفير المجتمع .
ـ المدارس والوظائف وعقود النكاح وكل ما يتصل بالدولة كفر وإلحاد لأنه بدعة وضلالة وكل ضلالة في نار جهنم وبئس المصير . - طب والمشايخ ( يتساءل عالوللا) - كفّار مداهنين للدولة الكافرة والزواج
ـ كفر لأنه عقد باطل سجل على أوراق دولة كافرة
كل شيء في نظر هؤلاء الملتحين كفر لذلك وجبت الهجرة من هذه الدولة الكافرة. ويتساءل ـ كيف
ـ ألم تكن بلاد الله واسعة
فيتجرأ علوللا
ـ إذن فأنتم جماعة التكفير والهجرة
وكأنه نطق كفراً . صاح كبير القعدة (أمام الجماعة)
- نحن جماعة آخر الزمان .. ألا تفهم؟
ـ نحن الذين قال تعالى فينا : " والأرض يرثها عبادي الصالحين"
ـ بس الآية دي نزلت في بني إسرائيل
ـ أتفهم في كتاب الله كما نفهم؟
ـ القرآن لكل البشر ولكل العصور. أريد أن أعرف لأن المعنى هو أن القيامة قامت
ـ أي نعم
ـ والأرض فنيت
ـ أي نعم)
ـ وأنتم في الأرض مثل كل البشر
ـ لا سنكون في مأمن . روسيا الكافرة وأمريكا الكافرة ستضرب كل منهما الأخرى بالنووي وستفنى الأرض
ـألستم في الأرض
ـ سنكون آمنين بإذن الله في كهف في أحد جبال اليمن وهو ضد الإشعاع الذري
ـ وهل الحكومات ساذجة لتسمح لكم بذلك
ـ نسيب النقطة دي
هكذا صاح بلهجة عامية والشرر يتطاير من عينيه .ولكن علوللا لم يتوقف
ـ عايز أفهم .. الإشعاع في كل مكان.. في الهوا.. في الزرع.. في الماء مش حتاكلوا مش حتشربوا مش حتشموا هوا ؟
ـ قلت لك سيبك من النقطة دي
ويصمت علوللا بعد ذلك لما يقرب من الأسبوع مكتفيا بأن يستمع ويستمع ويستمع ، دون أدنى رغبة في الاستماع ؛ إلى أن أتى الفرج بانتقال بعض المعتقلين إلى سجون أخرى ويتساءل علوللا
ـ اشمعنى أنا يا صول عبد الرحمن؟!
ـ علشان أنت بين بين
ـ يعني إيه؟ فيه تهمة اسمها بين بين ؟
ـ مش باين لك مذهب .. لا أنت جماعات ولا أنت شيوعي ولا أنت ناصري .. ملكش مله
ـ يعني حاتنّي محبوس لوحدي .
ـ بكره ينقلوك مع الجنائيين
وفي إحدى زنازين الجنائيين (بسجن الاستئناف) يتحول علي علوللا إلى (أسانسير) يسند ظهره إلى حائط الزنزانة أسفل الشباك المطل على ( درب عسكر شارع عائشة التيمورية) وبصعد على كتفيه مسجون يتجه بوجهه نحو الحائط فيقف علي علوللا والمسجون واقف على كتفيه ووجهه للحائط حتى يصبح خلف قضبان الشباك العلوى الوحيد في مواجهة بيت( "أم حسن") الذي وقفت في مدخل الشرفة المتداعية للسقوط الفتاة صديقة هذا المسجون أو ذاك الذي رفعه على علوللا إلى الشباك. وهنا تدور وصلة غزل بين المسجون الصاعد على الأسانسير (علي علوللا) وعشيقته في شرفة أم حسن التي تؤجر الغرفة للزوارمن أهالي المسجون أو صديقاته بواقع (عشر دقائق بعشرة جنيهاتللفرد الواحد) . ومع أن علي علوللا غير راض عن نفسه وعن وظيفة اسانسير؛ إلاّ أن تلك هي وسيلته الوحيدة للبقاء وسط الجنائيين عتاة الإجرام من القتلة ومروّجي المخدرات. . فبدلاً من تعوده على سماع المناقشات الفكرية السياسية التقدمية أو الدينية التسيسية الظلامية ؛ إذا به يستمع إلى غزل صريح ويتفرّج علي مشاهد ( بورنو) حقيقية ومباشرة ، في مشهد حي أشبه بمشهد تغريبي ملحمي بريختاوى:
ـ حته ببريزه يا طماطم .. إيه يا بت الحلاوة دي .. طب حته كمان ببريزه
وفي كل طلب يطالب به المسجون المكبوت عشيقته عن بعد تتسع مساحة عرى الفتاة حتي تصل إلي ما يعاقب عليه القانو خروجا علي الآداب العامة في أماكن عامة.
ومع أن لغة المسجون العاشق تبدو شبه بريئة من حيث الظاهر إلاّ أن علي علوللا يعرف أن المسجون العاشق يطلب من عشيقته أن تتعرى قطعة قطعة. وهكذا ينتهي الأمر بعلي علوللا إلى أن يصبح أسانسير العشاق بين سجن الاستئناف وشرفة( أم حسن).
ويتساءل في نفسه : ألم يكن التجمع أفضل لي من الحبس الذي لا آخر له والاستماع إلى ما ينفع الغالبية والكلام عن العدالة أفضل من (حته ببريزة يا طماطم ) ؟!!.
غير أن صوت غناء المسجون العاشق يصدح منتشيا بترديد أغنية المطرب الشعبي (عدوية) (حلاوتها أم حسن) يعلو ويعلو ويتكرر كصوت صادر من إسطوانة مشروخة؛ عندها لا أدرى كيف تبادر إلي ذهن ( علي عالوللا) وربما لا يدرى هو نفسه كيف أو لماذا يتذكّر الآن شعار مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 76 ( لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) يعلو بصوت الزعيم يدوّى في أذنيه عاليا !! وهنا تلوح بسمة باهتة علي شفتيه وهو يتمتم بكلمة ربما أراد أن يرضي بها خاطرة أو يتوازن بها نفسيا .وهنا .. وجد صوته ينطلق منغما ؛ في أداء يعادل طبفة أداء المسجون المنتشي ( حلاوتها أم حسن) (لا صوت يعلو علي صوت أم حسن ) .
وهنا ..هنا فحسب .. تنفجر حوائط الزنزانة بالضحكات المجلجلة التي أزعجت مأمور سجن ليمان طرة الذي ظن أن هناك مظاهرة تأييد لجارته (أم حسن) فدفع بجنوده لفض تلك المظاهرة الشيوعية العميلة – حسبما صورت له نفسه المباحثية البليدة.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)