الفراق الطبيعي بين المفكر ومنتجه الإبداعي
د. أبو الحسن سلام
* مقدمة في فن الموسيتليمسرحية:
لأن حاجة الإنسان إلي الدائمة إلى اكتشاف المجهول حاجة غريزية لا تتوقف لذا نراه دوما في حالة ابتكار علمي أو إبداع أدبي وفني لوسائل مناسبة تحقق له تلك الرغبة الغريزية ابتداء بمحاكاة الطبيعة سواء بالتصور والتصوير أو التشخيص وانتهاء بابتكارات تسهل عليه مواصلة الحياة الإنسانية بطرق أكثر نفعا وأقصر طرقا للوفاء بحاجته للاستمرار وتطوير حياته المشتركة ورقيها من ناحية ، وإسقاطا لمعاناته اليومية عبر نضاله الحياتي وكده من أجل صنع مكان مناسب يتوافق مع جهوده في توفير حياة هانئة يرتضيها واستقرار نسبي يؤمن له حياة أسرية مجتمعية سعيدة ، في ظل تفاعلاته مع وسطه المجتمعي ، بما يتطلبه ذلك الأمر من حتمية صراع ال ( أنا ) مع الآخر ، كل في سبيل تحقيق إرادته والتعبير عن مشاعره الموالية لمصالحه المتشابكة والمتعارضة مع مصالح الآخرين ، ومن ثم ظل الإنسان وما يزال في حالة معارضة مستمرة للغير ، مرتقيا في مدارجها نحو الصراع الذي هو جوهر الدراما الإنسانية ( جوهر استمرار الحياة ،تبعا للقانون الطبيعي العلمي : " الجديد ينبع من القديم ويجبّه )
من هنا نبعت أهمية الحاجة البشرية إلى التعبير عن مظاهر الصراع البشري فكان ظهور فن الدراما ظهورا تلقائيا وحتميا ، متعدد الأشكال والألوان في تعابير الأمم عن مثلها العليا ، إذ توقف عند الفراعنة عند الواجب الطقسى الديني في المعابد إنتاجا واستقبالا عن طريق المحاكاة ، وتمثل في الملاحم عند أمم أخرى عن طريق فنون الحكي عند أمم أخرى ، سريعا ما ارتقت تعابيرهم الفنية الأدبية لتصبح فنونا درامية يغلب فيها المحاكاة على عناصر الحكي والسرد الوصفي ثم التدرج لتصبح منقسمة المظهر بين فنيين أحدهما تراجيدي يؤكد مظاهر النبل الإنساني عند طبقة الملوك وعلية القوم المقربين من الملوك والآخر كوميدي يؤكد دناءة الطبقات الشعبية وغوغائيتا في عرف في النظرية الأرسطوية بنظرية الفصل بين الأنواع ( المأساة – الملهاة) ، ومن ثم كشف فن الدرامي منذ تصنيفات أرسطو عن الدور الاجتماعي السياسي الذي يلعبه باقتدار في التعبير عن الحياة الإنسانية والمجتمعية والتأثير فيها . ولأن هذه المجتمعات متغيرة ومتطورة ، فما من شك في أن الفنون المعبرة عنه تتغير أيضا ، لذا ظهرت الحاجة بين بعض الأمم إلى تنويع طرق تعبيرها ، فكان السعي نحو تزاوج الفنون بعضها بعضا . ولأن الموسيقي هي أكثر الفنون في التأثير السريع في النفوس ؛ لذلك سعت كل الفنون إلى أن تكون موسيقية ( وفق تعبير نيتشه) لذا ظهرت فنون المسرح الموسيقي وامتزجت الدراما بالموسيقي وامتزجت فنون الرقص وفنون التشكيل التصويري بعروض المسرح ،مع امتداد ذلك التواصل إلى مع الفنون السينمائية والفنون الإذاعية والفنون التليفزيونية؛ وصولا إلى أنسب صورة فنية لعرض قضايا الإنسانية الكونية أو المجتمعية استلهاما من التاريخ أو الفكر الفلسفي وإسقاطا على الواقع المعيش أو عرضا لمواجهة صراعية بين حواجز العادات والتقاليد القبلية والحاجة الملحة إلى تجاوزها لمزيد من تطوير المجتمعات وتسريع خطوها في اتجاه مستقبل يراه العلم أنسب لنفع الإنسان رقيه ، أو لمواجهة فكرية سياسية ضد سياسات تلحق الضرر بالغالبية في مجتمع ما ، أو مواجهة ضد قيود النظم الحاكمة على حقوق المواطنة والتعبير الديموقراطي الصحيح أو استلهام تراثي أو خيالى ( فانتازي) يسقطه المبدعون على واقعهم البشري، اعتمادا على تعدد المواهب والمعارف والخبرات في الحياة بعامة وفي حقل التخصص بخاصة ، مستعينا بتقنيات ذلك الفن موسيقيا كان أم مسرحيا أم كان سينمائيا أو تشكيليا عبر الصورة أو النحتية أو فن الرقص. وكلها جهود لا تقوم إلا على إعمال فكري من المبدع نفسه. فلا ابتكار ولا إبداع في العلم أو في الفن بدون إعمال فكري.ولا قيمة لفكر أو إبداع إلا في نشره ، ولا قيمة لنشر غير مؤثر في متلقيه ولأن قيمة الفكر وقيمة الإبداع في نشره وفي الأثر الذي يحققه لمتلقيه ، ومدى اتساع ذلك الأثر لذا يسعى كل منتج فكري أو إبداعي أو علمي إلى النشر و الانتشار ملحا على صاحبه الذي أنجزه أن يحث الخطو نحو نشره بالسبل الملائمة ، فور انتهائه منه ؛ لإحساس ذلك المنتج العلمي أو الفكري أو الإبداعي بحاجته الحتمية إلى الفراق الطبيعي عن وصاحبه ( العالم أو المفكر أو المبدع) .
على أن حتمية ذلك الفراق الطبيعي بين المنتج وصاحبه لا يتحقق دون شرط موضوعي ملائم ؛ هو بمثابة الوسيط الإجرائي . أما وقد تحقق للمخرج - الباحث - ( مدحت مكاوي) ذلك الشرط ؛ بعد مرور عامين على مناقشة أطروحته الأكاديمية للماجستير ؛ فما كان أمامه سوى تحقيق إرادة منتجه العلمي حول تزاوج فن الموسيقى مع فني الإخراج المسرحي والإخراج التليفزيوني في آن واحد ؛ كشفا عن إيجابيات زواج الموسيقى بفنيين معا ، وما يعتور ذلك التزاوج من سلبيات .
ولعل هذا الكتاب بوصفه دراسة منهجية يكون هو أول حالة كشف أو فضح منهجي لمثل تلك الزيجة الفنية ؛ سعيا وراء توثيقها توثيقا شرعيا ( أكاديميا) على يد موثق خبير بأطرافها الفنية ، ضليع في تطبيق أركانها الأسلوبية ، متملك لأدوات ذلك التوثيق .. هذا من ناحية الشكل ، فماذا عن المضمون ؟!
لأن هذا الكتاب يتعرض لآثار تلك الزيجة الثلاثية (الموسيتليمسرحية) من مخرج مزدوج الهوية على يد باحث باحث ندب نفسه للإخراج التلفازى و المسرحي بعد تخرجه في قسمي المسرح وعلم الاجتماع بجامعة الإسكندرية ؛ منتميا وظيفيا إلى التليفزيون مخرجا ، وصاحب سوابق إخراج درامي ووثائقي وبرامجي، فضلا عن صحيفة اتهامه بقضاء عقوبة السنة التمهيدية للدراسات العليا بقسم المسرح نفسه ؛ فمن الطبيعي والأمر كذلك أن يتملك خبرة كافية باطراف المنتج الذي هو بصدد نقل زيجته الثلاثية ( موسي – تيلى – مسرحية) تلك من حالتها العرفية إلى حالة شرعية ،؛ لذا اجتهد في أن يزن كل طرف من أطرافها بميزانه ، على كفتي تاريخه وأثره الاجتماعي ، مما اضطره إلى الوقوف على محطة تطور أشكال العرض الموسيقي مسرحيا وتلفازيا أمام مرآة النشأة التاريخية في إطار التطور التقني لكل من الفنين ؛ مقارنا بين أوجه الشبه وأوجه الاختلاف.؛ حتى إذا ما وصل ركب عرسه البحثي إلى محطة المسرحية الموسيقية المزدوجة الخطوط مع العرض الموسيقي التليفزيوني ؛ لم تفته مقارنة أوجه الشبه وأوجه الاختلاف .
غي أنه عند الوصول إلى محطة التأثير الدرامي الجمالي للإخراج بين الفنين ؛ تستلفته ( سيدتي الجميلة) * وهي تعرض نفسها على الجماهير سافرة ةمن ورائها ولي نعمتها وكفيلها المخرج القدير حسن عبد السلام مسرحيا ،. ثم يعاود التطلع المتمعن إليها في صورتها المسرحية مرة وفي انعكاس تلك الصورة على الشاشة الفضية في المرة الثانية ؛ ليخلص إلى جماليات الأصل المسرحي ويطابقها نقديا بجماليات انعكاس صورته تليفزيونيا. والشيء نفسه يفعله عندما يقف ركب عرسه البحثي أمام لإبداع الأداء الاستعراضي للفنانة الشاملة ( نيللي) في (سوق الحلاوة*) مسرحيا وتليفزيونيا ومن ورائها عرّابها المخرج القدير (السيد راضي) ؛ لينتهي قطار رحلته البحثية في المحطة الخامسة بإشهار راية الوصول بعرض ( تجاربه الإخراجية في مجال إبداعاته المتعددة مسرحيا وتليفزيونيا) في زفة حضور إعلامي وجماهيري افتراضي ؛ يأمل أن يجد لرحلته البحثية الصدى المناسب ، الذي يردد على مسامعه ما يعادل أثر جهده البحثي إيجابا وسلبا بعد الإطلاع المحلل والناقد لمحتوى ذلك الكتاب.
ـــــــــــــــــــــــ
• العرض المسرحي الشهير اقتباس بهجت قمر وسمير خفاجي عن المسرحية العالمية ( سيدتي الجميلة) المستلهمة لمسرحية جورج برنارد شو ( بيجماليون) ، والمسرحية بطولة فؤاد المهندس والفنانة شويكار وإخراج حسن عبد السلام من بواكير إنتاج ( فرقة الفنانين المتحدين )
• العرض المسرحي الاستعراضي ( سوق الحلاوة) بطولة الفنان عبد المنعم مدبولى والفنانة نيللي لفرقة ( الكوميدي شو)
الثلاثاء، نوفمبر 03، 2009
المبدعون وآفة سوء الفهم
المبدعون وآفة سوء التقدير
- نقد العرض ونقد النقد وتوابعه-
د. أبو الحسن سلام
" من تعطّر يعرض نفسه" أصاب الشاعر المسرحي الفرنسي (بول فاليرى) كبد الحقيقة بمقولته تلك ؛ فإبداع المبدع ( الكاتب أو المخرج أو الممثل أو المصمم أو الموسيقي أو الراقص أو السينمائي) هو عطره . وعلى قدر نفاذ رائحة عطره يلفت إليه المحيطين بدائرة وجوده؛ ومن ثمّ يجذب أريج إبداعه من يجذب وينفر منه من ينفر، كل على قدر حاسته في التلقي الوجداني أو الإدراكى ، باستثناء الناقد الذي يتلقى أريج العمل الإبداعي على مرحلتين يطرب في الأولى مجبذا أو نابذا وتأتي في الثانس\ية نقدية لا تقديس فيها ولا تنفيث. وليس معنى ذلك أن النقد بعيد عن التفضيل والتفصيل والن\تحميل . لكنه بعيد بالضرورة كل البعد عن التحامل. . فالناقد لا يقترب من عمل لا يستهويه ، لكنه استهواء وليس هوى ؛ بمعنى أنه ميل لا انحياز فيه ؛ فالقاضي لا ينحا\ز لقضية مما بين يديه على حساب قضايا أخرى. ولكنه قد يبدأ بملف قضية يكون آخر مصفوفة الملفات التي أمامه دون أن يعني ذلك أنه سيفصل فيها بما ليس فيها ؛ بل ربما يكون اختياره البدء بذلك الملف راجع إلى صغر حجم الملف نفسه. والناقد عندما يقع اختياره على عرض مسرحي من بين عشرين عرضا تابعها في موسم ما أو فعالية ما ؛ فإن ذلك لا يعني أن يكون له حكم سلبي غيبي على العرض أو على بقية العروض التي شاهدها؛ وإنما كان توجهه نحو عرض بعينه نوعا من التفضيل والتقدير أو نوعا من الاهتمام بذلك العرض محمولا على أسباب منها ما قد يكون اختلاف منظور العرض في نص ذي حيثية كنص ألفريد فرج عنه في عرض آخر برؤية أخرى تناولت النص نفسه من قبل ؛ دون تسرع أحدهم بفهم أن في مثل ذلك التناول النقدي المقارن تفضيلا لأحدهما على الآخر. ودون أن يعني الناقد بالنص ، لأن النص عندما يصبح أحد مكونات نسجية العرض ؛ فإن الحكم النقدي يحيط بمنظومة العرض وأثرها الدرامي والجمالي ، دون النظر إلى مكونات العرض منفردة . فكوب الليمونادة مزيج من ( ماء- عصير ليمون – سكر في إناء) اتخذ لونا آخر واتخذت المواد الصلبة هيئة أخرى ، وأصبح لذلك المزيج طعما له خصوصيته ومذاقه وأصبح له لونا آخر مغاير تمام المغايرة للون كل مكون من مكونات ذلك الخليط السائل. وهو غير قابل للعودة على النحو الأول لمادة كل مكون من مكوناته .. وهكذا العمل المسرحي أو السينمائي أو التشكيلى أو الموسيقي . والناقد كالباحث وكلاهما قاض ينظر فيما بين يديه؛ فيوصّفه ويقيّمه قبل أن يقوّمه. فإذا أخذ عليه كائنا من كان مؤاخذة تطعن على حكمه عدم رجوع نقده إلى نص المؤلف الذي قامت عليه عملية إنتاج العرض المسرحي؛ فهو مأخذ قد وقع في غير محل ؛ لأن الناقد(واجد واصف فمقوّم) والعرض المسرحي نسجية درامية جمالية كلية؛ لها عنوان مصطلح عليه هو العرض المسرحي. والناقد معني بنقدد\ه تحت تلك الهوية التي ليست بالضرورة جزءا من هوية النص، بل على العكس فإن النص معروضا هو جزء من العرض باعتباره إبداعا غير مكتمل ، حتى وإن كان بمثابة الجسد من العرض؛ فإنه يظل جسدا بلا روح إذا لم يعرض عرضا تتوحد كل عناصره وتنصاع لنداء روح الأداء الحي . ومن بين الأرواح ما كان روحا باهتة أو روحا باردة أو روحا فجة. وما روح الإبداع إلاّ من نفح المبدع نفسه؛ فإذا كان لروحه نفح طيب جاء فوح إنتاجه طيبا زكيا، وإن لم يكن كذلك (فما تنفع الماشطة)!!
على أن فصل القول في جهد الناقد أو جهد المبدع . وهي كذل في جهد مدرس أو عامل في أي نشاط نوعي ماثل في إخلاصه وفي إتقانه وفي خياله مع قدرته على التخييل بعناصر عرضه، فضلا عن تجديده الدائم لمعلوماته ومعارفه ورفد جهده بالعلم سعيا وراءه – كما أمرنا حتى حدود الصين أو من المهد إلى اللحد- دون أن يقتصر سعيه على علم حفظته الإسكندرية قبل غيرها منذ عهد ( بطلميوس سوتير) منشئ مكتبتها التي حفظت للعالم كله فن المسرح عندما استعار أعمال كبار المسرحيين الأغارقة ليستنسخها في مقابل ستة تالنت ذهبية بالعملة اليونانية القديمة وهي مبلغ ضخم –آنذاك- واكتفي برد ما نسخه منها محتفظا بأصل نصوصهم المسرحية . كذلك لا يجب أن يقتصر فنان المسرح على علم الإسكندرية التي شهدت أول عرض مسرحي في مصر على مسرحها الكبير 1870 بتوجيه من الخديو إسماعيل هو عرض ( مي) المأخوذة عن مسرحية الشاعر المسرحي الكلاسيكي كورني ، بتعريب وإخراج (سليم النقاش- ابن شقيق مارون النقاش – رائد المسرح العربي) التي قدمت على مسرح زيزينيا الشتوى – مكان النادي السوري بمحطة الرمل –الآن-) بدعم (سير جون أنطونيادس- صاحب حدائق أنطونيادس بالنزهة) . كما لا يجب أن يقتصر مخرج مسرحي حديث أو في طور الهواية على علم الإسكندرية مما حفظ علماؤها ومؤرخو الفن العالميين من أدوارها في التأسيس الإبداعي لصناعة السينما وفنونها على يد محمد بيومي أو دورها في التأسيس الإعلامي حيث نشأت الصحافة وصناعتها في الإسكندرية على أيدي الشوام،ولا يفوتهم الإلمام بدور ها المسرحية القديمة التي ذكر المؤرخون أنه قد كان بها 300 ملهى ودار عرض مسرحي حتى يوم دخلها الغزو العربي ، قبل أن تحرق من حرق مكتبتها العامرة ومتحفها ويتسبب في انتقال دورها الريادي وعلومها إلى حوران بالشام ثم إلى جنديسابور ببلاد فارس.
إن الفنان بلا دعم علمي دائم وتغذية راجعة متجددة لثقافته ولفنه سيصبح كالدودة التي تأكل براعم أوراق شجرة معارفها أولا بأول ، حتى لا يتبقى لها إلا الجذع العاري الضامر. وإنه لأمر طبيعي وصحي أن يؤدي النقد إلى نوع من الألم للمبدع الذي يوجه النقد إلى جهده(إيجابا وسلبا) فلا جهد يخلو من إيجابيات وسلبيات في آن . ولا علم ولا تجويد لعمل حقيقي إبداعي أو غير إبداعي بدون معاناة قد تصل بصاحبه إلى حدود الألم . وقديما قال سوفوكليس :( تألم .. تعلّم) وحديثا قال يوجين أونيل رائد المسرح الأمريكي: ( الألم أسرع دابة توصلك إلى الكمال) والألم – في علم من يعلم- هو أهم فلسفة في الثقافة الهندية، وفي ثقافة المتصوفة الإسلاميين) . وإذا كنت قد تسببت بنقدي لأحد العروض المسرحية التي شهدتها ، بعد انتهاء التحكيم فيها ، من منطلق كوني ناقدا لا محكما ، إن كنت قد آلمت بنقدي مخرجها وفنانيها ف كان ذلك نوعا من التقدير أو التفضيل للجهد المبذول بغض النظر عن نتيجة . والتفضيل ليس معناه استحسانا له أو استهجانا وإنما التفضيل واقع على الجهد وعلى الاختيار، على أساس أنهما مناط عمل المبدع ومجموعة العاملين معه. أما مناط عمل الناقد فقائم على دور المخرج في تفعيل مفردات إنتاجه المسرحي في اتجاه تحقيق تصوره – إن كان يملك تصورا ما موازيا أو مغايرا لخطاب النص الذي وقع عليه اختياره – بوصفه صاحب الاختيار الأول للنص ولطاقم الممثلين والمصممين والفنيين ومكان العرض وتوقيته. وما الناقد إلاّ محللا أو مفككا لكيفية نظم المخرج لمفردات ذلك الإنتاج في شكل مسرحي ممتع ومقنع وصولا إلى قيمة تعبيره عن رؤية ما قد تتوحد مع خطاب النص الذي يخرجه فتبدو فقيرة الأثر والتأثير ، محدودة الخيال، وقد تتعارض معه تعارضا جزئيا عند إضافة مفردات العرض في ظل رؤية مفسرة تعمق خطابه وتكشف عن سر الإبداع فيه ، وعن سر التشويه في آن واحد . والناقد لا يحل نفسه بحال محل المبدع ، ولكنه يعطي القارئ أسبابا مقنعة لاستمتاعه بما يعرض عليه . وهو في مسيرة عمله قد ينحت تعريفات جديدة ،كأن يقول (خرجة مسرحية) بدلا من ( تخريج) أو (إخراج) والخرجة كما يعلم من يعلم هي مناط فن شاعر الموشحات الأندلسية وبدون موهبته في وضع خرجة ملائمة لموشحه لا يحسب من شعراء الموشحات. فهي إذن مقدرة فائقة على حسن التخلص ودليل على تفوقه. وخرجة المخرج في عرض مسرحي تعني هوية فنه الذي ينفرد به دون غيره ، فإذا استملحت في نقدي تخريجات مبدع ما مؤلفا أو مخرجا أو ممثلا أو مصمما .... فلما يستهجن من يستهجن تخريجة ناقد والنقد هو أبو التخريجات وأبو البدع التي تؤدي إلى جنة التفنين والتقنين الإبداع لا إلى نار التلقين والتكرار .فالنقد مفتاح باب الإبداع والناقد معلم بالضرورة وهو معلم غير محبوب بالضرورة أيضا. ومع ذلك لا يكف عن التعليم وعن التعلم معدلا لسلوكه النقدي ومعدلا لسلوك الإبداع والمبدعين، سواء حصّل علمه عن طريق الإسكندرية أو حصله عن طريق الفيوم فطرائق العلم بلا حدود والعلم نفسه لا وطن له. ورحم الله بيرم التونسي الذي قال: ( رسالة الناقد امتداد لرسالة الأنبياء) .
- نقد العرض ونقد النقد وتوابعه-
د. أبو الحسن سلام
" من تعطّر يعرض نفسه" أصاب الشاعر المسرحي الفرنسي (بول فاليرى) كبد الحقيقة بمقولته تلك ؛ فإبداع المبدع ( الكاتب أو المخرج أو الممثل أو المصمم أو الموسيقي أو الراقص أو السينمائي) هو عطره . وعلى قدر نفاذ رائحة عطره يلفت إليه المحيطين بدائرة وجوده؛ ومن ثمّ يجذب أريج إبداعه من يجذب وينفر منه من ينفر، كل على قدر حاسته في التلقي الوجداني أو الإدراكى ، باستثناء الناقد الذي يتلقى أريج العمل الإبداعي على مرحلتين يطرب في الأولى مجبذا أو نابذا وتأتي في الثانس\ية نقدية لا تقديس فيها ولا تنفيث. وليس معنى ذلك أن النقد بعيد عن التفضيل والتفصيل والن\تحميل . لكنه بعيد بالضرورة كل البعد عن التحامل. . فالناقد لا يقترب من عمل لا يستهويه ، لكنه استهواء وليس هوى ؛ بمعنى أنه ميل لا انحياز فيه ؛ فالقاضي لا ينحا\ز لقضية مما بين يديه على حساب قضايا أخرى. ولكنه قد يبدأ بملف قضية يكون آخر مصفوفة الملفات التي أمامه دون أن يعني ذلك أنه سيفصل فيها بما ليس فيها ؛ بل ربما يكون اختياره البدء بذلك الملف راجع إلى صغر حجم الملف نفسه. والناقد عندما يقع اختياره على عرض مسرحي من بين عشرين عرضا تابعها في موسم ما أو فعالية ما ؛ فإن ذلك لا يعني أن يكون له حكم سلبي غيبي على العرض أو على بقية العروض التي شاهدها؛ وإنما كان توجهه نحو عرض بعينه نوعا من التفضيل والتقدير أو نوعا من الاهتمام بذلك العرض محمولا على أسباب منها ما قد يكون اختلاف منظور العرض في نص ذي حيثية كنص ألفريد فرج عنه في عرض آخر برؤية أخرى تناولت النص نفسه من قبل ؛ دون تسرع أحدهم بفهم أن في مثل ذلك التناول النقدي المقارن تفضيلا لأحدهما على الآخر. ودون أن يعني الناقد بالنص ، لأن النص عندما يصبح أحد مكونات نسجية العرض ؛ فإن الحكم النقدي يحيط بمنظومة العرض وأثرها الدرامي والجمالي ، دون النظر إلى مكونات العرض منفردة . فكوب الليمونادة مزيج من ( ماء- عصير ليمون – سكر في إناء) اتخذ لونا آخر واتخذت المواد الصلبة هيئة أخرى ، وأصبح لذلك المزيج طعما له خصوصيته ومذاقه وأصبح له لونا آخر مغاير تمام المغايرة للون كل مكون من مكونات ذلك الخليط السائل. وهو غير قابل للعودة على النحو الأول لمادة كل مكون من مكوناته .. وهكذا العمل المسرحي أو السينمائي أو التشكيلى أو الموسيقي . والناقد كالباحث وكلاهما قاض ينظر فيما بين يديه؛ فيوصّفه ويقيّمه قبل أن يقوّمه. فإذا أخذ عليه كائنا من كان مؤاخذة تطعن على حكمه عدم رجوع نقده إلى نص المؤلف الذي قامت عليه عملية إنتاج العرض المسرحي؛ فهو مأخذ قد وقع في غير محل ؛ لأن الناقد(واجد واصف فمقوّم) والعرض المسرحي نسجية درامية جمالية كلية؛ لها عنوان مصطلح عليه هو العرض المسرحي. والناقد معني بنقدد\ه تحت تلك الهوية التي ليست بالضرورة جزءا من هوية النص، بل على العكس فإن النص معروضا هو جزء من العرض باعتباره إبداعا غير مكتمل ، حتى وإن كان بمثابة الجسد من العرض؛ فإنه يظل جسدا بلا روح إذا لم يعرض عرضا تتوحد كل عناصره وتنصاع لنداء روح الأداء الحي . ومن بين الأرواح ما كان روحا باهتة أو روحا باردة أو روحا فجة. وما روح الإبداع إلاّ من نفح المبدع نفسه؛ فإذا كان لروحه نفح طيب جاء فوح إنتاجه طيبا زكيا، وإن لم يكن كذلك (فما تنفع الماشطة)!!
على أن فصل القول في جهد الناقد أو جهد المبدع . وهي كذل في جهد مدرس أو عامل في أي نشاط نوعي ماثل في إخلاصه وفي إتقانه وفي خياله مع قدرته على التخييل بعناصر عرضه، فضلا عن تجديده الدائم لمعلوماته ومعارفه ورفد جهده بالعلم سعيا وراءه – كما أمرنا حتى حدود الصين أو من المهد إلى اللحد- دون أن يقتصر سعيه على علم حفظته الإسكندرية قبل غيرها منذ عهد ( بطلميوس سوتير) منشئ مكتبتها التي حفظت للعالم كله فن المسرح عندما استعار أعمال كبار المسرحيين الأغارقة ليستنسخها في مقابل ستة تالنت ذهبية بالعملة اليونانية القديمة وهي مبلغ ضخم –آنذاك- واكتفي برد ما نسخه منها محتفظا بأصل نصوصهم المسرحية . كذلك لا يجب أن يقتصر فنان المسرح على علم الإسكندرية التي شهدت أول عرض مسرحي في مصر على مسرحها الكبير 1870 بتوجيه من الخديو إسماعيل هو عرض ( مي) المأخوذة عن مسرحية الشاعر المسرحي الكلاسيكي كورني ، بتعريب وإخراج (سليم النقاش- ابن شقيق مارون النقاش – رائد المسرح العربي) التي قدمت على مسرح زيزينيا الشتوى – مكان النادي السوري بمحطة الرمل –الآن-) بدعم (سير جون أنطونيادس- صاحب حدائق أنطونيادس بالنزهة) . كما لا يجب أن يقتصر مخرج مسرحي حديث أو في طور الهواية على علم الإسكندرية مما حفظ علماؤها ومؤرخو الفن العالميين من أدوارها في التأسيس الإبداعي لصناعة السينما وفنونها على يد محمد بيومي أو دورها في التأسيس الإعلامي حيث نشأت الصحافة وصناعتها في الإسكندرية على أيدي الشوام،ولا يفوتهم الإلمام بدور ها المسرحية القديمة التي ذكر المؤرخون أنه قد كان بها 300 ملهى ودار عرض مسرحي حتى يوم دخلها الغزو العربي ، قبل أن تحرق من حرق مكتبتها العامرة ومتحفها ويتسبب في انتقال دورها الريادي وعلومها إلى حوران بالشام ثم إلى جنديسابور ببلاد فارس.
إن الفنان بلا دعم علمي دائم وتغذية راجعة متجددة لثقافته ولفنه سيصبح كالدودة التي تأكل براعم أوراق شجرة معارفها أولا بأول ، حتى لا يتبقى لها إلا الجذع العاري الضامر. وإنه لأمر طبيعي وصحي أن يؤدي النقد إلى نوع من الألم للمبدع الذي يوجه النقد إلى جهده(إيجابا وسلبا) فلا جهد يخلو من إيجابيات وسلبيات في آن . ولا علم ولا تجويد لعمل حقيقي إبداعي أو غير إبداعي بدون معاناة قد تصل بصاحبه إلى حدود الألم . وقديما قال سوفوكليس :( تألم .. تعلّم) وحديثا قال يوجين أونيل رائد المسرح الأمريكي: ( الألم أسرع دابة توصلك إلى الكمال) والألم – في علم من يعلم- هو أهم فلسفة في الثقافة الهندية، وفي ثقافة المتصوفة الإسلاميين) . وإذا كنت قد تسببت بنقدي لأحد العروض المسرحية التي شهدتها ، بعد انتهاء التحكيم فيها ، من منطلق كوني ناقدا لا محكما ، إن كنت قد آلمت بنقدي مخرجها وفنانيها ف كان ذلك نوعا من التقدير أو التفضيل للجهد المبذول بغض النظر عن نتيجة . والتفضيل ليس معناه استحسانا له أو استهجانا وإنما التفضيل واقع على الجهد وعلى الاختيار، على أساس أنهما مناط عمل المبدع ومجموعة العاملين معه. أما مناط عمل الناقد فقائم على دور المخرج في تفعيل مفردات إنتاجه المسرحي في اتجاه تحقيق تصوره – إن كان يملك تصورا ما موازيا أو مغايرا لخطاب النص الذي وقع عليه اختياره – بوصفه صاحب الاختيار الأول للنص ولطاقم الممثلين والمصممين والفنيين ومكان العرض وتوقيته. وما الناقد إلاّ محللا أو مفككا لكيفية نظم المخرج لمفردات ذلك الإنتاج في شكل مسرحي ممتع ومقنع وصولا إلى قيمة تعبيره عن رؤية ما قد تتوحد مع خطاب النص الذي يخرجه فتبدو فقيرة الأثر والتأثير ، محدودة الخيال، وقد تتعارض معه تعارضا جزئيا عند إضافة مفردات العرض في ظل رؤية مفسرة تعمق خطابه وتكشف عن سر الإبداع فيه ، وعن سر التشويه في آن واحد . والناقد لا يحل نفسه بحال محل المبدع ، ولكنه يعطي القارئ أسبابا مقنعة لاستمتاعه بما يعرض عليه . وهو في مسيرة عمله قد ينحت تعريفات جديدة ،كأن يقول (خرجة مسرحية) بدلا من ( تخريج) أو (إخراج) والخرجة كما يعلم من يعلم هي مناط فن شاعر الموشحات الأندلسية وبدون موهبته في وضع خرجة ملائمة لموشحه لا يحسب من شعراء الموشحات. فهي إذن مقدرة فائقة على حسن التخلص ودليل على تفوقه. وخرجة المخرج في عرض مسرحي تعني هوية فنه الذي ينفرد به دون غيره ، فإذا استملحت في نقدي تخريجات مبدع ما مؤلفا أو مخرجا أو ممثلا أو مصمما .... فلما يستهجن من يستهجن تخريجة ناقد والنقد هو أبو التخريجات وأبو البدع التي تؤدي إلى جنة التفنين والتقنين الإبداع لا إلى نار التلقين والتكرار .فالنقد مفتاح باب الإبداع والناقد معلم بالضرورة وهو معلم غير محبوب بالضرورة أيضا. ومع ذلك لا يكف عن التعليم وعن التعلم معدلا لسلوكه النقدي ومعدلا لسلوك الإبداع والمبدعين، سواء حصّل علمه عن طريق الإسكندرية أو حصله عن طريق الفيوم فطرائق العلم بلا حدود والعلم نفسه لا وطن له. ورحم الله بيرم التونسي الذي قال: ( رسالة الناقد امتداد لرسالة الأنبياء) .
المجتمع العربي والجوع إلى الحوار
المجتمع العربي والجوع إلى الحوار
- المسرح وفنون التسلط –
د.أبو الحسن سلام
عالج كتابنا المسرحيين فكرة التسلط في العديد من نصوصهم ، كما عالجها الكثير من كتاب المسرح العالمي؛ وتنوعت صوره فيما بين تسلط فرد صاحب نفوذ على فرد ضعيف أو لا حول له ولا قوة ، وتسلط فرد قوي صاحب زعامة في قومه أو في قبيلته على القبيلة كلها ، وتسلطت جماعة إيديولوجية قوية التنظيم والاستعداد لمواجهات عنيفة على جماعة أقل تنظيما وأضعف اعتقادا أو توحد فكري ، وتسلط نظام حكم دكتاتوري مستبد على شعب بأكمله . الصور كثيرة ومتعددة ، حتى إننا نرى اليوم كيف تتسلط دولة قوية ، تملك العتاد والمال والقدرة المتجددة على امتلاك المعرفة والتحكم في تكنولوجيا المعلومات على مستوى الكرة الأرضية كلها. ويرجع ذلك كله إلى ما سبق قوله عن (الجوع إلى الحوار) في محاضرة لي عن دور الفكرة في كتابة النص المسرحي السياسي مستشهدا بما كتبه ( سعد الله ونوس) في كلمته التي نشرت على مستوى دول العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في عام 1996 ، بتكليف من المعهد العالمي للمسرح بمنظمة اليونسكو ( المنظمة العالمية للثقافة) حيث يقول:" لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات ، التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوي رمزي ، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) حوار متعدد ، مركب ، وشامل ، حوار بين الأفراد ، وحوار بين الجماعات . ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.
وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته، فإنني أتخيّل دائما أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ، ثم يتموّج متّسعا ومتناميا ، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوّع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح ، ورغم كل الثورات التكنولوجية ، سيظل ذلك المكان النموذجي ، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا. وميزة المسرح التي تجعله مكانا لا يضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته ، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة."
يخلص من يقرأ كلمة (سعد الله ونوس) إلى أن افتقاد الناس إلى لغة تحقق التواصل بين الأفراد والجماعات بعضها بعضا ، فضلا عن الدول فيما بينها، لغة اتصال وتواصل يبني أو يفكر في مسارات البناء وأهدافه الإيجابية فيما هو خير للبشرية ، تواصل ينتهي بقبول الإنسان للآخر في المجتمع الواحد ، وفيما بين مجتمع ومجتمع آخر أجنبي عنه كما يخلص قارئ كلمة ونوّس إلى افتقاد الناس في عالمتا المعيش إلى لغة مشتركة ، تحول دون تحكّم فرد في فرد أو فرد في جماعة أو في مجتمع ، وتحول دون تحكم دولة قوية في دول ضعيفة. لغة لا انحياز فيها لفكر دون فكر آخر مغاير له سعيا وراء نفيه ، أو سعيا وراء مصلحة أو منفعة خاصة ضد منفعة عامة. لغة حوار أي تكافؤ في التعبير عن وجهتي نظر متعارضتين ، دون أن تسفّه إحداهما الأخرى. أو تنفيها من الوجود ، لمجرد اختلافهما . من هذا المنظور رأى (سعد الله ونوس) أهمية الحوار؛ ومن ثّم عني في نصوصه المسرحية بقضية التسلط ، لينبه إلى أن افتقاد الحوار في مجتمعنا العربي ؛ هو أس البلاء، وسبب الأسباب في تردّي أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وسبب تشّوه صورة العرب بين أمم الأرض. وقد يستطيع متأمل ، محلل لنص من نصوصه ملاحظة انعكاسات تلك الصورة ، ليعزوها في النهاية إلى دقة ما توصل إليه ونوس نفسه في كلمته تلك التي صّدر بها رسالته التي وجهها لمسرحيي العالم في ليل احتفالهم باليوم العالمي للمسرح.
الحوار .. الحوار .. ثم الحوار ، هو ما تفتقده المجتمعات الإنسانية أفرادا وجماعات ودول.
هكذا يرى ( سعدالله ونوس) أهمية المسرح ، إعادة الذات الفردية إلى حضن الجماعة ، عن طريق الحوار الذي تنفتح فيه الذات الفردية لكل منا على غيرها ، تتقارب النفوس وتتقارب ، تتعانق المشاعر ، تتكشف الأفكار ، وما في الرؤوس أمام أصحابها ليتأمل كل منّا ما يدور بداخل نفسه ، فلئن كان إيجابيا ينشد الانتماء؛ استحسنه ، ولئن كان سلبيا ونافرا عن الانتماء إلى الجماعة الإنسانية نفض عن وجدانه وعن فكره ما يشوّه تلك الرابطة البشرية التي هي أساس التئام الجماعة واستقرار حياتها وسعادتها. لذلك عالج سعد الله ونوس فكرة التسلط في مسرحه على نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( اغتصاب) وعلى نحو ما رسمت في مسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) وعلى نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( الفيل ياملك الزمان) ومسرحية ( الملك هو الملك).
• ( الملك هو الملك) نموذجا لافتقاد لغة حوار مشترك:
لا يدل المشهد الافتتاحي الذي أسس عليه سعد الله ونوس البناء الدرامي لنص ( الملك هو الملك) ، لا يدل على وجود لغة مشتركة حقيقية تقارب ، ولا نقول توحد بين الأطراف المتشاركة في اللعبة الإيهامية التي يحتشدون جميعهم من أجل تفعيلها ؛ بخاصة إذا كانت لعبة محترفين في السيرك. ( مكان الحدث) ومن جهة أخرى إذا كان السيرك هنا – وفق د. أبو الحسن – معادل رمزي للدنيا ، أو على سبيل الترميز معتركا للواقع السياسي العربي ، حيث اللاعبون هم السياسيون أنفسه الذين يتبادلون أدوار اللعب بمصائر شعوبهم ، الذين هم - افتراضا - جمهور المتفرجين على العرض نفسه.أو باعتبار السيرك معادلا للحياة واللاعبين هم البشر بنوازعهم في التنافس والتحفز تسلطا واستحواذا وتراجعا ، هذا فضلا عن استعراض مهارات بعضهم أمام بعض تفاخرا أو تحديا، أو تخويفا وتهديدا ، بما يعكس رغبة كل منهم في الكشف عن تفوقه في تحقيق ما يجيد إعلاء للذات . على ان تلك الرغبة في تفوق الذات عند كل لاعب في سيرك الحياة أو في سيرك المعترك السياسي ، لا تنفي ضرورة تضافر جهودهم الجماعية في إتمام لعبة مشتركة ؛ لا تتم بدون تضافر كل اللاعبين وتناغم أدوارهم في وحدة عرض جماعي. ولا يخفى على متأمل نقدي أن يلمح إلى أن ونوس نفسه ، ربما كان يريد أن يشير إشارة إطارية رمزية إلى أن أصول اللعب في السيرك ، من حيث كونها تقوم على تعاون اللاعبين وإخلاصهم ، هو الذي يصون عليهم أرواحهم ، حيث يتشاركون في لعبة واحدة خطرة ، وإن هذا التعاون بين المشاركين في اللعب هو الذي ينجز اللعبة ويتقنها لتظهر على أكمل وأجمل وجه من وجوه الإجادة والإبهار إمتاعا وإقناعا للمشاركين أنفسهم قبل جمهور المتفرجين . وكأن بسعد الله ونوس – كما يرى د. أبو الحسن – يوعز إيحاء لرجال السياسة و اللاعبين في حقل من حقولها- بأسلوب التورية الجمالية – حتى يتعلموا من ذلك التكاتف والتعاون في إنجاز مهماتهم السياسية ، وأن ينتفعوا من هذه الروح الجماعية التي يتمتع بها لاعبو السيرك . هذا من حيث المسكوت عنه من مضمون ذلك النص ، كدلالة استبق بها المؤلف كلمة نهائية التي يختم بها خطاب نصه المسرحي هذا ، في لغة فرجة مسرحية مكثفة.
* روعة المشهد الاستهلالي بين النص والتصور الدراماتورجي:
إن روعة المشهد الاستهلالي لهذا النص تكمن في تعدد دلالات تلقيها، حيث تحتمل أن تكون معادلة رمزية للحياة الدنيا بعامة ، وأن تكون معادلا رمزيا للممارسات السياسية بما فيها من ألاعيب السياسيين . وتحتمل كذلك أن تكون لونا من ألوان الإسقاط الرمزي على الواقع السياسي العربي الراهن ؛ باعتبارها مفتتحا تعليميا يوعز لرجال السياسة بكيفية اللعب في الحقل السياسي ، من حيث وجوب قيامه على جماعية الممارسة ، وروح الإخلاص للشركاء في الملعب السياسي ، حتى لا يخسر الجميع النتيجة في النهاية، ومن ثمّ فهي إيعاز لهم بالتعاون فيما بينهم والاستمتاع النظيف باللعب ، حتى يكون أداؤهم السياسي الممتع مدعاة لإمتاع شعوبهم الذين يترقبون ما يسفر عنه لعبهم السياسي ؛ أملا في أن يحقق لهم ولشعوبهم الفوز الذي ينعكس علي مسيرة البلاد . لا شك أن كل تلك التصورات تشكل مجالات متعددة ، مفترضة ، هي نتيجة لإعمال المخرج النابه ذي الحس الدراماتورجي ، إن لم يعتمد على دراماتوجي محترف ، يعيد له صياغة تصور إخراجي مفسر أو مؤول يذهب في طريق تفكيك خطاب النص الذي بين يديه وتفكيك أنساقه كشفا للتناقضات التي تستوطن الصورة المسرحية فيما يعرف بالمسكوت عنه.
- المسرح وفنون التسلط –
د.أبو الحسن سلام
عالج كتابنا المسرحيين فكرة التسلط في العديد من نصوصهم ، كما عالجها الكثير من كتاب المسرح العالمي؛ وتنوعت صوره فيما بين تسلط فرد صاحب نفوذ على فرد ضعيف أو لا حول له ولا قوة ، وتسلط فرد قوي صاحب زعامة في قومه أو في قبيلته على القبيلة كلها ، وتسلطت جماعة إيديولوجية قوية التنظيم والاستعداد لمواجهات عنيفة على جماعة أقل تنظيما وأضعف اعتقادا أو توحد فكري ، وتسلط نظام حكم دكتاتوري مستبد على شعب بأكمله . الصور كثيرة ومتعددة ، حتى إننا نرى اليوم كيف تتسلط دولة قوية ، تملك العتاد والمال والقدرة المتجددة على امتلاك المعرفة والتحكم في تكنولوجيا المعلومات على مستوى الكرة الأرضية كلها. ويرجع ذلك كله إلى ما سبق قوله عن (الجوع إلى الحوار) في محاضرة لي عن دور الفكرة في كتابة النص المسرحي السياسي مستشهدا بما كتبه ( سعد الله ونوس) في كلمته التي نشرت على مستوى دول العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في عام 1996 ، بتكليف من المعهد العالمي للمسرح بمنظمة اليونسكو ( المنظمة العالمية للثقافة) حيث يقول:" لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات ، التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوي رمزي ، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) حوار متعدد ، مركب ، وشامل ، حوار بين الأفراد ، وحوار بين الجماعات . ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.
وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته، فإنني أتخيّل دائما أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ، ثم يتموّج متّسعا ومتناميا ، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوّع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح ، ورغم كل الثورات التكنولوجية ، سيظل ذلك المكان النموذجي ، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا. وميزة المسرح التي تجعله مكانا لا يضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته ، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة."
يخلص من يقرأ كلمة (سعد الله ونوس) إلى أن افتقاد الناس إلى لغة تحقق التواصل بين الأفراد والجماعات بعضها بعضا ، فضلا عن الدول فيما بينها، لغة اتصال وتواصل يبني أو يفكر في مسارات البناء وأهدافه الإيجابية فيما هو خير للبشرية ، تواصل ينتهي بقبول الإنسان للآخر في المجتمع الواحد ، وفيما بين مجتمع ومجتمع آخر أجنبي عنه كما يخلص قارئ كلمة ونوّس إلى افتقاد الناس في عالمتا المعيش إلى لغة مشتركة ، تحول دون تحكّم فرد في فرد أو فرد في جماعة أو في مجتمع ، وتحول دون تحكم دولة قوية في دول ضعيفة. لغة لا انحياز فيها لفكر دون فكر آخر مغاير له سعيا وراء نفيه ، أو سعيا وراء مصلحة أو منفعة خاصة ضد منفعة عامة. لغة حوار أي تكافؤ في التعبير عن وجهتي نظر متعارضتين ، دون أن تسفّه إحداهما الأخرى. أو تنفيها من الوجود ، لمجرد اختلافهما . من هذا المنظور رأى (سعد الله ونوس) أهمية الحوار؛ ومن ثّم عني في نصوصه المسرحية بقضية التسلط ، لينبه إلى أن افتقاد الحوار في مجتمعنا العربي ؛ هو أس البلاء، وسبب الأسباب في تردّي أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وسبب تشّوه صورة العرب بين أمم الأرض. وقد يستطيع متأمل ، محلل لنص من نصوصه ملاحظة انعكاسات تلك الصورة ، ليعزوها في النهاية إلى دقة ما توصل إليه ونوس نفسه في كلمته تلك التي صّدر بها رسالته التي وجهها لمسرحيي العالم في ليل احتفالهم باليوم العالمي للمسرح.
الحوار .. الحوار .. ثم الحوار ، هو ما تفتقده المجتمعات الإنسانية أفرادا وجماعات ودول.
هكذا يرى ( سعدالله ونوس) أهمية المسرح ، إعادة الذات الفردية إلى حضن الجماعة ، عن طريق الحوار الذي تنفتح فيه الذات الفردية لكل منا على غيرها ، تتقارب النفوس وتتقارب ، تتعانق المشاعر ، تتكشف الأفكار ، وما في الرؤوس أمام أصحابها ليتأمل كل منّا ما يدور بداخل نفسه ، فلئن كان إيجابيا ينشد الانتماء؛ استحسنه ، ولئن كان سلبيا ونافرا عن الانتماء إلى الجماعة الإنسانية نفض عن وجدانه وعن فكره ما يشوّه تلك الرابطة البشرية التي هي أساس التئام الجماعة واستقرار حياتها وسعادتها. لذلك عالج سعد الله ونوس فكرة التسلط في مسرحه على نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( اغتصاب) وعلى نحو ما رسمت في مسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) وعلى نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( الفيل ياملك الزمان) ومسرحية ( الملك هو الملك).
• ( الملك هو الملك) نموذجا لافتقاد لغة حوار مشترك:
لا يدل المشهد الافتتاحي الذي أسس عليه سعد الله ونوس البناء الدرامي لنص ( الملك هو الملك) ، لا يدل على وجود لغة مشتركة حقيقية تقارب ، ولا نقول توحد بين الأطراف المتشاركة في اللعبة الإيهامية التي يحتشدون جميعهم من أجل تفعيلها ؛ بخاصة إذا كانت لعبة محترفين في السيرك. ( مكان الحدث) ومن جهة أخرى إذا كان السيرك هنا – وفق د. أبو الحسن – معادل رمزي للدنيا ، أو على سبيل الترميز معتركا للواقع السياسي العربي ، حيث اللاعبون هم السياسيون أنفسه الذين يتبادلون أدوار اللعب بمصائر شعوبهم ، الذين هم - افتراضا - جمهور المتفرجين على العرض نفسه.أو باعتبار السيرك معادلا للحياة واللاعبين هم البشر بنوازعهم في التنافس والتحفز تسلطا واستحواذا وتراجعا ، هذا فضلا عن استعراض مهارات بعضهم أمام بعض تفاخرا أو تحديا، أو تخويفا وتهديدا ، بما يعكس رغبة كل منهم في الكشف عن تفوقه في تحقيق ما يجيد إعلاء للذات . على ان تلك الرغبة في تفوق الذات عند كل لاعب في سيرك الحياة أو في سيرك المعترك السياسي ، لا تنفي ضرورة تضافر جهودهم الجماعية في إتمام لعبة مشتركة ؛ لا تتم بدون تضافر كل اللاعبين وتناغم أدوارهم في وحدة عرض جماعي. ولا يخفى على متأمل نقدي أن يلمح إلى أن ونوس نفسه ، ربما كان يريد أن يشير إشارة إطارية رمزية إلى أن أصول اللعب في السيرك ، من حيث كونها تقوم على تعاون اللاعبين وإخلاصهم ، هو الذي يصون عليهم أرواحهم ، حيث يتشاركون في لعبة واحدة خطرة ، وإن هذا التعاون بين المشاركين في اللعب هو الذي ينجز اللعبة ويتقنها لتظهر على أكمل وأجمل وجه من وجوه الإجادة والإبهار إمتاعا وإقناعا للمشاركين أنفسهم قبل جمهور المتفرجين . وكأن بسعد الله ونوس – كما يرى د. أبو الحسن – يوعز إيحاء لرجال السياسة و اللاعبين في حقل من حقولها- بأسلوب التورية الجمالية – حتى يتعلموا من ذلك التكاتف والتعاون في إنجاز مهماتهم السياسية ، وأن ينتفعوا من هذه الروح الجماعية التي يتمتع بها لاعبو السيرك . هذا من حيث المسكوت عنه من مضمون ذلك النص ، كدلالة استبق بها المؤلف كلمة نهائية التي يختم بها خطاب نصه المسرحي هذا ، في لغة فرجة مسرحية مكثفة.
* روعة المشهد الاستهلالي بين النص والتصور الدراماتورجي:
إن روعة المشهد الاستهلالي لهذا النص تكمن في تعدد دلالات تلقيها، حيث تحتمل أن تكون معادلة رمزية للحياة الدنيا بعامة ، وأن تكون معادلا رمزيا للممارسات السياسية بما فيها من ألاعيب السياسيين . وتحتمل كذلك أن تكون لونا من ألوان الإسقاط الرمزي على الواقع السياسي العربي الراهن ؛ باعتبارها مفتتحا تعليميا يوعز لرجال السياسة بكيفية اللعب في الحقل السياسي ، من حيث وجوب قيامه على جماعية الممارسة ، وروح الإخلاص للشركاء في الملعب السياسي ، حتى لا يخسر الجميع النتيجة في النهاية، ومن ثمّ فهي إيعاز لهم بالتعاون فيما بينهم والاستمتاع النظيف باللعب ، حتى يكون أداؤهم السياسي الممتع مدعاة لإمتاع شعوبهم الذين يترقبون ما يسفر عنه لعبهم السياسي ؛ أملا في أن يحقق لهم ولشعوبهم الفوز الذي ينعكس علي مسيرة البلاد . لا شك أن كل تلك التصورات تشكل مجالات متعددة ، مفترضة ، هي نتيجة لإعمال المخرج النابه ذي الحس الدراماتورجي ، إن لم يعتمد على دراماتوجي محترف ، يعيد له صياغة تصور إخراجي مفسر أو مؤول يذهب في طريق تفكيك خطاب النص الذي بين يديه وتفكيك أنساقه كشفا للتناقضات التي تستوطن الصورة المسرحية فيما يعرف بالمسكوت عنه.
المختصر في مصادر الثقافة المسرحية
مصادر الثقافة المسرحية
فن المسرح بين التواصل الثقافى و الاجتماعى والحضارى
أ. د.أبو الحسن سلام
المسرح فن التواصل الثقافى بين الجماعات الاجتماعية فى البلدان المتحضرة منذ فجر التاريخ . عرفه المصريون الفراعنة قبل ألفى سنة من الميلاد تمثيلا وعرضا طقسياً فى المعابد، عرفته الحضارة اليونانية وخرجت به الى المجتمع فأزدهر وأنتشر وتطور حتى رسم له أرسطو معالم الطريق فخط التراجيديا (المأساة) طريقها وأهدافها، وحدد للكوميديا (الملهاة) حدودها وأهدافها وفصل بينهما فصلا تاماً، بحيث لا تتداخل الكوميديا فى مسرحية تراجيدية ولا تتداخل التراجيديا المسرحية الكوميدية، لهذه شروطها فى الكتابة ولتلك شروطها التى يلتزم فيها كتاب المسرحية بوحدات ثلاث هى (الموضوع - المكان - الزمان) ومع ذلك الفصل الذى أقره أرسطو بين نوعية الدراما (التراجيديا والكوميديا)؛ الا أن نقابة الممثلين على عصره رفضت ذلك التحديد الفاصل بين شقى الدراما (الملهاة - المأساة) فظهرت مسرحيات يخلط فيها كتابها بين المأساة والملهاة.
مع تطور المجتمعات عبر العصور ظهرت الحاجة الى أشكال مسرحية جديدة تواكب التطور، وتعكس ثقافة العصر وثقافة المجتمعات على اختلافها، فالمسرحية اليونانية التى عبرت عن الأختلافات الفكرية والفلسفية فى علاقة الإنسان بالكون والغيب، وفى علاقة الإنسان بالإنسان؛ أفراد وجماعات، حكاماً ومحكومين، رجالا ونساء، حقائق وأساطير، متوجهة بأنظارها نحو الموضوع، مقدمة الفعل البشرى للإنسان على الفاعل، باعتبار الفعل منجزاً غيبياً، ليس على الإنسان إلا تحقيقه ظاهريا، تأكيداً لإرادة الآلهة؛ تخلخلت نظرتها الأولى نوعاً ما على يد "يوريبديس" ثالث ثلاثة كانوا وما يزالون أعظم كتاب التراجيديا حتى الآن ، عندما رسم شخصية الانسان فى مسرحه مشاركا للآلهة فى صنع أفعاله ومسؤولا عن نتائجها وعندما رسم "ارسطوفانيس" أعظم مؤلفى الكوميديا شخصياته بشرا يناطحون الآلهة فى معارضاتهم لها، جريا على عادة الكتابة الكوميدية فى التهكم وعدم التحرج من وضع الكلمات البذيئة وفق الضرورة الدرامية على ألسنة الشخصيات ، جنبا الى جنب مع القفشة والتظرف فى تعبيرات شعبية قد تصل الى حد السوقية دون الخروج عن الموقف الدرامى ومفاراقاته الكوميدية ، حيث مغايرة الموقف لما هو متوقع مما يفجر الضحك، كما تغيرت المسرحية على يد كتاب العصر الرومانى فمالت كثيرا نحو الأستطراد والأستعراض بما يتلائم مع طبيعة الثقافة فى الأمبراطورية الكبيرة ذات الطابع العسكرى شبه العولمى حيث سيطرت روما على ممالك وبلدان أجنبية أوروبية وأفريقية وآسيوية ، مما نوع ثقافاتها وجعل منها مزيجا ثقايا مهمشا للهوية الثقافية القومية لدى الشعوب التى غزتها بجيوشها.
لذلك ظهرت أشكال فرعية للعروض المسرحية خرجت كلها من حضن المسرحية اليونانية القديمة منها ( مسرحية العباءة – مسرحية السيف – المسرحية المنتعلة ... وغيرها ) وما كانت هذه أو تلك سوى عناصر أو مفردات ( ملحقات مسرحية خاصة بالشخصية المجسدة فى العرض المسرحى ) حيث يرتدى الممثل عباءة هى جزء من أزياء الشخصية ويتمنطق بسيف بأعتباره يمثل دور ملك أو دور قائد ويسير بقبقاب أو حذاء مرتفع النعل، حتى تبدو للمشاهدين الذين يشكلون خمسة عشر ألفا وأربعين أو مائة ألف نسمة – حسب سعة المسرح المكشوف.
وعندما انزاح عصر الظلام والعسف الدينى الكنسى - عصر محاكم التفتيش، الذى أوقف التعليم وأبطل العلم وقتل العلماء وروج لثقافة التخلف والخرافات وأخذ الناس بالشبهات والوشايات بعد خمسة قرون بدأت مع القرن الميلادى الأول، ظهرت الحاجة من جديد الى المسرح، أداة توصيل للخطاب الدينى الذى استحال على الأوروبيين فهمه، لجهلهم باللغة اللاتينية التى كانت لغة التوراة ولغة الانجيل – فى تلك العصور - ليس هذا فحسب، بل جهل الناس للقراءءة والكتابة بسبب أغلاق الكنيسة للكتاتيب والمدارس ومعاهد العلم والمسارح والملاهى والمكتبات وتفشى صكوك الغفران التى لا يستطيع انسان ما من غير طبقة النبلاء او رجال الدين الأنتقال من مكان الى مكان فى بلد آخر اقليمى فى البلد الواحد الا بتصريح مرور، على النحو الذى نشهده فى دول الخليج العربى وفى السعودية .
وهنا تفجرت قريحة أحدى الراهبات وكانت تدعى " روزفيتا " عن التعامل مع المصلين بالإشارة والإماءة المصاحبة للخطبة أو القراءة الدينية للنص المقدس ؛ وبذلك وضعت بذرة التنفيذ الإيمائى من جديد بعد أن أندثر مع ما ضاع من آثار المسرح اليونانى، قبل أن تكتشف النصوص المسرحية لكبار الكتاب الأغارقة التى حفظتها للتراث الانسانى والعالمى مكتبة الإسكندرية القديمة وأنتقلت منها الى ( جوران ) فى الشام بعد حريق المكتبة ثم أنتقلت الى الأندلس ( أسبانيا والبرتغال ) فتلقفتها آيادي علمائها، الذين كان لأحدهم وهو " ابن رشد " فضل أعادة فكر أرسطو وكتاباته الى الحياة ومنها كتابه ( فن الشعر ) الذى يعد دستور المسرح قديما ودستور المسرح حديثا ومعاصرا .
مع عصر النهضة بدأ من القرن السادس عشر الميلادى تطور المسرح وأنفتحت آفاقه فى أسبانيا وفى بريطانيا فظهرت مسرحيات "بن جونسون - كريستوفر مارلو - شكسبير" وأعقبتها صيحة الكلاسيكيين الجدد فى فرنسا " راسين - كورنى – موليير " فتغيرت تقنيات كتابة المسرحية وتقنيات أدائها وعرضها دون أن يتغير دور المؤلف بوصفه كاتب المسرحية ومخرجها وممثلها الرئيسى ومدير الفرقة او المنتج للعرض وظل المؤلف مسيطرا على لعبة المسرح وظل هو اللاعب الرئيسى فى الحلقة او على المنصة المسرحية ، بعد أن خرج المسرح من داخل الكنائس الى فنائه الخارجى ثم الى قصور الملوك والنبلاء وصولا الى مسرح العلبة الايطالى وهو الماثل فى الأبنية المسرحية المعروفة لنا الآن والمصممة بحيث يؤدى العرض على المنصة فى صندوق أو غرفة كبيرة مواجهة لصالة المتفرجين، ليصبح العرض المسرحي بمثابة مجتمع مصغر يعرض نفسه بالتمثيل وبالسينوجرافيا (المعادل التشكيلي المرئي لموضوع المسرحية) علي جمهور أكبر، حتى قيض للمسرح أن يكون لوظيفة المخرج استقلالها وخصوصيتها على يد "جورج الثاني : دوق ساكس مايننجن" احدى المقاطعات الألمانية الذي نظم عمل المخرج وخصه بأسلوب طبيعي تاريخي يعني بكل تفاصيل العرض ، بما يحقق مصداقية الأداء وطبيعته في التمثيل وفي الأزياء وفي المناظر بعد أن كان الأداء خطابيا وعالي النبر وفيه من الزخارف والانفعالية والافتعالية الكثير الذي كان بمثابة تعويض عن غياب المناظر والملحقات المعبرة عن حقيقة البيئة الدرامية في عروض المسرح التي كانت تجري في قصور الملوك متحاشية وجود الجوقة ، مستبدلة لها بالراوى الذى ظل يحمل اسم الجوقة أو الكورس مع أنه ممثل واحد منفرد العزف مما يعبر عن الرأى العام وهى الوظيفة التى كانت منوطة بالجوقة فى المسرح اليونانى .
ازدهر المسرح فى العصر الاليزابيثى فى أنجلترا ولمع أسم " شكسبير" بوصفه الكلاسيكى الذى وضع بذرة الرومانتيكية (التى تغلب المشاعر الانسانية والفعل الانسانى المتدفق المشاعر والأنفعالات فى مواقفه الغرامية وفى نبله وفى معاركه الفروسية وفى مؤامراته، على التعقل والمضوعية) والذى شهر بمحطم الوحدات الأرسطية الثلاث : ( الموضوع - المكان - الزمان ) ومحطم (نظرية الفصل بين الأنواع) حيث مزج فى مسرحياته الكوميديا بالتراجيديا ؛ مع أن تحطيم شروط أرسطو تلك تم على عصره أولا ثم فى العصور الوسطى (التمثيليات الدينية كما فى مسرحية ( آدم ) التى أنتفت فيها وحدة الموضوع وأنتفت وحدة المكان حيث أنتقال آدم وحواء من السماء الى الأرض وحيث تغير الشخصيات بعد نزولهما الى الأرض وتغير الأزمنة أيضا) لذلك أختلطت الكوميديا بالتراجيديا والشعر بالنثر والفصحى بالعامية والتمثيل بالغناء تبعا لحاجة توصيل المغزى أو الخطاب التوراتى أو الدينى .
كذلك أنتقلت صفة النبل المطلق والآبدى عن الشخصيات التراجيدية، فلم تعد التراجيديا التى أتخذت أسمها (تراجو: ماعز – دى: غناء) من ( مآساة الماعز عند ذبحها أحتفالا بعيد الربيع أو الاله " ديونيسوس") مختصة بتجسيد نبل الملوك والنبلاء نيابة عن البشر.
ولم تعد الكوميديا التى أتخذت أسمها من (ضجيج غناء العامة والغوغاء والقرويين) ( كومو : أهل الريف - دى : غناء أو ضجيج) لم تعد مختصة بأعادة تصوير أو تشخيص دناءة بسطاء الناس وعامتهم ، وكأن النبل قدر الملوك والأغنياء والدناءة قدر العامة والفقراء . لم يعد المسرح يفصل بين الفن بحيث يخص الفقراء بالكوميديا عند عرض صورتهم وحياتهم منحطين ، بلهاء ، محتالين ، جهلاء، قبيحى المنظر ، متسولين ، أمام جمهور المشاهدين من الطبقات العليا والوسطى .
تغيرت الكتابة المسرحية والعروض أيضا تغيرا ملحوظا مع ظهور الكهرباء وتطور المخترعات والأكتشافات العلمية ، فأصبح بالامكان تغيير المناظر عند اطفاء أضواء المسرح بعد أن كان ذلك مستحيلا فى العصور السابقة ، حيث كان العرض يقدم قبل غروب الشمس مرورا بالمشاعل ، حتى أن الممثل عند أنتهاء المشهد كان ينسحب أمام الجمهور ليدخل الممثل الذى يليه فى المشهد التالى دون فواصل زمنية أو مكانية تميز زمنا عن آخر أو مكانا عن مكان . ولم يعد مستساغا نطق الممثل بجمل مثل ( نحن الآن على متن سفينة تتجه نحو قبرص ) كما فى مسرحية (عطيل) لشيكسبير، ولم يعد مقبولا أن يخرج الراوى بديلا عن الجوقة فى مسرحية .
(ريتشارد الثانى) لشيكسبير يصف لنا المعركة الحربية فى لطف ورقة : (تخيلوا أنكم تشاهدون الآن معركة حربية ..) فذلك كله أصبح من الماضى ، لأن مصمم المناظر ، وتطور علوم السينوجرافيا تستطيع أن تجعل الممثل الواحد عشرة ممثلين هم أنفسهم الممثل نفسه بتقنيات (الهولوغرام ).
تغيرت العروض المسرحية وتطورت وتعددت نسبتها ما بين عصر المؤلف بحيث يقال مسرح شيكسبير أو سوفوكليس أو توفيق الحكيم أو ألفريد فرج أو مسرح سعدالله ونوس ، فأصبح للمسرح كفيلا جديدا هو المخرج ، سريعا ما تبدل لنصبح امام مسرح الممثل على نحو ما هو حاصل في مصر الآن – بخاصة بعد العرض المدمر لفكرة العلاقة بين المعلم و التلاميذ التي تبدلت من :
" قم للمعلم و فه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا "
الى " قم للمعلم و فه التكديرا " بالاجراءات الأخيرة المهينة لتاريخ التعليم في مصر .
أصبحت نجومية الممثل هي أساس عملية أنتاج عرض مسرحي الآن بعد أن كان العرض المسرحي الواحد يضم عشرات من أكبر وألمع نجوم المسرح والسينما في مصر ( الريحاني – القصري – ماري منيب – عباس فارس – يوسف وهبي – أمينة رزق – فاطمة رشدي – أحمد علام – روزاليوسف ) أو ( كرم مطاوع – نجيب سرور – سعد أردش – زكي رستم – حسن فايق – اسماعيل يس – محمود المليجي – شفيق نور الدين – سميحة أيوب ) وغيرهم ، اصبح العرض المسرحي يضم مجموعة من ممثلي الأدوار الفرعية و الثانوية ، يخدمون على الممثل النجم الذي ينبري في اطلاق لسانه بالنكات أو القفشات أو الحركات و الايمائات السمجة و الألفاظ النابية . و ما كان ذلك كله الا تعبيرا عن ثقافة سادت بعد حرب 1973 وأنفراط عقد القيم ، نتيجة لسقوط كل الشعارات التى رفعت خلال الستينيات ووصولها الى الحضيض بعد اعتماد سياسات الأنفتاح الأستهلاكى ، وأنفراد القلة التى أستحوزت على الثروات ، وعدم قدرة النظام على الوفاء بحاجات الشعب الأساسية وأهمها الحياة الديمقراطية أو النابية الصحيحة التى بسبب غيابها عم الفساد ، فضلا عن الدور الثقافى المدمر الذى لعبه الغزو الثقافى الصحراوى الوافد باغراءاته الأقتصادية الزائفة وهجمته الشرسة على امتلاك العقارات والأراضى وتصقيعها استهدافا لحالة الغلو المتزايد فى الأسعار وانتهاء ببيعيها بأضعاف أضعاف السعر الذى أشترى به . هكذا أثرت تلك التحولات السياسية والأقتصادية تأثيرا سلبيا على المجتمع المصرى ومن ثم جسدت العروض المسرحية صورة الواقع المعيش بكل مخازيه ، كما فعلت حين صورت عروض مسرح الستينيات و السبعينيات واقع الحياة في مصر في مراحل الكفاح ضد الأستعمار ومراحل النهضة الصناعية والعلمية والثقافيه وايجابيات النظام جنبا الى جنب مع سلبيات الحجر على حرية الراى – آنذاك – فالمسرح مرآة تعكس الواقع الاجتماعى ، كما تعكس المسكوت عنه (ما وراء المظاهر او الظواهر الاجتماعيه) وهو يستشف المستقبل ايضا .
واذا كان مسرح الستينات قد قام على ايدى نخبة من الكتاب ورجال الادب مثل (توفيق الحكيم – نعمان عاشور- رشاد رشدى – الفريد فرج – محمود دياب – ميخائيل رومان) .
امتدادا للدور الذى اضطلع به قبل يوليو 1952 كتاب اخرون مثل ( محمود تيمور – فرح انطون – عباس علام - ابراهيم رمزى – اسماعيل عاصم – الريحانى – بديع خيرى – احمد شوقى ) فضلا عن نقاد واساتذة ادب كبار مثل ( طه حسين – لويس عوض- محمد مندور – المازنى ) ومن تبعهم كفؤاد دواره وعلى الراعى وعبد القادر القط ومن اعاد المسرحية الشعرية الى الحياة المسرحية مثل عبد الرحمن الشرقاوى وصلاح عبد الصبور ومهدى بندق وانس داوود وفاروق جويدة فى اطار كل هذا الزخم الثقافى وصوره التى انعكست حضاريا واجتماعيا على المسرح منذ نشوئه على الصورة التي وصلتنا عن اليونان ،تطويرا لصورته التقصيه عند الفراعنه الذين سبقوا اليونان الى فن المسرح بنحو الفى عام ، ومرورا بعصور الحضارة التى وصلت ذروتها فى عصر النهضة وما تبعه من اكتشافات علمية رفعت العقل البشرى محركا وحيدا لحركة المصير الانسانى حتى انكر دور الغيب فى مقدرات البشرية ، الى ان كشفت الحربان العالميتان زيف ذلك الزعم عندما اباد العقل البشرى المتغطرس ما يزيد عن خمسين مليونا من الادميين ، عندها فحسب تراجع دور العقل الانسانى وارجع العصمه الكونية وتقدير الامر مرة اخرى الى الغيب.
الا ان دأب الانسان نحو السعى الى التحرر من كل قيد ، فجر عنه النزوع نحو الفكر الفلسفى مرة اخرى ، لا لربطه بوصف الكون او بتفسير الكون والطبيعه فى احوالها وتقلباتها وعلاقة الانسان بذلك كله ، بل لتبصره فى توجية الانسانية نحو ايديولوجية تقود خطاه نحو التحرر من الطبقية المستغله لنتاج عمل الطبقة العاملة فيما خططت له المركسية فكرا ، وحولة الاشتراكيون فى بعض الدول مغلقا بالبيروقراطية وسيطرت الحزب الواحد ، التى انتهت بالفشل الزريع او نحو ايدولوجية تقود خطاه نحو تحرر (الانا) بوصفها ذاتا لا هوية لها سوى هويتها الذاتيه على نحو مسعى الفلسفة الوجودية والتى قيدة حرية الفرد بشرط التزامه بحرية الغير دون ان يكون لها تجسيد فى نظام حكم ، وعلى العكس اثر ذلك كله المسرح فظهر المسرح الملحملى عند بيكاتور وتلميذه بريخت وظهر المسرح التسجيلى خطوة أبعد نوعا ما نحو التحريض الجماهيرى من المسرح الملمحمى اذ ركز المسرح الملحمى بتقنيات التغريب (خلق مسافة بين العرض المسرحى و الجمهور حتى يترك له الحكم على ما يعرض عليه ويتخذ منه موقفا بالرفض او بالقبول ومن ثم يغير من عاداته او قيمة السلبية وبذلك خرج المسرح الملحمى من عباءة الفلسة الماركسية لأنها تدعو الى التغيير لا الى مجرد التفسير كالفلسفة الحديثة التى سبقتها) كما ركز المسرح التسجيلى على الظاهرة التاريخية ( ما يتكرر من ظواهر عبر تاريخ البشرية تكرس أستغلال القلة المحتكرة أو المستعمرة بأنظمتها العسكرية والحربية لدول أخرى تعج أراضيها بالثروات) وهو مغاير لما ركزت عليه الملحمية من ظواهر أجتماعية تكرس أستغلال الطبقة الأجتماعية للطبقة العاملة تحديدا .
عرفت الحياة المسرحية المسرح الملحمى وعرفت المسرح التسجيلى ترجمة على يد د. عبد الرحمن بدوى والدكتور عبد الغفار مكاوى والدكتور يسرى خميس وعرفت مسرح العبث لصموئيل بيكت ويونسكو وأداموف أربال أدوارألبى وكامى على يد نعيم عطية وفايز أسكندر ونادية كامل وصلاح عبد الصبور وسلماوى وغيرهم . كما عرفت مصر هذه الأنواع على يد سعد أردش وأحمد زكى فى العروض التى أخرجوها مع زملائهم كمال عيد وفاروق الدمرداش وكرم مطاوع ومن قبل هؤلاء الرائد المخرج نبيل الألفى.
وفى مجال الثقافة المسرحية عرفت مصر فن المسرح نصوصا وكتابات نقدية وتاريخا وحرفية تمثيل وحرفية عروض ومناظر على أيدى نخبة نذرت نفسها وعقولها لنقل آثار المسرحيين العالميين الغربيين والشرقيين ترجمة وأقتباسا وأعداد ، وتأليفا فى بعض الأحيان عرف المثقف العربى فى مصر وفى البلاد العربية من هو ستانسلافسكى بوصفه المفكر المسرحى الروسى الذى وضع نظاما لفنون التمثيل يحتذى به كل مخرجى المسرح والسينما والتليفزيون والاذاعة فى كل مجالات الحياة التمثيلية العالمية ، عرفناه عن طريق ترجمة د. محمد زكى العشماوى والفنان محمود مرسى وعرفته الحياة المسرحية خلال ترجمات درينى خشبة لمؤلفاته وعرفنا كتاب المسرح اليونانى أول ما عرفنا عبر ترجمات الدكتور طه حسين ووصلتنا الدراسات التاريخية والنقدية وترجمات النصوص المسرحية على يد أساتذة لا عد لهم ولا حصر منهم محمد القصاص ومحمد مندور ورشاد رشدى ولويس عوض ونعيم عطية وفايز أسكندر وأبراهيم رمزى وعبد القادر القط ومحمد عوض محمد وفاطمة موسى ونادية كامل ومحمد عنانى وسمير سرحان وعبدالعزيز حموده وفؤاد دواره وفتحى العشرى وجلال العشرى وسعد أردش وكمال عيد وصلاح عبد الصبور. وعدد كبير من الأدباء والمترجمين اللبنانيين والسوريين والعراقيين .
تواصلت حركة المسرح وواصلت زخمها مع أنشاء مهرجان القاهرة التجريبى الدولى وتوطدت علاقة السرح المصرى والعربى بالمسرح العالمى عبر دوراته المتكررة على مدى ثمانية عشر عاما مضت ، حيث رفدت العروض العالمية حركتنا المسرحية بالكثير من الأبتكارات التى فعلت القدرات والطاقات الأبداعية والتخييلية لدى شباب مخرجينا وكتابنا وفنانينا المسرحيين ومما لاشك فيه أن الدور التى تلعبه الجريدة الأسبوعية ( مسرحنا) فى رفد شباب مسرح الأقاليم بالثقافة المسرحية وتربط بين نشاطات المسرح فى أقاليم مصر وفى البلاد العربية بما يضفر جهود المسرحيين العرب ويبادل خبراتهم وتوثيقها فضلا عن تدعيمها وعرض مشكلاتها وكشف آفاتها وسلبياتها وأبراز ايجابياتها ، مع رفدها بنصوص مسرحية قصيرة مترجمة وفتح باب النشر أمام كتابات مسرحية أبداعية أو نقدية جديدة وتوسيع حركة المسرح المصرى والعربى ليصبح المسرح للجميع حقيقة فعلية مؤكدة لا مجرد شعار .
فن المسرح بين التواصل الثقافى و الاجتماعى والحضارى
أ. د.أبو الحسن سلام
المسرح فن التواصل الثقافى بين الجماعات الاجتماعية فى البلدان المتحضرة منذ فجر التاريخ . عرفه المصريون الفراعنة قبل ألفى سنة من الميلاد تمثيلا وعرضا طقسياً فى المعابد، عرفته الحضارة اليونانية وخرجت به الى المجتمع فأزدهر وأنتشر وتطور حتى رسم له أرسطو معالم الطريق فخط التراجيديا (المأساة) طريقها وأهدافها، وحدد للكوميديا (الملهاة) حدودها وأهدافها وفصل بينهما فصلا تاماً، بحيث لا تتداخل الكوميديا فى مسرحية تراجيدية ولا تتداخل التراجيديا المسرحية الكوميدية، لهذه شروطها فى الكتابة ولتلك شروطها التى يلتزم فيها كتاب المسرحية بوحدات ثلاث هى (الموضوع - المكان - الزمان) ومع ذلك الفصل الذى أقره أرسطو بين نوعية الدراما (التراجيديا والكوميديا)؛ الا أن نقابة الممثلين على عصره رفضت ذلك التحديد الفاصل بين شقى الدراما (الملهاة - المأساة) فظهرت مسرحيات يخلط فيها كتابها بين المأساة والملهاة.
مع تطور المجتمعات عبر العصور ظهرت الحاجة الى أشكال مسرحية جديدة تواكب التطور، وتعكس ثقافة العصر وثقافة المجتمعات على اختلافها، فالمسرحية اليونانية التى عبرت عن الأختلافات الفكرية والفلسفية فى علاقة الإنسان بالكون والغيب، وفى علاقة الإنسان بالإنسان؛ أفراد وجماعات، حكاماً ومحكومين، رجالا ونساء، حقائق وأساطير، متوجهة بأنظارها نحو الموضوع، مقدمة الفعل البشرى للإنسان على الفاعل، باعتبار الفعل منجزاً غيبياً، ليس على الإنسان إلا تحقيقه ظاهريا، تأكيداً لإرادة الآلهة؛ تخلخلت نظرتها الأولى نوعاً ما على يد "يوريبديس" ثالث ثلاثة كانوا وما يزالون أعظم كتاب التراجيديا حتى الآن ، عندما رسم شخصية الانسان فى مسرحه مشاركا للآلهة فى صنع أفعاله ومسؤولا عن نتائجها وعندما رسم "ارسطوفانيس" أعظم مؤلفى الكوميديا شخصياته بشرا يناطحون الآلهة فى معارضاتهم لها، جريا على عادة الكتابة الكوميدية فى التهكم وعدم التحرج من وضع الكلمات البذيئة وفق الضرورة الدرامية على ألسنة الشخصيات ، جنبا الى جنب مع القفشة والتظرف فى تعبيرات شعبية قد تصل الى حد السوقية دون الخروج عن الموقف الدرامى ومفاراقاته الكوميدية ، حيث مغايرة الموقف لما هو متوقع مما يفجر الضحك، كما تغيرت المسرحية على يد كتاب العصر الرومانى فمالت كثيرا نحو الأستطراد والأستعراض بما يتلائم مع طبيعة الثقافة فى الأمبراطورية الكبيرة ذات الطابع العسكرى شبه العولمى حيث سيطرت روما على ممالك وبلدان أجنبية أوروبية وأفريقية وآسيوية ، مما نوع ثقافاتها وجعل منها مزيجا ثقايا مهمشا للهوية الثقافية القومية لدى الشعوب التى غزتها بجيوشها.
لذلك ظهرت أشكال فرعية للعروض المسرحية خرجت كلها من حضن المسرحية اليونانية القديمة منها ( مسرحية العباءة – مسرحية السيف – المسرحية المنتعلة ... وغيرها ) وما كانت هذه أو تلك سوى عناصر أو مفردات ( ملحقات مسرحية خاصة بالشخصية المجسدة فى العرض المسرحى ) حيث يرتدى الممثل عباءة هى جزء من أزياء الشخصية ويتمنطق بسيف بأعتباره يمثل دور ملك أو دور قائد ويسير بقبقاب أو حذاء مرتفع النعل، حتى تبدو للمشاهدين الذين يشكلون خمسة عشر ألفا وأربعين أو مائة ألف نسمة – حسب سعة المسرح المكشوف.
وعندما انزاح عصر الظلام والعسف الدينى الكنسى - عصر محاكم التفتيش، الذى أوقف التعليم وأبطل العلم وقتل العلماء وروج لثقافة التخلف والخرافات وأخذ الناس بالشبهات والوشايات بعد خمسة قرون بدأت مع القرن الميلادى الأول، ظهرت الحاجة من جديد الى المسرح، أداة توصيل للخطاب الدينى الذى استحال على الأوروبيين فهمه، لجهلهم باللغة اللاتينية التى كانت لغة التوراة ولغة الانجيل – فى تلك العصور - ليس هذا فحسب، بل جهل الناس للقراءءة والكتابة بسبب أغلاق الكنيسة للكتاتيب والمدارس ومعاهد العلم والمسارح والملاهى والمكتبات وتفشى صكوك الغفران التى لا يستطيع انسان ما من غير طبقة النبلاء او رجال الدين الأنتقال من مكان الى مكان فى بلد آخر اقليمى فى البلد الواحد الا بتصريح مرور، على النحو الذى نشهده فى دول الخليج العربى وفى السعودية .
وهنا تفجرت قريحة أحدى الراهبات وكانت تدعى " روزفيتا " عن التعامل مع المصلين بالإشارة والإماءة المصاحبة للخطبة أو القراءة الدينية للنص المقدس ؛ وبذلك وضعت بذرة التنفيذ الإيمائى من جديد بعد أن أندثر مع ما ضاع من آثار المسرح اليونانى، قبل أن تكتشف النصوص المسرحية لكبار الكتاب الأغارقة التى حفظتها للتراث الانسانى والعالمى مكتبة الإسكندرية القديمة وأنتقلت منها الى ( جوران ) فى الشام بعد حريق المكتبة ثم أنتقلت الى الأندلس ( أسبانيا والبرتغال ) فتلقفتها آيادي علمائها، الذين كان لأحدهم وهو " ابن رشد " فضل أعادة فكر أرسطو وكتاباته الى الحياة ومنها كتابه ( فن الشعر ) الذى يعد دستور المسرح قديما ودستور المسرح حديثا ومعاصرا .
مع عصر النهضة بدأ من القرن السادس عشر الميلادى تطور المسرح وأنفتحت آفاقه فى أسبانيا وفى بريطانيا فظهرت مسرحيات "بن جونسون - كريستوفر مارلو - شكسبير" وأعقبتها صيحة الكلاسيكيين الجدد فى فرنسا " راسين - كورنى – موليير " فتغيرت تقنيات كتابة المسرحية وتقنيات أدائها وعرضها دون أن يتغير دور المؤلف بوصفه كاتب المسرحية ومخرجها وممثلها الرئيسى ومدير الفرقة او المنتج للعرض وظل المؤلف مسيطرا على لعبة المسرح وظل هو اللاعب الرئيسى فى الحلقة او على المنصة المسرحية ، بعد أن خرج المسرح من داخل الكنائس الى فنائه الخارجى ثم الى قصور الملوك والنبلاء وصولا الى مسرح العلبة الايطالى وهو الماثل فى الأبنية المسرحية المعروفة لنا الآن والمصممة بحيث يؤدى العرض على المنصة فى صندوق أو غرفة كبيرة مواجهة لصالة المتفرجين، ليصبح العرض المسرحي بمثابة مجتمع مصغر يعرض نفسه بالتمثيل وبالسينوجرافيا (المعادل التشكيلي المرئي لموضوع المسرحية) علي جمهور أكبر، حتى قيض للمسرح أن يكون لوظيفة المخرج استقلالها وخصوصيتها على يد "جورج الثاني : دوق ساكس مايننجن" احدى المقاطعات الألمانية الذي نظم عمل المخرج وخصه بأسلوب طبيعي تاريخي يعني بكل تفاصيل العرض ، بما يحقق مصداقية الأداء وطبيعته في التمثيل وفي الأزياء وفي المناظر بعد أن كان الأداء خطابيا وعالي النبر وفيه من الزخارف والانفعالية والافتعالية الكثير الذي كان بمثابة تعويض عن غياب المناظر والملحقات المعبرة عن حقيقة البيئة الدرامية في عروض المسرح التي كانت تجري في قصور الملوك متحاشية وجود الجوقة ، مستبدلة لها بالراوى الذى ظل يحمل اسم الجوقة أو الكورس مع أنه ممثل واحد منفرد العزف مما يعبر عن الرأى العام وهى الوظيفة التى كانت منوطة بالجوقة فى المسرح اليونانى .
ازدهر المسرح فى العصر الاليزابيثى فى أنجلترا ولمع أسم " شكسبير" بوصفه الكلاسيكى الذى وضع بذرة الرومانتيكية (التى تغلب المشاعر الانسانية والفعل الانسانى المتدفق المشاعر والأنفعالات فى مواقفه الغرامية وفى نبله وفى معاركه الفروسية وفى مؤامراته، على التعقل والمضوعية) والذى شهر بمحطم الوحدات الأرسطية الثلاث : ( الموضوع - المكان - الزمان ) ومحطم (نظرية الفصل بين الأنواع) حيث مزج فى مسرحياته الكوميديا بالتراجيديا ؛ مع أن تحطيم شروط أرسطو تلك تم على عصره أولا ثم فى العصور الوسطى (التمثيليات الدينية كما فى مسرحية ( آدم ) التى أنتفت فيها وحدة الموضوع وأنتفت وحدة المكان حيث أنتقال آدم وحواء من السماء الى الأرض وحيث تغير الشخصيات بعد نزولهما الى الأرض وتغير الأزمنة أيضا) لذلك أختلطت الكوميديا بالتراجيديا والشعر بالنثر والفصحى بالعامية والتمثيل بالغناء تبعا لحاجة توصيل المغزى أو الخطاب التوراتى أو الدينى .
كذلك أنتقلت صفة النبل المطلق والآبدى عن الشخصيات التراجيدية، فلم تعد التراجيديا التى أتخذت أسمها (تراجو: ماعز – دى: غناء) من ( مآساة الماعز عند ذبحها أحتفالا بعيد الربيع أو الاله " ديونيسوس") مختصة بتجسيد نبل الملوك والنبلاء نيابة عن البشر.
ولم تعد الكوميديا التى أتخذت أسمها من (ضجيج غناء العامة والغوغاء والقرويين) ( كومو : أهل الريف - دى : غناء أو ضجيج) لم تعد مختصة بأعادة تصوير أو تشخيص دناءة بسطاء الناس وعامتهم ، وكأن النبل قدر الملوك والأغنياء والدناءة قدر العامة والفقراء . لم يعد المسرح يفصل بين الفن بحيث يخص الفقراء بالكوميديا عند عرض صورتهم وحياتهم منحطين ، بلهاء ، محتالين ، جهلاء، قبيحى المنظر ، متسولين ، أمام جمهور المشاهدين من الطبقات العليا والوسطى .
تغيرت الكتابة المسرحية والعروض أيضا تغيرا ملحوظا مع ظهور الكهرباء وتطور المخترعات والأكتشافات العلمية ، فأصبح بالامكان تغيير المناظر عند اطفاء أضواء المسرح بعد أن كان ذلك مستحيلا فى العصور السابقة ، حيث كان العرض يقدم قبل غروب الشمس مرورا بالمشاعل ، حتى أن الممثل عند أنتهاء المشهد كان ينسحب أمام الجمهور ليدخل الممثل الذى يليه فى المشهد التالى دون فواصل زمنية أو مكانية تميز زمنا عن آخر أو مكانا عن مكان . ولم يعد مستساغا نطق الممثل بجمل مثل ( نحن الآن على متن سفينة تتجه نحو قبرص ) كما فى مسرحية (عطيل) لشيكسبير، ولم يعد مقبولا أن يخرج الراوى بديلا عن الجوقة فى مسرحية .
(ريتشارد الثانى) لشيكسبير يصف لنا المعركة الحربية فى لطف ورقة : (تخيلوا أنكم تشاهدون الآن معركة حربية ..) فذلك كله أصبح من الماضى ، لأن مصمم المناظر ، وتطور علوم السينوجرافيا تستطيع أن تجعل الممثل الواحد عشرة ممثلين هم أنفسهم الممثل نفسه بتقنيات (الهولوغرام ).
تغيرت العروض المسرحية وتطورت وتعددت نسبتها ما بين عصر المؤلف بحيث يقال مسرح شيكسبير أو سوفوكليس أو توفيق الحكيم أو ألفريد فرج أو مسرح سعدالله ونوس ، فأصبح للمسرح كفيلا جديدا هو المخرج ، سريعا ما تبدل لنصبح امام مسرح الممثل على نحو ما هو حاصل في مصر الآن – بخاصة بعد العرض المدمر لفكرة العلاقة بين المعلم و التلاميذ التي تبدلت من :
" قم للمعلم و فه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا "
الى " قم للمعلم و فه التكديرا " بالاجراءات الأخيرة المهينة لتاريخ التعليم في مصر .
أصبحت نجومية الممثل هي أساس عملية أنتاج عرض مسرحي الآن بعد أن كان العرض المسرحي الواحد يضم عشرات من أكبر وألمع نجوم المسرح والسينما في مصر ( الريحاني – القصري – ماري منيب – عباس فارس – يوسف وهبي – أمينة رزق – فاطمة رشدي – أحمد علام – روزاليوسف ) أو ( كرم مطاوع – نجيب سرور – سعد أردش – زكي رستم – حسن فايق – اسماعيل يس – محمود المليجي – شفيق نور الدين – سميحة أيوب ) وغيرهم ، اصبح العرض المسرحي يضم مجموعة من ممثلي الأدوار الفرعية و الثانوية ، يخدمون على الممثل النجم الذي ينبري في اطلاق لسانه بالنكات أو القفشات أو الحركات و الايمائات السمجة و الألفاظ النابية . و ما كان ذلك كله الا تعبيرا عن ثقافة سادت بعد حرب 1973 وأنفراط عقد القيم ، نتيجة لسقوط كل الشعارات التى رفعت خلال الستينيات ووصولها الى الحضيض بعد اعتماد سياسات الأنفتاح الأستهلاكى ، وأنفراد القلة التى أستحوزت على الثروات ، وعدم قدرة النظام على الوفاء بحاجات الشعب الأساسية وأهمها الحياة الديمقراطية أو النابية الصحيحة التى بسبب غيابها عم الفساد ، فضلا عن الدور الثقافى المدمر الذى لعبه الغزو الثقافى الصحراوى الوافد باغراءاته الأقتصادية الزائفة وهجمته الشرسة على امتلاك العقارات والأراضى وتصقيعها استهدافا لحالة الغلو المتزايد فى الأسعار وانتهاء ببيعيها بأضعاف أضعاف السعر الذى أشترى به . هكذا أثرت تلك التحولات السياسية والأقتصادية تأثيرا سلبيا على المجتمع المصرى ومن ثم جسدت العروض المسرحية صورة الواقع المعيش بكل مخازيه ، كما فعلت حين صورت عروض مسرح الستينيات و السبعينيات واقع الحياة في مصر في مراحل الكفاح ضد الأستعمار ومراحل النهضة الصناعية والعلمية والثقافيه وايجابيات النظام جنبا الى جنب مع سلبيات الحجر على حرية الراى – آنذاك – فالمسرح مرآة تعكس الواقع الاجتماعى ، كما تعكس المسكوت عنه (ما وراء المظاهر او الظواهر الاجتماعيه) وهو يستشف المستقبل ايضا .
واذا كان مسرح الستينات قد قام على ايدى نخبة من الكتاب ورجال الادب مثل (توفيق الحكيم – نعمان عاشور- رشاد رشدى – الفريد فرج – محمود دياب – ميخائيل رومان) .
امتدادا للدور الذى اضطلع به قبل يوليو 1952 كتاب اخرون مثل ( محمود تيمور – فرح انطون – عباس علام - ابراهيم رمزى – اسماعيل عاصم – الريحانى – بديع خيرى – احمد شوقى ) فضلا عن نقاد واساتذة ادب كبار مثل ( طه حسين – لويس عوض- محمد مندور – المازنى ) ومن تبعهم كفؤاد دواره وعلى الراعى وعبد القادر القط ومن اعاد المسرحية الشعرية الى الحياة المسرحية مثل عبد الرحمن الشرقاوى وصلاح عبد الصبور ومهدى بندق وانس داوود وفاروق جويدة فى اطار كل هذا الزخم الثقافى وصوره التى انعكست حضاريا واجتماعيا على المسرح منذ نشوئه على الصورة التي وصلتنا عن اليونان ،تطويرا لصورته التقصيه عند الفراعنه الذين سبقوا اليونان الى فن المسرح بنحو الفى عام ، ومرورا بعصور الحضارة التى وصلت ذروتها فى عصر النهضة وما تبعه من اكتشافات علمية رفعت العقل البشرى محركا وحيدا لحركة المصير الانسانى حتى انكر دور الغيب فى مقدرات البشرية ، الى ان كشفت الحربان العالميتان زيف ذلك الزعم عندما اباد العقل البشرى المتغطرس ما يزيد عن خمسين مليونا من الادميين ، عندها فحسب تراجع دور العقل الانسانى وارجع العصمه الكونية وتقدير الامر مرة اخرى الى الغيب.
الا ان دأب الانسان نحو السعى الى التحرر من كل قيد ، فجر عنه النزوع نحو الفكر الفلسفى مرة اخرى ، لا لربطه بوصف الكون او بتفسير الكون والطبيعه فى احوالها وتقلباتها وعلاقة الانسان بذلك كله ، بل لتبصره فى توجية الانسانية نحو ايديولوجية تقود خطاه نحو التحرر من الطبقية المستغله لنتاج عمل الطبقة العاملة فيما خططت له المركسية فكرا ، وحولة الاشتراكيون فى بعض الدول مغلقا بالبيروقراطية وسيطرت الحزب الواحد ، التى انتهت بالفشل الزريع او نحو ايدولوجية تقود خطاه نحو تحرر (الانا) بوصفها ذاتا لا هوية لها سوى هويتها الذاتيه على نحو مسعى الفلسفة الوجودية والتى قيدة حرية الفرد بشرط التزامه بحرية الغير دون ان يكون لها تجسيد فى نظام حكم ، وعلى العكس اثر ذلك كله المسرح فظهر المسرح الملحملى عند بيكاتور وتلميذه بريخت وظهر المسرح التسجيلى خطوة أبعد نوعا ما نحو التحريض الجماهيرى من المسرح الملمحمى اذ ركز المسرح الملحمى بتقنيات التغريب (خلق مسافة بين العرض المسرحى و الجمهور حتى يترك له الحكم على ما يعرض عليه ويتخذ منه موقفا بالرفض او بالقبول ومن ثم يغير من عاداته او قيمة السلبية وبذلك خرج المسرح الملحمى من عباءة الفلسة الماركسية لأنها تدعو الى التغيير لا الى مجرد التفسير كالفلسفة الحديثة التى سبقتها) كما ركز المسرح التسجيلى على الظاهرة التاريخية ( ما يتكرر من ظواهر عبر تاريخ البشرية تكرس أستغلال القلة المحتكرة أو المستعمرة بأنظمتها العسكرية والحربية لدول أخرى تعج أراضيها بالثروات) وهو مغاير لما ركزت عليه الملحمية من ظواهر أجتماعية تكرس أستغلال الطبقة الأجتماعية للطبقة العاملة تحديدا .
عرفت الحياة المسرحية المسرح الملحمى وعرفت المسرح التسجيلى ترجمة على يد د. عبد الرحمن بدوى والدكتور عبد الغفار مكاوى والدكتور يسرى خميس وعرفت مسرح العبث لصموئيل بيكت ويونسكو وأداموف أربال أدوارألبى وكامى على يد نعيم عطية وفايز أسكندر ونادية كامل وصلاح عبد الصبور وسلماوى وغيرهم . كما عرفت مصر هذه الأنواع على يد سعد أردش وأحمد زكى فى العروض التى أخرجوها مع زملائهم كمال عيد وفاروق الدمرداش وكرم مطاوع ومن قبل هؤلاء الرائد المخرج نبيل الألفى.
وفى مجال الثقافة المسرحية عرفت مصر فن المسرح نصوصا وكتابات نقدية وتاريخا وحرفية تمثيل وحرفية عروض ومناظر على أيدى نخبة نذرت نفسها وعقولها لنقل آثار المسرحيين العالميين الغربيين والشرقيين ترجمة وأقتباسا وأعداد ، وتأليفا فى بعض الأحيان عرف المثقف العربى فى مصر وفى البلاد العربية من هو ستانسلافسكى بوصفه المفكر المسرحى الروسى الذى وضع نظاما لفنون التمثيل يحتذى به كل مخرجى المسرح والسينما والتليفزيون والاذاعة فى كل مجالات الحياة التمثيلية العالمية ، عرفناه عن طريق ترجمة د. محمد زكى العشماوى والفنان محمود مرسى وعرفته الحياة المسرحية خلال ترجمات درينى خشبة لمؤلفاته وعرفنا كتاب المسرح اليونانى أول ما عرفنا عبر ترجمات الدكتور طه حسين ووصلتنا الدراسات التاريخية والنقدية وترجمات النصوص المسرحية على يد أساتذة لا عد لهم ولا حصر منهم محمد القصاص ومحمد مندور ورشاد رشدى ولويس عوض ونعيم عطية وفايز أسكندر وأبراهيم رمزى وعبد القادر القط ومحمد عوض محمد وفاطمة موسى ونادية كامل ومحمد عنانى وسمير سرحان وعبدالعزيز حموده وفؤاد دواره وفتحى العشرى وجلال العشرى وسعد أردش وكمال عيد وصلاح عبد الصبور. وعدد كبير من الأدباء والمترجمين اللبنانيين والسوريين والعراقيين .
تواصلت حركة المسرح وواصلت زخمها مع أنشاء مهرجان القاهرة التجريبى الدولى وتوطدت علاقة السرح المصرى والعربى بالمسرح العالمى عبر دوراته المتكررة على مدى ثمانية عشر عاما مضت ، حيث رفدت العروض العالمية حركتنا المسرحية بالكثير من الأبتكارات التى فعلت القدرات والطاقات الأبداعية والتخييلية لدى شباب مخرجينا وكتابنا وفنانينا المسرحيين ومما لاشك فيه أن الدور التى تلعبه الجريدة الأسبوعية ( مسرحنا) فى رفد شباب مسرح الأقاليم بالثقافة المسرحية وتربط بين نشاطات المسرح فى أقاليم مصر وفى البلاد العربية بما يضفر جهود المسرحيين العرب ويبادل خبراتهم وتوثيقها فضلا عن تدعيمها وعرض مشكلاتها وكشف آفاتها وسلبياتها وأبراز ايجابياتها ، مع رفدها بنصوص مسرحية قصيرة مترجمة وفتح باب النشر أمام كتابات مسرحية أبداعية أو نقدية جديدة وتوسيع حركة المسرح المصرى والعربى ليصبح المسرح للجميع حقيقة فعلية مؤكدة لا مجرد شعار .
الجمعة، يوليو 17، 2009
بنات بحري بين محمود سعيد ووليد عوني
بنات بحري بين محمود سعيد ووليد عوني
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
إشكالية النسبة والتناسب بين لوحة (بنات بحري) على المسرح واللوحة الأصلية
تشكل النسبة والتناسب في العمل الإبداعي الأهمية الكبرى في خلق حالة الاكتمال الفني، وهو الغاية التي ينشدها الفنان أو الأديب صاحب النهج الذي يعادل أو يسعى جاهداً إلى خلق نوع منن أنواع التعادل بين الحقيقة الموضوعية (التاريخية – الواقعية المعيشة) والحقيقة الفنية خاصة إذا نهج في أحد أعماله الإبداعية نهجاً طبيعياً أو واقعياً.
ومحمود سعيد الفنان التشكيلي الذي تمتزج في أعماله التصويرية سمات الواقعية مع سمات الطبيعية وسمات التعبيرية ، حيث يصور الشريحة الاجتماعية الشعبية ويشخص شخوصها تشخيصاً هو أقرب إلى التشريح الذي ينطبع على الوجوه ليعبر عن مزيج من الرضا والقناعة والمسحة الحزينة المهمومة في خطوط تكشف عن حدة كامنة ومتربصة في الوجوه وألوان تشي بالقدم ، إذ تشعر الناظر إليها بأن هذا العالم الذي ينظر إليه هو عالم قديم أو عالم منقرض ؛ بعثته للتو فرشاة الفنان النابضة بعشق الماضي وكل ما هو شعبي وتراثي أصيل ، فالملامح النوبية التي تنطق بها وجوه الشخصيات ، هي التي تحيل الناظر إلى ذاكرته البصرية ليسترجع – وهو يناظر تلك الوجوه – الوجه النوبي المبتسم المهموم في آن واحد ، وتحيل النظرة إليه إلى الذاكرة البصرية عند من وقف أمام لوحة (الموناليزا) لدافينشي ؛ ذلك الوجه المشع بالبسمة الحزينة والنظرة التي تتجه إلى كل الجهات ؛ فالناظر إلى (الموناليزا) من أية زاوية من زوايا الرؤية يجد تلك البسمة الحزينة والنظرة الحزينة نفسها ، مرتسمة في وجه الشخصية المصورة ؛ والناظر إلى أي وجه من وجوه لوحة (بنات بحري) يكاد يرى نفس الملامح والخطوط والسمات مكررة بشكل أو آخر على وجوه شخصيات اللوحة ، وهذا ما يبعدها – إلى حد ما – عن النهج الطبيعي في الوقت الذي يقربها منه أيضاً ، فتكرار السمات نفسها والملامح على كل الوجوه يبعدها عن تشخيص حالة التفرد ما بين وجه وآخر ؛ غير أن الاكتمال الفني في تشخيص ملامح الشخصية منفردة – كل على حدة – يجسد المنحى الطبيعي الناقل للصفة الوراثية والبيئية بكل ما يتفاعل فيها من عناصر. وبذلك تطل شخصية الفنان محمود سعيد معلنة من وراء وجوه شخصيات لوحته الفريدة عن ذاته الساكنة في اللوحة مما يؤطرها بإطار التعبيرية التي تتجلى فيها مشاعر الفنان نفسه وهنا يؤكد النقد الفني الحقيقي على أن الأدب والفن لا تنفصل في أي منهما ملامح عدد من الأساليب الفنية حتى لو طغى أسلوب منها في العمل الإبداعي على ملامح الأساليب التي شاركت في نسج خيوطه الإبداعية وشهر العمل به ؛ فكل إبداع أدبي أو فني حقيقي تتداخل فيه الأسلايب فتعمقه وتثريه وتضعه على طريق الخلود وهذا هو شأن هذه اللوحة ، لذا أغرت الفنان وليد عوني ليعيد إنتاجها إبداعاً نابضاً بالحركة والحياة عبر وسيط إبداعي مغاير ، فعندما نقف أمام اللوحة الجمالية الراقصة التي جسد فيها الفنان (وليد عوني) (بنات بحري) على المسرح تجسيداً حياً عندما أعاد قراءتها قراءة بصرية ؛ ودعانا لنقرأ اللوحة معه قراءة جديدة وحداثية عن طريق فك شفرة حروفها وجملتها الحركية غير الكلامية متوحدة مع الجمل النغمية الموسيقية المصورة لجماليات التعبير الاستعراضي الدرامي الراقص ، المتوسل بالمونولوج الراقص الذي يحاور فيه جسد كل راقصة من (بنات بحري الثلاثة) نفسه مع أول إطلالة تخرج منها كل منهن من أحد جوانب المسرح (الكالوس) بصحبة المبدع الثاني للوحة المخرج (وليد عوني) نفسه الذي أعاد قراءة اللوحة المستنسخة من لوحة محمود سعيد على ضوء (فانوس) شعبي شحيح الضوء ، قراءة تأمل انفرادية ليميل نحو (كواليس) المسرح مرة يميناً وأخرى شمالاً فيصحب في كل مرة احدى البنات متدثرة بملاءتها السوداء التي تؤطر بها من الخلف جزءاً من عُجزها، ثم تطوي طرفيها على ذراعيها وتقبض عليهما بطرفيها كما لو كانت تقبض على لجام طاقة شباب فتيات بحري كلهن لتشكم جماح أنوثتهن المراهقة التي أطلقها المخرج عندما أطلق البنات من إطار اللوحة ليملأن الفضاء المسرحي تبختراً وتغندراً وتمايلاً وانثناءً تخرج له عيون المشاهدين إعجاباً وترحابا وهن كما هن ممشوقات كما رسمهن محمود سعيد في لوحته الأصلية ، على الرغم من الانثناءات والاستدارات . وما أن تستقر كل بنت منهن في بقعة الضوء التي تتركز عليها وتؤطرها ، ويتشكل من ثلاثتهن تكويناً منفصلاً ، قائماً على الانفرادية ومن ثم الإحساس الأنثوي بالتفرد الهلنستي ؛ كما لو كانت كل منهن تشعر من داخلها بأنها (هيلين) فاتنة الأمير (باريس الطروادي) بعثت في فضاء خشبة المسرح بأوبرا سيد درويش بالإسكندرية .
المتفرج السكندري الذي رأى نفسه وجهاً لوجه أمام (هيلينيات ثلاث) تقنعت كل منهن خلف ملاءة (بنت بحري) فتوهم كل متفرج نفسه باريس الإسكندراني ففز من مقعده لتدفعه زوجته التي قيدته إلى جوارها بلكزة رجولية تلصقه بظهر الكرسي.
ولأنني ذهبت إلى العرض دون نصفي الآخر (الحلو بالطبع) ، لذلك فقد تلبّسني الوهم فظننت من شدة إعجابي (ببنات وليد عوني) أنني (أبو اسكندر باريس).
ولكن طبع الناقد وتطبعه عاودني بعد مرور أيام على مشاهدتي لبنات بحري بريشة وليد عوني استنساخاً من اللوحة الأصلية لمحمود سعيد بعد أن زالت عني نشوتي الموسيقية والتشكيلية وتلبستني جنية النقد أدرت شريط الفيديو الذي أهداني إياه المخرج الفنان وليد عوني وعاودت مشاهدة ( بنات بحري) بعين ثالثة هي عين الناقد ؛ فلاحظت خللاً في تناسب الراقصات الثلاث مع مقاييس اللوحة المستنسخة خلفهن عن أصل لوحة (بنات بحري) للفنان محمود سعيد ، فالشخصيات المرسومة في اللوحة المفترض خروج البنات منها ليجسدن حوارية رقص شعبي بديع يستعرض فيها مفاتنهن من وراء (الملاءة اللف) وبدونها في تمردهن الجماعي على سجن اللوحة أو في تعبير كل منهن المنفرد على هيئة مونولوج راقص يعبر فيه الجسد عن جوهر ما يشعر به وما يعانيه منن جراء قيود اللوحة وجوهر ما يريده من انطلاق وتحرر تعبيراً عن الطاقة الشعورية والانفعالية الكامنة بداخلها مع استعراض ما تنفرد به عن زميلتيها من إغراء وجمال وسحر وقدرة على جذب الأنظار إلى بوح الجسد النسوي الفتي المتمرد. إلى جانب تآزرهن في أداء جماعي راقص يستعرض فيه هوية بنت بحري ، التي يعكسها زجل بيرم التونسي – ابن بحري والسيالة – في رسمه لشخصية الإسكندر، فهن في رقصهن الجماعي مشاكسات فحركات الأجساد في جماعية التعبير الحركي الدرامي الراقص تشف عن تصدٍ جماعي لمعاكسات شباب متخيل يضايقهن ويتقاطع مع سيرهن الترويحي الاستعراضي على الكورنيش وذلك لا يحول دون قصدية كل واحدة من البنات الثلاثة في أن تتبدى متفردة في فتنتها وقدرتها على اجتذاب الشباب والإيقاع بهم ثم نفورها ممن ينجذب إليها منهم.
ويتبدى الخلل أيضاً في المساحة الخالية في مركز اللوحة المستنسخة من اللوحة الأصلية لمحمود سعيد ، وهي المساحة التي تركها الفنان الناسخ للوحة الأصلية تعبيراً عن كونها المساحة التي تقف فيها (بنات بحري) الثلاث ، فالناظر إلى اللوحة في الخلفية يشعر بعدم توازن اللوحة فمن ناحية يمين اللوحة – من جهة نظر المتفرج – يرى بائع شراب العرقسوس الشعبي ، ومن ناحية يسارها يرى طفلاً يجلس على ظهر حمارجلسة غير متمكنة – جانبية بما يغاير الحقيقة الواقعية لأنه يصبح معرضاً للسقوط – إلاّ إذا كانت طفلة ويخشى عليها من خطر فض غشاء بكارتها إذا أجلست على ظهر الحمار جلسة تمكن تسقط فيها ساقيها على جانبي الحمار الذي سمح لها بركوبه . وعلى الجانب المختفي للحمار يقف والدها متجهاً بكل كيانه نحو الفراغ الذي خصص لتكوين (بنات بحري) في الصورة ، كما لو كن متواجدات.
إن هذا الفراغ يشكل تشويهاً ملحوظاً للوحة ، قبل خروج الراقصات الثلاث من كواليس المسرح وهو تشويه قريب من أسلوب المدرسة الشكلانية ، لو أن الفنان المخرج كان متعمداً أو متقصداً ذلك الانحراف في الصورة ، بغرض صنع جمالية التشويه أو ما يطلق عليه برتولت بريشت : ( الرائع في المشوه والمشوّه في الرائع)
غير أنه من الحق أن نقول إن تلك المساحة الخالية في اللوحة المصورة والمستنسخة عن لوحة (بنات بحري) لمحمود سعيد لا تكاد تلفت نظر المشاهد في تصدّي الراقصات الثلاث لأمامية الصورة في حركتهن الرشيقة البديعة وتكويناتها الجمالية.
ومع ذلك يبقى الخلل قائماً في نسبة أجسام الراقصات الثلاثة إلى نسبة أجسام شخصيات اللوحة التي تتصدر الصورة المستنسخة عن الأصل ، خاصة وأن الراقصات الثلاثة (بنات بحري) يتصدرن اللوحة في كل تكوين لهن أمام المساحة الخالية في اللوحة الخلفية المصوّرة . فلا نسبة ولا تناسب.
وللانصاف أقول ماذا كان بوسع وليد عوني أن يفعل ؟ هو واقع بين إشكالية وضوح تفصيلات اللوحة الخلفية المستنسخة للجمهور ، وإشكالية صغر أحجام الراقصات المجسدات للبنات الثلاثة بالنسبة لأحجام الشخصيات المرسومة فمن أين يأتي براقصات ذوات أجسام تتوافق مع أجسام الشخصيات المرسومة في اللوحة الخلفية. وهي إشكالية لا حل لها. وهنا نصبح وجهاً لوجه أمام ما طرحناه في مقدمة هذا المقال حول إشكالية الحقيقة التاريخية والاجتماعية والحقيقة الفنية. ولاشك أن الأدب والفن يغلب الحقيقة الفنية على الحقيقة التاريخية أو الحقيقة الاجتماعية وهذا معناه أن على طرف المعادلة في العرض المسرحي أن يرضخ لشرط التعاقد الضمني الذي تم بينه وبين العرض المسرحي والذي يقضي بأن العرض المسرحي يقدم نفسه في رداء الإيهام والجمهور المتلقي لذلك العرض عليه أن يتقبل الإيهام عبر أساليبه الممتعة ومضامينه المقنعة وبذلك يتحقق التفاعل عبر معادلة العناصر الفنية في نسجية العرض المسرحي مع التعبير الشعوري المعروض في تلاحمه وتفاعله مع التعبير الشعوري الجماهيري المستقبل له.
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
إشكالية النسبة والتناسب بين لوحة (بنات بحري) على المسرح واللوحة الأصلية
تشكل النسبة والتناسب في العمل الإبداعي الأهمية الكبرى في خلق حالة الاكتمال الفني، وهو الغاية التي ينشدها الفنان أو الأديب صاحب النهج الذي يعادل أو يسعى جاهداً إلى خلق نوع منن أنواع التعادل بين الحقيقة الموضوعية (التاريخية – الواقعية المعيشة) والحقيقة الفنية خاصة إذا نهج في أحد أعماله الإبداعية نهجاً طبيعياً أو واقعياً.
ومحمود سعيد الفنان التشكيلي الذي تمتزج في أعماله التصويرية سمات الواقعية مع سمات الطبيعية وسمات التعبيرية ، حيث يصور الشريحة الاجتماعية الشعبية ويشخص شخوصها تشخيصاً هو أقرب إلى التشريح الذي ينطبع على الوجوه ليعبر عن مزيج من الرضا والقناعة والمسحة الحزينة المهمومة في خطوط تكشف عن حدة كامنة ومتربصة في الوجوه وألوان تشي بالقدم ، إذ تشعر الناظر إليها بأن هذا العالم الذي ينظر إليه هو عالم قديم أو عالم منقرض ؛ بعثته للتو فرشاة الفنان النابضة بعشق الماضي وكل ما هو شعبي وتراثي أصيل ، فالملامح النوبية التي تنطق بها وجوه الشخصيات ، هي التي تحيل الناظر إلى ذاكرته البصرية ليسترجع – وهو يناظر تلك الوجوه – الوجه النوبي المبتسم المهموم في آن واحد ، وتحيل النظرة إليه إلى الذاكرة البصرية عند من وقف أمام لوحة (الموناليزا) لدافينشي ؛ ذلك الوجه المشع بالبسمة الحزينة والنظرة التي تتجه إلى كل الجهات ؛ فالناظر إلى (الموناليزا) من أية زاوية من زوايا الرؤية يجد تلك البسمة الحزينة والنظرة الحزينة نفسها ، مرتسمة في وجه الشخصية المصورة ؛ والناظر إلى أي وجه من وجوه لوحة (بنات بحري) يكاد يرى نفس الملامح والخطوط والسمات مكررة بشكل أو آخر على وجوه شخصيات اللوحة ، وهذا ما يبعدها – إلى حد ما – عن النهج الطبيعي في الوقت الذي يقربها منه أيضاً ، فتكرار السمات نفسها والملامح على كل الوجوه يبعدها عن تشخيص حالة التفرد ما بين وجه وآخر ؛ غير أن الاكتمال الفني في تشخيص ملامح الشخصية منفردة – كل على حدة – يجسد المنحى الطبيعي الناقل للصفة الوراثية والبيئية بكل ما يتفاعل فيها من عناصر. وبذلك تطل شخصية الفنان محمود سعيد معلنة من وراء وجوه شخصيات لوحته الفريدة عن ذاته الساكنة في اللوحة مما يؤطرها بإطار التعبيرية التي تتجلى فيها مشاعر الفنان نفسه وهنا يؤكد النقد الفني الحقيقي على أن الأدب والفن لا تنفصل في أي منهما ملامح عدد من الأساليب الفنية حتى لو طغى أسلوب منها في العمل الإبداعي على ملامح الأساليب التي شاركت في نسج خيوطه الإبداعية وشهر العمل به ؛ فكل إبداع أدبي أو فني حقيقي تتداخل فيه الأسلايب فتعمقه وتثريه وتضعه على طريق الخلود وهذا هو شأن هذه اللوحة ، لذا أغرت الفنان وليد عوني ليعيد إنتاجها إبداعاً نابضاً بالحركة والحياة عبر وسيط إبداعي مغاير ، فعندما نقف أمام اللوحة الجمالية الراقصة التي جسد فيها الفنان (وليد عوني) (بنات بحري) على المسرح تجسيداً حياً عندما أعاد قراءتها قراءة بصرية ؛ ودعانا لنقرأ اللوحة معه قراءة جديدة وحداثية عن طريق فك شفرة حروفها وجملتها الحركية غير الكلامية متوحدة مع الجمل النغمية الموسيقية المصورة لجماليات التعبير الاستعراضي الدرامي الراقص ، المتوسل بالمونولوج الراقص الذي يحاور فيه جسد كل راقصة من (بنات بحري الثلاثة) نفسه مع أول إطلالة تخرج منها كل منهن من أحد جوانب المسرح (الكالوس) بصحبة المبدع الثاني للوحة المخرج (وليد عوني) نفسه الذي أعاد قراءة اللوحة المستنسخة من لوحة محمود سعيد على ضوء (فانوس) شعبي شحيح الضوء ، قراءة تأمل انفرادية ليميل نحو (كواليس) المسرح مرة يميناً وأخرى شمالاً فيصحب في كل مرة احدى البنات متدثرة بملاءتها السوداء التي تؤطر بها من الخلف جزءاً من عُجزها، ثم تطوي طرفيها على ذراعيها وتقبض عليهما بطرفيها كما لو كانت تقبض على لجام طاقة شباب فتيات بحري كلهن لتشكم جماح أنوثتهن المراهقة التي أطلقها المخرج عندما أطلق البنات من إطار اللوحة ليملأن الفضاء المسرحي تبختراً وتغندراً وتمايلاً وانثناءً تخرج له عيون المشاهدين إعجاباً وترحابا وهن كما هن ممشوقات كما رسمهن محمود سعيد في لوحته الأصلية ، على الرغم من الانثناءات والاستدارات . وما أن تستقر كل بنت منهن في بقعة الضوء التي تتركز عليها وتؤطرها ، ويتشكل من ثلاثتهن تكويناً منفصلاً ، قائماً على الانفرادية ومن ثم الإحساس الأنثوي بالتفرد الهلنستي ؛ كما لو كانت كل منهن تشعر من داخلها بأنها (هيلين) فاتنة الأمير (باريس الطروادي) بعثت في فضاء خشبة المسرح بأوبرا سيد درويش بالإسكندرية .
المتفرج السكندري الذي رأى نفسه وجهاً لوجه أمام (هيلينيات ثلاث) تقنعت كل منهن خلف ملاءة (بنت بحري) فتوهم كل متفرج نفسه باريس الإسكندراني ففز من مقعده لتدفعه زوجته التي قيدته إلى جوارها بلكزة رجولية تلصقه بظهر الكرسي.
ولأنني ذهبت إلى العرض دون نصفي الآخر (الحلو بالطبع) ، لذلك فقد تلبّسني الوهم فظننت من شدة إعجابي (ببنات وليد عوني) أنني (أبو اسكندر باريس).
ولكن طبع الناقد وتطبعه عاودني بعد مرور أيام على مشاهدتي لبنات بحري بريشة وليد عوني استنساخاً من اللوحة الأصلية لمحمود سعيد بعد أن زالت عني نشوتي الموسيقية والتشكيلية وتلبستني جنية النقد أدرت شريط الفيديو الذي أهداني إياه المخرج الفنان وليد عوني وعاودت مشاهدة ( بنات بحري) بعين ثالثة هي عين الناقد ؛ فلاحظت خللاً في تناسب الراقصات الثلاث مع مقاييس اللوحة المستنسخة خلفهن عن أصل لوحة (بنات بحري) للفنان محمود سعيد ، فالشخصيات المرسومة في اللوحة المفترض خروج البنات منها ليجسدن حوارية رقص شعبي بديع يستعرض فيها مفاتنهن من وراء (الملاءة اللف) وبدونها في تمردهن الجماعي على سجن اللوحة أو في تعبير كل منهن المنفرد على هيئة مونولوج راقص يعبر فيه الجسد عن جوهر ما يشعر به وما يعانيه منن جراء قيود اللوحة وجوهر ما يريده من انطلاق وتحرر تعبيراً عن الطاقة الشعورية والانفعالية الكامنة بداخلها مع استعراض ما تنفرد به عن زميلتيها من إغراء وجمال وسحر وقدرة على جذب الأنظار إلى بوح الجسد النسوي الفتي المتمرد. إلى جانب تآزرهن في أداء جماعي راقص يستعرض فيه هوية بنت بحري ، التي يعكسها زجل بيرم التونسي – ابن بحري والسيالة – في رسمه لشخصية الإسكندر، فهن في رقصهن الجماعي مشاكسات فحركات الأجساد في جماعية التعبير الحركي الدرامي الراقص تشف عن تصدٍ جماعي لمعاكسات شباب متخيل يضايقهن ويتقاطع مع سيرهن الترويحي الاستعراضي على الكورنيش وذلك لا يحول دون قصدية كل واحدة من البنات الثلاثة في أن تتبدى متفردة في فتنتها وقدرتها على اجتذاب الشباب والإيقاع بهم ثم نفورها ممن ينجذب إليها منهم.
ويتبدى الخلل أيضاً في المساحة الخالية في مركز اللوحة المستنسخة من اللوحة الأصلية لمحمود سعيد ، وهي المساحة التي تركها الفنان الناسخ للوحة الأصلية تعبيراً عن كونها المساحة التي تقف فيها (بنات بحري) الثلاث ، فالناظر إلى اللوحة في الخلفية يشعر بعدم توازن اللوحة فمن ناحية يمين اللوحة – من جهة نظر المتفرج – يرى بائع شراب العرقسوس الشعبي ، ومن ناحية يسارها يرى طفلاً يجلس على ظهر حمارجلسة غير متمكنة – جانبية بما يغاير الحقيقة الواقعية لأنه يصبح معرضاً للسقوط – إلاّ إذا كانت طفلة ويخشى عليها من خطر فض غشاء بكارتها إذا أجلست على ظهر الحمار جلسة تمكن تسقط فيها ساقيها على جانبي الحمار الذي سمح لها بركوبه . وعلى الجانب المختفي للحمار يقف والدها متجهاً بكل كيانه نحو الفراغ الذي خصص لتكوين (بنات بحري) في الصورة ، كما لو كن متواجدات.
إن هذا الفراغ يشكل تشويهاً ملحوظاً للوحة ، قبل خروج الراقصات الثلاث من كواليس المسرح وهو تشويه قريب من أسلوب المدرسة الشكلانية ، لو أن الفنان المخرج كان متعمداً أو متقصداً ذلك الانحراف في الصورة ، بغرض صنع جمالية التشويه أو ما يطلق عليه برتولت بريشت : ( الرائع في المشوه والمشوّه في الرائع)
غير أنه من الحق أن نقول إن تلك المساحة الخالية في اللوحة المصورة والمستنسخة عن لوحة (بنات بحري) لمحمود سعيد لا تكاد تلفت نظر المشاهد في تصدّي الراقصات الثلاث لأمامية الصورة في حركتهن الرشيقة البديعة وتكويناتها الجمالية.
ومع ذلك يبقى الخلل قائماً في نسبة أجسام الراقصات الثلاثة إلى نسبة أجسام شخصيات اللوحة التي تتصدر الصورة المستنسخة عن الأصل ، خاصة وأن الراقصات الثلاثة (بنات بحري) يتصدرن اللوحة في كل تكوين لهن أمام المساحة الخالية في اللوحة الخلفية المصوّرة . فلا نسبة ولا تناسب.
وللانصاف أقول ماذا كان بوسع وليد عوني أن يفعل ؟ هو واقع بين إشكالية وضوح تفصيلات اللوحة الخلفية المستنسخة للجمهور ، وإشكالية صغر أحجام الراقصات المجسدات للبنات الثلاثة بالنسبة لأحجام الشخصيات المرسومة فمن أين يأتي براقصات ذوات أجسام تتوافق مع أجسام الشخصيات المرسومة في اللوحة الخلفية. وهي إشكالية لا حل لها. وهنا نصبح وجهاً لوجه أمام ما طرحناه في مقدمة هذا المقال حول إشكالية الحقيقة التاريخية والاجتماعية والحقيقة الفنية. ولاشك أن الأدب والفن يغلب الحقيقة الفنية على الحقيقة التاريخية أو الحقيقة الاجتماعية وهذا معناه أن على طرف المعادلة في العرض المسرحي أن يرضخ لشرط التعاقد الضمني الذي تم بينه وبين العرض المسرحي والذي يقضي بأن العرض المسرحي يقدم نفسه في رداء الإيهام والجمهور المتلقي لذلك العرض عليه أن يتقبل الإيهام عبر أساليبه الممتعة ومضامينه المقنعة وبذلك يتحقق التفاعل عبر معادلة العناصر الفنية في نسجية العرض المسرحي مع التعبير الشعوري المعروض في تلاحمه وتفاعله مع التعبير الشعوري الجماهيري المستقبل له.
تقنيات الكتابة السينمسرحية في تسابيح أدول النيلية
تقنيات الكتابة السينمسرحية في تسابيح نيلية
د. أبو الحسن سلام
الفن الحقيقي يجود بما فيه من قوة ؛ ليبلغ غرضاً لم يصل إليه سواه وهو يتخطى المعتاد طامحاً إلى أن يكون موسيقياً ، ولأن المرء لا يستطيع أكثر مما يعرف ولا يعرف أكثر مما يستطيع فكثيراً ما يكتفي الفنان بخلق الموسيقى الداخلية في إبداعه وذلك بعقد قران غير شرعي بين الشعر والموسيقى على فراش النثر.
ولقد سعى أدول عبر تسابيحه النيلية لنقل معرفته على قدر استطاعته واستطاع تحقيق ذلك على قدر معرفته وهي غير قليلة فجاء ما صوره شبيهاً به من حيث الجدة والأصالة ، ولم يكن في حاجة إلى اصطياد الألفاظ لأن لديه شيئاً يقوله . ومع أن الوصول إلى الينابيع والأصول يحتاج إلى وسائل يصعب الوصول إليها - بتعبير فاجنر – إلاّ أننا وجدنا أدول يصل إلى منابع تراثه وأصوله بيسر ، وذلك مرجعه معايشته لمنابعه فهي كما هو واضح تسكنه ومن ثم تسكن كل أعماله بدءاً من (ناس النهر) غير أن روح العصر تفرض ألواناً من التعبير تلائم إيقاعاتها المتسارعة ولذلك ينسج أدول تسابيحه النيلية في شكل خليط بين المسرح والسينما بحيث يعطي أولوية التعبير للغة الصورة
يقول ستانسلافسكي :
" إن الاستسلام لسلطة القوالب الجامدة لا يكلف شيئاً " وفي نص (تسابيح نيلية) لم أجد المؤلف مقيداً إلى قوالب جامدة .
ويقول بيكاسو : " أنا لا أنقل من الطبيعة بل أعمل معها وأمامها" ولم أجد حجاج أدول في نصه هذا إلاّ عاملاً مع الطبيعة وأمامها .
ويقول باختين : " إن جميع الكلمات توجد بثلاثة وجوه :
كلمة محايدة في اللغة لا تنتمي لأي شخص ، وكلمة تنتمي لشخص آخر وهي محملة بصدى ما ينطق به هذا الشخص . أما الكلمة الثالثة فهي التي تحمل ما أعبر عنه " وأرى أن كلمة حجاج أدول في نص تسابيح نيلية الكلمة الأولى إلى كلمة ثالثة وإذا كانت (كل الكلمات تشتمل على اقتباس من كلمات سابقة حيث لا وجود لاقتباس متطابق مع الأصل أبداً لأن المضمون لا يتوقف عن التغيير) - بتعبير باختين – فقد رأيت ذلك ماثلاً في نص (تسابيح نيلية) خير مثول فالكلمات فيها وإن كانت مقتبسة من كلمات التراث الديني والطقوس الشعبية المصرية إلاّ أنها تتطابق مع الأصل التراثي بل تصب في مضمون أراده أدول نفسه. وإذا علمنا أن في مجال النص المسرحي توجد نصوص مترابطة ونصوص تقوم على الترابط النص ونصوص غير مترابطة
وأن النص المترابط : يقوم على الروابط التي تصل بين مختلف أجزاء النص ومكوناته ومن أمثلته وجود راوٍ أو كورس أو غناء يربط بين المشاهد دون سعي إلى خلق اكتمال فني مثل الملحمية .
وأن الترابط النصي : هو سمة التفاعل المميزة للنص وهي خاصية عدم الاعتراف بفكرة موت المؤلف وفيه سعي ظاهر للوصول إلى الاكتمال الفني
وأن النص غير المترابط : هو نص يتقصد عدم النزوع إلى الترابط مثل الدادية ، السيريالية ، العبثية ، نصوص ما بعد الحداثة) فهي تتقصد اللااكتمال فنياً .
فإن قراءتنا لنص (تسابيح نيلية) تكشف عن أنه ينتمي لنوعية النص غير المترابط، لأنه يتجاوز شروط فن المسرح دون أن يعتدي عليها ليزاوج بينها وبين فن السيناريو الذي يقوم على الصورة واللغات غير الكلامية ويجعل لغة الكلام مجرد لغة موازية وهو أمر سوف نقيم عليه الدليل بشواهد من النص نفسه.
السمات المركزية لنص " تسابيح نيلية "
كل نص يتأسس على سمات مركزية هي : (الشبكة – الروابط – النسيج – انفتاح النص)
الشبكة : وتتكون من منظومات الفكر والشكل والتعبير ومنظومة التناص والمقاربات المعرفية اليقينية والمظنونة ونص (تسابيح نيلية) يتمثل تلك المنظومة خير تمثيل .
الروابط : وتتكون من عناصر الربط المتقن بين منظومة المادة والشكل والتعبير أي في اختيار المادة وفي البنية الصغرى (المشاهد) وفي البنية الكبرى التعبير النهائي الذي تنتجه المسرحية . وقد وجدت أن نص (تسابيح نيلية) غير متقصد لصنع روابط متقنة
النسيج : وهو نتاج تفاعل البعد الفكري مع البعد اللغوي والبعد الدلالي والبعد النحوي والبعد التعبيري والإحالات المعرفية التداولية والسياقية . والنسيج في مسرحية أو سينمسرحية ( تسابيح نيلية) لا يتأسس على اللحمة وسداها بل يقوم على تقنية القطع والوصل والقطع والمزج . وهي تقنية في التصوير السينمائي والتليفزيوني.
مظاهر تجليات نص (تسابيح نيلية)
نعرف أن لكل إبداع تجلياته التي لا يسمى إبداعاً بدونها . وتتمثل تجليات نص (تسابيح نيلية) في عدد من المظاهر منها :
( توليد الصور – توليد الدلالات في الصورة الواحدة – جماليات الصورة – عمق التصوير – تلقائية التعبير وغيرها مثل :
• تراكيب البنية وتفاعلها دلالياً وتداولياً ومعجمياً مع الموقف لتحقيق الأثر الاحتفالي والطقسي الممتع.
• تقنية التفكيك المتعمد لمواريث اعتقادية .
• تقنية المناجاة بمستوياتها المتباينة من حيث الغرض : ( مناجاة ابتهالية ترديدية فردية أو جماعية لنص ديني – مناجاة إعلامية – مناجاة تعليمية) وكلها تهدف إلى تأصيل الموروث التديني ( الفرعوني – المسيحي – الإسلامي)
• تفاعل النص مع نصوص أخرى وقد حفل نص تسابيح نيلية بغير القليل من نصوص دينية ومدائح وتسابيح هي جزء لا يتجزأ من منظومة المعارف غير اليقينية (الظنية) المتجذرة في الوجدان الشعبي المصري منذ آلاف السنين ومن أمثلتها مناجاة كل من الكاهن الفرعوني والقس ورجل الدين المسلم فكل منهم يترنم بترديد نص من نصوص عبادته وفق شريعته ووفق وجهته التدينية .
• تنويع العلامات وطرق تشكلها وسبل تواصلها بعضها بعضاً وسبل تواصل المتلقي معها وفق مستويات التلقي
ولا شك أن العلامات في نص (تسابيح نيلية) من الوفرة في طرق التشكل وسبل التواصل بحيث تحسب لحجاج أدول ولإعادة بعثة للدراما الطقسية فتوالد قصة موسى وتشخيص أهل النوبة لها مع ولادة كل مولود بتكرار الاحتفالية حيث يلقي نموذج مركب صغير في النيل وتنثر بداخل حبوب القمح وتضاء شمعة وتوالد قصة إيزيس وأوزوريس وست وحورس في مشهد احتفالي تشخيصي يؤديه أهل النوبة وغياب شخصية آدم بعد ولادة ابنه إدريس وبقاء هوّا (حواء) منفردة مع فتيات ونساء وحبيبة لمقاومة ست الذي يتخذ أشكالاً متعددة ومتباينة لغزاة وطئوا أرض النيل كلها صور متوالدة ينسجها أدول بمهارة ويربط بينها بمهارة.
ولأنه عاشق للنيل لذلك نجد أن اللطبيعة لها الأولوية ويقدم الزمان على المكان في المشهد الافتتاحي لتظهر مؤثرات الميديا في المسرح فكان البدء بتحديد الزمان بدقة دون تحديد دقيق للمكان وكان البدء بصورة الأفق قبل وقوع عين الكاميرا على الأرض وهو يبدع ذلك بتقنيات السينما :
- بداية الغروب الشفق يصبغ المشهد : لقطة عامة بانورامية
- خاصة شواشي النخيل : لقطة قريبة
- يتلاشى الغروب مع بزوغ القمر : تقنية القطع والمزج
- "جانب من نهر النيل وضفته ونخيل رشيق": تحديد المكان ثم تحديد
عناصره المصنوعة للبيئة وخصوصيتها وصولاً إلى الإنسان.
تقنيات الصورة :
• عين المؤلف بديلاً لعين الكاميرا : تركيز عين الكاتب على الغروب في السماء هو تركيز على المطلق وعلى اللامكان فالسماء في مواجهة كل مكان من الأرض لأنها غلاف لها .
• بدء الصورة بالعام المطلق ، فالعام المحدد (السماء ثم الأرض) ثم الخاص البيئي فالخاص الذاتي (الزي- الغناء)
• عودة للعام المقيد ( مجموعة من الفتيان والفتيات في هرولة ضاحكين) (راقصين رقصات نوبية)
الفعل ورد الفعل :
جمال الطبيعة على ضفاف النيل في النوبة دفعت شباب النوبة إلى الانتشاء والانطلاق تعبيراً عن الفرحة التي اتخذت من الغناء والرقص مظهراً تتنوع أشكاله ما بين الذاتية والعمومية.
تقنيات السيناريو :
الوصف : برسم حركة الكاميرا بوصفها العين المسجلة أو الناقلة لانعكاس الطبيعة على الفرد وعلى الجماعة في مجتمع ما . والطبيعة هنا السماء والأرض سماء تغلف بقعة من نيل مصر وريفها في النوبة .
فالكاميرا في السينما أو الفيديو تتسع حدقتها وتضيق ويبتعد مدى إبصارها ويقترب، تستيقظ وتغفو ، تلمح وتحدق ، تماماً مثلما تفعل العين البشرية . أي أنها تحس وتشعر ، تحنو وتحتد ، تغض الطرف وتتلصص غير أنها مأمورة بإرادة الفنان وبوجدانه .
ولقد أحل حجاج عينه محل الكاميرا فكان لها ما كان للكاميرا السينمائية لتسجل للقارئ فعل الطبيعة في تحريك الفعل الإنساني في اتجاه الاستمتاع بتلك الطبيعة الخلابة
لكن أين الدراما وهي الأصل في فن المسرح وفي فنون السينما ، ومعلوم أن لا دراما بدون صراع لعاطفة بشرية مع أخرى وصراع لإرادتين بشريتين في حالة من النمو – بغض النظر عن تعدد أشكاله ودرجاته – وعندما نقول النمو فقصد التدرج في الفعل ورده ، في تفاعلهما إيجاباً أو سلباً
من هنا يخلص أدول في تصويره من العام المطلق إلى العام المقيد متدرجاً أو مقترباً عبر نظرته البانورامية للطبيعة الكونية مروراً بالطبيعة البيئية هابطاً من علٍ إلى أرض ريف النوبة بجمالياته ليركز نظرته أو نظرتنا من خلال عينه الفنانة على "هوّا " أو حواء و "آدم"
ومع أن تلك الوقفة التي انتهت إليها عين الكاميرا البشرية لحجاج أدول إلى نقطة اللقاء الذي هو بداية التلاحم إيجاباً أم سلباً مما يعد البداية الحقيقية لأي صراع ، إلاّ أن ذلك مع ما لازمه من جماليات التصوير ، ولزمه من ضرورات التأسيس الدرامي للفعل ، إلاّ أن تقنية التشوف عن بعد ، تعميقاً للصورة وتأكيداً لبلاغتها ، لا تبوح بالمسكوت عنه إلاّ لعين متأملة وباحثة ؛ تزن الصورة بميزانها فتقدر أو تثمن عمق تصوير الكاتب حجاج أدول.
فهبوط الكاميرا البشرية (عين الكاتب) من السماوات العلى مع بداية غروب في اتجاه الأرض ، هو إحالة معرفية تراثية معادلة لهبوط (آدم وحواء) من الجنة عندما أفل نجمهما بعد تذوقهما لطعم المعرفة. وبهبوطهما الاضطراري إلى الأرض كانت بداية الصراع . صراع الأنا مع الآخر أو حواء (هوّا) و (آدم) الذي تنوع وتكاثر فأصبح آدم أكثر من آدم وأصبحت حواء أكثر من حواء ومعادله الفتى في نص (تسابيح نيلية) ماثل في تحول رقص (آدم) و(هوّا) إلى رقص جماعي لمجاميع شبابية من الجنسين.
هكذا ينقل لنا حجاج أدول ما وراء الصورة ، دلالة التعبير الأدبي والفني فهو يوحي بأن بدء الخليقة ، بدء الحياة الآدمية قد وقعت في النوبة على ضفاف نيل مصر العظيمة. وهو بتلك الإحالة الإيحائية يسحب البساط من تحت أقدام الزعم الهندي الشائع بأن هبوط آدم وحواء قد كان على جزيرة سيريلانكا
الفكرة والشكل والأسلوب :
يوظف المؤلف تقنيات كتابة السيناريو ليكشف لنا النص المسرحي عن تأثيرات فنون الفيديو والكتابة السينمائية على المسرح . حيث التركيز على الصورة بوصفها لغة غير كلامية . لذا نجد عين الكاتب بديلاً لعدسة الكاميرا ونجد بعض تقنيات السيناريو ماثلة في نص (تسابيح نيلية) بصفتها الوسائل الدرامية والجمالية الأكثر تحقيقاً لبلاغة خطاب أدول الفكري الذي يتمحور حول النوبة بوصفها مهبط (حواء وآدم) من الجنة إلى الأرض لإعمارها. وهو خطاب لو وظف الكاتب له اللغات الحوارية وغير الكلامية لفقد جمالياته وفقد بلاغته وتحول إلى خطاب دعائي مباشر ؛ وبذلك يفقد تأثيره ومن ثم مصداقيته ولا يتبقى له إلاّ مجرد الحفظ بين دفتي المطبوعة التي حوته.
فتوظيف أدول للغة غير الكلامية لغة التصوير المرئي تتيح للتلقي تعدد الدلالات ، وهو بذلك يقف تحت راية الحداثة ، ومن ثم يعد بعمله هذا مجدداً في الشكل الفني للكتابة المسرحية من منطلق الضرورة التي يحتمها الموضوع أو الفكرة التي انطلق منها .
والكاتب المسرحي قد ينطلق من فكرة وقد درج مسرح الفكر عند جورج برنارد شو، وعند بريشت ، وعند سارتر، وعند كامي ، وعند كتاب العبث وكذلك الأمر عند توفيق الحكيم ويوسف عز الدين عيسى ومهدي بندق ويوسف إدريس في (المخططين)
وقد ينطلق من الحدث كما فعل كتّاب المسرح اليوناني وقد ينطلق من الشخصية كما فعل شكسبير وكما فعل ألفريد فرج في مصر . وقد ينطلق من حالة يعيشها غير أنه في جميع الحالات يمد الشخصيات بما تحتاج إليه لتعبر عن جوهر ما تريد وعن جوهر ما تشعر به ، دون أدنى تدخل ، حتى مع تقنعه أحياناً خلف شخصية من شخصياته – خاصة في المسرح الفكري –
وحجاج أدول ينطلق من فكرة ، غير أنه لا يعين لها لغة الحوار الكلامية وسيطاً اتصالياً محمولاً على ألسنة شخصية هنا أو هناك في حالة متنامية من الصراع والمعارضات ، وإنما يترك للعين المتلقية لصور المسرحية والجمالية مهمة الاتصال رؤية لا سماعاً ليتيح للذهن المتلقي تأمل ما وراء الصورة من معنى أو دلالة تبعاً لخبرته البصرية وقدرته المعرفية على تفسير علاماتها في ترابطها أو كليتها. وبذلك يكون أدول مغايراً في تحقيقه للفكرة المنطقية الأساسية التي يقوم عليها تسابيحه النيلية الراقصة.
تقنيات الصورة في المشهد الافتتاحي :
لم يحو المشهد الافتتاحي (الأول) من الحوار سوى أربعة أسطر يحوي كل سطر منها كلمتين أو ثلاث كلمات وضعها أدول متفرقة على ألسنة مجموعة الفتيات :
- هوّا . هوّا
- انتبهي يا هوّا
- سيمسك بك آدم
- إنه خلفك
بالإضافة إلى ثلاثة أسطر على ألسنة متفرقة لمجموعة الفتيان المشجعين لجنسهم ممثلاً في شخصية (آدم)
- آدم ، لا تتركها
- تريدها ؟ خذها
- إنها فقط تتدلل
حياة تقوم على الفطرة وربما على المشاعية البدائية ، فلا قيود عند وجود رغبة عاطفية متبادلة ، فالمجتمع إذ يبارك التبادل العاطفي بين ذكر وأنثى فهذا كاف دون حاجة إلى أية قيود أو تقاليد وطقوس ، يكفي طقس الاحتفال كإطار ابتهاج بتحقيق رغبة ذكر في أنثى مع رغبتها المتبادلة مع رغبته ، فرغبتهما عندئذٍ هي رغبة جماعية – رغبة الفطرة - .
إن الكلمات القليلة لمجموعة الفتيات المشجعات على مراوغة (حواء) التدللية وفي مقابلها الكلمات الأقل لمجموعة الفتيان المشجعين لمطاردة (آدم) لحواء تتخذ أسلوب المبارة والمشجعين ، حيث يشجع فريق من المشاهدين فريقاً وتشجع الفريق الآخر مجموعة أخرى . فأسلوب إقامة الصورة الدرامية على ركائز المقاومة وليس على ركائز الصراع هو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند سارتر حيث تقاوم الأنا الآخر في سبيل تحقيق كل منهما لهويته بعد أن أوجد وجوداً جبرياً وبذلك يتحقق الوسط الذهبي حيث لم يصبح الآخر هو الجحيم وهو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند الحكيم حيث يعادل فعل الأنا فعل الآخر وبذلك يتحقق الوسط الذهبي الذي بشر به كل من أفلاطون وأرسطو ويتجسد الخطاب الديني (وجعلناكم أمة وسطاً)
وإذا كانت لغة التحميس الأنثوي (لحواء) معادلة للغة التحميس الذكوري في المشهد الافتتاحي ؛ فإن لغة الصورة قد كانت جحيماً بالنسبة للغة الحوار بالأصوات . فالمشهد كله قد تأسس على السرد دون وجود سارد أو راوٍ ناطق ، ولكن عين الكاميرا البشرية لأدول نفسه تسلم ما سجلته عدستها لعين المشاهد ، فالمسرحية للمشاهدة فحسب ، ليست للسماع فالفرجة بصرية .
لذلك وضع أدول بدائل لمصطلحات السيناريو وذلك على النحو الآتي الذي ينظر لحجم اللقطة ونوعها :
عبارة من النص بديلها في السيناريو
بداية الغروب . الشفق يصبغ المشهد" لقطة بانورامية عامة
باللون الذهبي الشاعري، خاصة شواشي النخيل وأعالي الشجر" لقطة قريبة (متوسطة)
" التركيز على الفتاة هوّا والفتى آدم " لقطة مباشرة (فوكس)
الفتيان يرقصون وحدهم الفتيات يرقصن وحدهن تبادلية اللقطة (حوارية اللقطات)
المجموعتان تتشاكسان في إقبال وإدبار حركة الكاميرا اللاهثة
آدم يتقدم وكأنه يريد أن يقتحم مجموعة الفتيات لقطة قريبة
الفتيات وهم سعيدات باهتمام آدم بهوّا يأخذن هوّ بعيداً لقطة قريبة تتحول بعيداً بشكل سريع يتابع حركة الفتيات السريعة
هوّا تراوغ آدم لكنه يكاد يمسك بها حركة لاهثة متبادلة للكاميرا في لقطة متوسطة وقريبة لهوّا ثم لآدم وبالعكس
رقصة المجموعتين معاً لقطة متوسطة
ورقصة آدم وهوّا سوياً لقطة قريبة
رقصة آدم وهوّا رقصة مركبة تعبر عن الحب بين الذكر والأنثى وصف لطبيعة الأثر التعبيري الذي يجب على اللقطة تحقيقه
يتقدم الجميع ويتوسطهم رجال دين ثلاثة الكاهن الفرعوني والقسيس المسيحي والشيخ المسلم لقطة متوسطة
آدم وهوّا أياديهما متشابكة يركعان أمام النيل. همهمات ترتيل من الناس لقطة قريبة ثم تركز على أيادي الإثنين ثم تتحول إلى لقطة قريبة
أضواء الطبيعة وأصواتها خاصة من السماء كل هذا يعلن مباركة زواج آدم وهوّا لقطة بان
تتقدم سيدة من آدم وكأنها أمه – تعطيه حلية (جص الرحمن الذهبية) ليضعها آدم على جبين الفتاة بمساعدة السيدة لقطة متوسطة تتحول إلى لقطة قريبة ثم قريبة جداً
( إظلام يتكاثف في هدوء منهياً المشهد)
ونلاحظ أن لغة الوصف لغة تقريرية وليست إنشائية وهذا هو أسلوب لغة السيناريو ، فهي أشبه بإرشادات لحركة الكاميرا ولنوعية اللقطات فاللغة الأدبية تتأسس على الأسلوب الإنشائي أكثر بكثير من الأسلوب التقريري . والنص المسرحي مهما كثرت فيه لغة الإرشاد الموازية للغة الحوار فإنها تكون محدودة ومقتصدة . وهي تنتفي أو تكاد عند الكتاب القدماء والكتاب الذين يخرجون نصوصهم بأنفسهم ، فالصورة التي سيكون عليها العرض مطبوعة في ذهنه ، من هنا فإن دور الخيال في العرض لا يتعدى دوره في النص نفسه .
تتأكد فكرة تقديس المكان على حساب الزمان في المشهد الافتتاحي في أسلوب دائرية الحدث (دائرية الصورة) حيث تعود الكاميرا إلى لقطة بانورامية للطبيعة السماوية بعد تشابك أيدي (آدم – هوّا) وانطلاق الهمهمات المرتلة في حضرة الدين الوثني (الفرعوني) والواحدي المسيحي ثم الإسلامي . فتوالد الارتباط الحتمي بين الذكر والأنثى قبل فكرة الأديان ومع تغيرها وتدرجها من الفرعونية إلى المسيحية والإسلام بوصفها رموزاً للتحول من عصر إلى عصر تالٍ فإن المكان لم ولن يتغير حيث النيل باق وخالد والارتباط بين الجنسين باق وخالد فكلاهما حقيقتان ثابتتان منذ هبوط آدم وحواء على ضفاف نيل النوبة .
غير أننا نلحظ أن الركوع لم يكن لغير النيل واهب الحب والسلام والاستقرار - في كل حالات التغير الديني من الوثنية إلى المسيحية والإسلام فالنيل أقدم من الأديان وأخلد منها لأنها تغيرت في حين لم يتغير من ثم فإن الامتنان له والتعبير عن حب البشر على ضفتيه أن يركعوا له ويسبحوا بحمد نعمه. وبعد فتلك هي قراءتي للمشهد الافتتاحي . ومن المعلومات المرعية أن المشهد الافتتاحي لكل عمل درامي مسرحي أو سينمائي أو تليفزيوني ؛ يكثف الحدث ليشف للمتلقي عن جوهره، ويلمح إلى دلالته العامة، فهو مثل نواة شجرة الفاكهة يمكن شم رائحة فاكهة شجرتها بمجرد شميم تلك النواة.
ملاحظات أخيرة :
اعتمد الكاتب على لغة وصف تقريرية وهذا أسلوب مناسب لكتابة السيناريو فهي عبارة عن رسم لحركة الكاميرا في تسجيل المنظر والحدث تبعاً لتصور محدد ومرسوم يؤدي إلى تحقيق رؤية ما.
- نص تسابيح نيلية هو إعادة إنتاج إطار فلكلوري لتاريخ مصر والمصريين
- المكان مقدس عند الكاتب وهو سبيل لجمع شمل الاختلافات العرقية والجنسية والدينية والطبقية فالنيل يجمع حوله كل أطياف المصريين فالنيل يجمع ولا يفرق
- النوبة هي مهبط آدم وحواء ومن على ضفاف النيل هناك انطلقت الحياة وعرفت الديانة
- الأولوية للطبيعة وسموها
- وضع المؤلف عينه بديلاً لعين الكاميرا
- تبدأ الصورة عنده بالعام المطلق المقيد ثم الخاص المقيد وصولاً إلى الخاص الذاتي . وتلك التقنية تشكل الأساس في الفن السينمائي
- التصوير دائماً خارجي في الغروب أو في الشروق أي انطلاقاً من البداية أو من النهاية
- ارتباط أهل النوبة بالتدين بصورة المركبة فطقوس الفرعونية لا تنفيها طقوس المسيحية ولا تنفي طقوس الإسلام طقوس الفراعين أو المسيحية إذ تتداخل الطقوس على ضفاف النيل
- الطقوس التدينية متعاقبة ومتراكبة ومتباينة غير أن ارتباط الذكر بالأنثى معتقد ثابت وفاعل ومتفاعل قبل التشريعات وبعدها فهو الخالد أبداً منذ آدم وحواء
- ارتباط المدائح الصوفية الإسلامية بتصاعد شروق الشمس وارتباط همهمات التدين البدائية والوثنية بغبشة الفجر
- وصف المنظر الخارجي وصفاً تفصيلياً هو بمثابة أساس نظري لحركة الكاميرا
- خلت المشاهد من الخط الدرامي فيما قبل المشهد الثاني من الفصل ا لثاني وما قبل ذلك من مشاهد هو صورة استعراضية تقوم على تقنية المناجاة الترديدية لاقتباس من نص ديني أو ترديد فردي أو جماعي للمدائح الصوفية الميرغنية . بعضها استسلامي وبعضها تحفيزي وبعضها ابتهالي مصحوب غالباً بالرقصات المتناسبة مع الخطاب الإنشادي أو الإعلامي أو التعاليمي أحياناً
- تقوم تقنية الكتابة المختلطة مابين تقنية السيناريو وتقنية المسرحية على أسلوب السرد الانعكاسي حيث تكثر الاقتباسات النصية من خطاب ديني فرعوني (نشيد اخناتون) أو خطاب ديني مسيحي (صلوات إكليلية كنسية) أو نصوص قرآنية يسترجعها (كاهن فرعوني – قس – شيخ - مسلمين)
- تتداخل الأزمنة والعصور في نسيج النص عن طريق الاسترجاع بتقنية سينمائية في عنونه المؤلف (بالمشهد الخلفي) وهو مشهد استطرادي يتم عبر Flash back وعن طريق تلك التقنية يتداخل رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري في كل مشهد تتم فيه مباركة علاقة بين فتى وفتاة تعارفا ووقع كل منهما في حب الآخر وذلك في وجود رجل الدين الفرعوني ورجل الدين المسيحي ورجل الدين الإسلامي فالجميع يباركون الارتباط جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري وهذه تقنية الحداثة وما بعدها .
- تميل المشاهد إلى التصوير المتشظي فارتباط عناصر المشهد واه ، ويمكن استبدال مشهد محل مشهد آخر تقديماً أو تأخيراً أو حذفاً
- النص يؤكد في كل مشهد من مشاهده أن المصريين يتنفسون الطقوس وأن الحب المتبادل بين الذكر والأنثى هو المحرك.
- اعتمد البناء الفني على أسلوب القطع والوصل والقطع والمزج وهو أسلوب سينمائي / تليفزيوني
- اعتمد النص في المقاطع الحوارية على الكثير من الغنائية المباشرة وكذلك في الوصف الإرشادي لحركة الكاميرا . غير أن الوصف السردي الإرشادي تخف فيه نبرة الغنائية لاعتماده على الصورة وفنونها مما يبعد بها عن المباشرة ويضع لها دلالات متعددة وفقاً لحساسية المصور ولخبرته في صنع جماليات اللقطة ما بين التقريب والتبعيد والإضاءة والتظليل ومن ثم الإيقاع .
- لم يخل النص من مقاطع برزت فيها تقنية المسكوت عنه ومنها على سبيل المثال الأغنية الأفريقية في المشهد الثاني من الفصل الأول والتي منها :
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضاً عذبة يا حقيقة
يا أم جمال وصابر
( بالإمكان انتقاء مقطع أو اثنين من هذا النشيد )
ربط أدول بين جمال وصابر كأنه يلمح إلى أن وجود جمال أو كل من كان مثله يحتم التذرع بالصبر . ولذلك يشير على من لا يقبل بذلك التعبير أن ينتقي من النشيد ما يريد ويترك أو يحذف ما لا يريد . والتورية واضحة ، لأن له موقف منشور ومعلوم من (جمال عبد الناصر) في تهجيره لأهل النوبة.
ونلاحظ أيضاً وصفه لطقس المديح عند الميرغنية بالزفة وللطقس المسيحي بالكوكبة وللطقس الفرعوني بالموكب . ودلالة الزفة (هيصة) ودلالة الكوكبة النخبة ودلالة الموكب الرسمية.
ونلحظ أخيراً . تراجع ترتيبه للأديان فقد درج على أن تبدأ الطقوس في الفصل الأول بالبدء بالطقس الفرعوني ثم يليه الطقس المسيحي وينهيه بالطقس الإسلامي وذلك منهج تاريخي يراعي التدرج من البداية حتى عصرنا غير أنه غيّر ذلك الترتيب أو عكسه في المشهد الأول من الفصل الثاني إذ بدأ بالطقس الاحتفالي الإسلامي ممثلاً في المدائح الصوفية الميرغنية ثم الطقس المسيحي ممثلاً في الأكاليل المسيحية وانتهى بالطقس الفرعوني ممثلاً بأناشيد إخناتون مع اجتماع ممثلي تلك الطقوس جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري اللذين ترك تمثال كل منهما مكانه في المعبد وخرج جسداً حياً مشاركاً في الاحتفالية. احتفالية العشاق الراقصة. ليعود مرة أخرى إلى توظيف السينما على شكل شرائح أو فيلم أو رسوم متحركة في ا لمشهد الخلفي (الاستطرادي) المتداخل مع مشهد (إدريس ابن آدم) الذي أصبح العمدة ونبره ابنة هوّا زوجة وابنهما "تود" وأخيه كلها معادل رمزي لأوزوريس وإيزيس وست وحورس ليخلق لوناً من ألوان التوالد الوراثي في الحاضر .
وهنا – هنا فحسب يبدأ الصراع في هذا النص الذي هو أقرب إلى النص الاستعراضي منه إلى النص الدرامي .
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
د. أبو الحسن سلام
الفن الحقيقي يجود بما فيه من قوة ؛ ليبلغ غرضاً لم يصل إليه سواه وهو يتخطى المعتاد طامحاً إلى أن يكون موسيقياً ، ولأن المرء لا يستطيع أكثر مما يعرف ولا يعرف أكثر مما يستطيع فكثيراً ما يكتفي الفنان بخلق الموسيقى الداخلية في إبداعه وذلك بعقد قران غير شرعي بين الشعر والموسيقى على فراش النثر.
ولقد سعى أدول عبر تسابيحه النيلية لنقل معرفته على قدر استطاعته واستطاع تحقيق ذلك على قدر معرفته وهي غير قليلة فجاء ما صوره شبيهاً به من حيث الجدة والأصالة ، ولم يكن في حاجة إلى اصطياد الألفاظ لأن لديه شيئاً يقوله . ومع أن الوصول إلى الينابيع والأصول يحتاج إلى وسائل يصعب الوصول إليها - بتعبير فاجنر – إلاّ أننا وجدنا أدول يصل إلى منابع تراثه وأصوله بيسر ، وذلك مرجعه معايشته لمنابعه فهي كما هو واضح تسكنه ومن ثم تسكن كل أعماله بدءاً من (ناس النهر) غير أن روح العصر تفرض ألواناً من التعبير تلائم إيقاعاتها المتسارعة ولذلك ينسج أدول تسابيحه النيلية في شكل خليط بين المسرح والسينما بحيث يعطي أولوية التعبير للغة الصورة
يقول ستانسلافسكي :
" إن الاستسلام لسلطة القوالب الجامدة لا يكلف شيئاً " وفي نص (تسابيح نيلية) لم أجد المؤلف مقيداً إلى قوالب جامدة .
ويقول بيكاسو : " أنا لا أنقل من الطبيعة بل أعمل معها وأمامها" ولم أجد حجاج أدول في نصه هذا إلاّ عاملاً مع الطبيعة وأمامها .
ويقول باختين : " إن جميع الكلمات توجد بثلاثة وجوه :
كلمة محايدة في اللغة لا تنتمي لأي شخص ، وكلمة تنتمي لشخص آخر وهي محملة بصدى ما ينطق به هذا الشخص . أما الكلمة الثالثة فهي التي تحمل ما أعبر عنه " وأرى أن كلمة حجاج أدول في نص تسابيح نيلية الكلمة الأولى إلى كلمة ثالثة وإذا كانت (كل الكلمات تشتمل على اقتباس من كلمات سابقة حيث لا وجود لاقتباس متطابق مع الأصل أبداً لأن المضمون لا يتوقف عن التغيير) - بتعبير باختين – فقد رأيت ذلك ماثلاً في نص (تسابيح نيلية) خير مثول فالكلمات فيها وإن كانت مقتبسة من كلمات التراث الديني والطقوس الشعبية المصرية إلاّ أنها تتطابق مع الأصل التراثي بل تصب في مضمون أراده أدول نفسه. وإذا علمنا أن في مجال النص المسرحي توجد نصوص مترابطة ونصوص تقوم على الترابط النص ونصوص غير مترابطة
وأن النص المترابط : يقوم على الروابط التي تصل بين مختلف أجزاء النص ومكوناته ومن أمثلته وجود راوٍ أو كورس أو غناء يربط بين المشاهد دون سعي إلى خلق اكتمال فني مثل الملحمية .
وأن الترابط النصي : هو سمة التفاعل المميزة للنص وهي خاصية عدم الاعتراف بفكرة موت المؤلف وفيه سعي ظاهر للوصول إلى الاكتمال الفني
وأن النص غير المترابط : هو نص يتقصد عدم النزوع إلى الترابط مثل الدادية ، السيريالية ، العبثية ، نصوص ما بعد الحداثة) فهي تتقصد اللااكتمال فنياً .
فإن قراءتنا لنص (تسابيح نيلية) تكشف عن أنه ينتمي لنوعية النص غير المترابط، لأنه يتجاوز شروط فن المسرح دون أن يعتدي عليها ليزاوج بينها وبين فن السيناريو الذي يقوم على الصورة واللغات غير الكلامية ويجعل لغة الكلام مجرد لغة موازية وهو أمر سوف نقيم عليه الدليل بشواهد من النص نفسه.
السمات المركزية لنص " تسابيح نيلية "
كل نص يتأسس على سمات مركزية هي : (الشبكة – الروابط – النسيج – انفتاح النص)
الشبكة : وتتكون من منظومات الفكر والشكل والتعبير ومنظومة التناص والمقاربات المعرفية اليقينية والمظنونة ونص (تسابيح نيلية) يتمثل تلك المنظومة خير تمثيل .
الروابط : وتتكون من عناصر الربط المتقن بين منظومة المادة والشكل والتعبير أي في اختيار المادة وفي البنية الصغرى (المشاهد) وفي البنية الكبرى التعبير النهائي الذي تنتجه المسرحية . وقد وجدت أن نص (تسابيح نيلية) غير متقصد لصنع روابط متقنة
النسيج : وهو نتاج تفاعل البعد الفكري مع البعد اللغوي والبعد الدلالي والبعد النحوي والبعد التعبيري والإحالات المعرفية التداولية والسياقية . والنسيج في مسرحية أو سينمسرحية ( تسابيح نيلية) لا يتأسس على اللحمة وسداها بل يقوم على تقنية القطع والوصل والقطع والمزج . وهي تقنية في التصوير السينمائي والتليفزيوني.
مظاهر تجليات نص (تسابيح نيلية)
نعرف أن لكل إبداع تجلياته التي لا يسمى إبداعاً بدونها . وتتمثل تجليات نص (تسابيح نيلية) في عدد من المظاهر منها :
( توليد الصور – توليد الدلالات في الصورة الواحدة – جماليات الصورة – عمق التصوير – تلقائية التعبير وغيرها مثل :
• تراكيب البنية وتفاعلها دلالياً وتداولياً ومعجمياً مع الموقف لتحقيق الأثر الاحتفالي والطقسي الممتع.
• تقنية التفكيك المتعمد لمواريث اعتقادية .
• تقنية المناجاة بمستوياتها المتباينة من حيث الغرض : ( مناجاة ابتهالية ترديدية فردية أو جماعية لنص ديني – مناجاة إعلامية – مناجاة تعليمية) وكلها تهدف إلى تأصيل الموروث التديني ( الفرعوني – المسيحي – الإسلامي)
• تفاعل النص مع نصوص أخرى وقد حفل نص تسابيح نيلية بغير القليل من نصوص دينية ومدائح وتسابيح هي جزء لا يتجزأ من منظومة المعارف غير اليقينية (الظنية) المتجذرة في الوجدان الشعبي المصري منذ آلاف السنين ومن أمثلتها مناجاة كل من الكاهن الفرعوني والقس ورجل الدين المسلم فكل منهم يترنم بترديد نص من نصوص عبادته وفق شريعته ووفق وجهته التدينية .
• تنويع العلامات وطرق تشكلها وسبل تواصلها بعضها بعضاً وسبل تواصل المتلقي معها وفق مستويات التلقي
ولا شك أن العلامات في نص (تسابيح نيلية) من الوفرة في طرق التشكل وسبل التواصل بحيث تحسب لحجاج أدول ولإعادة بعثة للدراما الطقسية فتوالد قصة موسى وتشخيص أهل النوبة لها مع ولادة كل مولود بتكرار الاحتفالية حيث يلقي نموذج مركب صغير في النيل وتنثر بداخل حبوب القمح وتضاء شمعة وتوالد قصة إيزيس وأوزوريس وست وحورس في مشهد احتفالي تشخيصي يؤديه أهل النوبة وغياب شخصية آدم بعد ولادة ابنه إدريس وبقاء هوّا (حواء) منفردة مع فتيات ونساء وحبيبة لمقاومة ست الذي يتخذ أشكالاً متعددة ومتباينة لغزاة وطئوا أرض النيل كلها صور متوالدة ينسجها أدول بمهارة ويربط بينها بمهارة.
ولأنه عاشق للنيل لذلك نجد أن اللطبيعة لها الأولوية ويقدم الزمان على المكان في المشهد الافتتاحي لتظهر مؤثرات الميديا في المسرح فكان البدء بتحديد الزمان بدقة دون تحديد دقيق للمكان وكان البدء بصورة الأفق قبل وقوع عين الكاميرا على الأرض وهو يبدع ذلك بتقنيات السينما :
- بداية الغروب الشفق يصبغ المشهد : لقطة عامة بانورامية
- خاصة شواشي النخيل : لقطة قريبة
- يتلاشى الغروب مع بزوغ القمر : تقنية القطع والمزج
- "جانب من نهر النيل وضفته ونخيل رشيق": تحديد المكان ثم تحديد
عناصره المصنوعة للبيئة وخصوصيتها وصولاً إلى الإنسان.
تقنيات الصورة :
• عين المؤلف بديلاً لعين الكاميرا : تركيز عين الكاتب على الغروب في السماء هو تركيز على المطلق وعلى اللامكان فالسماء في مواجهة كل مكان من الأرض لأنها غلاف لها .
• بدء الصورة بالعام المطلق ، فالعام المحدد (السماء ثم الأرض) ثم الخاص البيئي فالخاص الذاتي (الزي- الغناء)
• عودة للعام المقيد ( مجموعة من الفتيان والفتيات في هرولة ضاحكين) (راقصين رقصات نوبية)
الفعل ورد الفعل :
جمال الطبيعة على ضفاف النيل في النوبة دفعت شباب النوبة إلى الانتشاء والانطلاق تعبيراً عن الفرحة التي اتخذت من الغناء والرقص مظهراً تتنوع أشكاله ما بين الذاتية والعمومية.
تقنيات السيناريو :
الوصف : برسم حركة الكاميرا بوصفها العين المسجلة أو الناقلة لانعكاس الطبيعة على الفرد وعلى الجماعة في مجتمع ما . والطبيعة هنا السماء والأرض سماء تغلف بقعة من نيل مصر وريفها في النوبة .
فالكاميرا في السينما أو الفيديو تتسع حدقتها وتضيق ويبتعد مدى إبصارها ويقترب، تستيقظ وتغفو ، تلمح وتحدق ، تماماً مثلما تفعل العين البشرية . أي أنها تحس وتشعر ، تحنو وتحتد ، تغض الطرف وتتلصص غير أنها مأمورة بإرادة الفنان وبوجدانه .
ولقد أحل حجاج عينه محل الكاميرا فكان لها ما كان للكاميرا السينمائية لتسجل للقارئ فعل الطبيعة في تحريك الفعل الإنساني في اتجاه الاستمتاع بتلك الطبيعة الخلابة
لكن أين الدراما وهي الأصل في فن المسرح وفي فنون السينما ، ومعلوم أن لا دراما بدون صراع لعاطفة بشرية مع أخرى وصراع لإرادتين بشريتين في حالة من النمو – بغض النظر عن تعدد أشكاله ودرجاته – وعندما نقول النمو فقصد التدرج في الفعل ورده ، في تفاعلهما إيجاباً أو سلباً
من هنا يخلص أدول في تصويره من العام المطلق إلى العام المقيد متدرجاً أو مقترباً عبر نظرته البانورامية للطبيعة الكونية مروراً بالطبيعة البيئية هابطاً من علٍ إلى أرض ريف النوبة بجمالياته ليركز نظرته أو نظرتنا من خلال عينه الفنانة على "هوّا " أو حواء و "آدم"
ومع أن تلك الوقفة التي انتهت إليها عين الكاميرا البشرية لحجاج أدول إلى نقطة اللقاء الذي هو بداية التلاحم إيجاباً أم سلباً مما يعد البداية الحقيقية لأي صراع ، إلاّ أن ذلك مع ما لازمه من جماليات التصوير ، ولزمه من ضرورات التأسيس الدرامي للفعل ، إلاّ أن تقنية التشوف عن بعد ، تعميقاً للصورة وتأكيداً لبلاغتها ، لا تبوح بالمسكوت عنه إلاّ لعين متأملة وباحثة ؛ تزن الصورة بميزانها فتقدر أو تثمن عمق تصوير الكاتب حجاج أدول.
فهبوط الكاميرا البشرية (عين الكاتب) من السماوات العلى مع بداية غروب في اتجاه الأرض ، هو إحالة معرفية تراثية معادلة لهبوط (آدم وحواء) من الجنة عندما أفل نجمهما بعد تذوقهما لطعم المعرفة. وبهبوطهما الاضطراري إلى الأرض كانت بداية الصراع . صراع الأنا مع الآخر أو حواء (هوّا) و (آدم) الذي تنوع وتكاثر فأصبح آدم أكثر من آدم وأصبحت حواء أكثر من حواء ومعادله الفتى في نص (تسابيح نيلية) ماثل في تحول رقص (آدم) و(هوّا) إلى رقص جماعي لمجاميع شبابية من الجنسين.
هكذا ينقل لنا حجاج أدول ما وراء الصورة ، دلالة التعبير الأدبي والفني فهو يوحي بأن بدء الخليقة ، بدء الحياة الآدمية قد وقعت في النوبة على ضفاف نيل مصر العظيمة. وهو بتلك الإحالة الإيحائية يسحب البساط من تحت أقدام الزعم الهندي الشائع بأن هبوط آدم وحواء قد كان على جزيرة سيريلانكا
الفكرة والشكل والأسلوب :
يوظف المؤلف تقنيات كتابة السيناريو ليكشف لنا النص المسرحي عن تأثيرات فنون الفيديو والكتابة السينمائية على المسرح . حيث التركيز على الصورة بوصفها لغة غير كلامية . لذا نجد عين الكاتب بديلاً لعدسة الكاميرا ونجد بعض تقنيات السيناريو ماثلة في نص (تسابيح نيلية) بصفتها الوسائل الدرامية والجمالية الأكثر تحقيقاً لبلاغة خطاب أدول الفكري الذي يتمحور حول النوبة بوصفها مهبط (حواء وآدم) من الجنة إلى الأرض لإعمارها. وهو خطاب لو وظف الكاتب له اللغات الحوارية وغير الكلامية لفقد جمالياته وفقد بلاغته وتحول إلى خطاب دعائي مباشر ؛ وبذلك يفقد تأثيره ومن ثم مصداقيته ولا يتبقى له إلاّ مجرد الحفظ بين دفتي المطبوعة التي حوته.
فتوظيف أدول للغة غير الكلامية لغة التصوير المرئي تتيح للتلقي تعدد الدلالات ، وهو بذلك يقف تحت راية الحداثة ، ومن ثم يعد بعمله هذا مجدداً في الشكل الفني للكتابة المسرحية من منطلق الضرورة التي يحتمها الموضوع أو الفكرة التي انطلق منها .
والكاتب المسرحي قد ينطلق من فكرة وقد درج مسرح الفكر عند جورج برنارد شو، وعند بريشت ، وعند سارتر، وعند كامي ، وعند كتاب العبث وكذلك الأمر عند توفيق الحكيم ويوسف عز الدين عيسى ومهدي بندق ويوسف إدريس في (المخططين)
وقد ينطلق من الحدث كما فعل كتّاب المسرح اليوناني وقد ينطلق من الشخصية كما فعل شكسبير وكما فعل ألفريد فرج في مصر . وقد ينطلق من حالة يعيشها غير أنه في جميع الحالات يمد الشخصيات بما تحتاج إليه لتعبر عن جوهر ما تريد وعن جوهر ما تشعر به ، دون أدنى تدخل ، حتى مع تقنعه أحياناً خلف شخصية من شخصياته – خاصة في المسرح الفكري –
وحجاج أدول ينطلق من فكرة ، غير أنه لا يعين لها لغة الحوار الكلامية وسيطاً اتصالياً محمولاً على ألسنة شخصية هنا أو هناك في حالة متنامية من الصراع والمعارضات ، وإنما يترك للعين المتلقية لصور المسرحية والجمالية مهمة الاتصال رؤية لا سماعاً ليتيح للذهن المتلقي تأمل ما وراء الصورة من معنى أو دلالة تبعاً لخبرته البصرية وقدرته المعرفية على تفسير علاماتها في ترابطها أو كليتها. وبذلك يكون أدول مغايراً في تحقيقه للفكرة المنطقية الأساسية التي يقوم عليها تسابيحه النيلية الراقصة.
تقنيات الصورة في المشهد الافتتاحي :
لم يحو المشهد الافتتاحي (الأول) من الحوار سوى أربعة أسطر يحوي كل سطر منها كلمتين أو ثلاث كلمات وضعها أدول متفرقة على ألسنة مجموعة الفتيات :
- هوّا . هوّا
- انتبهي يا هوّا
- سيمسك بك آدم
- إنه خلفك
بالإضافة إلى ثلاثة أسطر على ألسنة متفرقة لمجموعة الفتيان المشجعين لجنسهم ممثلاً في شخصية (آدم)
- آدم ، لا تتركها
- تريدها ؟ خذها
- إنها فقط تتدلل
حياة تقوم على الفطرة وربما على المشاعية البدائية ، فلا قيود عند وجود رغبة عاطفية متبادلة ، فالمجتمع إذ يبارك التبادل العاطفي بين ذكر وأنثى فهذا كاف دون حاجة إلى أية قيود أو تقاليد وطقوس ، يكفي طقس الاحتفال كإطار ابتهاج بتحقيق رغبة ذكر في أنثى مع رغبتها المتبادلة مع رغبته ، فرغبتهما عندئذٍ هي رغبة جماعية – رغبة الفطرة - .
إن الكلمات القليلة لمجموعة الفتيات المشجعات على مراوغة (حواء) التدللية وفي مقابلها الكلمات الأقل لمجموعة الفتيان المشجعين لمطاردة (آدم) لحواء تتخذ أسلوب المبارة والمشجعين ، حيث يشجع فريق من المشاهدين فريقاً وتشجع الفريق الآخر مجموعة أخرى . فأسلوب إقامة الصورة الدرامية على ركائز المقاومة وليس على ركائز الصراع هو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند سارتر حيث تقاوم الأنا الآخر في سبيل تحقيق كل منهما لهويته بعد أن أوجد وجوداً جبرياً وبذلك يتحقق الوسط الذهبي حيث لم يصبح الآخر هو الجحيم وهو نفسه أسلوب مسرح الفكر عند الحكيم حيث يعادل فعل الأنا فعل الآخر وبذلك يتحقق الوسط الذهبي الذي بشر به كل من أفلاطون وأرسطو ويتجسد الخطاب الديني (وجعلناكم أمة وسطاً)
وإذا كانت لغة التحميس الأنثوي (لحواء) معادلة للغة التحميس الذكوري في المشهد الافتتاحي ؛ فإن لغة الصورة قد كانت جحيماً بالنسبة للغة الحوار بالأصوات . فالمشهد كله قد تأسس على السرد دون وجود سارد أو راوٍ ناطق ، ولكن عين الكاميرا البشرية لأدول نفسه تسلم ما سجلته عدستها لعين المشاهد ، فالمسرحية للمشاهدة فحسب ، ليست للسماع فالفرجة بصرية .
لذلك وضع أدول بدائل لمصطلحات السيناريو وذلك على النحو الآتي الذي ينظر لحجم اللقطة ونوعها :
عبارة من النص بديلها في السيناريو
بداية الغروب . الشفق يصبغ المشهد" لقطة بانورامية عامة
باللون الذهبي الشاعري، خاصة شواشي النخيل وأعالي الشجر" لقطة قريبة (متوسطة)
" التركيز على الفتاة هوّا والفتى آدم " لقطة مباشرة (فوكس)
الفتيان يرقصون وحدهم الفتيات يرقصن وحدهن تبادلية اللقطة (حوارية اللقطات)
المجموعتان تتشاكسان في إقبال وإدبار حركة الكاميرا اللاهثة
آدم يتقدم وكأنه يريد أن يقتحم مجموعة الفتيات لقطة قريبة
الفتيات وهم سعيدات باهتمام آدم بهوّا يأخذن هوّ بعيداً لقطة قريبة تتحول بعيداً بشكل سريع يتابع حركة الفتيات السريعة
هوّا تراوغ آدم لكنه يكاد يمسك بها حركة لاهثة متبادلة للكاميرا في لقطة متوسطة وقريبة لهوّا ثم لآدم وبالعكس
رقصة المجموعتين معاً لقطة متوسطة
ورقصة آدم وهوّا سوياً لقطة قريبة
رقصة آدم وهوّا رقصة مركبة تعبر عن الحب بين الذكر والأنثى وصف لطبيعة الأثر التعبيري الذي يجب على اللقطة تحقيقه
يتقدم الجميع ويتوسطهم رجال دين ثلاثة الكاهن الفرعوني والقسيس المسيحي والشيخ المسلم لقطة متوسطة
آدم وهوّا أياديهما متشابكة يركعان أمام النيل. همهمات ترتيل من الناس لقطة قريبة ثم تركز على أيادي الإثنين ثم تتحول إلى لقطة قريبة
أضواء الطبيعة وأصواتها خاصة من السماء كل هذا يعلن مباركة زواج آدم وهوّا لقطة بان
تتقدم سيدة من آدم وكأنها أمه – تعطيه حلية (جص الرحمن الذهبية) ليضعها آدم على جبين الفتاة بمساعدة السيدة لقطة متوسطة تتحول إلى لقطة قريبة ثم قريبة جداً
( إظلام يتكاثف في هدوء منهياً المشهد)
ونلاحظ أن لغة الوصف لغة تقريرية وليست إنشائية وهذا هو أسلوب لغة السيناريو ، فهي أشبه بإرشادات لحركة الكاميرا ولنوعية اللقطات فاللغة الأدبية تتأسس على الأسلوب الإنشائي أكثر بكثير من الأسلوب التقريري . والنص المسرحي مهما كثرت فيه لغة الإرشاد الموازية للغة الحوار فإنها تكون محدودة ومقتصدة . وهي تنتفي أو تكاد عند الكتاب القدماء والكتاب الذين يخرجون نصوصهم بأنفسهم ، فالصورة التي سيكون عليها العرض مطبوعة في ذهنه ، من هنا فإن دور الخيال في العرض لا يتعدى دوره في النص نفسه .
تتأكد فكرة تقديس المكان على حساب الزمان في المشهد الافتتاحي في أسلوب دائرية الحدث (دائرية الصورة) حيث تعود الكاميرا إلى لقطة بانورامية للطبيعة السماوية بعد تشابك أيدي (آدم – هوّا) وانطلاق الهمهمات المرتلة في حضرة الدين الوثني (الفرعوني) والواحدي المسيحي ثم الإسلامي . فتوالد الارتباط الحتمي بين الذكر والأنثى قبل فكرة الأديان ومع تغيرها وتدرجها من الفرعونية إلى المسيحية والإسلام بوصفها رموزاً للتحول من عصر إلى عصر تالٍ فإن المكان لم ولن يتغير حيث النيل باق وخالد والارتباط بين الجنسين باق وخالد فكلاهما حقيقتان ثابتتان منذ هبوط آدم وحواء على ضفاف نيل النوبة .
غير أننا نلحظ أن الركوع لم يكن لغير النيل واهب الحب والسلام والاستقرار - في كل حالات التغير الديني من الوثنية إلى المسيحية والإسلام فالنيل أقدم من الأديان وأخلد منها لأنها تغيرت في حين لم يتغير من ثم فإن الامتنان له والتعبير عن حب البشر على ضفتيه أن يركعوا له ويسبحوا بحمد نعمه. وبعد فتلك هي قراءتي للمشهد الافتتاحي . ومن المعلومات المرعية أن المشهد الافتتاحي لكل عمل درامي مسرحي أو سينمائي أو تليفزيوني ؛ يكثف الحدث ليشف للمتلقي عن جوهره، ويلمح إلى دلالته العامة، فهو مثل نواة شجرة الفاكهة يمكن شم رائحة فاكهة شجرتها بمجرد شميم تلك النواة.
ملاحظات أخيرة :
اعتمد الكاتب على لغة وصف تقريرية وهذا أسلوب مناسب لكتابة السيناريو فهي عبارة عن رسم لحركة الكاميرا في تسجيل المنظر والحدث تبعاً لتصور محدد ومرسوم يؤدي إلى تحقيق رؤية ما.
- نص تسابيح نيلية هو إعادة إنتاج إطار فلكلوري لتاريخ مصر والمصريين
- المكان مقدس عند الكاتب وهو سبيل لجمع شمل الاختلافات العرقية والجنسية والدينية والطبقية فالنيل يجمع حوله كل أطياف المصريين فالنيل يجمع ولا يفرق
- النوبة هي مهبط آدم وحواء ومن على ضفاف النيل هناك انطلقت الحياة وعرفت الديانة
- الأولوية للطبيعة وسموها
- وضع المؤلف عينه بديلاً لعين الكاميرا
- تبدأ الصورة عنده بالعام المطلق المقيد ثم الخاص المقيد وصولاً إلى الخاص الذاتي . وتلك التقنية تشكل الأساس في الفن السينمائي
- التصوير دائماً خارجي في الغروب أو في الشروق أي انطلاقاً من البداية أو من النهاية
- ارتباط أهل النوبة بالتدين بصورة المركبة فطقوس الفرعونية لا تنفيها طقوس المسيحية ولا تنفي طقوس الإسلام طقوس الفراعين أو المسيحية إذ تتداخل الطقوس على ضفاف النيل
- الطقوس التدينية متعاقبة ومتراكبة ومتباينة غير أن ارتباط الذكر بالأنثى معتقد ثابت وفاعل ومتفاعل قبل التشريعات وبعدها فهو الخالد أبداً منذ آدم وحواء
- ارتباط المدائح الصوفية الإسلامية بتصاعد شروق الشمس وارتباط همهمات التدين البدائية والوثنية بغبشة الفجر
- وصف المنظر الخارجي وصفاً تفصيلياً هو بمثابة أساس نظري لحركة الكاميرا
- خلت المشاهد من الخط الدرامي فيما قبل المشهد الثاني من الفصل ا لثاني وما قبل ذلك من مشاهد هو صورة استعراضية تقوم على تقنية المناجاة الترديدية لاقتباس من نص ديني أو ترديد فردي أو جماعي للمدائح الصوفية الميرغنية . بعضها استسلامي وبعضها تحفيزي وبعضها ابتهالي مصحوب غالباً بالرقصات المتناسبة مع الخطاب الإنشادي أو الإعلامي أو التعاليمي أحياناً
- تقوم تقنية الكتابة المختلطة مابين تقنية السيناريو وتقنية المسرحية على أسلوب السرد الانعكاسي حيث تكثر الاقتباسات النصية من خطاب ديني فرعوني (نشيد اخناتون) أو خطاب ديني مسيحي (صلوات إكليلية كنسية) أو نصوص قرآنية يسترجعها (كاهن فرعوني – قس – شيخ - مسلمين)
- تتداخل الأزمنة والعصور في نسيج النص عن طريق الاسترجاع بتقنية سينمائية في عنونه المؤلف (بالمشهد الخلفي) وهو مشهد استطرادي يتم عبر Flash back وعن طريق تلك التقنية يتداخل رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري في كل مشهد تتم فيه مباركة علاقة بين فتى وفتاة تعارفا ووقع كل منهما في حب الآخر وذلك في وجود رجل الدين الفرعوني ورجل الدين المسيحي ورجل الدين الإسلامي فالجميع يباركون الارتباط جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري وهذه تقنية الحداثة وما بعدها .
- تميل المشاهد إلى التصوير المتشظي فارتباط عناصر المشهد واه ، ويمكن استبدال مشهد محل مشهد آخر تقديماً أو تأخيراً أو حذفاً
- النص يؤكد في كل مشهد من مشاهده أن المصريين يتنفسون الطقوس وأن الحب المتبادل بين الذكر والأنثى هو المحرك.
- اعتمد البناء الفني على أسلوب القطع والوصل والقطع والمزج وهو أسلوب سينمائي / تليفزيوني
- اعتمد النص في المقاطع الحوارية على الكثير من الغنائية المباشرة وكذلك في الوصف الإرشادي لحركة الكاميرا . غير أن الوصف السردي الإرشادي تخف فيه نبرة الغنائية لاعتماده على الصورة وفنونها مما يبعد بها عن المباشرة ويضع لها دلالات متعددة وفقاً لحساسية المصور ولخبرته في صنع جماليات اللقطة ما بين التقريب والتبعيد والإضاءة والتظليل ومن ثم الإيقاع .
- لم يخل النص من مقاطع برزت فيها تقنية المسكوت عنه ومنها على سبيل المثال الأغنية الأفريقية في المشهد الثاني من الفصل الأول والتي منها :
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضاً عذبة يا حقيقة
يا أم جمال وصابر
( بالإمكان انتقاء مقطع أو اثنين من هذا النشيد )
ربط أدول بين جمال وصابر كأنه يلمح إلى أن وجود جمال أو كل من كان مثله يحتم التذرع بالصبر . ولذلك يشير على من لا يقبل بذلك التعبير أن ينتقي من النشيد ما يريد ويترك أو يحذف ما لا يريد . والتورية واضحة ، لأن له موقف منشور ومعلوم من (جمال عبد الناصر) في تهجيره لأهل النوبة.
ونلاحظ أيضاً وصفه لطقس المديح عند الميرغنية بالزفة وللطقس المسيحي بالكوكبة وللطقس الفرعوني بالموكب . ودلالة الزفة (هيصة) ودلالة الكوكبة النخبة ودلالة الموكب الرسمية.
ونلحظ أخيراً . تراجع ترتيبه للأديان فقد درج على أن تبدأ الطقوس في الفصل الأول بالبدء بالطقس الفرعوني ثم يليه الطقس المسيحي وينهيه بالطقس الإسلامي وذلك منهج تاريخي يراعي التدرج من البداية حتى عصرنا غير أنه غيّر ذلك الترتيب أو عكسه في المشهد الأول من الفصل الثاني إذ بدأ بالطقس الاحتفالي الإسلامي ممثلاً في المدائح الصوفية الميرغنية ثم الطقس المسيحي ممثلاً في الأكاليل المسيحية وانتهى بالطقس الفرعوني ممثلاً بأناشيد إخناتون مع اجتماع ممثلي تلك الطقوس جنباً إلى جنب مع رمسيس ونفرتاري اللذين ترك تمثال كل منهما مكانه في المعبد وخرج جسداً حياً مشاركاً في الاحتفالية. احتفالية العشاق الراقصة. ليعود مرة أخرى إلى توظيف السينما على شكل شرائح أو فيلم أو رسوم متحركة في ا لمشهد الخلفي (الاستطرادي) المتداخل مع مشهد (إدريس ابن آدم) الذي أصبح العمدة ونبره ابنة هوّا زوجة وابنهما "تود" وأخيه كلها معادل رمزي لأوزوريس وإيزيس وست وحورس ليخلق لوناً من ألوان التوالد الوراثي في الحاضر .
وهنا – هنا فحسب يبدأ الصراع في هذا النص الذي هو أقرب إلى النص الاستعراضي منه إلى النص الدرامي .
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
مونودراما (مذكرات شمعة)
مونودراما (مذكرات (شمعة))
د. أبو الحسن سلاّم
في ذكرى وداع الأصدقاء والزملاء والأبناء
(د. محسن مصيلحي - د. صالح سعد - حازم شحاتة- أحمد عبد الحميد
نزار سمك - بهائي الميرغني - حسن عبده - شادي الوسيمي - سامية جمال
ياسر ياسين - إبراهيم الدسوقي – مؤمن عبده ) الذين قتلتهم شمعة تبرأت من الاتهام؛ مع أنه قتلتهم مع سبق الإصرار والترصد. وفي الرجاء أملاً في شفاء أبنائنا :
( محمد يسري وجمال ياقوت وزملائهم )
" شمعة : ( تعلن براءتها في مؤتمر صحافي وتتهم المخرج ورئيس هيئة قصور الثقافة)
وقعتني ع الأرض وانت بتنحني
حييت ضيوفك
سبتني
دفعتني برجلك كفتني على بوزي
(لحظة صمت)
لمّا الصراخ هزّني
زلزلني واتدحرجت
سمعت من كل أركان المكان ده أنين
واحدة بتصرخ :
الحقوني يا هوه .. (صوت شابة)
سامية أنا سامية
محسن. أنا صالح ( أصوات تتابع)
حازم . بهائي . حسن
بينادي صوت ورا صوت
يا من يغيث ينجدني أنا أحمد (صوت شاب)
أنا إبراهيم. ياسر أنا شادي ( صوت شاب)
انقذني يا محمد (صوت شاب)
دخل يخلص شوقي من ناره ( م.الشموع)
النار خدت لتنين في أحضانها
وقدّهم ضعفين
شموع قايده
صهرتهم الملحمة
وصهرهم التجريب
وصهرني قبليهم ( صوت شمعة)
(لحظة صمت)
في أول التمثيل وقبل ما يبدأ
صحتني من نومي
شدتني من فرشتي
طلعتني بره
فرحت
قلت لنفسي : أنا حره
وفجأة بصيت لقيتك
علبة الكبريت
اشعلت بالكبريت فتيلي
عشان تنوّر إيه ؟!!
الكهربه موجوده ليه يا بيه؟!
جريت ورا التجريب
بصفتك إيه؟!
خبير على الخشبة ومدرك إيه؟ ( م.الشموع)
ولاّ شجيع مسرح وأبصر إيه
مهما تكون صفتك فأهلا بيك
( لحظة صمت)
ارجع وأقول وقعتني عالأرض (شمعة)
مع إني كنت منوّره ليلتك
فتيلي يدّيك إشارة
برضو ولا تسأل
طب اعتذر وأقل ما فيها
ارفعني..
انقذ روحك
انقذني
طنشت ضيعتني
ضيّعت خلق كتير
عشر شموع من أسرتي ضاعو
عشرة كمان
لما صرخ عيّل:
حريق يا ناس حريق ( صوت طفل)
عشر شموع وقعت وآهيه بتنداس
أنا عارفه مش قصدك توقعني
ولا كنش قصد الناس
كلمة (حريق) هيه اللي جرّتهم
وده شيء طبيعي.. ( م.شموع)
يا روح ما بعدك روح
بس السؤال مين دا اللي حيجاوبو
مدير في قصر الثقافة ولاّ في الهيئة؟!
سمح لحضرة جناب المخرج المرحوم
يزرع حديقة شموع
في أوضه ليها بابين
وعرضها وطولها يدوب خمسين
بابها الرئيسي يسنكره بمتراس
ويقفل التاني بشاسيه ..
باتنين (صزت شاب)
قال إيه .. (م.الشموع)
يا داخل لجل تتفرج ( صوت مسجل مع لافتة ترفع)
تدخل وحيد
وتوطي في دخولك
حالة ولادة جديدة .. ( صوت ءسجل لمخرج العرض)
دا كلامه (صوت شابة)
أما خروج الناس دا في علم الغيب (م.الشموع)
خمسين وميت فرد من ورا فرد
دخلوا القفص
في " حديقة الحيوان"
ودي مسرحية كتبها "ألبي" زمان ( شمعة)
أحداثها بين شخصين
لكن بقا تقول إيه
بقم عشرة وتلاته كمان !!
مبدع وبيجرب حنعمل إيه ( م.الشموع)
أنا اعترضت ( الشمعة)
في سري ..
كتّيمي
أول بداية العرض (م.الشموع)
شطاطه وعود كبريت ..
في إيدو بيحكه
وناشفه راس لاتنين (شاب)
العود مزرجن متخذ موقف (شابه)
راسه وميت برطوشه ما يولّع
حاسس بإحساسي (شمعة)
باين صعبت عليه
مرضيش يولع
قال دي روح وحرام
حرام أولع فيه
بس المجرب راسه وألف سيف
تجريبي وما يحلاش بدون كبريت ( م.الشموع)
أنا بس مين جابني لقضايا يا هوه ؟! (شمعة)
من منحل الثورة المخص .... خص ... يوه. ؟!!
تلاتين سنة في مخزن قطاع ..
قال إيه ..
رضينا بالتستيفه وسكتنا (م.الشموع في ترنيمة غنائية)
متستفين دست .. دست
بألوف
متستفين فوق الرفوف
رضينا بالأتربة تغبّر في كسوتنا
عشرين موظف بدفتر كل يوم يتعد
ومرتبات وفلوس خارجه ولا بتترد
ييجي الأمين ويروح وإحنا هنا راقدين
جانا اللي خصخصنا.
بدرنا في الأسواق
نقلونا ورخصنا
بين الرجا والخوف
شحنونا " بني سويف "
من حظي أنا لاسود (صوت مندوب مشتريات القصر)
مندوب ثقافة القصر
جه ساوم البقال (م.الشموع)
شال دستتين ببلاش
لا فاتورة . لا ضرايب
( لحظة صمت)
أنا جيت هنا لقدري ( شمعة)
مسرحكو كان قبري
(أصوات متتابعة كل بتعليق)
- الشمعة تتولع لو كهربه اتقطعت
- أو في احتفال و "سبوع"
- أو في ضريح ومقام
لكن في معرض صور كاسينو "بالفيبر" (م.الشموع)
ومكيفات "فريون" متعلقه في صدره
النار كلت خراطيمها تعمل إيه .. ( عسكري مطافيء)
غير تنفخ الأوكسجين عالنار وتبعدها
والنار بتجري من ورا الجمهور (آخر)
والباب كالوس ممسوس بنار قايده (ثالث)
أبداً مفيش فايده (الثلاثة)
أبداً مفيش فايده (الشمعة)
الكهربا في القاعة بتشعشع ( شاب)
طفّاها أبو التجريب
ولعنا في الضلمة
على دستين الشمع بيمثل ..
"حديقة الحيوان"
حديقة الحيوان (م.الشموع)
ما بين صفوف الكراسي مولّعه دستة (شمعة)
وتحت رجلين اللي بيمثل هناك
دستة !!
عرض انتهى " وإيركوندشن " شغّال (شمعة)
والنار بتحضن كالوس من غير ما تستأذن ( الشمعة)
باس الكالوس النار والنار في حضنو السقف (شاب)
غاز المكيف (شابة)
مد خرطومه
بالحضن ياخد النار ويترقّص
ينفخ هوا تجري في ضهر الناس (م.الشموع)
( أصوات تعلق بالتتابع مع ضجيج وصراخ مسترجع)
- والناس بتجري
- الباب في حضن النار
اتنين شموع اخواتي (شمعة)
من نارهم
وقعوا في عرض الباب
فعاهدهم
( صوت معدني مصحوبا بصرير اغلاق أبواب بالتتابع)
- مفيش نفر داس شمعه
حيعدي
إلاّ إن قلع هدمته
ولبس تياب النار
صعب عليّ فتى واقف وبيصوّر ( شمعة)
- استسمحك يا باب خليه يفوت
يخرج
كفاية إنه سجّل الواقعة
سجل إهانة الناس لدستة شموع
داسوها بالأقدام في هوجة هروب
لمجرد إن عويل في الصالة
صرّخ وقال : ( صوت الطغل)
" حريقة :
اجري .. حريقه
السقف فيبر غيم يسقط نار (م.الشموع)
يجروا ونار تجري وفوقهم نار (الشمعة)
سدّت عليهم باب خروجهم نار
مساكين بيجروا والجزم من نار
جري الوحوش ما كان يحوش (م.الشموع)
الغيب
استسمحك يا باب بحق دي الولعه ( الشمعة)
خليه يفوت يخرج
بأي شكل ..
طريقه.
خليه يفوت يا باب (م.الشموع)
عشان يقول الحقيقة ( شمعة)
حقيقة إن الشموع والكهربا
أعداء
وإن فكّر التجريبي يصالحهم ..
ويبقوا أصدقاء
في " حديقة الحيوان " أو " الإنسان "
تبقى النتيجة
ما جرى
ما كان "
تبقي النتيجة ما جرى ما كان ( م. الشموع)
( لغط وضجيج الصحافيين وميكروفونات وهرولة
في إضاءة خاطفة وومضات فلاش كاميرات تصوير الشمعة)
د.أبو الحسن سلام
الإسكندرية في 10/9/2005م
د. أبو الحسن سلاّم
في ذكرى وداع الأصدقاء والزملاء والأبناء
(د. محسن مصيلحي - د. صالح سعد - حازم شحاتة- أحمد عبد الحميد
نزار سمك - بهائي الميرغني - حسن عبده - شادي الوسيمي - سامية جمال
ياسر ياسين - إبراهيم الدسوقي – مؤمن عبده ) الذين قتلتهم شمعة تبرأت من الاتهام؛ مع أنه قتلتهم مع سبق الإصرار والترصد. وفي الرجاء أملاً في شفاء أبنائنا :
( محمد يسري وجمال ياقوت وزملائهم )
" شمعة : ( تعلن براءتها في مؤتمر صحافي وتتهم المخرج ورئيس هيئة قصور الثقافة)
وقعتني ع الأرض وانت بتنحني
حييت ضيوفك
سبتني
دفعتني برجلك كفتني على بوزي
(لحظة صمت)
لمّا الصراخ هزّني
زلزلني واتدحرجت
سمعت من كل أركان المكان ده أنين
واحدة بتصرخ :
الحقوني يا هوه .. (صوت شابة)
سامية أنا سامية
محسن. أنا صالح ( أصوات تتابع)
حازم . بهائي . حسن
بينادي صوت ورا صوت
يا من يغيث ينجدني أنا أحمد (صوت شاب)
أنا إبراهيم. ياسر أنا شادي ( صوت شاب)
انقذني يا محمد (صوت شاب)
دخل يخلص شوقي من ناره ( م.الشموع)
النار خدت لتنين في أحضانها
وقدّهم ضعفين
شموع قايده
صهرتهم الملحمة
وصهرهم التجريب
وصهرني قبليهم ( صوت شمعة)
(لحظة صمت)
في أول التمثيل وقبل ما يبدأ
صحتني من نومي
شدتني من فرشتي
طلعتني بره
فرحت
قلت لنفسي : أنا حره
وفجأة بصيت لقيتك
علبة الكبريت
اشعلت بالكبريت فتيلي
عشان تنوّر إيه ؟!!
الكهربه موجوده ليه يا بيه؟!
جريت ورا التجريب
بصفتك إيه؟!
خبير على الخشبة ومدرك إيه؟ ( م.الشموع)
ولاّ شجيع مسرح وأبصر إيه
مهما تكون صفتك فأهلا بيك
( لحظة صمت)
ارجع وأقول وقعتني عالأرض (شمعة)
مع إني كنت منوّره ليلتك
فتيلي يدّيك إشارة
برضو ولا تسأل
طب اعتذر وأقل ما فيها
ارفعني..
انقذ روحك
انقذني
طنشت ضيعتني
ضيّعت خلق كتير
عشر شموع من أسرتي ضاعو
عشرة كمان
لما صرخ عيّل:
حريق يا ناس حريق ( صوت طفل)
عشر شموع وقعت وآهيه بتنداس
أنا عارفه مش قصدك توقعني
ولا كنش قصد الناس
كلمة (حريق) هيه اللي جرّتهم
وده شيء طبيعي.. ( م.شموع)
يا روح ما بعدك روح
بس السؤال مين دا اللي حيجاوبو
مدير في قصر الثقافة ولاّ في الهيئة؟!
سمح لحضرة جناب المخرج المرحوم
يزرع حديقة شموع
في أوضه ليها بابين
وعرضها وطولها يدوب خمسين
بابها الرئيسي يسنكره بمتراس
ويقفل التاني بشاسيه ..
باتنين (صزت شاب)
قال إيه .. (م.الشموع)
يا داخل لجل تتفرج ( صوت مسجل مع لافتة ترفع)
تدخل وحيد
وتوطي في دخولك
حالة ولادة جديدة .. ( صوت ءسجل لمخرج العرض)
دا كلامه (صوت شابة)
أما خروج الناس دا في علم الغيب (م.الشموع)
خمسين وميت فرد من ورا فرد
دخلوا القفص
في " حديقة الحيوان"
ودي مسرحية كتبها "ألبي" زمان ( شمعة)
أحداثها بين شخصين
لكن بقا تقول إيه
بقم عشرة وتلاته كمان !!
مبدع وبيجرب حنعمل إيه ( م.الشموع)
أنا اعترضت ( الشمعة)
في سري ..
كتّيمي
أول بداية العرض (م.الشموع)
شطاطه وعود كبريت ..
في إيدو بيحكه
وناشفه راس لاتنين (شاب)
العود مزرجن متخذ موقف (شابه)
راسه وميت برطوشه ما يولّع
حاسس بإحساسي (شمعة)
باين صعبت عليه
مرضيش يولع
قال دي روح وحرام
حرام أولع فيه
بس المجرب راسه وألف سيف
تجريبي وما يحلاش بدون كبريت ( م.الشموع)
أنا بس مين جابني لقضايا يا هوه ؟! (شمعة)
من منحل الثورة المخص .... خص ... يوه. ؟!!
تلاتين سنة في مخزن قطاع ..
قال إيه ..
رضينا بالتستيفه وسكتنا (م.الشموع في ترنيمة غنائية)
متستفين دست .. دست
بألوف
متستفين فوق الرفوف
رضينا بالأتربة تغبّر في كسوتنا
عشرين موظف بدفتر كل يوم يتعد
ومرتبات وفلوس خارجه ولا بتترد
ييجي الأمين ويروح وإحنا هنا راقدين
جانا اللي خصخصنا.
بدرنا في الأسواق
نقلونا ورخصنا
بين الرجا والخوف
شحنونا " بني سويف "
من حظي أنا لاسود (صوت مندوب مشتريات القصر)
مندوب ثقافة القصر
جه ساوم البقال (م.الشموع)
شال دستتين ببلاش
لا فاتورة . لا ضرايب
( لحظة صمت)
أنا جيت هنا لقدري ( شمعة)
مسرحكو كان قبري
(أصوات متتابعة كل بتعليق)
- الشمعة تتولع لو كهربه اتقطعت
- أو في احتفال و "سبوع"
- أو في ضريح ومقام
لكن في معرض صور كاسينو "بالفيبر" (م.الشموع)
ومكيفات "فريون" متعلقه في صدره
النار كلت خراطيمها تعمل إيه .. ( عسكري مطافيء)
غير تنفخ الأوكسجين عالنار وتبعدها
والنار بتجري من ورا الجمهور (آخر)
والباب كالوس ممسوس بنار قايده (ثالث)
أبداً مفيش فايده (الثلاثة)
أبداً مفيش فايده (الشمعة)
الكهربا في القاعة بتشعشع ( شاب)
طفّاها أبو التجريب
ولعنا في الضلمة
على دستين الشمع بيمثل ..
"حديقة الحيوان"
حديقة الحيوان (م.الشموع)
ما بين صفوف الكراسي مولّعه دستة (شمعة)
وتحت رجلين اللي بيمثل هناك
دستة !!
عرض انتهى " وإيركوندشن " شغّال (شمعة)
والنار بتحضن كالوس من غير ما تستأذن ( الشمعة)
باس الكالوس النار والنار في حضنو السقف (شاب)
غاز المكيف (شابة)
مد خرطومه
بالحضن ياخد النار ويترقّص
ينفخ هوا تجري في ضهر الناس (م.الشموع)
( أصوات تعلق بالتتابع مع ضجيج وصراخ مسترجع)
- والناس بتجري
- الباب في حضن النار
اتنين شموع اخواتي (شمعة)
من نارهم
وقعوا في عرض الباب
فعاهدهم
( صوت معدني مصحوبا بصرير اغلاق أبواب بالتتابع)
- مفيش نفر داس شمعه
حيعدي
إلاّ إن قلع هدمته
ولبس تياب النار
صعب عليّ فتى واقف وبيصوّر ( شمعة)
- استسمحك يا باب خليه يفوت
يخرج
كفاية إنه سجّل الواقعة
سجل إهانة الناس لدستة شموع
داسوها بالأقدام في هوجة هروب
لمجرد إن عويل في الصالة
صرّخ وقال : ( صوت الطغل)
" حريقة :
اجري .. حريقه
السقف فيبر غيم يسقط نار (م.الشموع)
يجروا ونار تجري وفوقهم نار (الشمعة)
سدّت عليهم باب خروجهم نار
مساكين بيجروا والجزم من نار
جري الوحوش ما كان يحوش (م.الشموع)
الغيب
استسمحك يا باب بحق دي الولعه ( الشمعة)
خليه يفوت يخرج
بأي شكل ..
طريقه.
خليه يفوت يا باب (م.الشموع)
عشان يقول الحقيقة ( شمعة)
حقيقة إن الشموع والكهربا
أعداء
وإن فكّر التجريبي يصالحهم ..
ويبقوا أصدقاء
في " حديقة الحيوان " أو " الإنسان "
تبقى النتيجة
ما جرى
ما كان "
تبقي النتيجة ما جرى ما كان ( م. الشموع)
( لغط وضجيج الصحافيين وميكروفونات وهرولة
في إضاءة خاطفة وومضات فلاش كاميرات تصوير الشمعة)
د.أبو الحسن سلام
الإسكندرية في 10/9/2005م
الاثنين، يونيو 15، 2009
الذكاء الصناعي بين الرخاء السلمي والرخاء الاحتكاري
الذكاء الصناعي بين الرخاء السلمي والرخاء الاحتكاري
- تساؤلات وإجابات –
د. أبو الحسن سلام
حول عدد من القضايا العلمية والأكاديمية المطروحة بين الأوساط الثقافية والجامعية طرحت مطبوعة (المسار) التي تصدرها (دائرة العلاقات العامة والإعلام بجامعة السلطان قابوس ) على عددا من الأسئلة حول الاحتمالات المستقبلية لتغلب الآلات والأجهزة الذكية على البشر ، والتخوف من انتفاء الحاجة إلى العنصر البشري ، وترك الأجهزة الذكية لتتخذ القرارات المصيرية بديلا عن الإنسان.
وهنا أري أن العقل البشري سيعمل دائما ، ودون توقف على تطوير تلك المخترعات نفسها التي حلّت بديلا عن جهده في القيام بالمهام التي كان الإنسان يقوم بأدائها ، قبل توصل العقل البشري إلى ابتكارها ؛ فمسيرة العقل البشري لن تتوقف . وطالما تتجدد حاجاته وطموحاته نحو المزيد من يسر العيش ورفاهية الحياة ، تتجدد ابتكاراته ووسائله الملبية لتلك الطموحات . أما عن القول بانتفاء قدرة العنصر البشري على إنجاز المهام البشرية ، إنما هو انتفاء مقصور على ما هو معلوم أو أصبح معلوما ومتاحا بمخترعاته وله فعالية في خدمة رغبات الإنسان نفسه .وبما أن الحياة الكونية قد جبلت على الصراع ، استمرارا لبقاء الكون نفسه ؛ فإن صراع العقل البشري سيضطرد في مواجهة الآلة الحديثة الذكية التي اخترعها ، مدفوعا بغريزة الإنسان نفسه نحو التعلم والاكتشاف . ولا ننسى أنه مع ازدياد تحكم مجالات الذكاء الاصطناعية بوساطة الربوتات والنانوتكنولوجي( التقنيات المتناهية في الصغر) وعلوم الجينات ؛ فإن لعلوم الميمات ( الصفات الوراثية الثقافية) دورا فاعلا في حلبة المنافسة أيضا. خذ مثلا حلم الإنسان القديم فيما صورته أساطير اليونان التي تحدثت عن (البجاسوس أو القنطور) - وهو الكائن المزدوج الجنس والمقدرة ، إذ هو حصان في نصفه السفلي وإنسان في نصفه العلوي ، وله قدرة على الطيران وقدرة على السير على الأرض – أو تحدثت عن الميندوزا : المرأة التي شعر رأسها من حيّات وتخرج من عينيها أشعة قاتلة لمن تسلط عليه – وبساط الريح في - ألف ليلة وليلة - ألم تصبح تلك الخيالات الفائقة حقيقة واقعية فيما نري الطائرات والسفن الفضائية تسبح في الفضاء ، ألم نري ما يفعله الليزر – إن خيرا أو شرا – وخذ أسطورة البلورة السحرية ، التي تمكن الناظر فيها من رؤية ما بداخل قصر إمبراطور الصين ، ألا يكشف التلسكوب العملاق ما في الكواكب ؟! ألا نرى على شاشات التلفاز ما يحدث في أي مكان على سطح الأرض عبر الأقمار الصناعية ، وهل ما يزال الإنسان في حاجة إلى دعاء حارس العقار صارخا (افتح يا سمسم) على طريقة ( علي بابا) حتى تفتح له أبواب فندق أو بيت أو سيارة أو مول تجاري ؟! ألا يفتح الباب تلقائيا بمجرد ظهور شيء يتحرك أمام الباب أو خلفه . والصيحة التراثية ( شبيك .. لبيك ، عبدك بين يديك ) التي يطلقها جني القمقم المزمن الحبس ، فور إخراجه من محبسه السرمدي ، بلمسة إبهام من (علاء الدين) لمصباحه السحري في تخييلات (ألف ليلة وليلة) هل يخرج لك جني ألف ليلة ، حتى ولو لم يكن اسمك علاء الدين متوسلا بدعاء السمع والطاعة : ( شبيك لبيك .. عبدك بين يديك) إذا لمست ( الروموت كونترول ) بديلا عن خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين ؟! ألا يفتح لك أبواب السيارة والمنزل ، وتشغيل التلفاز واللاب توب ) والأجهزة الغبية والذكية بلمسة من إصبعك الوسطي ؟!
لقد ألهمت البشرية مخرجا تخيّليا في طفولتها البشرية ، للوفاء بطموحاتها - بالإيهام والتخيّلات الإيجابية – لشحذ وعيها بإعادة إنتاج ما تطمح إليه باكتشاف ما يجدد مسيرة حيواتها ، وييسر لها سبل عيشها الرغد المشترك على الأرض ، فكانت الأساطير منحة الطبيعة تعويضا للإنسانية عما افتقدته مما يحقق لها ما تطمح إليه ، لصيانة حياتها ولتحقيق أمنها ، في مسيرة التوازن الطبيعي للكائنات في الكون العريض . . ومع تراكم التجارب الإنسانية واتساع دور العقل في التجريب ، اكتشافا لما يحقق للبشرية ما تريد ، ومع تجدد قدراته على استيعاب كنوز الطبيعة وتوظيف بعضها بعضا واكتشاف ما بينها من علاقات ، تعود على البشرية بالنفع ، نجح الإنسان في تفعيل مكوناتها التي أدي إليها جهده العقلي المجرب الدؤوب ، وسخرها في خدمته .
أما عن الخشية من مزاحمة المنجزات التكنولوجية ذات التقنيات المتناهية في الصغر،وغيرها للعقل البشري، فليس هذا بذات أهمية إذا ما ظل العقل البشري قادرا على التنافس الجاد والدؤوب مع منجزاته التكنولوجية. وحول التساؤلات :
• هل ستتفوق الآلات على البشر؟!
• أقول : نعم فيما أنجزه العقل البشري في مجالات توظيف الآلات نفسها لخدمته .
• هل ستحل الآلة محل الإنسان مستقبلا بحيث تقوم بكافة الأعمال؟!
• أقول: نعم ، في حدود ما ابتكرت للقيام به.
• هل تهدد التكنولوجيا مستقبل البشر بحيث ينقلب السحر على الساحر؟!
• أقول: جاء في آي الذكر:" وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون" (الذاريات) فهل يعبد كل المخلوقات خالقها ؟! التمرد صفة أصيلة في المخلوقات ، والطاعة موجودة أيضا. وعلي قدر جهد العقل البشري في ترويض صناعته التكنولوجية ، مهما تتفوق تكون السيطرة عليها ممكنة. المسألة متعلقة إذن بقدرة كل من الصانع والمصنوع المشاكل لصورة صانعه على ترويض كل منهما للآخر.
• هل سيخضع الإنسان تحت سيطرة الآلة يوما ما؟!
• أقول : في حالة عدم قدرته على التعامل معها.وسؤالك يذكرني بالمسرحية العبثية (المستأجر الجديد) ليوجين يونيسكو إذ زخم الساكن مسكنه بالأثاث والأجهزة ، دون حاجته إليها فعاقت حركته بداخل المسكن.
• هل إلى أي مدي نريد نحن البشر أن تذهب بنا التطورات التكنولوجية في مجال الذكاء الصناعي؟!
• أقول : إلى أبعد مدى. لأن البشرية جبلت علي الطموح ، فهي برجوازية صغيرة في جوهر تكوينها السيكولوجي ( في الهارد وير)
• إلى أين يتجه العلماء الآن في مجال الدراسات والبحوث المعنية بالذكاء الصناعي؟!
• أقول : ليست هناك حدود للعلم ، فالعلم هو ما يقبل التخطئة وتواصل الاكتشافات . راجع العالم المصري النوبلي ( د.أحمد زويل).
• بالمقابل ما الايجابيات التي ستحصل عليها البشرية من خلال تطور الذكاء الطبيعي؟!
• أقول: المزيد من تيسير سبل الحياة إقتصاديا واجتماعيا وصحيا وثقافيا ، لمن يمتلك وسائل الإنتاج التكنولوجي ، والمزيد من التبعية له ( بخاصة الدول المقيدة بالأيديولوجيات الفكرية والدينية التي تكتفي باجترار أمجاد السلف ولا تشارك في إنتاج المعرفة أو المعلومات ولا دور لها في صناعة الحضارة المستقبلية الجديدة )
• هل سيحمل الذكاء الصناعي رسالة السلام بين البشرية ؟!
• أقول : بالقطع لا . بل تحمل المزيد المزيد من التفاوت بين منتج المعرفة والتكنولوجية المالك لوسائل إنتاجها والأنظمة الكسيحة المزمنة والمعوّقة – بفتح الواو - والمعوّقة لشعوبها – بكسر الواو -.
- تساؤلات وإجابات –
د. أبو الحسن سلام
حول عدد من القضايا العلمية والأكاديمية المطروحة بين الأوساط الثقافية والجامعية طرحت مطبوعة (المسار) التي تصدرها (دائرة العلاقات العامة والإعلام بجامعة السلطان قابوس ) على عددا من الأسئلة حول الاحتمالات المستقبلية لتغلب الآلات والأجهزة الذكية على البشر ، والتخوف من انتفاء الحاجة إلى العنصر البشري ، وترك الأجهزة الذكية لتتخذ القرارات المصيرية بديلا عن الإنسان.
وهنا أري أن العقل البشري سيعمل دائما ، ودون توقف على تطوير تلك المخترعات نفسها التي حلّت بديلا عن جهده في القيام بالمهام التي كان الإنسان يقوم بأدائها ، قبل توصل العقل البشري إلى ابتكارها ؛ فمسيرة العقل البشري لن تتوقف . وطالما تتجدد حاجاته وطموحاته نحو المزيد من يسر العيش ورفاهية الحياة ، تتجدد ابتكاراته ووسائله الملبية لتلك الطموحات . أما عن القول بانتفاء قدرة العنصر البشري على إنجاز المهام البشرية ، إنما هو انتفاء مقصور على ما هو معلوم أو أصبح معلوما ومتاحا بمخترعاته وله فعالية في خدمة رغبات الإنسان نفسه .وبما أن الحياة الكونية قد جبلت على الصراع ، استمرارا لبقاء الكون نفسه ؛ فإن صراع العقل البشري سيضطرد في مواجهة الآلة الحديثة الذكية التي اخترعها ، مدفوعا بغريزة الإنسان نفسه نحو التعلم والاكتشاف . ولا ننسى أنه مع ازدياد تحكم مجالات الذكاء الاصطناعية بوساطة الربوتات والنانوتكنولوجي( التقنيات المتناهية في الصغر) وعلوم الجينات ؛ فإن لعلوم الميمات ( الصفات الوراثية الثقافية) دورا فاعلا في حلبة المنافسة أيضا. خذ مثلا حلم الإنسان القديم فيما صورته أساطير اليونان التي تحدثت عن (البجاسوس أو القنطور) - وهو الكائن المزدوج الجنس والمقدرة ، إذ هو حصان في نصفه السفلي وإنسان في نصفه العلوي ، وله قدرة على الطيران وقدرة على السير على الأرض – أو تحدثت عن الميندوزا : المرأة التي شعر رأسها من حيّات وتخرج من عينيها أشعة قاتلة لمن تسلط عليه – وبساط الريح في - ألف ليلة وليلة - ألم تصبح تلك الخيالات الفائقة حقيقة واقعية فيما نري الطائرات والسفن الفضائية تسبح في الفضاء ، ألم نري ما يفعله الليزر – إن خيرا أو شرا – وخذ أسطورة البلورة السحرية ، التي تمكن الناظر فيها من رؤية ما بداخل قصر إمبراطور الصين ، ألا يكشف التلسكوب العملاق ما في الكواكب ؟! ألا نرى على شاشات التلفاز ما يحدث في أي مكان على سطح الأرض عبر الأقمار الصناعية ، وهل ما يزال الإنسان في حاجة إلى دعاء حارس العقار صارخا (افتح يا سمسم) على طريقة ( علي بابا) حتى تفتح له أبواب فندق أو بيت أو سيارة أو مول تجاري ؟! ألا يفتح الباب تلقائيا بمجرد ظهور شيء يتحرك أمام الباب أو خلفه . والصيحة التراثية ( شبيك .. لبيك ، عبدك بين يديك ) التي يطلقها جني القمقم المزمن الحبس ، فور إخراجه من محبسه السرمدي ، بلمسة إبهام من (علاء الدين) لمصباحه السحري في تخييلات (ألف ليلة وليلة) هل يخرج لك جني ألف ليلة ، حتى ولو لم يكن اسمك علاء الدين متوسلا بدعاء السمع والطاعة : ( شبيك لبيك .. عبدك بين يديك) إذا لمست ( الروموت كونترول ) بديلا عن خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين ؟! ألا يفتح لك أبواب السيارة والمنزل ، وتشغيل التلفاز واللاب توب ) والأجهزة الغبية والذكية بلمسة من إصبعك الوسطي ؟!
لقد ألهمت البشرية مخرجا تخيّليا في طفولتها البشرية ، للوفاء بطموحاتها - بالإيهام والتخيّلات الإيجابية – لشحذ وعيها بإعادة إنتاج ما تطمح إليه باكتشاف ما يجدد مسيرة حيواتها ، وييسر لها سبل عيشها الرغد المشترك على الأرض ، فكانت الأساطير منحة الطبيعة تعويضا للإنسانية عما افتقدته مما يحقق لها ما تطمح إليه ، لصيانة حياتها ولتحقيق أمنها ، في مسيرة التوازن الطبيعي للكائنات في الكون العريض . . ومع تراكم التجارب الإنسانية واتساع دور العقل في التجريب ، اكتشافا لما يحقق للبشرية ما تريد ، ومع تجدد قدراته على استيعاب كنوز الطبيعة وتوظيف بعضها بعضا واكتشاف ما بينها من علاقات ، تعود على البشرية بالنفع ، نجح الإنسان في تفعيل مكوناتها التي أدي إليها جهده العقلي المجرب الدؤوب ، وسخرها في خدمته .
أما عن الخشية من مزاحمة المنجزات التكنولوجية ذات التقنيات المتناهية في الصغر،وغيرها للعقل البشري، فليس هذا بذات أهمية إذا ما ظل العقل البشري قادرا على التنافس الجاد والدؤوب مع منجزاته التكنولوجية. وحول التساؤلات :
• هل ستتفوق الآلات على البشر؟!
• أقول : نعم فيما أنجزه العقل البشري في مجالات توظيف الآلات نفسها لخدمته .
• هل ستحل الآلة محل الإنسان مستقبلا بحيث تقوم بكافة الأعمال؟!
• أقول: نعم ، في حدود ما ابتكرت للقيام به.
• هل تهدد التكنولوجيا مستقبل البشر بحيث ينقلب السحر على الساحر؟!
• أقول: جاء في آي الذكر:" وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون" (الذاريات) فهل يعبد كل المخلوقات خالقها ؟! التمرد صفة أصيلة في المخلوقات ، والطاعة موجودة أيضا. وعلي قدر جهد العقل البشري في ترويض صناعته التكنولوجية ، مهما تتفوق تكون السيطرة عليها ممكنة. المسألة متعلقة إذن بقدرة كل من الصانع والمصنوع المشاكل لصورة صانعه على ترويض كل منهما للآخر.
• هل سيخضع الإنسان تحت سيطرة الآلة يوما ما؟!
• أقول : في حالة عدم قدرته على التعامل معها.وسؤالك يذكرني بالمسرحية العبثية (المستأجر الجديد) ليوجين يونيسكو إذ زخم الساكن مسكنه بالأثاث والأجهزة ، دون حاجته إليها فعاقت حركته بداخل المسكن.
• هل إلى أي مدي نريد نحن البشر أن تذهب بنا التطورات التكنولوجية في مجال الذكاء الصناعي؟!
• أقول : إلى أبعد مدى. لأن البشرية جبلت علي الطموح ، فهي برجوازية صغيرة في جوهر تكوينها السيكولوجي ( في الهارد وير)
• إلى أين يتجه العلماء الآن في مجال الدراسات والبحوث المعنية بالذكاء الصناعي؟!
• أقول : ليست هناك حدود للعلم ، فالعلم هو ما يقبل التخطئة وتواصل الاكتشافات . راجع العالم المصري النوبلي ( د.أحمد زويل).
• بالمقابل ما الايجابيات التي ستحصل عليها البشرية من خلال تطور الذكاء الطبيعي؟!
• أقول: المزيد من تيسير سبل الحياة إقتصاديا واجتماعيا وصحيا وثقافيا ، لمن يمتلك وسائل الإنتاج التكنولوجي ، والمزيد من التبعية له ( بخاصة الدول المقيدة بالأيديولوجيات الفكرية والدينية التي تكتفي باجترار أمجاد السلف ولا تشارك في إنتاج المعرفة أو المعلومات ولا دور لها في صناعة الحضارة المستقبلية الجديدة )
• هل سيحمل الذكاء الصناعي رسالة السلام بين البشرية ؟!
• أقول : بالقطع لا . بل تحمل المزيد المزيد من التفاوت بين منتج المعرفة والتكنولوجية المالك لوسائل إنتاجها والأنظمة الكسيحة المزمنة والمعوّقة – بفتح الواو - والمعوّقة لشعوبها – بكسر الواو -.
التنسيق الحضارى وسور السياسات العطيم
التنسيق الحضاري وسور السياسات العظيم
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
من المفاهيم المستقرة في محيط الفكر أن العلم يصحح المعرفة ؛ ويبحث عمّا هو كائن. والفن يبحث عما ينبغي أن يكون . والثقافة واقع حياة الشعوب . وعلم الاجتماع إدراك الآخر . وعلم النفس إدراك الباعث الذاتي . وعلم الجمال إدراك النقاء . والتطرف تجاوز الآخر . والإرهاب نفي الآخر. والتعلم تعديل السلوك . والتنسيق توجيه القدرة على التلاؤم مع الوسط أي تعديل السلوك.
فما المشتبه في استقراره من تلك المفاهيم في المجتمع المصري ؟ فالكثير من معارفنا في خصومة تاريخية مع العلم وهي مسيجة بسياج صاعق – عن بعد – لكل عالم يحلم بمجرد الاقتراب من سورها الحصين .
وهو سور ثلاثي الأبعاد تلقيني المواد أحدهما : عقيدي (تراثي – خرافي) والثاني : تعليمي (مادة ووسائل) والثالث : إعلامي (مادة ووسائل) ليس هذا فحسب وإنما هناك سور آخر يحيط بتلك الأسوار الثلاثة وهو سور السياسات . وهذا السور الأكثر مناعة والأشد استشعاراً عن بعد بمصالح النظام الحاكم وأمنه ، وهو الذي يمد المصابيح المعدودة الموزعة أعمدتها على امتداد محيط تلك الأسوار الثلاثة المسيجة للمعرفة ببصيص الضوء الكافي لتأمين حراسة فكر السور الرئيس (سور السياسات العظيم) ومن الحق أن يكون لكل نظام منظومة سياسات ترسم وتخطط وتبرمج مسيرة البلاد بما يحقق للنظام أمنه في كل المستويات الاقتصادية والسياسية (الخارجية والداخلية) والخدمية سواء كرست لصالح رفاهية النخبة الحاكمة أم وسعت من هامش الصالح العام للتيسير ولو قليلاً على الطبقات الأدنى وفق نسب محسوبة لا تترك مسرباً لتسلل طبقي أكثر دنواً . ولاشك أن للمعلومات مكان السيادة في الحفاظ على تلك النسبة المطلوبة لحفظ أمن النخبة من خطر زيادة نسبة أي تسرب طبقي متطلع لبصيص من المعرفة لظل الحقيقة ، حقيقة رسم السياسات وما ورائها من مقاصد الفلاكة (الإفقار المادي والفكري والحسي والوجداني) للغالبية من أجل الثراء المادي الاقتصادي للنخبة دون الفكري والحسي والوجداني. ولاشك أن للأسوار الصاعقة الثلاثة (التراثي – التعليمي – الإعلامي) الدور الرئيس للفلاكة الفكرية والحسية والوجدانية . فإذا كان كل ما هو مستحدث ، بدعة وضلالة ستؤدي بصاحبها إلى النار ؛ فإن المبدع والمبتكر والمفكر في أي فرع من فروع المعارف علمية كانت أو أدبية أو فنية – نظرية أو تطبيقية – هو ضال ومضلل – وفق أعراف حراس السور الأول –
وإذا كان كل من قال ( هذا معرض فن سيريالي عَرْضُهُ ) أو قال : ( هذا إبداع مسرحي تجريبي إبداعُهُ ) بدلاً عن قول السلف المقرر في منهج النحو العربي ( هذا جُحر ضبٍ خربٍ جُحْرُه) يعد خارجاً على المنهج المقرر في كتب الوزارة في تدريس (النعت السببي) ومن ثم يستأهل أن يصعقه تيار كهربة السور الثاني لأنه مارق عن منهج الوزارة المقرر.
فماذا إذا رفض أحد التلاميذ تسميع شعر البحتري وأبي علي المتنبي أو أبي تمام .. أن يقرأ شعرهما : فالكل نافق الحكام مالا تسوّل بالكلام .. حتماً سيرسب التلميذ كخارج على النظام . حاسة النقد تموت هكذا عند الصغار .. حتى ولو كان الصغير على خطأ .. فكيف نصنع التقدم – كيف يكبر الصغار المانعون صغارنا حق الكلام والممنوعون عن الكلام ؟
وآما كتّاب الصحف وكل صنّاع الكلام القابضين على آذان كل قارئ أمي .. طوبي لهم . طوبي لصنّاع الصور .. فيديو الكليب والمالئين لعين كل مشاهد أمي ..
طوبي لهم طوبي لهم .. فهم كهارب سور هاتيك السياسة فكيف والإعلام بث مكبرات الصوت فوق آذاننا .. نميز الصوت الجميل وذلك الذي يراه صنّاع الكلام جميلاً ؟! فكيف وكل حائط لمنزل في كل حي .. يصوّب المكبرات .. مدافع الأصوات تصويباً على آذاننا ليل نهار ؟! من خيط ضوء الفجر حتى الانقطاع ، الكل يطلق النداء من سبعة الجهات : شرقاً وغرباً وشمالاًَ وجنوباً ثم من فوق وتحت .
ست الجهات تطلق الصوت معاً . لا أدري من أين أتى سابعهم ؟!
الأمر محتاج إلى التنسيق بين دوائر الثالوث تلك : الدين والتعليم والإعلام حتى تؤمم كل دائرة لها آذاننا شهراً لكل دائرة !! وكذا تؤمم العيون هذى تؤذن كل شهر وحدها . وبعدها شهر الكليب مع الإذاعة وبعدها شهر الكليب المدرسي . عشر لنا في الجامعة ومثلها للمدرسة والعشرة الأخرى تراها الطيبة .. حجزت لأطفال الحضانة .
وبعدها فلتنظروا يا أمة اللجان هل .. هل من مجيب ؟!
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
من المفاهيم المستقرة في محيط الفكر أن العلم يصحح المعرفة ؛ ويبحث عمّا هو كائن. والفن يبحث عما ينبغي أن يكون . والثقافة واقع حياة الشعوب . وعلم الاجتماع إدراك الآخر . وعلم النفس إدراك الباعث الذاتي . وعلم الجمال إدراك النقاء . والتطرف تجاوز الآخر . والإرهاب نفي الآخر. والتعلم تعديل السلوك . والتنسيق توجيه القدرة على التلاؤم مع الوسط أي تعديل السلوك.
فما المشتبه في استقراره من تلك المفاهيم في المجتمع المصري ؟ فالكثير من معارفنا في خصومة تاريخية مع العلم وهي مسيجة بسياج صاعق – عن بعد – لكل عالم يحلم بمجرد الاقتراب من سورها الحصين .
وهو سور ثلاثي الأبعاد تلقيني المواد أحدهما : عقيدي (تراثي – خرافي) والثاني : تعليمي (مادة ووسائل) والثالث : إعلامي (مادة ووسائل) ليس هذا فحسب وإنما هناك سور آخر يحيط بتلك الأسوار الثلاثة وهو سور السياسات . وهذا السور الأكثر مناعة والأشد استشعاراً عن بعد بمصالح النظام الحاكم وأمنه ، وهو الذي يمد المصابيح المعدودة الموزعة أعمدتها على امتداد محيط تلك الأسوار الثلاثة المسيجة للمعرفة ببصيص الضوء الكافي لتأمين حراسة فكر السور الرئيس (سور السياسات العظيم) ومن الحق أن يكون لكل نظام منظومة سياسات ترسم وتخطط وتبرمج مسيرة البلاد بما يحقق للنظام أمنه في كل المستويات الاقتصادية والسياسية (الخارجية والداخلية) والخدمية سواء كرست لصالح رفاهية النخبة الحاكمة أم وسعت من هامش الصالح العام للتيسير ولو قليلاً على الطبقات الأدنى وفق نسب محسوبة لا تترك مسرباً لتسلل طبقي أكثر دنواً . ولاشك أن للمعلومات مكان السيادة في الحفاظ على تلك النسبة المطلوبة لحفظ أمن النخبة من خطر زيادة نسبة أي تسرب طبقي متطلع لبصيص من المعرفة لظل الحقيقة ، حقيقة رسم السياسات وما ورائها من مقاصد الفلاكة (الإفقار المادي والفكري والحسي والوجداني) للغالبية من أجل الثراء المادي الاقتصادي للنخبة دون الفكري والحسي والوجداني. ولاشك أن للأسوار الصاعقة الثلاثة (التراثي – التعليمي – الإعلامي) الدور الرئيس للفلاكة الفكرية والحسية والوجدانية . فإذا كان كل ما هو مستحدث ، بدعة وضلالة ستؤدي بصاحبها إلى النار ؛ فإن المبدع والمبتكر والمفكر في أي فرع من فروع المعارف علمية كانت أو أدبية أو فنية – نظرية أو تطبيقية – هو ضال ومضلل – وفق أعراف حراس السور الأول –
وإذا كان كل من قال ( هذا معرض فن سيريالي عَرْضُهُ ) أو قال : ( هذا إبداع مسرحي تجريبي إبداعُهُ ) بدلاً عن قول السلف المقرر في منهج النحو العربي ( هذا جُحر ضبٍ خربٍ جُحْرُه) يعد خارجاً على المنهج المقرر في كتب الوزارة في تدريس (النعت السببي) ومن ثم يستأهل أن يصعقه تيار كهربة السور الثاني لأنه مارق عن منهج الوزارة المقرر.
فماذا إذا رفض أحد التلاميذ تسميع شعر البحتري وأبي علي المتنبي أو أبي تمام .. أن يقرأ شعرهما : فالكل نافق الحكام مالا تسوّل بالكلام .. حتماً سيرسب التلميذ كخارج على النظام . حاسة النقد تموت هكذا عند الصغار .. حتى ولو كان الصغير على خطأ .. فكيف نصنع التقدم – كيف يكبر الصغار المانعون صغارنا حق الكلام والممنوعون عن الكلام ؟
وآما كتّاب الصحف وكل صنّاع الكلام القابضين على آذان كل قارئ أمي .. طوبي لهم . طوبي لصنّاع الصور .. فيديو الكليب والمالئين لعين كل مشاهد أمي ..
طوبي لهم طوبي لهم .. فهم كهارب سور هاتيك السياسة فكيف والإعلام بث مكبرات الصوت فوق آذاننا .. نميز الصوت الجميل وذلك الذي يراه صنّاع الكلام جميلاً ؟! فكيف وكل حائط لمنزل في كل حي .. يصوّب المكبرات .. مدافع الأصوات تصويباً على آذاننا ليل نهار ؟! من خيط ضوء الفجر حتى الانقطاع ، الكل يطلق النداء من سبعة الجهات : شرقاً وغرباً وشمالاًَ وجنوباً ثم من فوق وتحت .
ست الجهات تطلق الصوت معاً . لا أدري من أين أتى سابعهم ؟!
الأمر محتاج إلى التنسيق بين دوائر الثالوث تلك : الدين والتعليم والإعلام حتى تؤمم كل دائرة لها آذاننا شهراً لكل دائرة !! وكذا تؤمم العيون هذى تؤذن كل شهر وحدها . وبعدها شهر الكليب مع الإذاعة وبعدها شهر الكليب المدرسي . عشر لنا في الجامعة ومثلها للمدرسة والعشرة الأخرى تراها الطيبة .. حجزت لأطفال الحضانة .
وبعدها فلتنظروا يا أمة اللجان هل .. هل من مجيب ؟!
الاثنين، أبريل 13، 2009
البلطة والسنبلة والمهدي غير المنتظر
" البلطة والسنبلة ".. والمهدي غير المنتظر
د. أبو الحسن سلام
تمهيد :
لو فهم النظام الحاكم في مصر مغزى كتاب (البلطة والسنبلة) للمفكر الشاعر "مهدي بندق " لرفع صاحبه علي رأس مفكريه الكبار؛ إن كان له من فيلسوف يفكر !!
لأن الكتاب بنقده للفكرة المزمنة ، التي قامت عليها الأنظمة الحاكمة ، منفردة ومتسلطة على الشعب المصري ، عبر تاريخه الممتد من الأسرة الفرعونية الأولى حتي الأسرة الثامنة ، مرورا بالهيلينستية ، فالمسيحية ، ثم الإسلام ؛ وصولا إلي أيدي القلة القليلة المتربعة على سرير الحكم ، حتى لحظتنا الراهنة ؛ لأدرك ذلك النظام أن هذا الكتاب - بنقده لتلك المسيرة التاريخية للممارسة السلطوية المخزية والأساس العقيدى الذي قامت عليه - إنما ينبه النظام نفسه إلي خطورة وقوفه الآن على "شفا جرف هاو" !! أوصله إليه عنفوانه مع شعبه ؛ بعد أن استبدل صك الأمن الغذائي الذي رمز الكاتب إليه بالسنبلة بصك القهر للرأي المعارض ، فضلا عن قهر الغالبية للحيلولة بينها و لقمة العيش بنسبة تراوح 99,5 ,99 % من مجموع الشعب المصري . شعبه ، وتغافل عن مجموعات الفساد والإفساد للسلام الاجتماعي مابين لصوص ومرتشين وعملاء وظلاميين وخونة للوطن وبلطجية يرفعون البلط ، فضلاعن قسوة شرطية لا مبرر لها وترسانة من القوانين المكبلة للحريات وكلها تعمل على زعزعة المجتمع جنبا إلي جنب مع سياسات المجموعة الاقتصادية الحاكمة، دون أن يدرك النظام أن ملايين البلط توشك أن ترتفع في وجهه بنهار ، وتمزقه شر ممزق .
فالكتاب إذن ينبه النظام إلى الخطر المحدق به ، بعد أن رفع البلطة في وجه شعبه.
والكتاب وإن كان إيجابيا بالنسبة للنظام الحاكم في مصر– على جهل النظام بذلك– إلاّ أنه سلبي بالنسبة للحركة الثورية التي هي بمثابة بصيص نار من تحت الرماد . وفي اعتقادي أن هذا الكتاب لو كان قد قدّر له أن يصدر خلال منحني صعود نظام يوليو52 للقي صاحبه المصير الذي لقيه ( سيد قطب) مع أن فكر صاحبنا تنويري يمهد لمستقبل أكثر أمنا وسعادة للمصريين ، وفكر صاحبهم ذاك بعد أن انقلب علي نظام يوليو في صبيحة صعوده إلي سرير الحكم داعيا إلي تكفير العصر وهجرته ؛ بتبنيه لفكرة الحاكمية المودودية.
هذه المقدمة ، هي في الحقيقة بمثابة رأي استباقي في مضمون الكتاب قبل الخوض في إشكاليته ومنهجه وآلياته البحثية وتأصيل مقولاته. وقد صدّرت بها ورقتي البحثية تلك ، ثم ثنّيت بما يدلل علي مصداقية رأيي في هذا البحث القيم.
أولا: البلطة والسنبلة ملاحظات .. وملاحظات مسائلة
عبر حوارية قطع ووصل بين المفكر الوطني الشاعر والناقد والكاتب المسرحي المصري
( مهدي بندق) تدور إعادة النظر إلى الإطار التاريخي الاقتصادي ، السياسي والاجتماعي في مسيرة تحولات المصريين ، منذ فجر تاريخهم ، وحتى واقع المصريين التاريخي الراهن .
نحن إذن أمام بحث جاد ، جدير بالنظر والمناقشة ، التي تدير حوارية قطع ووصل معه ، وقوفا عند ملاحظاته علي مسيرة التحول عند المصريين وآثارها المزرية علي جبين المصريين
ومن ثمّ طرح بعض الملاحظات المسائلة لها . ذلك أن هذا الكتاب ، هو بحث رصين في نظرته لتحولات المصريين التاريخية ، متشبثين بأقنعة التسامح ، بينما يخفون خلفها عنفا دفينا ، هو نتاج مرارة تاريخهم . وهو عنف مكبوت ، نادر الظهور ، لفاعلية الإيدولوجية الدينية الكهنوتية ، ونفاذ فكرة ( الحاكمية الاستبدادية المتقنعة بقناع العدالة الزائفة) في الحياة وبعد الموت ، ونفاذ فكرة ( المخلّص الغيبي ) ودورهما في إبطال رد فعل منظم محتمل ومسلح بوعي مستوف لشرطي التغيير .
الباحث بنقد مختزل لاقتباسات قوله المصدري و شواهده المرجعية على نحو قوله مستبقا الشاهد الذي اقتبسه من الحكيم الفرعوني ( إيبور) حول عدل الفرعون : إذ ينقضه بقوله :(( فها هو وهو بحث رصين أيضا ، لأنه محصّن بإشكالية وبمنهج وبآليات التأصيل المصدري والمرجعي، قائمة علي العديد من الاستشهادات ، في صياغة لغوية وأسلوبية محكمة ، وصولا إلى الملاحظات والملاحظات المضادة ، استصفاء لنتائج جديدة تؤكد فرضية البحث وتجيب عن تساؤلاته ، لتبلور رؤية جديدة، علي طريق مستقبل مأمول ، يسهم في صنع مسيرة الحضارة العالمية المعاصرة ، التي سبقتنا بزمان.
• الإشكالية : تتمحور إشكالية هذا البحث حول مستقبل مصر المغلق في ظل عقبة توأم كؤود :
ـ العقبة الأولى: تتمثل في ولاية الكهانة الميتافيزيقية الدينية التاريخية، المتقنعة بقناع ( المخلّص الغيبي) . وهي الأخطر.
ـ العقبة الثانية: تتمثل في ولاية الحكم المطلق ، المتشح بوشاح ( المستبد العادل ) والممسك أبدا بزمام الإنتاج والتوزيع الاستحواذي .
* منهج البحث: ينتهج هذا البحث المنهج الوصفي التفكيكي ؛ اعتمادا على استعراض تاريخي لمعطيات حضارية مشبعة بالرسوبيات العقيدية والأيدولوجية ، لنقض مقولتها وأنساقها.
* آليات البحث : تتمثل آليات هذا البحث في الاعتماد على جرد الموروث الحضاري ، وانحدار مقولته الاعتقادية الاستلابية : فرعونيا ، ف "هيلينستيا " ومسيحيا ؛ ثم إسلاميا ؛ نفاذا في عصرنا ، ومن ثمّ إعمال ألية تفكيك أنساقه ومضمون خطابه المرتكز على مقولتي: ( الخلاص علي يد مستبد عادل دنيويا وآخرويا تعويضا بحور عين أبكار ؛ عن حرمان جنسي عاشته شعوب البيداء ؛ وكأنها لا تعوض حرمان أسلافها وتعطشهم للجنس بطوفان الفسق الذكوري ، الذي يجتاح عالم النساء – أبكارا – في مجتمع شعوب الماء !! بسيولة العوائد النفطية ، ووساطة الفتاوي الدينية الداعمة لذلك الاجتياح الفحولي الخليجي عبر الفضائيات والأرضيات .
وهي آليات تفكيك لكل معطيات ذلك الغثاء المتكرر الأطوار؛ في توطيد الطاقة الميتافيزيقية الدينية والخرافات الكهنوتية ، للمزيد من سيطرة الطاقة الحاكمية التسلطية المنفردة في الاستحواذ على إنتاج الشعب المصري . وتدعم هذه الآليات مصداقيتها بالشواهد ، والتأصيل بالثبت المصدري والمرجعي .
• نتائج البحث : يخلص المؤلف الباحث إلى العديد من النتائج المهمة مرتكزا على العديد من المقولات المنتجة متوجة ببراهينها ، أوالمعاد إنتاجها متوشحة بظلال البرهان ، وقليلها عار من البرهان . ونحن نكتفي بالتمثيل لبعضها:
أولا ـ : وقوع المصريين عبر مسيرتهم التاريخية تحت عربة التوظيف الاجتماعي للدين ، مقيدين بقيود الموروث الثقافي الفرعوني السلبي ، المتمثل في الاستكانة والرضي بالمقادير ، مع عدم المبالاة بالتفاعل أو التعاطي مع الشأن العام .
ثانيا ـ : سيطرة الاعتقاد بفكرة المخلّص( الحاكم المستبد العادل) منحدرة من فكر الحكيمين الفرعونين ( نفر روهو ، إيبور) إلى جانب الحكاية التراثية الفرعونية حول ( شكوى الفلاح الفصيح) مرورا بفكرة ( الخلاص المسيحي المنتظر) وصولا إلى الإسلام الشيعي الحامل لفكرة ( المهدي المنتظر) الفاعلة في عصرنا
ثانيا: ملاحظات إطارية
* يتوجب علينا – هنا – التمثيل لمنهجية الوصف والتفكيك في هذا البحث ، قبل الوقوف علي الملاحظات التي هي بمثابة ركائز للنتائج التي توصل إليها المؤلف الباحث ، والتي لنا عليها ملاحظات متسائلة:
ـ أولا: حول منهجية البحث الوصفية :
باعتبارها ركيزة التحليل الاستقرائي والدعم والتأصيل . وتتمثل في الشواهد التي وردت في البحث عن عدل الحاكم المستبد عند الفراعنة ، في إدارة الإنتاج الريعي وتوزيعه ، وتتأصل بانحدار تلك الفكرة بالدحرجة الثقافية الكهنوتية عبر تاريخنا حتى محطة الوصول المعاصرة ، محمولة على شاهد من مقولات الحكيم الفرعون ( إيبور) : " إن مخازن الملك قد أصبحت مشاعا لكل فرد ، ولا ضرائب تجبى للقصر، برغم أنه ينبغي قانونا أن يكون له شعير وقمح ودجاج وسمك ، وكان القصر يحوي النسيج الأبيض ، والتيل الجميل ، والنحاس ، والزيت ، وكان يملك الحصير ، والبسط ، وكل المحاصيل الجميلة"
• ثانيا: حول منهجية التفكيك: بوصفها طريقة للحض على رفض قيم الحتمية ( الثبات والأبدية) وتتمثل في استباق يقول متحيزا))
وهو لا يكتفي بهذا النقد التفكيكي الاستباقي المختزل في نعته للصاحب الشاهد بالمتحيز للفرعون المستبد، بل يتجاوزه بتعقيب نقدي يفكك به رأي ( إيبور) نسقا ومضمونا ، حيث ينتهي إلي استنكار نعته بالحكيم بوصفه المؤرخ الرسمي للفرعون ، فهو لم يزد في رأيه عن كونه مجرد صاحب وعي شقي – بتعبير "هيجل"
ثالثا: وقفة نقدية ظاهراتية
يحسب وعي الناقد بوعي الكاتب شكلا ومضمونا على نظرية النقد الظاهراتى ، وهنا أراني أمام وعي الكاتب مبلورا لبعض من مقولات بحثه .
ولعل أهم ما لاحظته في كتاب ( البلطة والسنبلة) كانت المقولات المنتجة أو المعاد إنتاجها ، خدمة لحاضرنا المتردي، وركيزة انطلاق لبديل مستقبلي محتمل ، وقد ارتكزت مقولاته كلها علي البيت الشعر القديم/ المعاصر : " إذا تم شيء بدا نقصه توقّع زوالا إذا قيل تم "
ومن أهم مقولات هذه الأطروحة الفكرية في النقد السياسي قوله:
• الموت غياب دائم لا عودة فيه، وكل تصوّر للذات بعد أن تغيب ، إنما هو محض افتراض، فكيف يحدّث البعض عن جوهر ثابت للذات ؟!
• الشك هو البديل الاحتياطي لليقين .
• الغياب لا فكر له ولا هوية .
• فكرة عالم آخر هي نتاج فكرة الحضور.
• العلم هو إخلاء اليقين ساحة الحضور لبديل احتياطي هو الشك.
• كلما كثرت وتعددت مهام الدولة التنظيمية ، كلما ضاقت المساحة التي يتنفس فيها الفرد حريته ويؤكد فيها ذاته .
• الأساس في نشأة طبقة اجتماعية ما ، هو النشاط التجاري الداخلي ، عبر نظام المبادلات.
• الشك يهدم ليبني دون توقف .
• الأنا حالة استلاب دائم ومتتال .
• ورث المصريون اليوم من أسلافهم الفراعنة بجانب الاستكانة والرضا بحكم المقادير ، تقليدا عجيبا هو لجوءهم بشكواهم إلى كبير العائلة الذي يعد هو المسؤول الأول عن أحوالهم البائسة . وورثوا يقينهم بأن تغييرا ما لن يحدث ، لذا تفشّي اليأس وعدم المبالاة والانصراف عن كل دعوة مثالية ، إلاّ في حالات الاندفاع الأعمى اندفاعا يائسا بلا قيادة ، حيث التدمير والخراب لا الثورة ( كما حدث في 18-19 يناير1977 ) وفي أحداث شارع الهرم وهوجة عسكر الأمن المركزي في الثمانينيات .
رابعا: حوارية الوصل والتقاطع
هذا البحث هو حديث باسم العامة يبدؤه الأستاذ مهدي بندق بمقولة عالم اللغة السويسري (دي سوسير) حيث يقول: " إن اللغة نسق من العلامات . وأيّة ضوضاء لا تعد بحد ذاتها لغة إلاّ حين تستخدم للتعبير عن الأفكار."
ويرتب الأستاذ مهدي على مقولة "دي سوسير" السابقة تلك أمرين يؤسس عليهما إشكالية بحثه:
• الأمر الأول : إيجابي : يتمثل في العلامات الاتفاقية ( المعادلات – الإشارات )
• الأمر الثاني: سلبي : لأنه يعبر عن انحطاط اللغة حين تصبح مجرد ضوضاء
• يستنبط من ذلك التصنيف أن الضوضاء ، وإن عبرت عن الفكر ؛ فستظل لغة منحطة .
وفي ظني أن دي سوسير نفسه كان ليوافقه علي ذلك .. ونحن كذلك. إلاّ أن الكاتب يؤسس على استنباطه ذاك رأيا يحتاج إلى مراجعة. فهو يقول:
" وتمثل الأيديولوجيا وعيا زائفا لأصحابها "
وتعليل ذلك عنده مرجعه إلى ثلاثة أسباب :
• أولا : " لأنها تحصر نفسها في الموقف الساكن الذي يعزلها عن حركة التاريخ في تدفقه وتغيره."
• ثانيا : " لأنها لا تشير إلى وقائع متكاملة على مستوى رؤية العالم ، وإنما تعبر جزئيا – عن مصالح أصحابها حسب ، دون التفات إلى مصالح الآخرين."
• ثالثا: " لكونها تشّوه المعطيات الواقعية ، لكي تلائم سرير بروكرست ، الذي تصنعه على مقاس معين، طالبة من الكائنات الحية أن ترقد عليه. فإذا كانت الكائنات أطول حزّت رؤؤسها أو بترت أقدامها ، وإذا كانت أقصر مطت أجسادها لتناسب السرير."
• ولنا أن نتقاطع مع هذه الأسباب فنقول:
# فيما يختص ب (أولا:
إن الفكر بطبعه هو حالة سكونية. وهو وليد لحظة سكون. وما من انطلاقة صاعدة أو هابطة، أمامية أو خلفية أو جانبية ؛ إلاّ وتبدأ من نقطة ساكنة . والخلل عندئذ ليس مرجعه الفكر نفسه ، ولكنه ماثل في توظيف الفكر بما لا يتلاءم مع الهدف منه أولا ، وبما لا يتلاءم مع معطيات الواقع الذي يوظفه ، وإمكانات حاملي الفكر ومصداقيه عزيمتهم . وليس هناك فكر يعبر عن العالم كله في كل العصور؛ ومن ثمّ فلا يوجد فكر أوحد يمثل العالم كله ، ولكن هناك رؤى فكرية جزئية للعالم. حتى إذا وجدت – افتراضا – رؤية كلية للعالم ؛ فسوف لا تخرج عن كونها مصطلحا إيديولوجيا ، باعتبارها الرؤية الشمولية الوحيدة.
# فيما يختص ب (ثانيا ):
نقول إن رؤية العالم مهما تتسع فلسوف تضيق ، لأنها رؤية لعالم متحقق بالفعل المتغيّر المستمر في ( الفيمتو ثانية) بينما رؤيته تضيق بحيث لا تتعدى البلورة البانورامية لمجمل الوقائع التي مضت – فالواقع إن هو إلاّ وقائع تحققت تحققا ماديا ، ذا آثار إيجابية وسلبية في آن – مضت وتركت تلك الآثار متفاعلة مع الحاضر المعيش – وهذا مكمن ضيقها –
بينما يتمثل اتساعها في انطلاق طاقاتها الايجابية بالحاضر نحو المأمول ؛ محملة بعبرة وقائع الماضي ، وخبرة الحاضر ، بعد تحررها من آثارها السلبية، حتى تستطيع الخروج من منظورها الجزئي إلي منظور زاويته أكثر اتساعا ورحابة – وليس أكثر شمولا -.
على أن الكلام عن الواقع هو كلام مقصور علي وقائع قائمة وفاعلة ، والكلام عنها مقصور علي أحداث محددة ، قد مضت ، ولم يتبق منها سوىّ أثرها .وهي مهما تتسع ؛ فإنما تضيق لتنحصر في عصر وقوعها ، وفي مجتمع حدوثها – جزئيا – ولئن طالت آثارها زمنا تال، فسيظل تأثيرها تأثيرا جزئيا أيضا .. بمعنى أن وقعه يكون مقصورا على قطاع من العالم دون بقيته – إن إيجابا وإن سلبا-
# بخصوص ( ثالثا) :
نقول : هل كل المعطيات واقعية ؟! ثم هي واقعية بالنسبة لمن ، وغير واقعية بالنسبة لمن ؟!
ونتسائل :
# أليس سرير بروكروست بداخل كل منّا – باعتبار أم لكل منّا هويته الذاتية – يخرجه بحض من موروثاته الرسوبية ، و يفرده أحيانا ويطويه أحيانا ، حتى في حياته اليومية المعتادة في أثناء حوارا ته مع الآخرين ؟!!
# أليست هذه الأطروحة نفسها ، صورة لسرير بروكروست باعتبارها لونا من ألوان استضافة وعي المتلقي لها ، حيث هي تطرح نفسها كملاذ فكري لذلك الوعي سعيا إلي كسب تأييده لمضمونها ؟!
# أليس كل طرح فكري يسعى إلى كسب تأييد الآخرين هو بمثابة سرير بروكروست ؟!
علما بأن من يتجه إلى السرير سواء أكان سرير (بروكروست ) أم سرير (رضوان)هو شخص راغب في النوم في سرير غير سريره !! وهنا عليه ان يرضى أو لا يرضى بشروط النوم التي يفرضها ( رضوان) أو نظيره في الأسطورة الإغريقية .
# أما القول: إن الإيديولوجيا ضجيجا ، فهو أمر لا يستقيم مع طبيعة الاستيعاب ؛ الذي لا تكون هناك إيديولوجيا أو اعتقاد ما دونه . فالاعتقاد يرتكز على استيعاب فكري ، كثيرا ما يدخل من بوابة المشاعر – بخاصة في مجتمعنا – ولا منطق في القول : إن أحدا يستوعب الضجيج ، لأنه يخرج من حيث دخل . فالتشتيت والتشظي السمعي هو طبعه وطابعه .
وبما أن الإيديولوجيا على أي نحو كانت وجهتها منظومة فكرية ؛ هي محل التحقق التطبيقي قولا وعملا أو قولا متقاعسا عن الفعل ، بما يتواءم مع الواقع المطروح فيه فهو اعتقاد لابد وأن يمر من بوابة الاستيعاب عن قناعة – سواء أكان استيعابا كليا أم استيعابا جزئيا ، حقيقيا أم زائفا –
خامسا: ملاحظات المسائلة
لأن هذا الكتاب بحث أصيل ، جامع للعديد من المقولات التي هي محصلة وعي سياسي وإعمال فكري وطني يهدف إلي حض المصريين جميعهم على مراجعة موقفهم الثابت من فكرة المخلص العادل المستبد ، وفكرة اليقين ، وهما الفكرتان اللتان أورثتهم الاستكانة والمهانة والرضي بالفقر والتخلف ، انتظارا لخلاص أخروي ومتاع لا ينفد ( على يد جودو) ، كما يهدف إلى تنبيه النظام الحاكم المستبد إلي مغبة رفعه للبلطة في وجه شعبه ، بما ينذر باحتمال رفع ملايين البلط في وجهه !! فإن من المقولات ما يحتاج إلى مساءلة فكرية تقدر قيمة تلك الأطروحة وجديتها ، بالقدر نفسه الذي تقدر فيه قيمة هذا الكاتب المفكر حق قدرها .
ومن المقولات التي رأيت أنها في حاجة إلى المساءلة اكتفيت بالوقوف عند ثلاث منها أو أربع ، إعمالا لمنطق دياليكتيكي يرعاه الكاتب نفسه رعاية كل ناقض لمسيرة الإيديولوجيا وفكرة الثبات .
• يفرق الكاتب بين نوعين من النقد الذاتي حيث يوجد ( نقد ذاتي عام ) و ( نقد ذاتي خاص) فيمثل للأول بنقد حسن حنفي "التلفيقي البرجماتي حيث ضبطه متلبسا بنقد تراثه نقدا راديكاليا كبيرا" حتى وإن كان في نقده أكثر شجاعة من ميلاد حنا. أما النقد الذاتي الخاص ، فيمثل له بنقد السيد ياسين.
• ونتقاطع مع هذا الرأي فنقول:يغفل الكاتب نماذج أخري لها موقف حسن حنفي نفسه أو تتناظر معه مثل : ( جابر عصفر – نصر حامد أبو زيد – صلاح فضل - وحيد عبد المجيد – صلاح عيسى - رفعت السعيد – د.عبدالمنعم وغيرهم )
• يري الكاتب أن ثبات البناء الفوقي في مصر الفرعونية كان بسبب غياب التنظير السياسي والفكر الفلسفي مع غياب الأدب والفنون الدرامية ( الكتاب ص45 )
• ونتقاطع جزئيا مع هذا الرأي فنقول:
# أولا: قامت حضارة الفراعنة علي فكرة الخلود بالبعث بعد الموت في حياة جديدة في مقابل حضارة اليونان والهند اللتين قامتا علي فكرة التناسخ سبيلا إلي خلود الروح عبر الانتقال من الجسد بعد الموت إلى جسد آخر يولد في التو واللحظة ففكرة الخلود أنتجت المعابد الفرعونية والتماثيل والأهرامات . وهي فكرة فلسفية مثالية غيبية لاشك .
# ثانيا: بالنسبة للفنون الدرامية ، كان ميلادها مصريا قبل ألفي عام من ظهورها عند اليونان . وليس من الإنصاف في شيء أن نحاسب مرحلة الميلاد بأقيسة حسابنا لمرحلة النضوج التي وصلت إليها الدراما اليونانية – حتى وإن كانت ابن بالتبني للدراما الطقسية المصرية- فضلا عن طفولة المسرحية اليونانية نفسها ، التي لولا دور يوريبيديس في نقلها بحيث تتفاعل مع المجتمع اليوناني لظلت شبه طقوسية و في خدمة الدين باعتبار هدفها التطهيرى المرتكز علي الإيهام والاندماج ، وهو هدف الدين نفسه ارتكازا على الإيمان بتصديق المؤمن لكل معطيات الرسالة الدينية وبالاندماج خشوعا عند اتصاله بمن يعبد . فتجمد نمو الفن الدرامي في مصر الفرعونية عند الطقوسية كان نتاجا لعدم ظهور طبقة وسطى بسبب انعدام حركة النشاط التجارى لسبب أشرت أنت نفسك إليه حول ( الاكتفاء الذاتي الفوقي ، الذي جمد الإنتاج واستبد بفرض نمطه) ، ومن ثمّ حجّم التعبير عن أثر علاقات الإنتاج فكرا وأدبا وفنا ، إذ نمطّه في قالب طقسي تمثل مسرحيا في نصوص مسرحية دينية أسطورية ، وتمثل رمزيا في الصروح المعمارية وتماثيل الآلهة الملوك ورموزهم . كما أن اليونان كانت تؤنسن آلهتها ، بينما كان المصريون يقدسونها ويؤلهونها!!
** يقول الكاتب : " الرأسمالية تحرر السكان من التبعية لكيانات المافوق – Meta سواء أكانت ألوهية أو ممثلة لها ( لوردات – شيوخ قبائل)" ( نفسه ص 46)
** إذن فإن مظاهر الهيمنة الإسلاماوية تنفي تصنيف المجتمع المصري الآن تحت راية الرأسمالية.
• يقول الكاتب : " النمط الإنتاجي الجامد في نظام حكم مستبد يسهم في طمس الفروق بين الأفراد في ذلك البلد " ( نفسه ص46)
• ونقول :هذا ما نراه في تطابق هيئة المتأسلمين ملبسا وقولا وحركة وتعبيرا جامدا ، كئيبا متذمرا ، صارخا ، معاديا لمن هو فوقه وما هو فوقه رقيا ،شكلا ومضمونا ، قولا وفعلا.
• يقول الكاتب :" لا نملك ترف التغنّي ببناء أهرامات لملوكنا ، لكي يمثلونا في عالم الخلود . ولا نستطيع أن نبادل حريتنا بالتأمل المنبهر بما نحته أسلافنا من تماثيل ، وما أقاموه من معابد وقصور لحكامهم وأمرائهم وكهانهم ، فدعونا نعتذر لأصحاب كتاب ( حكمة المصريين).
• ونقول : أليست الأهرامات والصروح الفرعونية الآن هي أهم عوائد الاقتصاد المصري المعاصر ن باعتبارها تجارة السياحة؟! فلئن كانت ترفا بالنسبة لأسلافنا من عامة الشعب المغلوب على أمره ، فهي ليست كذلك الآن ، حتى وإن وقع العائد الاقتصادي في حجر النظام الحاكم الآن !! ومن ناحية ثانية نتساءل هل نملك ترف إنشاء مشاريع في الهواء كمشروع توشكي – مثلا – أليست مثل تلك المشاريع وغيرها شكلا من أشكال حرص النخبة الحاكمة علي تخليد نفسها ؟!
• يقول الكاتب إن الديمقراطيين " الذين لا يذهبون إلى إلغاء الدولة بل ترويضها حسب . لكنهم بكتاباتهم لا يلتفتون إلى إشكالية Paradox مفادها أن الكتابة إملاء Dictation و(بالتالى) فالكاتب الديمقواطى هو أيضا ديكتاتور ، فكيف يتحدث ديكتاتور عن الديمقراطية؟!"
• ونقول: ألست أنت كاتبا أيضا ؟! لقد أحلت الديمقراطي إلى كاتب يملي فكره على غيره ، فماذا إذا كان الكتاب يكتبون بأنفسهم - وإذا استثنينا منهم أحدا فلربما يكون (هوميروس أو المعري أو بشار بن برد أو ميلتون أوسنتيانا أو طه حسين ) أنت – مثلا – تكتب بنفسك معبّرا عما تريد ولا تملي على أحد ليكتب لك وأنا كذلك . علما بأن الإملاء في اللاتينية Dictation وفعلها Dicta بمعني يملي أي يفرض رأيه على الغير ، وأنت تستبدل المعني الدلالي المتداول بيننا وهو الكتابة الإملائية بالمعنى المعجمي ، ثم تحولها مرة أخرى بالمعنيين المعجمي والدلالي معا لتصم بهما ( الديمقراطي) مفترضا أن ليس من بين الأميين من يحتمل أن يكون ديمقراطيا!! وهذا تأويل فاسد .
خلاصة القول
• لكل أطروحة تساؤلات أو فرضية ، يكون علي الباحث إثبات صحتها . وقد تأسست الأطروحة على التساؤلات الآتية :
# (( من نكون نحن المصريين ؟! ماذا نريد ؟! وهل ترانا قادرين على تحقيق ما نريد؟! زماهي العقبات الداخلية والخارجية التي تواجهنا ، وتحول دون تحقيق إرادتنا؟!! ))
• هو بحث إذن حول الإرادة والاستطاعة والعقبات الحائلة بأشكالها بين المصريين وكيفية تحقيق الإرادة التي لم تتحدد كيفية تحققها بعد !!
وهنا يمكننا القول إن الباحث قد وفق في تحقيق فرضيية بحثه حول مسيرة تحولات المصريين وصولا إلى ما يمكن ان نطلق عليه ثلاثية التحول في سيكلوجية الشعب المصري وهي تتمثل في :
• سيكلوجية التحول بعد هزيمة يونيو67 من الأمل إلى الإحباط .
• سيكلوجية التذبذب مابين النهضة والتراجع انتهاء بالانكفاء إلي الضد سلبا بعد تسليم رايات إنتصار حرب 73 للعدو وإطلاق العنان للطفيلية الرأسمالية وللماضوية المتطرفة ومظاهرها:
( استبدال الوداعة و الاعتدال بالشراسة والتطرف . والدين بالطقوس الكهنوتية الشكلية وسيلان الفتاوى وتفشي البطالة .واستبدال الأمانة بالفساد والرشوة ، واستبدال الهمة والمبادرة بعدم المبالاة واستبدال المسالمة بالغدر والقتل، واستبدال العفة بالاغتصاب العلني وهتك الأعراض ,استبدال الأمن بالبلطجة والنصب المعلن والمقنن والتزوير في الانتخابات والعصف بكل مظهر للديمقراطية وتفشي الأمراض وتقنين بيع الأعضاء البشرية وسكنى المقابر وأطفال الشوارع ، وتفشي ظاهرة الزواج العرفي وزيجات المسيار والمخادنة والمباضعة والمضامدة .)
• هكذا تحول المصريون من شعب إيجابي إلي السلبية . على أن الكاتب يري في النهاية أن بالإمكان استبدال ثنائية التذبذبات في مسيرة تحولات المصريين مابين الإيجابية والسلبية بثنائية المنهجية العلمية والتكنولوجية بوصفهما طريقنا إلى المساهمة في بناء الحضارة العالمية القادمة ، إذا تحققت الديمقراطية تحققا حقيقيا في مصر . فالديموقراطية هي الطريق الصحيح .
كذلك يمكننا القول بتوفيق الكاتب في توظيف آليات البحث العلمي ، وذلك على النحو الآتي :
• إتباع الكاتب للإجراءات المنهجية الآتية:
# أولا: البدء بمقولة مسبقة ، أي فرضية البحث
# ثانيا: طرح تساؤلات البحث
# ثالثا: التجرد من الانتماءات التاريخية ، ورفض الانتساب المتعدد الأنظمة أو الأعراق والعائلات ( فرعونية – عروبية – طولونية – فاطمية – إخشيدية – أيوبية – مملوكية ) أو إلى أديان ( آمونية- آتونية – مسيحية – إسلامية)
• التأصيل: بدعم طرحه الموضوعي المتجرد ، باعتبار أصلا أصيلا في مجال البحث العلمي .وقد تأسس هنا على عدد من الأسباب يؤصل بها الباحث وجهته حول عدم نسبة الجذر ( المصرية إلي الفرع ( فرعونية – عروبية ) أو الأقدم إلى الأحدث أو الطبيعي إلي المصنوع).
• التعليل: يعلل الباحث بعدم صحة انتساب الجذر إلى الفرع فيقول" الخلل الفكري الناتج لحري بأن يغطرش على كل محاولة هدفها التوصل إلى إجابة علمية عن الأسئلة التي سقناها آنفا جرّاء وقوع كل الإمكانات العقلية في أحابيل الإيديولوجيا . وهذا ما ألقى بالمصريين في دوامات الحيرة والاضطراب عبر تاريخهم من عصر الأسرات الفرعونية وحتى يومنا هذا " (نفسه صص5-6 )
• التساؤلات المتوالدة: توالد التساؤلات الفرعية من الفرضية أو من السؤال الأساس الذي انبنت عليه إشكالية البحث ، هي تساؤلات ضرورية لتدعيم مسيرة تحقيق تلك الفرضية الأساسية ، لذا نراه يردف بطرح سؤال فرعي استدراكي :
• " ولكن كيف استطاعت الإيديولوجيا أن تمارس سطوتها على الأذهان طوال هذه العصور ؟!"ثم ينبري ليجيب عنه بقوله: ذلك مرده إلى انقسام المجتمعات القديمة مع اكتشاف الزراعة وتكريس الملكية الخاصة لوسائل إنتاجها و(بالتالي) ظهور المجتمع الطبقي . وحيث احتاجت الطبقات المالكة إلى إضفاء صفة الشرعية على مكتسباتها ؛ فلقد قامت باختراع الدولة" ( ص6)
• التأصيل بالمفاهيم والتعريفات: الاسترشاد بالمصطلحات . حيث أن البحث الأكاديمي ، يسترشد بالمصطلحات والمفاهيم النظرية ، لضبط الأحكام ، سواء اقتباسا من مظانها المصدرية المعجمية والموسوعية ، على تعددها، أو من المراجع الثقات التي عمد مؤلفوها إلي التنظير وقد اعتمد المؤلف هنا على نحت المفهوم . وقدم مفهوما للدولة ، دون اللجوء إلى مفاهيم سابقة لغيره – ربما لاتساع المفهوم نفسه باتساع الآراء حوله فضلا عن تضاربها - لذا هي عنده: "جهاز سياسي مهمته إضفاء صفة النظام على المجتمع ، ومنعه من الوقوع في الفوضى ، وذلك بحماية المالكين ، وتأمين أملاكهم وحياتهم بالضد على من وجدوا أنفسهم بلا ملكية ، فاضطروا إلى العمل بالشروط المعروضة عليهم. مع التدرج التاريخي لأشكال الحماية والقائمين عليها ( شيخ قبيلة – الحراسة الخصوصية – الحجّاب – الملك – الوزراء – الشرطة – المؤسسة العسكرية – المؤسسة الإدارية – المؤسسة الدينية - منظومة العقائد والأفكار وضوابطها بين ما هو مسموح وما هو ممنوع أو محرم – الجزاء منحا أو عقابا) ، ليخلص من ذلك كله إلى أن الدولة ما هي إلاّ اختراع بشري ، يدعمه الكهنوت الديني . ولذا لم يسلم من النقد أحيانا والنقض حينا . مستشهدا بآراء المفكرين والفلاسفة.
• تأصيل النتائج وتحصينها: لكي يكون الباحث منهجيا وموضوعيا؛ يعرض للرأي وللرأي الآخر في القضايا الإشكالية التي يعرّج على طرحها – وهكذا يسلك البحث سلوكا ديمقراطيا.ففي عرض الباحث للرأي المعارض لفكرة ذبول الدولة أو إمكان تجاوزها على نحو ما ذهب إليه كل من ( شيلنج – إنجلز ومدرسة فرانكفورت) يعرض لرأي الديمقراطيين الذين لا " يذهبون إلى إلغاء الدولة ؛ بل لترويضها فحسب - ثم يصفهم بالدكتاتورية.
د. أبو الحسن سلام
تمهيد :
لو فهم النظام الحاكم في مصر مغزى كتاب (البلطة والسنبلة) للمفكر الشاعر "مهدي بندق " لرفع صاحبه علي رأس مفكريه الكبار؛ إن كان له من فيلسوف يفكر !!
لأن الكتاب بنقده للفكرة المزمنة ، التي قامت عليها الأنظمة الحاكمة ، منفردة ومتسلطة على الشعب المصري ، عبر تاريخه الممتد من الأسرة الفرعونية الأولى حتي الأسرة الثامنة ، مرورا بالهيلينستية ، فالمسيحية ، ثم الإسلام ؛ وصولا إلي أيدي القلة القليلة المتربعة على سرير الحكم ، حتى لحظتنا الراهنة ؛ لأدرك ذلك النظام أن هذا الكتاب - بنقده لتلك المسيرة التاريخية للممارسة السلطوية المخزية والأساس العقيدى الذي قامت عليه - إنما ينبه النظام نفسه إلي خطورة وقوفه الآن على "شفا جرف هاو" !! أوصله إليه عنفوانه مع شعبه ؛ بعد أن استبدل صك الأمن الغذائي الذي رمز الكاتب إليه بالسنبلة بصك القهر للرأي المعارض ، فضلا عن قهر الغالبية للحيلولة بينها و لقمة العيش بنسبة تراوح 99,5 ,99 % من مجموع الشعب المصري . شعبه ، وتغافل عن مجموعات الفساد والإفساد للسلام الاجتماعي مابين لصوص ومرتشين وعملاء وظلاميين وخونة للوطن وبلطجية يرفعون البلط ، فضلاعن قسوة شرطية لا مبرر لها وترسانة من القوانين المكبلة للحريات وكلها تعمل على زعزعة المجتمع جنبا إلي جنب مع سياسات المجموعة الاقتصادية الحاكمة، دون أن يدرك النظام أن ملايين البلط توشك أن ترتفع في وجهه بنهار ، وتمزقه شر ممزق .
فالكتاب إذن ينبه النظام إلى الخطر المحدق به ، بعد أن رفع البلطة في وجه شعبه.
والكتاب وإن كان إيجابيا بالنسبة للنظام الحاكم في مصر– على جهل النظام بذلك– إلاّ أنه سلبي بالنسبة للحركة الثورية التي هي بمثابة بصيص نار من تحت الرماد . وفي اعتقادي أن هذا الكتاب لو كان قد قدّر له أن يصدر خلال منحني صعود نظام يوليو52 للقي صاحبه المصير الذي لقيه ( سيد قطب) مع أن فكر صاحبنا تنويري يمهد لمستقبل أكثر أمنا وسعادة للمصريين ، وفكر صاحبهم ذاك بعد أن انقلب علي نظام يوليو في صبيحة صعوده إلي سرير الحكم داعيا إلي تكفير العصر وهجرته ؛ بتبنيه لفكرة الحاكمية المودودية.
هذه المقدمة ، هي في الحقيقة بمثابة رأي استباقي في مضمون الكتاب قبل الخوض في إشكاليته ومنهجه وآلياته البحثية وتأصيل مقولاته. وقد صدّرت بها ورقتي البحثية تلك ، ثم ثنّيت بما يدلل علي مصداقية رأيي في هذا البحث القيم.
أولا: البلطة والسنبلة ملاحظات .. وملاحظات مسائلة
عبر حوارية قطع ووصل بين المفكر الوطني الشاعر والناقد والكاتب المسرحي المصري
( مهدي بندق) تدور إعادة النظر إلى الإطار التاريخي الاقتصادي ، السياسي والاجتماعي في مسيرة تحولات المصريين ، منذ فجر تاريخهم ، وحتى واقع المصريين التاريخي الراهن .
نحن إذن أمام بحث جاد ، جدير بالنظر والمناقشة ، التي تدير حوارية قطع ووصل معه ، وقوفا عند ملاحظاته علي مسيرة التحول عند المصريين وآثارها المزرية علي جبين المصريين
ومن ثمّ طرح بعض الملاحظات المسائلة لها . ذلك أن هذا الكتاب ، هو بحث رصين في نظرته لتحولات المصريين التاريخية ، متشبثين بأقنعة التسامح ، بينما يخفون خلفها عنفا دفينا ، هو نتاج مرارة تاريخهم . وهو عنف مكبوت ، نادر الظهور ، لفاعلية الإيدولوجية الدينية الكهنوتية ، ونفاذ فكرة ( الحاكمية الاستبدادية المتقنعة بقناع العدالة الزائفة) في الحياة وبعد الموت ، ونفاذ فكرة ( المخلّص الغيبي ) ودورهما في إبطال رد فعل منظم محتمل ومسلح بوعي مستوف لشرطي التغيير .
الباحث بنقد مختزل لاقتباسات قوله المصدري و شواهده المرجعية على نحو قوله مستبقا الشاهد الذي اقتبسه من الحكيم الفرعوني ( إيبور) حول عدل الفرعون : إذ ينقضه بقوله :(( فها هو وهو بحث رصين أيضا ، لأنه محصّن بإشكالية وبمنهج وبآليات التأصيل المصدري والمرجعي، قائمة علي العديد من الاستشهادات ، في صياغة لغوية وأسلوبية محكمة ، وصولا إلى الملاحظات والملاحظات المضادة ، استصفاء لنتائج جديدة تؤكد فرضية البحث وتجيب عن تساؤلاته ، لتبلور رؤية جديدة، علي طريق مستقبل مأمول ، يسهم في صنع مسيرة الحضارة العالمية المعاصرة ، التي سبقتنا بزمان.
• الإشكالية : تتمحور إشكالية هذا البحث حول مستقبل مصر المغلق في ظل عقبة توأم كؤود :
ـ العقبة الأولى: تتمثل في ولاية الكهانة الميتافيزيقية الدينية التاريخية، المتقنعة بقناع ( المخلّص الغيبي) . وهي الأخطر.
ـ العقبة الثانية: تتمثل في ولاية الحكم المطلق ، المتشح بوشاح ( المستبد العادل ) والممسك أبدا بزمام الإنتاج والتوزيع الاستحواذي .
* منهج البحث: ينتهج هذا البحث المنهج الوصفي التفكيكي ؛ اعتمادا على استعراض تاريخي لمعطيات حضارية مشبعة بالرسوبيات العقيدية والأيدولوجية ، لنقض مقولتها وأنساقها.
* آليات البحث : تتمثل آليات هذا البحث في الاعتماد على جرد الموروث الحضاري ، وانحدار مقولته الاعتقادية الاستلابية : فرعونيا ، ف "هيلينستيا " ومسيحيا ؛ ثم إسلاميا ؛ نفاذا في عصرنا ، ومن ثمّ إعمال ألية تفكيك أنساقه ومضمون خطابه المرتكز على مقولتي: ( الخلاص علي يد مستبد عادل دنيويا وآخرويا تعويضا بحور عين أبكار ؛ عن حرمان جنسي عاشته شعوب البيداء ؛ وكأنها لا تعوض حرمان أسلافها وتعطشهم للجنس بطوفان الفسق الذكوري ، الذي يجتاح عالم النساء – أبكارا – في مجتمع شعوب الماء !! بسيولة العوائد النفطية ، ووساطة الفتاوي الدينية الداعمة لذلك الاجتياح الفحولي الخليجي عبر الفضائيات والأرضيات .
وهي آليات تفكيك لكل معطيات ذلك الغثاء المتكرر الأطوار؛ في توطيد الطاقة الميتافيزيقية الدينية والخرافات الكهنوتية ، للمزيد من سيطرة الطاقة الحاكمية التسلطية المنفردة في الاستحواذ على إنتاج الشعب المصري . وتدعم هذه الآليات مصداقيتها بالشواهد ، والتأصيل بالثبت المصدري والمرجعي .
• نتائج البحث : يخلص المؤلف الباحث إلى العديد من النتائج المهمة مرتكزا على العديد من المقولات المنتجة متوجة ببراهينها ، أوالمعاد إنتاجها متوشحة بظلال البرهان ، وقليلها عار من البرهان . ونحن نكتفي بالتمثيل لبعضها:
أولا ـ : وقوع المصريين عبر مسيرتهم التاريخية تحت عربة التوظيف الاجتماعي للدين ، مقيدين بقيود الموروث الثقافي الفرعوني السلبي ، المتمثل في الاستكانة والرضي بالمقادير ، مع عدم المبالاة بالتفاعل أو التعاطي مع الشأن العام .
ثانيا ـ : سيطرة الاعتقاد بفكرة المخلّص( الحاكم المستبد العادل) منحدرة من فكر الحكيمين الفرعونين ( نفر روهو ، إيبور) إلى جانب الحكاية التراثية الفرعونية حول ( شكوى الفلاح الفصيح) مرورا بفكرة ( الخلاص المسيحي المنتظر) وصولا إلى الإسلام الشيعي الحامل لفكرة ( المهدي المنتظر) الفاعلة في عصرنا
ثانيا: ملاحظات إطارية
* يتوجب علينا – هنا – التمثيل لمنهجية الوصف والتفكيك في هذا البحث ، قبل الوقوف علي الملاحظات التي هي بمثابة ركائز للنتائج التي توصل إليها المؤلف الباحث ، والتي لنا عليها ملاحظات متسائلة:
ـ أولا: حول منهجية البحث الوصفية :
باعتبارها ركيزة التحليل الاستقرائي والدعم والتأصيل . وتتمثل في الشواهد التي وردت في البحث عن عدل الحاكم المستبد عند الفراعنة ، في إدارة الإنتاج الريعي وتوزيعه ، وتتأصل بانحدار تلك الفكرة بالدحرجة الثقافية الكهنوتية عبر تاريخنا حتى محطة الوصول المعاصرة ، محمولة على شاهد من مقولات الحكيم الفرعون ( إيبور) : " إن مخازن الملك قد أصبحت مشاعا لكل فرد ، ولا ضرائب تجبى للقصر، برغم أنه ينبغي قانونا أن يكون له شعير وقمح ودجاج وسمك ، وكان القصر يحوي النسيج الأبيض ، والتيل الجميل ، والنحاس ، والزيت ، وكان يملك الحصير ، والبسط ، وكل المحاصيل الجميلة"
• ثانيا: حول منهجية التفكيك: بوصفها طريقة للحض على رفض قيم الحتمية ( الثبات والأبدية) وتتمثل في استباق يقول متحيزا))
وهو لا يكتفي بهذا النقد التفكيكي الاستباقي المختزل في نعته للصاحب الشاهد بالمتحيز للفرعون المستبد، بل يتجاوزه بتعقيب نقدي يفكك به رأي ( إيبور) نسقا ومضمونا ، حيث ينتهي إلي استنكار نعته بالحكيم بوصفه المؤرخ الرسمي للفرعون ، فهو لم يزد في رأيه عن كونه مجرد صاحب وعي شقي – بتعبير "هيجل"
ثالثا: وقفة نقدية ظاهراتية
يحسب وعي الناقد بوعي الكاتب شكلا ومضمونا على نظرية النقد الظاهراتى ، وهنا أراني أمام وعي الكاتب مبلورا لبعض من مقولات بحثه .
ولعل أهم ما لاحظته في كتاب ( البلطة والسنبلة) كانت المقولات المنتجة أو المعاد إنتاجها ، خدمة لحاضرنا المتردي، وركيزة انطلاق لبديل مستقبلي محتمل ، وقد ارتكزت مقولاته كلها علي البيت الشعر القديم/ المعاصر : " إذا تم شيء بدا نقصه توقّع زوالا إذا قيل تم "
ومن أهم مقولات هذه الأطروحة الفكرية في النقد السياسي قوله:
• الموت غياب دائم لا عودة فيه، وكل تصوّر للذات بعد أن تغيب ، إنما هو محض افتراض، فكيف يحدّث البعض عن جوهر ثابت للذات ؟!
• الشك هو البديل الاحتياطي لليقين .
• الغياب لا فكر له ولا هوية .
• فكرة عالم آخر هي نتاج فكرة الحضور.
• العلم هو إخلاء اليقين ساحة الحضور لبديل احتياطي هو الشك.
• كلما كثرت وتعددت مهام الدولة التنظيمية ، كلما ضاقت المساحة التي يتنفس فيها الفرد حريته ويؤكد فيها ذاته .
• الأساس في نشأة طبقة اجتماعية ما ، هو النشاط التجاري الداخلي ، عبر نظام المبادلات.
• الشك يهدم ليبني دون توقف .
• الأنا حالة استلاب دائم ومتتال .
• ورث المصريون اليوم من أسلافهم الفراعنة بجانب الاستكانة والرضا بحكم المقادير ، تقليدا عجيبا هو لجوءهم بشكواهم إلى كبير العائلة الذي يعد هو المسؤول الأول عن أحوالهم البائسة . وورثوا يقينهم بأن تغييرا ما لن يحدث ، لذا تفشّي اليأس وعدم المبالاة والانصراف عن كل دعوة مثالية ، إلاّ في حالات الاندفاع الأعمى اندفاعا يائسا بلا قيادة ، حيث التدمير والخراب لا الثورة ( كما حدث في 18-19 يناير1977 ) وفي أحداث شارع الهرم وهوجة عسكر الأمن المركزي في الثمانينيات .
رابعا: حوارية الوصل والتقاطع
هذا البحث هو حديث باسم العامة يبدؤه الأستاذ مهدي بندق بمقولة عالم اللغة السويسري (دي سوسير) حيث يقول: " إن اللغة نسق من العلامات . وأيّة ضوضاء لا تعد بحد ذاتها لغة إلاّ حين تستخدم للتعبير عن الأفكار."
ويرتب الأستاذ مهدي على مقولة "دي سوسير" السابقة تلك أمرين يؤسس عليهما إشكالية بحثه:
• الأمر الأول : إيجابي : يتمثل في العلامات الاتفاقية ( المعادلات – الإشارات )
• الأمر الثاني: سلبي : لأنه يعبر عن انحطاط اللغة حين تصبح مجرد ضوضاء
• يستنبط من ذلك التصنيف أن الضوضاء ، وإن عبرت عن الفكر ؛ فستظل لغة منحطة .
وفي ظني أن دي سوسير نفسه كان ليوافقه علي ذلك .. ونحن كذلك. إلاّ أن الكاتب يؤسس على استنباطه ذاك رأيا يحتاج إلى مراجعة. فهو يقول:
" وتمثل الأيديولوجيا وعيا زائفا لأصحابها "
وتعليل ذلك عنده مرجعه إلى ثلاثة أسباب :
• أولا : " لأنها تحصر نفسها في الموقف الساكن الذي يعزلها عن حركة التاريخ في تدفقه وتغيره."
• ثانيا : " لأنها لا تشير إلى وقائع متكاملة على مستوى رؤية العالم ، وإنما تعبر جزئيا – عن مصالح أصحابها حسب ، دون التفات إلى مصالح الآخرين."
• ثالثا: " لكونها تشّوه المعطيات الواقعية ، لكي تلائم سرير بروكرست ، الذي تصنعه على مقاس معين، طالبة من الكائنات الحية أن ترقد عليه. فإذا كانت الكائنات أطول حزّت رؤؤسها أو بترت أقدامها ، وإذا كانت أقصر مطت أجسادها لتناسب السرير."
• ولنا أن نتقاطع مع هذه الأسباب فنقول:
# فيما يختص ب (أولا:
إن الفكر بطبعه هو حالة سكونية. وهو وليد لحظة سكون. وما من انطلاقة صاعدة أو هابطة، أمامية أو خلفية أو جانبية ؛ إلاّ وتبدأ من نقطة ساكنة . والخلل عندئذ ليس مرجعه الفكر نفسه ، ولكنه ماثل في توظيف الفكر بما لا يتلاءم مع الهدف منه أولا ، وبما لا يتلاءم مع معطيات الواقع الذي يوظفه ، وإمكانات حاملي الفكر ومصداقيه عزيمتهم . وليس هناك فكر يعبر عن العالم كله في كل العصور؛ ومن ثمّ فلا يوجد فكر أوحد يمثل العالم كله ، ولكن هناك رؤى فكرية جزئية للعالم. حتى إذا وجدت – افتراضا – رؤية كلية للعالم ؛ فسوف لا تخرج عن كونها مصطلحا إيديولوجيا ، باعتبارها الرؤية الشمولية الوحيدة.
# فيما يختص ب (ثانيا ):
نقول إن رؤية العالم مهما تتسع فلسوف تضيق ، لأنها رؤية لعالم متحقق بالفعل المتغيّر المستمر في ( الفيمتو ثانية) بينما رؤيته تضيق بحيث لا تتعدى البلورة البانورامية لمجمل الوقائع التي مضت – فالواقع إن هو إلاّ وقائع تحققت تحققا ماديا ، ذا آثار إيجابية وسلبية في آن – مضت وتركت تلك الآثار متفاعلة مع الحاضر المعيش – وهذا مكمن ضيقها –
بينما يتمثل اتساعها في انطلاق طاقاتها الايجابية بالحاضر نحو المأمول ؛ محملة بعبرة وقائع الماضي ، وخبرة الحاضر ، بعد تحررها من آثارها السلبية، حتى تستطيع الخروج من منظورها الجزئي إلي منظور زاويته أكثر اتساعا ورحابة – وليس أكثر شمولا -.
على أن الكلام عن الواقع هو كلام مقصور علي وقائع قائمة وفاعلة ، والكلام عنها مقصور علي أحداث محددة ، قد مضت ، ولم يتبق منها سوىّ أثرها .وهي مهما تتسع ؛ فإنما تضيق لتنحصر في عصر وقوعها ، وفي مجتمع حدوثها – جزئيا – ولئن طالت آثارها زمنا تال، فسيظل تأثيرها تأثيرا جزئيا أيضا .. بمعنى أن وقعه يكون مقصورا على قطاع من العالم دون بقيته – إن إيجابا وإن سلبا-
# بخصوص ( ثالثا) :
نقول : هل كل المعطيات واقعية ؟! ثم هي واقعية بالنسبة لمن ، وغير واقعية بالنسبة لمن ؟!
ونتسائل :
# أليس سرير بروكروست بداخل كل منّا – باعتبار أم لكل منّا هويته الذاتية – يخرجه بحض من موروثاته الرسوبية ، و يفرده أحيانا ويطويه أحيانا ، حتى في حياته اليومية المعتادة في أثناء حوارا ته مع الآخرين ؟!!
# أليست هذه الأطروحة نفسها ، صورة لسرير بروكروست باعتبارها لونا من ألوان استضافة وعي المتلقي لها ، حيث هي تطرح نفسها كملاذ فكري لذلك الوعي سعيا إلي كسب تأييده لمضمونها ؟!
# أليس كل طرح فكري يسعى إلى كسب تأييد الآخرين هو بمثابة سرير بروكروست ؟!
علما بأن من يتجه إلى السرير سواء أكان سرير (بروكروست ) أم سرير (رضوان)هو شخص راغب في النوم في سرير غير سريره !! وهنا عليه ان يرضى أو لا يرضى بشروط النوم التي يفرضها ( رضوان) أو نظيره في الأسطورة الإغريقية .
# أما القول: إن الإيديولوجيا ضجيجا ، فهو أمر لا يستقيم مع طبيعة الاستيعاب ؛ الذي لا تكون هناك إيديولوجيا أو اعتقاد ما دونه . فالاعتقاد يرتكز على استيعاب فكري ، كثيرا ما يدخل من بوابة المشاعر – بخاصة في مجتمعنا – ولا منطق في القول : إن أحدا يستوعب الضجيج ، لأنه يخرج من حيث دخل . فالتشتيت والتشظي السمعي هو طبعه وطابعه .
وبما أن الإيديولوجيا على أي نحو كانت وجهتها منظومة فكرية ؛ هي محل التحقق التطبيقي قولا وعملا أو قولا متقاعسا عن الفعل ، بما يتواءم مع الواقع المطروح فيه فهو اعتقاد لابد وأن يمر من بوابة الاستيعاب عن قناعة – سواء أكان استيعابا كليا أم استيعابا جزئيا ، حقيقيا أم زائفا –
خامسا: ملاحظات المسائلة
لأن هذا الكتاب بحث أصيل ، جامع للعديد من المقولات التي هي محصلة وعي سياسي وإعمال فكري وطني يهدف إلي حض المصريين جميعهم على مراجعة موقفهم الثابت من فكرة المخلص العادل المستبد ، وفكرة اليقين ، وهما الفكرتان اللتان أورثتهم الاستكانة والمهانة والرضي بالفقر والتخلف ، انتظارا لخلاص أخروي ومتاع لا ينفد ( على يد جودو) ، كما يهدف إلى تنبيه النظام الحاكم المستبد إلي مغبة رفعه للبلطة في وجه شعبه ، بما ينذر باحتمال رفع ملايين البلط في وجهه !! فإن من المقولات ما يحتاج إلى مساءلة فكرية تقدر قيمة تلك الأطروحة وجديتها ، بالقدر نفسه الذي تقدر فيه قيمة هذا الكاتب المفكر حق قدرها .
ومن المقولات التي رأيت أنها في حاجة إلى المساءلة اكتفيت بالوقوف عند ثلاث منها أو أربع ، إعمالا لمنطق دياليكتيكي يرعاه الكاتب نفسه رعاية كل ناقض لمسيرة الإيديولوجيا وفكرة الثبات .
• يفرق الكاتب بين نوعين من النقد الذاتي حيث يوجد ( نقد ذاتي عام ) و ( نقد ذاتي خاص) فيمثل للأول بنقد حسن حنفي "التلفيقي البرجماتي حيث ضبطه متلبسا بنقد تراثه نقدا راديكاليا كبيرا" حتى وإن كان في نقده أكثر شجاعة من ميلاد حنا. أما النقد الذاتي الخاص ، فيمثل له بنقد السيد ياسين.
• ونتقاطع مع هذا الرأي فنقول:يغفل الكاتب نماذج أخري لها موقف حسن حنفي نفسه أو تتناظر معه مثل : ( جابر عصفر – نصر حامد أبو زيد – صلاح فضل - وحيد عبد المجيد – صلاح عيسى - رفعت السعيد – د.عبدالمنعم وغيرهم )
• يري الكاتب أن ثبات البناء الفوقي في مصر الفرعونية كان بسبب غياب التنظير السياسي والفكر الفلسفي مع غياب الأدب والفنون الدرامية ( الكتاب ص45 )
• ونتقاطع جزئيا مع هذا الرأي فنقول:
# أولا: قامت حضارة الفراعنة علي فكرة الخلود بالبعث بعد الموت في حياة جديدة في مقابل حضارة اليونان والهند اللتين قامتا علي فكرة التناسخ سبيلا إلي خلود الروح عبر الانتقال من الجسد بعد الموت إلى جسد آخر يولد في التو واللحظة ففكرة الخلود أنتجت المعابد الفرعونية والتماثيل والأهرامات . وهي فكرة فلسفية مثالية غيبية لاشك .
# ثانيا: بالنسبة للفنون الدرامية ، كان ميلادها مصريا قبل ألفي عام من ظهورها عند اليونان . وليس من الإنصاف في شيء أن نحاسب مرحلة الميلاد بأقيسة حسابنا لمرحلة النضوج التي وصلت إليها الدراما اليونانية – حتى وإن كانت ابن بالتبني للدراما الطقسية المصرية- فضلا عن طفولة المسرحية اليونانية نفسها ، التي لولا دور يوريبيديس في نقلها بحيث تتفاعل مع المجتمع اليوناني لظلت شبه طقوسية و في خدمة الدين باعتبار هدفها التطهيرى المرتكز علي الإيهام والاندماج ، وهو هدف الدين نفسه ارتكازا على الإيمان بتصديق المؤمن لكل معطيات الرسالة الدينية وبالاندماج خشوعا عند اتصاله بمن يعبد . فتجمد نمو الفن الدرامي في مصر الفرعونية عند الطقوسية كان نتاجا لعدم ظهور طبقة وسطى بسبب انعدام حركة النشاط التجارى لسبب أشرت أنت نفسك إليه حول ( الاكتفاء الذاتي الفوقي ، الذي جمد الإنتاج واستبد بفرض نمطه) ، ومن ثمّ حجّم التعبير عن أثر علاقات الإنتاج فكرا وأدبا وفنا ، إذ نمطّه في قالب طقسي تمثل مسرحيا في نصوص مسرحية دينية أسطورية ، وتمثل رمزيا في الصروح المعمارية وتماثيل الآلهة الملوك ورموزهم . كما أن اليونان كانت تؤنسن آلهتها ، بينما كان المصريون يقدسونها ويؤلهونها!!
** يقول الكاتب : " الرأسمالية تحرر السكان من التبعية لكيانات المافوق – Meta سواء أكانت ألوهية أو ممثلة لها ( لوردات – شيوخ قبائل)" ( نفسه ص 46)
** إذن فإن مظاهر الهيمنة الإسلاماوية تنفي تصنيف المجتمع المصري الآن تحت راية الرأسمالية.
• يقول الكاتب : " النمط الإنتاجي الجامد في نظام حكم مستبد يسهم في طمس الفروق بين الأفراد في ذلك البلد " ( نفسه ص46)
• ونقول :هذا ما نراه في تطابق هيئة المتأسلمين ملبسا وقولا وحركة وتعبيرا جامدا ، كئيبا متذمرا ، صارخا ، معاديا لمن هو فوقه وما هو فوقه رقيا ،شكلا ومضمونا ، قولا وفعلا.
• يقول الكاتب :" لا نملك ترف التغنّي ببناء أهرامات لملوكنا ، لكي يمثلونا في عالم الخلود . ولا نستطيع أن نبادل حريتنا بالتأمل المنبهر بما نحته أسلافنا من تماثيل ، وما أقاموه من معابد وقصور لحكامهم وأمرائهم وكهانهم ، فدعونا نعتذر لأصحاب كتاب ( حكمة المصريين).
• ونقول : أليست الأهرامات والصروح الفرعونية الآن هي أهم عوائد الاقتصاد المصري المعاصر ن باعتبارها تجارة السياحة؟! فلئن كانت ترفا بالنسبة لأسلافنا من عامة الشعب المغلوب على أمره ، فهي ليست كذلك الآن ، حتى وإن وقع العائد الاقتصادي في حجر النظام الحاكم الآن !! ومن ناحية ثانية نتساءل هل نملك ترف إنشاء مشاريع في الهواء كمشروع توشكي – مثلا – أليست مثل تلك المشاريع وغيرها شكلا من أشكال حرص النخبة الحاكمة علي تخليد نفسها ؟!
• يقول الكاتب إن الديمقراطيين " الذين لا يذهبون إلى إلغاء الدولة بل ترويضها حسب . لكنهم بكتاباتهم لا يلتفتون إلى إشكالية Paradox مفادها أن الكتابة إملاء Dictation و(بالتالى) فالكاتب الديمقواطى هو أيضا ديكتاتور ، فكيف يتحدث ديكتاتور عن الديمقراطية؟!"
• ونقول: ألست أنت كاتبا أيضا ؟! لقد أحلت الديمقراطي إلى كاتب يملي فكره على غيره ، فماذا إذا كان الكتاب يكتبون بأنفسهم - وإذا استثنينا منهم أحدا فلربما يكون (هوميروس أو المعري أو بشار بن برد أو ميلتون أوسنتيانا أو طه حسين ) أنت – مثلا – تكتب بنفسك معبّرا عما تريد ولا تملي على أحد ليكتب لك وأنا كذلك . علما بأن الإملاء في اللاتينية Dictation وفعلها Dicta بمعني يملي أي يفرض رأيه على الغير ، وأنت تستبدل المعني الدلالي المتداول بيننا وهو الكتابة الإملائية بالمعنى المعجمي ، ثم تحولها مرة أخرى بالمعنيين المعجمي والدلالي معا لتصم بهما ( الديمقراطي) مفترضا أن ليس من بين الأميين من يحتمل أن يكون ديمقراطيا!! وهذا تأويل فاسد .
خلاصة القول
• لكل أطروحة تساؤلات أو فرضية ، يكون علي الباحث إثبات صحتها . وقد تأسست الأطروحة على التساؤلات الآتية :
# (( من نكون نحن المصريين ؟! ماذا نريد ؟! وهل ترانا قادرين على تحقيق ما نريد؟! زماهي العقبات الداخلية والخارجية التي تواجهنا ، وتحول دون تحقيق إرادتنا؟!! ))
• هو بحث إذن حول الإرادة والاستطاعة والعقبات الحائلة بأشكالها بين المصريين وكيفية تحقيق الإرادة التي لم تتحدد كيفية تحققها بعد !!
وهنا يمكننا القول إن الباحث قد وفق في تحقيق فرضيية بحثه حول مسيرة تحولات المصريين وصولا إلى ما يمكن ان نطلق عليه ثلاثية التحول في سيكلوجية الشعب المصري وهي تتمثل في :
• سيكلوجية التحول بعد هزيمة يونيو67 من الأمل إلى الإحباط .
• سيكلوجية التذبذب مابين النهضة والتراجع انتهاء بالانكفاء إلي الضد سلبا بعد تسليم رايات إنتصار حرب 73 للعدو وإطلاق العنان للطفيلية الرأسمالية وللماضوية المتطرفة ومظاهرها:
( استبدال الوداعة و الاعتدال بالشراسة والتطرف . والدين بالطقوس الكهنوتية الشكلية وسيلان الفتاوى وتفشي البطالة .واستبدال الأمانة بالفساد والرشوة ، واستبدال الهمة والمبادرة بعدم المبالاة واستبدال المسالمة بالغدر والقتل، واستبدال العفة بالاغتصاب العلني وهتك الأعراض ,استبدال الأمن بالبلطجة والنصب المعلن والمقنن والتزوير في الانتخابات والعصف بكل مظهر للديمقراطية وتفشي الأمراض وتقنين بيع الأعضاء البشرية وسكنى المقابر وأطفال الشوارع ، وتفشي ظاهرة الزواج العرفي وزيجات المسيار والمخادنة والمباضعة والمضامدة .)
• هكذا تحول المصريون من شعب إيجابي إلي السلبية . على أن الكاتب يري في النهاية أن بالإمكان استبدال ثنائية التذبذبات في مسيرة تحولات المصريين مابين الإيجابية والسلبية بثنائية المنهجية العلمية والتكنولوجية بوصفهما طريقنا إلى المساهمة في بناء الحضارة العالمية القادمة ، إذا تحققت الديمقراطية تحققا حقيقيا في مصر . فالديموقراطية هي الطريق الصحيح .
كذلك يمكننا القول بتوفيق الكاتب في توظيف آليات البحث العلمي ، وذلك على النحو الآتي :
• إتباع الكاتب للإجراءات المنهجية الآتية:
# أولا: البدء بمقولة مسبقة ، أي فرضية البحث
# ثانيا: طرح تساؤلات البحث
# ثالثا: التجرد من الانتماءات التاريخية ، ورفض الانتساب المتعدد الأنظمة أو الأعراق والعائلات ( فرعونية – عروبية – طولونية – فاطمية – إخشيدية – أيوبية – مملوكية ) أو إلى أديان ( آمونية- آتونية – مسيحية – إسلامية)
• التأصيل: بدعم طرحه الموضوعي المتجرد ، باعتبار أصلا أصيلا في مجال البحث العلمي .وقد تأسس هنا على عدد من الأسباب يؤصل بها الباحث وجهته حول عدم نسبة الجذر ( المصرية إلي الفرع ( فرعونية – عروبية ) أو الأقدم إلى الأحدث أو الطبيعي إلي المصنوع).
• التعليل: يعلل الباحث بعدم صحة انتساب الجذر إلى الفرع فيقول" الخلل الفكري الناتج لحري بأن يغطرش على كل محاولة هدفها التوصل إلى إجابة علمية عن الأسئلة التي سقناها آنفا جرّاء وقوع كل الإمكانات العقلية في أحابيل الإيديولوجيا . وهذا ما ألقى بالمصريين في دوامات الحيرة والاضطراب عبر تاريخهم من عصر الأسرات الفرعونية وحتى يومنا هذا " (نفسه صص5-6 )
• التساؤلات المتوالدة: توالد التساؤلات الفرعية من الفرضية أو من السؤال الأساس الذي انبنت عليه إشكالية البحث ، هي تساؤلات ضرورية لتدعيم مسيرة تحقيق تلك الفرضية الأساسية ، لذا نراه يردف بطرح سؤال فرعي استدراكي :
• " ولكن كيف استطاعت الإيديولوجيا أن تمارس سطوتها على الأذهان طوال هذه العصور ؟!"ثم ينبري ليجيب عنه بقوله: ذلك مرده إلى انقسام المجتمعات القديمة مع اكتشاف الزراعة وتكريس الملكية الخاصة لوسائل إنتاجها و(بالتالي) ظهور المجتمع الطبقي . وحيث احتاجت الطبقات المالكة إلى إضفاء صفة الشرعية على مكتسباتها ؛ فلقد قامت باختراع الدولة" ( ص6)
• التأصيل بالمفاهيم والتعريفات: الاسترشاد بالمصطلحات . حيث أن البحث الأكاديمي ، يسترشد بالمصطلحات والمفاهيم النظرية ، لضبط الأحكام ، سواء اقتباسا من مظانها المصدرية المعجمية والموسوعية ، على تعددها، أو من المراجع الثقات التي عمد مؤلفوها إلي التنظير وقد اعتمد المؤلف هنا على نحت المفهوم . وقدم مفهوما للدولة ، دون اللجوء إلى مفاهيم سابقة لغيره – ربما لاتساع المفهوم نفسه باتساع الآراء حوله فضلا عن تضاربها - لذا هي عنده: "جهاز سياسي مهمته إضفاء صفة النظام على المجتمع ، ومنعه من الوقوع في الفوضى ، وذلك بحماية المالكين ، وتأمين أملاكهم وحياتهم بالضد على من وجدوا أنفسهم بلا ملكية ، فاضطروا إلى العمل بالشروط المعروضة عليهم. مع التدرج التاريخي لأشكال الحماية والقائمين عليها ( شيخ قبيلة – الحراسة الخصوصية – الحجّاب – الملك – الوزراء – الشرطة – المؤسسة العسكرية – المؤسسة الإدارية – المؤسسة الدينية - منظومة العقائد والأفكار وضوابطها بين ما هو مسموح وما هو ممنوع أو محرم – الجزاء منحا أو عقابا) ، ليخلص من ذلك كله إلى أن الدولة ما هي إلاّ اختراع بشري ، يدعمه الكهنوت الديني . ولذا لم يسلم من النقد أحيانا والنقض حينا . مستشهدا بآراء المفكرين والفلاسفة.
• تأصيل النتائج وتحصينها: لكي يكون الباحث منهجيا وموضوعيا؛ يعرض للرأي وللرأي الآخر في القضايا الإشكالية التي يعرّج على طرحها – وهكذا يسلك البحث سلوكا ديمقراطيا.ففي عرض الباحث للرأي المعارض لفكرة ذبول الدولة أو إمكان تجاوزها على نحو ما ذهب إليه كل من ( شيلنج – إنجلز ومدرسة فرانكفورت) يعرض لرأي الديمقراطيين الذين لا " يذهبون إلى إلغاء الدولة ؛ بل لترويضها فحسب - ثم يصفهم بالدكتاتورية.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)