لذة العرض برائحة الثلج
أبو الحسن سلام
(لا تبغي الفهم .. أشعر وأحس)
ما زالت دعوة الحلاج الصوفي تتردد بيننا كلما شاهدنا إبداعاً حقيقياً بلغة لم نتعلمها بعد . ولأن أقرب الناس تعبيراً عن ضمير أمة من الأمم هو شاعرها وأديبها وفنانها الصادق في فنه لذلك فقد كان هو القادر على أن يستشف توجهاتها ويستشعر آلامها ويعكس فرحتها ويتفاعل مع متغيرات ناسها وأحوالها فيصورها بخصائص ثقافة ناسها في تمركزهم في المكان ظناً منهم بأنه مانحهم مكانتهم بين الأمم . ويصورهم في هروبهم أو هروب بعضهم متسرباً من المكان أو متسللاً إلى مكان أو أماكن أخرى خارج الوطن ومشخصاً لدوافعهم ومجسداً لشطحاتهم ولكبواتهم فيما صنعت أيديهم أو فيما جرى عليهم .
ولأن ما جرى على البشرية وما جرّته على نفسها من كوارث أكثر من أن يستوعبه وعاء الأدب والفن ، ولأن الأدب والفن ميل قبل أن يكون حرفة أو أسلوباً يتلبسه الموضوع أو موضوعاً يرتدي شكلاً لائقاً به وحافظاً لمحتواه ؛ لذلك يلتقط الأديب والفنان الحقيقي بحدسه اللحظة الدرامية أو الجمالية في حدث أو واقعة أو فكرة مشتبكة مع غيرها اشتباكاً غير مألوف فينفخ فيها من وجدانه ويوسعها بخياله ويعمقها بفكره وثقافته أو خبرته دون أن يبخل عليها بما يحقق لها خصوصيتها وشخصيتها ويردها حرة إلى فضاء الناس كل الناس من كل الأجناس معجونة بثقافة عصره لتعبر بنفسها عن انتمائها الأصيل للإنسان ولثقافة بيئتها وهي تشير دون إصبع إلى مبدعها .
ومن الكوارث التي لم يستطع الضمير الإنساني الحقيقي نسيانها كانت تلك التي حلت بمدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتان جرّاء توحش النظام الأمريكي البغيض لحدث أو واقعة تاريخية أو اجتماعية والإبداع القائم على الحدس والتخييل هو إبداع كبير ، فالأخير تمتزج فيه منظومة معارف الفنان مع تفاعلاته النفسية التي تنتج عن تعارض أصداء ذاته مع أصداء الكون ، شأنه شأن رائحة الثلج في العرضين الأخيرين لفرقة الرقص المسرحي بدار الأوبرا . وقف وليد عوني وقفتي تأمل : الأولى كانت وقفة للذات البشرية أمام الدمار الذي صنعته بنفسها ، أما الثانية : أمام سفر حياهها التي بدأت بالبرودة وانتهت بها .
ولأن حالة التأمل تطول ، لذا تصبح حالة من حالات التصوف هي أشبه برحلة ميتافيزيقية للإنسانية في مجاهل الكون بصحبة الطبيعة . تسلمه الرياح إلى الثلوج وتسلمه الثلوج إلى أعماق المحيطات لتلفظه المحيطات إلى الغابات . لؤلؤة جميلة لتلقي بنفسها في أحضان الوحش ، تراقصه ويراقها ، يتيه بها ، يتعشقها وسلمها نفسه ، فتقتله ، فالجمال لا أمان له ، فلا حياة للجمال بدون الدفء والوجاهة . هكذا استحوذ الجمال على التوحش أخرجه من جلده .
كانت بمثابة رحلة غوص تحت سطح البحر ويالها من رحلة كائنات غريبة وألوان فردوسية وحركة تعكس أصداء الأعماق في محيط لا أول له ولا آخر وأصداء الكون بين جبال الثلج المشتعلة بالبرودة تدور بنا مع دوران الطنين الكوني الذي يسبح ف فضاء النقاء اللانهائي العريض وغزل الرياح المستدرج للأشجار في دعوة إلى رقصة جماعية ، سريعاً ما تنقلب إلى مباراة في التايكوندو تنهزم فيها الأشجار في الجولة الثانية.
وفي نداء الهواء في مفازة العراء تتحصن النفوس في الخباء لتنهار فتسلمه إلى الخواء وبرغم ذلك تنبض الأحشاء وتنجب الولائد الولدان ويذعن الجميع للرحيل لقد أتى الطوفان فإذا الجميع غارقون فما نجا منهم أحد ، غير الذي قد تفرّد من كل جنس جاء فرد ساروا على درب النجاة كما حروف جملة تعني الحياة سطر من الكلمات تقرأ من يسار ، عبروا المفازة لليمين فما تبقى غير زوج منهما ذكر وأنثى تنتهي منه سريعاً وحيدة في غابة الكون العريض والوحش يلقاها فتدخل حضنه يتعاطيان الوجد تعطيه البرودة ثم تأخذ دفئه تلهو به ما شاء للنفس وتلهو يأنس بها يأمن لها فيغيب وعي الوحش تخلع عنه عباءته ؛ تلقي إلى البرودة فيموت . الوحش قد آمن الجمال على حياته . هل عاقل ذاك الذي آمن الجمال ؟! وهل هناك من الذكاء بمثل ما هو للجمال ؟!
في رحلة السفر البديع إلى ربيع الفن في ثلج وليد مررت فيها بالبرودة حيث دفء الرقص يشتعل الخيال . الضوء يوحي بالبرودة والظلال تحيلنا إلى العدم وطنين موسيقى تؤذن للرحيل الكل يحمل حمله وهو ثقيل والنفس في دورانها تدور حول النفس في وقع بطيء. الكل يلقي حمله؛ يهرولون بالمعاول؛ مع اصطكاكات الحديد بالحديد تتوقف الموسيقى . أصداء كونشرتو ترتفع . تتداخل النقرات تحطيماً بلحن أوبرالي كل المعاول تعزف التحطيم ما بين التعارض في الخطوط . تتعارض الأصوات والألوان والصور ما بين خط صاعد أو هابط تقاطعاً مع نزيف الصوت والألوان والأجساد فزعت طيور الروح من سجن الجسد ، قد ذاب ثلج حياتها فحلقت نحو الخلود أو الجنون.
توحدت ، تفردت فجمّعتنا فانتظرنا على البرودة . تفرد العرض بوجدان المشاهد فكانت لذة العرض صلاة وعبادة بقدس أقداس الفنون غردت المشاعر فربما هتف الجميع بعبارة الحلاج داخل خرقته (لا تبغي الفهم .. أشعر وأحس) .
بين لحظات الجمود ولحظات الحركة تموت اللحظات نفسها
عن رائحة الثلج
وليد عوني
من الصعب جداً أن يطلب من فنان تفسير عمل له " أي عمل فني كان " فقد قال بيكاسو : " إذا أردتم أن أفسر أعمالي فاذهبوا وتعلموا لغة الطيور " وفي اعتقادي دائماً أننا نقدر أن نتعلم لغة الطيور ، فإذا حاولنا أن نكون جزء من هذه اللغة فهذا يعني أننا نقدر على التعبير عن هذه اللغة بشتى الطرق . ومن المستحيل أن يفهم الجميع لغة الطيور ، لأن لغتها غير مفهومة ولكنها جميلة في الأذن.. كما أن لغة الحركة في الرقص الحديث رمزية ولكنها تتبع جمال العين والسمع والفكر .. ولكل واحد منا فلسفته في الحياة . صغيرة كانت أم كبيرة .. ونحن هنا نتحدث عن الرقص الحديث في موضصوع يخص هذا العالم المسرحي الذي نعيش فيه.
حاولت دائماً أن أترجم لغة الطيور في مخيلتي إلى معنى إلى صورة إلى مشهد ، إلى حركة إلى إضاءة . ذلك لكي أتقرب إلى المتلقي الذي يسعى إلى ترجمة فكرية يكتشفها ليذهب بها إلى أبعد الجماليات ، والانفعالات الروحية والحسية ، فهي مختبئة في زوايا عقله. وهذا هو الإدراك الفني أو الحس الفني الذي يهبنا به الله . إنما هي طريقة لاكتشاف خلايا فنية تكون براعم صغيرة ، وتتفتح وتكبر ، ولها رائحة ذكية نتشممها . وليس أجمل من أن ندرك وقتها أن كل خلية تتفتح توصلنا إلى درجة من السعادة الفنية .
هناك العديد من اللغات في أعمال كل شخص فني تتلاقى وتعيد نفسها مع مرور الزمن ، ولكن قدرتها الفلسفية تتغير مع العمر ، فقد مضى على أعمالي 28 سنة وهي ثمرة 31 عمل مسرحي راقص منذ العمل الأول عن الفيلسوف جبران خليل جبران 1979 حتى رائحة الثلج 2007 تمتد هذه العروض التي تتلاقى في سماء فلسفية اجتماعية من خلال "الدكتور فرويد "، "اليوم الثاني لهيروشيما"،"سقوط إيكاروس"،"الأفيسال تختبئ لتموت"،" خيال المآته"،"سترة النجاة تحت المقعد"،"رمال متحركة"،"بين الغسق والفجر"،"رائحة الثلج" جميعها تأتي من أزمات مختلفة ولكنها متشابهة مع التطور الاجتماعي والسياسي والثقافي السلبي منها والإيجابي.
"رائحة الثلج" .. الرائحة .. وهذا يعني لغة جديدة نكتشفها . أنا وفرقتي. والمتلقي، فتأسيس العرض والبنية الهندسية للتصميم الحركي هو منبع الوقت الفني للخلق ، والطريق للوصول إلى نتيجة بلحظات ثمينة ، لتكون مكونات الإبداع والقدرات الفكرية عند الجميع قد تضاعفت وتشعبت وتعمقت . إنه نوع من التأمل.
اختراع الخالق هبة من السماء تندفع بنا إلى مستوى غير عادي ، إلى درجات الفن الحسي . هذه العلاقة التي تتحد بين المصمم والأجسام ، وبين الفكرة والتفكير .. بين النظر والسمع ، وبين التفكير الجسدي عند الراقص ، الذي يذهب بدوره إلى تضحية طاقة من داخلة للذاكرة ، والخاضع إلى أقصى حدود جسمه المعبر اللغوي السامي فكل عرض ينتهي تنتهي معه هذه العلاقة السامية بيني وبين الراقص . فيصبح العرض ملكه ، ملك الجمهور . ملك الفن والوقت . والوقت سيحدد قيمة توازنه الإبداعي وتوازن أهميته للمجتمع الفني وتاريخه . وهنا تكمن مصداقية الفنان إبداعياًَ ، وقيمة علاقته بموقته ، بفنه ومجتمعه . وثقافته.
هناك أعمال لازال تعيش وتكبر بفعل الزمن ولا نعرف سر هذا ، وأيضاً لا نعرف لماذا هناك أعمال تموت مع الزمن ، هذا سر من أسرار "لغة الطيور" وهناك أعمال نتذكرها ونضعها من جديد لكي نتعرف عليها من جديد قبل أن تذهب طي النسيان ونتمنى تقديمها، ولكنها لا تقدر أن تحيا لأنها تخص مجموعة عمل أبدعت به حينذاك ، لأنها غير موجودة الآن لأنها عاشت معها من الأساس في الإحساس والإبداع والعطاء . الإبداع يجب أن يولد كل لحظة ويتجدد . هناك عروض تموت لا يمكن تقديمها من جديد إلى أحد . إنها تخص الزمن الذي انتمت إليه ، إنما هي همزة الوصل بين عمل وآخر لكي تعطي قيمة أعلى بالذي سيأتي بعد هذه العملية الإبداعية .
نعود إلى رائحة الثلج .. هذه الرائحة تعني الكثير .. إنه ليس عطراً ، كما نحس أنه خطر كلما نستنشقه . فكل شيء يموت له رائحة ، حتى ورق الشجر قبل أن يقع . إنما موضوعي هنا موضوع إنساني أكثر منه فلسفي . وليس هناك مهرب فالإنسانية مرتبطة بفلسفة الوجود ودائرة الحياة . وعلى كل الأحوال نحن محاطين بفلسفتنا دون أن ندرك، فالنقاش الاجتماعي على جميع مستوياته ، هو عبارة عن ترابط أفكار وآراء يخوضها الإنسان على جميع طبقاته الاجتماعية ، فقد يكون فلسفياً.
القطب الشمال يذوب .. ونحن أيضاً نذوب . ونعيش الآن على هذا الذوبان الخطير ، حيث سننجرف نحن أيضاً به. إنه مجتمع بعيد وبارد ، يحتضر بهدوء وبحزن ، ونحن لانزال نقتل طبقات هواءنا بأيدينا ، ونهرب مع الخطر. ومع الكارثة نخرق الهواء النقي لتنهار جبال من الجليد في المحيطات ويغرق معها لونها ونحن نبتسم بهدوء لحيوانات أطفال (الفوك) ونقتل فيه الزمن قبل أن يكبر ونسلخ فروته البيضاء . إننا لا نحترم مستقبل البشرية ولا نريد أن ننقذ إلاّ هذا الوقت الذي نعيش فيه " فنموت كل دقيقة قبل المستقبل " .
العرض إذاً هو إيقاعي حركي حساس .. حيث أننا نسمع الإيقاع قبل فتح الستارة ، وهذا الإيقاع يأخذنا إلى متابعة خط واحد . وهو النور . النور الساطع ، البارد ، الشمس الباردة الثابتة بضوئها وكأن لا وجود للنظام الشمسي ، القطب الشمالي واقف على رأسه ينظر إلى الشمس ونحن أمامها نقف بأجسادنا ، نحن البشر نعطي هذا الإيقاع الكوني والنظام الحياتي الذي نعيش عليه ومعه وله ، إنها ظلال تتحرك ، تتكرر تتغير وتعود من جديد إلى وضعها النظامي ، إنها حركة دوران الأرض التي تلف حول نفسها متكررة منذ ملايين السنين. نعود إلى الواقع ، واقع هؤلاء الأجساد ، إنها قبيلة على شكل مجتمع جديد أو أنه مجتمع بارد مبرمج . فكل واحد يبدأ بالتعرف على نفسه أمام الجميع وكأنه يكلمه .
ويحضرنا فيلم "موعد مع رجل مثالي" لبيتر بروك ، وكأنهم في مؤتمر ما يتحدثون مع بعضهم لغة (البطريق) أو لغة (الأسماك) أو لغة (الثلوج) واحداً تلو الآخر . لغة نكاد أن نفهمها ، اتجاهات متعاكسة مختلفة في كل لحظة ، ومدروسة ، تحت أقدامهم الأرض الثلجية ، بحيث بالتدرج يؤدي ذلك إلى اختفائهم وراء الضوء ، هذا الانعكاس الضوئي وراء الثلج الشفاف يسجنون داخله وكأنهم أموات تتحرك مع الزمن . تختفي عن أنظارنا لكي تعود بهدوء وتتحرك ببطء . هذا الشفافية الضوئية تموت لتحيا. نتساءل عن الحياة الموجودة داخل الصقيع، هذا العالم الصامت ، نلمسه ، نتأمله ، نصغي إليه .
إن الزمن ، الذي يريد أن يخرج من المنطقة المحرمة ، حيث ندعوهم إلى المعبد للصلاة من وراء الصقيع ، الأصابع تتلامس ، الأجساد تتمايل ، النظرات تتساءل وتتشابك بعضها؟ ببطء مميت يسخن أجسادنا ، ليرحل بنا إلى أعماق أصوات لا نهاية لها. "جسدك هو معبدك" إنهم يتبعون أصوات موسيقى شفافة ويركعون متأرجحين متلامسين بأيديهم وأطراف أصابعهم صفحات وملمس سطح الجليد. يتساءلون : ماذا يوجد تحته؟ ومن يعيش تحته ؟ ومن يموت تحته؟! حيث نرى في الوقت ذاته أجساد أخرى تدخل بإيقاع ثانٍ ، أجساد تدخل على الجليد بدون رؤوس ولا أيدي ، تتمايل كأشكال حيوانات غريبة كقطع شجرية غريبة . إنا ننتقل إلى أعماق أصل الأرض الحارة ، بحيث نسمع إيقاع جديد يذوب به الثلج وترتفع حرارة الشمس؟ إيقاع حقيقي يأتي من إفريقيا إلى القطب الشمالي حيث الأجساد تتحرك.. أليست أفريقا هي مهد الإيقاع ومهد الصوت ؟
مادتان تتنافران كالمغناطيس ، البارد والساخن ، الإيجابي والسلبي ، ومنها تلد قطعة مثالية مبهمة ، ربما هي ليست بقطعة ثلج بيضاء بقدر ما هي شكل مثالي للحياة والإنسانية . إنها "المعرفة" أو "الإدراك" نكتشف ومن خلالها قصة هذا اللون الأبيض.
ولكن بقدر ما قد أدركنا واكتشفنا واخترعنا فهذا لا يمنع خطورة الذوبان . لمذا إفريقيا ، لماذا الشجر ، الشجر بدون المياه يموت ، إنها الحركة الحياتية للأرض . إنما هنا الثلج إذا ذاب فإنه يتحول إلى مادة قاتلة للأرض ، فالخضار سيموت سيختنق ، ولذا إنهم يرقصون رقصة طقوسية ، ومنها تلد هذه القطعة أو هذا الشكل المثالي . نتذكر فيلم "أوديسا الفضاء 2001 لستانلي كوبرك" حيث نجد فجأة من بداية خلق البشرية هذا الشكل المسطح المعدني الذي ينتقل من خلال ملايين السنين . ولانزال نتساءل ما هذا.
وندخل لنكتشف هذه القطعة وبملمسها نكون قد انتقلنا إلى مرحلة أخرى وإدراك زمني أنها قطعة ثلج بيضاء باردة تدخلنا في حالة طقوس جسدية لنسمع الموسيقى من داخلها نعلم أنفسنا . وكيف أن الانسيابية مهمة بالنسبة للسمع ، وبأن كل شكل في الحياة هو احترام ، وأن "كل معرفة للآخر هي صلاة " .
دخول أشكال ملفوفة لا نرى من خلالها إلاّ الرؤوس عكس ما رأيناه قبلاً . إنما هنا نرى فقط أقدام خفيفة وسريعة كنبات الجيشا ، وعلى أجسادهم قطع إيقاعية زرقاء متتالية متكررة منظمة . جمود النظر إلى الجمهور ، ثم النظر في اتجاه الجسم ، وصمت . ولكن الإيقاع يزداد قوة . الغوص إلى أحشاء هذه القطعة .. المسرح يتحول إلى قطعة فنية تشكيلية تجريدية ، خالية من أي نوع من التوضيح لهذه الأجسام التي اختفت . كل واحد داخل هذا الشكل المبسط إلى الحركة المبسطة . إنها قطعة من الموج سرقناها من المحيطات ولففنا بها أجسامنا ، الأيدي تخرج من أحشائها ، وأحشاء الموج تريد أن ننقذها مستنجدةً ، وتغوص لتموت من جديد . ولكن واحد تلو الآخر تتفتح هذه الأمواج من جديد لنرى الأجساد تغوص وتغوص في الأعماق غارقة ببطء يموت ، حيث أن هناك لا وجود للقاع للوصول إليه ، إنهم يغرقون من جديد ، يلقون أجسادهم مع القطع فيا لقاع ليخرجوا من هذا الحلم حيث سيولدون من جديد على شكل جنين . الذي يخرج من رحم أمه ، يلعبون بأيديهم بهذه المياه التي يغرقون بها ، هذا الرحم يتحول بدوره إلى المحيط ، ومنها يتحول من جديد إلى جليد ومن جديد يذوب ، ونذوب معه ولتحتضر وتولد من جديد .
ولا تزال هذه القطعة البيضاء تلد من الذوبان . الشكل المثالي موجود دائماً . إنه الإدراك ، إنه الحياة يتحسسونه من جديد ، إنه حاسة اللمس ، الشيء البارد ، الموت البارد. هذه المادة الباردة تتبخر وتتحول إلى غيوم لتعود بالأمطار ، والأمطار تتحول إلى ثلج ، والثلج إلى جليد من جديد . وهكذا كل شيء دائري ، إنها عملية ميثامارفوزيه دائرية ، والكون كله عبارة عن دوائر .
الشكل المثالي موجود دائماً معنا نكتشفه باكتشافنا أنها دائرة أيضاً كالحب ، لا نعرف كيف يأتي ، ونتعذب كيف يذهب ، نرقص معه وله وعليه ، نتركه ويتركنا.
نذهب إلى الهمالايا حيث الثلج نذهب إلى الإسكيمو حيث الجليد ، هناك مجتمع غير مجتمعنا المنطقي . خلية منظمة نشعر بأنهم يأتون كالثلج ويذهبون كالثلج حيث لا وجود للفصول الأربعة . إنهم ينتمون إلى هذه الفئة من هذه الخلايا ، وكأن هناك فصل خامس يعيشون أكثر منّا ولكنهم يختفون بسرعة كفصل الربيع السريع . مجموعة أتت راقصة واختفت . يأتون ويذهبون كشعب "التوفا" هؤلاء الناس الذين لا نعرفهم ، ولكنهم متعلقون بطبيعتهم البيضاء . النقاء العالم البارد يعرفنا بهم . ويجب أن ندرسهم قبل أن ينقرضوا مثل حيوانات الفوك.
الصوت ، الموسيقى ، الإيقاع ، والحركة . كل شيء واضح ومنظم كالقطب الشمالي ، حيث لا وجود للأفق هناك آلاف الآفاق ، حتى السماء هي أفق ، كأن الأرض معلقة من طرفها في هذه المنطقة بالذات وهي تتأرجح على هذا الإيقاع . إنهم يحملون قطع الثلج يحاولون تهريب قطع الثلج على ظهورهم ، لا يقدرون أن يسرعوا ، البطء هو الإيقاع . ويذوب الثلج على أجسامهم ولا يقدرون على إنقاذه. ولا نعرف أي اتجاه في القطب الشمالي ، حيث لا يوجد اتجاه . كل الاتجاهات تؤدي إلى ذوبان ، إنهم يصلون أمام هذه القطع الذائبة لا يوج اتجاه . كل الاتجاهات تؤدي إلى ذوبان ، إنهم يصلون أمام هذه القطع الذائبة وكأنها أرواح تموت ،وكأنها أيضاً خلاصهم الوحيد من الانقراض . هناك من يحمل السكينة ليغرسها في بطن الثلج الساخن ويقتلها بقوة فيتغير كل شيء ، الحركة إلى إيقاع ومن الإيقاع إلى اللون ، ويموت الثلج ويذوب الثلج ونسمع ضرب حديد ونسمع أصوات الثلج تتعذب وكأنها بين الحياة والموت ، والموت يذوب . إنهم أرواح مسجونة في كل مكان وتبدأ الحركة تنتظم أكثر وأكثر .
" بين لحظات الجمود ولحظات الحركة تموت اللحظات نفسها " . صرخات الثلج تتبخر بالبطء نفسه وبضربات المطرقة الحادة تنهار على ضربات القلب يقف القلب ومعه الحركة وتبقى صدى الموسيقى .
نسمع من بعيد صوت أوبرالي ، صوت الأفق ، صوت اللون وصوت الذوبان ، ويخرج من المياه إنسان أبيض وضخم ، يشبه الدب الأبيض . إنه إنسان وليس دب . يغني هذه الأوبرا من داخله ، بدون صدى . إننا نحلم ونحلم ، وها هي الجميلة القادمة من الأفلام الخيالية الأفلام الرومانسية . الأفلام الباردة الصامتة ، التي لا لون لها . بالأبيض والأسود . تأتي كما لو كانت هي نقاط المياة التي تذوب في قصة حب وغرام فوق الطبيعة .. هذا الرجل الدب .. نعم إنها تحبه ، تعانقه تضاجعه ويضاجعها .. يغني لها بصوت معذب ، رجل الثلج وامرأة الأفلام، علاقة كتبها تاريخ السينما : الجميلة والوحش .. كينج كونج . ونحن أيضاً نصنع من الصقيع قصة حب " سر جميلة القطب الشمالي" الأصوات تتتابع والمضاجعة مستمرة وبقوة .. دخول الحيوانات الأخرى " البيبي فوك" محمولين على أكتاف سفاحيهم ومتسلقين جبال الجليد . لقد قتلوا اثنين من الفوك حيث يعلقونهم ويرقصون لهم .. لنا .. إنها مسألة دراما بشرية لا تنتهي ، البشر يعرف كيف يقتل حتى لو عرف الخطيئة .. يعرف لماذا يقتل حتى لو قتل نفسه .. ويعرف أن طبيعته البشرية تنحدر ثانية .
وهذه الجميلة هي من البشر أيضاً .. انتهاء مضاجعة الدب تقوم بقتله بسرعة صاعقة لتتحول هي إلى الوحش ، فتظهر حقيقتها البشرية من قتل وخيانة للذة المتخفية عندنا ، فكل ما تريده هو فروته البيضاء . إنها حياتها ، هذا الجلد هو لذتها ، تتحول إلى دراكولا الدم اللحم الجلد العظام ، وتجعل من جلده وفروته وحتى رأسه المتدللي المقطوع الذي يشبه ثياباً لجسمها الجميل إنه معطف الحياة ، معطف الحلم الذي ولدت من أجله. القتل من أجل النزوات . إشباع الغريزة الذي ولد بها قابيل وهابيل . القتل ، وهي من جديد تضاجع الجلد الرأس أكثر وأكثر . إنها تحبه بجنون ، وهي هنا لا تلاعبه بل تعبده ، يصيبها الجنون ، بينما تتجسد روحه التي أخذت ترقص في عالم ثاني متحرره إلى رجل ، بينما يهوي متسلقو الجبال في أعماق وادي الجليد داخل الجليد وينتهون .
ونعود إلى مجتمعنا المجلد . وراء الجليد المجمد . وراء الضوء نراهم آتون ليتلون الصلاة الأخيرة قبل النهاية قبل الموت ، قبل الذوبان .. إنه المجتمع الذي نعرفهم في البداية ، هذه الخلية التي تريد أن تعيش .. تأتي لتودعنا وتبدأ مراسم النجاة والدعاء في معبد الجليد يتهامسون .. يرقصون بهدوء ، يشرعون في تنظيم الشكل الهندسي المتكامل . اثنين ثم ثلاثة ثم أربعة يناجون بعضهما بعضاً ، أو يودعون العالم .. يودعون الفضاء النور الأبيض .. يقفون على رأس الكرة الأرضية وكأنهم سيرمون بأنفسهم من أطراف هذه الدنيا إلى الفضاء .
فإذا الأرض لم تكن مستديرة لنجحت العملية ، ولكنهم سيعودون إلى نقطة البداية!! يمشون كأنهم في الفضاء صامتين .. بنظام كنظام الكون ، حاملين على رؤوسهم ما يمكنهم أن ينقذوا .. قطع الثلج .. إنه الرحيل العظيم .. كالكثير من شعوب تاريخ البشرية هناك دائماً الرحيل من أرض الأم ، هناك ملايين من حملوا أغراضهم على رؤوسهم ورحلوا إلى أرض ثانية ، إلى عالم ثان ، إلى صلاة جديدة وإيمان جديد ، أكثر عمقاً.
لا يمكن العيش بدون الإيمان ، فإننا نبحث عنه من البعيد في المجهول ولكن حقيقة هو أمامنا ، وبدون أمل لا نجد الأرض الجديدة ، بما أن الأرض مستديرة فلا هروب تتحول هذه الأشياء إلى كارثة على رؤوسهم يأتون بها وكأنهم ذاهبين إلى المسلخ بهدوء وخشوع وتأمل كالجيش الذي يذهب إلى المعركة لينتحر من أجل أيديولوجية الحرب وأمامنا يضعون على الأرض الضحية (حياتهم) ويحكمون عليها بالانقراض ..
وهنا يتحول كل شيء إلى كارثة ، وكأننا نعود مع المجرم إلى مسرح الجريمة ، لكي يمثل جريمته ، يضعونها أمامهم لابسين مريلة الجزار ، وملثمين .. بآلات حديدية ، وتبدأ مرحلة الإبادة ، إبادة الجنس الثلجي . وأيضاً إبادة الجنس البشري .. إنهم يقتلون هذه القطع لتتحول إلى قطع أصغر ، لكي تذوب بالقتل وليس بالحرارة ، وتتحول بالعذاب إلى مياة ، وهي المياة بدورها تتألم ، وتتحول إلى طيور .. إلى غيوم .. إلى أرواح .. في إيقاع حربي مهيب ، موسيقى قاتلة تنهار فيها جبال البشرية ، وجبال العقل وذوبان الروح وذوبان العاطفة ، الحب ، الإحساس ، الوجدان ، والضمير .. ضربات الحديد على أجسام الثلج تنتظم أكثر فأكثر ، لتعلن إيقاع حرب الطبيعة على الطبيعة إيقاع حرب الإنسان على الإنسان، إيقاع حرب الآلة على الآلة ضد هذه الكرة ، الكرة الصغيرة الجميلة "الأرض" أمنا الأرض ترقص في فراغ المجرة المهيب .
هذه هي المياة الذائبة تصعد كأرواح الأطفال حيث نراهم بالفعل وجوه أطفال تبتسم، تنظر إلينا مستنجدة من الكارثة ، إنهم أطفال بعيونهم الواسعة ، تنظر إلينا ، إلى الكارثة نظرة أخيرة إلى أشياء الحياة التي تذوب .. ويطول الوقت ويطول الإيقاع ويطول ذوبان الثلج ، وتتبعثر الإيقاعات وتتبعثر معها الإضاءات .. وتختفي وجوه الأطفال ويختفي معها "المعنى" ويصعد من الثلج رائحة غريبة يقف الجميع ، قد تمت المهمة وبأيديهم آلات القتل ..
كم أنت مجرم أيها الإنسان ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق