الثلاثاء، ديسمبر 09، 2008

جوازفاطمة من يوسف باطل

الكمبوشة
( جواز فاطمة من يوسف.. باطل )
د. أبو الحسن سلام
مابين الستينيات والسبعينيات تغيرت توجهات بعض الكتاب في المسرح المصري؛ فمنهم من جنّد فكره وإبداعه كسبا لتأييد توجهات النظام الحاكم، ومنهم من توشح بالتراث استلهاما لحدث أو حدوتة يسقطها علي الواقع الاجتماعي بأسلوب ترميزي؛ لا يجعله في متناول عصا اليد العسكرتارية؛ متوسلا بتلميحاته المراوغة إذ يتقنع نقده للأوضاع خلف شخصية تراثية؛ أو متنكرة في أزياء تاريخية. بينما كتب نفر قليل منهم بعد أن أصابه الهلع من هزيمة 67 (المسامير ـ يا سلام سلم الحيطة بتتكلم ) سعد وهبه. وكتب علي سالم ( أنت اللي قتلت الوحش) وتوفيق الحكيم(بنك القلق) وكتب ميخائيل رومان مسرحيات منعت من النشر ومن العرض. وألفريد فرج (جواز علي ورقة طلاق) ويوسف إدريس (المخططين). كان هذا هو ظاهر الكتابة المسرحية؛ حتى كانت حرب أكتوبر التي لفح وهج نصرها مشاعر مثقفينا الوطنيين بكل توجهاتهم الفكرية والسياسية؛ فانبروا في الكتابة التي لم تخلو من الحماسة الوطنية؛ التي كتب بها القليل منهم مواكبا لحرب الاستنزاف ك (رأس العش) لسعد وهبة و(أغنية علي الممر ) لعلي سالم. وكتب محمود دياب ( رسول من قرية تميرة للسؤال عن الحرب والسلام) مشيدا بحرب أكتوبر 73، وكتب رشاد رشدي (محاكمة عم أحمد الفلاح). والمتابع لمنحني الصعود الوطني الحماسي والفكري وهبوط في كتابات مسرحيينا مابين كتابات السير تحت شعارات النظام الوطني في الستينيات وتحولات تلك الكتابة فيما بين سنوات المرارة وصدى بطولات جنودنا في حرب الاستنزاف ومناورات النظام ومراوغاته فيما يخطط لحرب 73 وصولا إلي الانفتاح الاستهلاكي؛ لاشك سيلاحظ الكثير من التغيرات التي طرأت علي الكتابة المسرحية في مصر؛ حيث تحولت العروض المسرحية من موقع التحريض الفكري والسياسي في الستينيات إلى التمريض النفسي والسياسي بعد هزيمة67 ثم التعريض السياسي بفترة الستينيات بعد انفتاح 73 وصولا إلي مسرح الترويض السياسي الثقافي المواكب لثقافة الإغارة النفطية الصحراوية؛ التي انتهت بنا إلي السير تحت شعار(الكل في واحد) الذي انتهي بالعرب كل العرب إلي( ثقافة الكون في واحد) حيث سيطرت عولمة العسكرتارية الأمريكية علي كل مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. لم يصبح غريبا والأمر علي نحو ما رأينا بوادر التغير في كتابات مسرحيينا دون استثناء. توفيق الحكيم يكتب (الحمار يفكر ـ الحمار يؤلف) معرضا بتجربة التأميم وشعار التطبيق العربي للاشتراكية وممارسات السلطة ويكتب عن خلل العدالة في ( مجلس العدل) مراوغا في مقدمة النص بأنه قصد (مجلس الأمن) وهو يقصد الإتحاد الاشتراكي (القاضي:رمز الحاكم- ص.الأوزة الرأسمالي – الأوزة – رأس المال المؤمم – الصرماتي: العامل – الفلاح – المؤذن: المثقف) الشخصيات رموز تعادل ممثلي فئات الشعب (العامل) وفق مسميات النظام حينذاك. ويبادر(حبيبتي شامينا ) في توجه واضح نحو التطبيع مع الدولة العبرية فايز حلاوة يشهر بتجربة الستينيات وارتباط النظام بالكتلة الاشتراكية وجلال الشرقاوي يعرض بممارسات النظام (ع الرصيف). ويكتب بهيج إسماعيل ( حلم يوسف) في توجه واضح نحو التطبيع فلا أمل لـ(فاطمة ) في الحياة الآمنة والخلاص النهائي من العداء القديم المتجدد؛ إلاّ بزواج (فاطمة) من (يوسف) والملاحظ المدقق يستطيع أن يتوقف عند اختيار المؤلف لاسم (يوسف) فهو معادل رمزي يحيل إلي أحد أنبياء اليهود، كما يستطيع التوقف عند اختياره لاسم (فاطمة) وهو معادل رمزي لـ(فاطمة الزهراء) ومن تأويل دلالة الاسمين يسقط قناع دعوة الكاتب إلي التطبيع. ومن الغريب أن هذه المسرحية تحديدا موضع إقبال مخرجي هيئة قصور الثقافة دون تأمل مخرج و للدلالة المسكوت عنها في النص. أرأيتم كيف نقلب بعض كتابنا المسرحيين مابين شعار وشعار خلال عشر سنوات.

ليست هناك تعليقات: