الثلاثاء، ديسمبر 09، 2008

فنون السرد بين الرواية والمسرح

فنون السرد بين الرواية والمسرحية
د. أبو الحسن سلام
السرد لغة اتصالي تعبيري تربط الماضي بالحاضر ، وتربط الحاضر بتطلعاته المستقبلية المأمولة ؛ عن طريق الكلام أو عن طريق التشكيل التصويري المرئي أو عن طريق التعبير الحركي غير الكلامي ارتجالا صامتا أو رقصا ، سواء أقام علي تعبير فردي أم علي تعبير جماعي . وهو تعبير اتصالي في فنون المسرح وفنون السينما وفنون الإذاعة المسموعة والمرئية، فضلا عن الفنون التشكيلية.
يتفرع السرد في أربعة أساليب رئيسية علي النحو الآتي:

(السرد التصويري - السرد التلخيصي - السرد التشخيصي - السرد التجسيدي )

أولا: السرد التلخيصي: وهو للتمهيد وللتقديم وللتعليق . ففي التعليق ينحو نحو النقد أو الانتقاد.
وفي التقديم ينحو نحو التهيئة ، والتعريف بجذر الحدث وماضي الشخصية وطبيعة الوسط البيئي.

ثانيا: السرد التصويري: يعني بعرض الفعل في خطوطه الرئيسية ، دون أن يكشف السارد عن طابع ذاتي - إلاّ فيما قل - في المحتوي السردي وهو يحل الحوار بصيغة الحاضر ؛ محل الخلاصة الإجمالية .

ثالثا: السرد التشخيصي: يعني بالخطوط الخارجية لماضي الفعل ، من جهة نظر طريقة السرد وطريقة تلقيها ، لوضع الفعل في بؤرة الاحتمال عبر وعي متلق معاصر مندهش تتعدد عنده الدلالة الواحدة .

رابعا: السرد التجسيدي: يعني بالتفصيلات الداخلية للفعل متفاعلا مع الزمان الآني والمكاني وبالبواعث القائمة علي توحد الضرورة مع الاحتمال عند المتلقي .

ضرورة التعبير السردي

ضرورة التعبير السردي تفرضها طاقة الأفكار والمشاعر المتصورة أو المسكوت عنها المنطوقة والمرئية أو المختبئة خلف قناع فعل الكلام المحمول حضور علي ألسنة أصحابه الناطقين به أو خلف قناع فعل الحركة المحمولة علي دوافع فاعليها ، ويراد الكشف عنها تلميحا بأن يعهد بها إلي السارد سواء علي لسان فرد أو علي ألسنة جماعة ( جوقة) افتراضية تنوب عن صاحب خطاب غائب . والسارد " يمثل ما تراه الشخصية فحسب ، كما لو كان ينظر عبر عينيها أو كما لو كان " شاهدا غير منظور " يقف إلي جانبها . "
وعلي ما تقدم نقول إن :" السرد يمكن أن يوجد عالما تخييليا متنوعا مفتقدا إلي الموثوقية."
وظائف السرد : يستطيع المؤلف بوساطته الدخول إلي عقول الشخصيات ، وأن يكشف المصادر السرية للأفعال .. ويمكن أن يوجز أو يسهب ، كما تتطلب الأجزاء المختلفة في قصته أو في ثنايا الحدث المسرحي . ويستطيع كشف الجوانب غير المعروفة عند أية شخصية من الشخصيات ، والتعليق علي الفعل .
علي أن السرد ذاته يمكن أن يغدو مملا ؛ ولذا وضع كل الكتاب المجيدين أكبر قدر ممكن من التعبير الدرامي ، فيما يعرف بالمشهد ، بدلا من الخلاصة السردية . فضلا عن ذلك .. فالسرد يعمل علي تصوير جو أعظم من الحقيقة في كشف الشخصيات علي نحو أكثر حميمية ؛ مما في النص التخييلي الروائي أو المسرحي المعتمد علي طاقة الحكي عند المؤلف ، شريطة الحرص علي إدراك أن مالا تستطيع الشخصية قوله لا يستطيع المؤلف أن يخبر عنه بطريق السرد .
ومن بداهة القول إن الصيغ السردية مغايرة لصيغ التعبير الحواري الحاضر في الفعل ، المخلوق لحظة تجسيده التي تكشف عن هويته النوعية ؛ فالرسائل الاتصالية والحواريات الأحادية ( المونولوج والمناجاة والجانبية) المنطوقة يستخدم لها المؤلف صيغة الحاضر، أما السرد فهو بصيغة الماضي والمستقبل ، حتى وإن قيلت في حدث آني حاضر. والسرد محدود وفق مسيرة الحدث الدرامي سواء اتخذه المؤلف قناعا يستر خلفه فكرة أو رأيا ، أو حمل علي لسان إحدى الشخصيات الرئيسية أو الثانوية أو حمل علي اللسان الموحد للجوقة أو علي لسان الراوي تلك الشخصية التي هي بمثابة المعادل الدرامي لشخصية الحاكم المطلق في المجتمعات المتخلفة ، فكلاهما يمسك مصائر الناس بين أصابعه الحاكم المطلق يتسلط علي شعبه والراوي يده مطلقه علي رقاب الشخصيات الدرامية والروائية يحيي هذه ويميت تلك ، يعطي من يشاء كما يشاء ويمنع ما شاء عمن يشاء . وهي خاصية اختصت بها شخصية الراوي في المجتمعات الشرقية والعربية ، علي النقيض من الدور الجماعي الذي تلعبه الجوقة في الدراما الغربية ، تبعا لاختلاف الثقافة الغربية الديمقراطية التي تضع تقرير المصير العام أمرا منوطا بالتوافق الجماعي ، عن الثقافة الشرقية والعربية ذات الطابع الشمولي القبلي والنظم العسكرتارية القائمة علي التراتبية والأبوية البطريركية الهيراركية.

*خاصية الحوار وخاصية السرد:

يقوم الحوار علي لغة التفعيل الحاضر في الحدث الدرامي مستهدفا خلق رد فعل حاضر متباين المستويات عند الشخصية المقابلة ، بقصد تنمية الحدث الدرامي والحوار بتلك الخاصية عليه أن يكون علي نقيض الذي عليه أن يكشف عما يعنيه المكان والزمان والأحداث والشخصيات في علاقاتها المشتبكة . والسرد وفق ذلك يقوم علي لغة التظليل بالوصف والتخييلات التي تتناغم مع لغة التفعيل علي النحو الذي يحققه الفنان التشكيلي في لوحاته بتفعيل دور التكوينات المشعة إذ يحيطها بما يظللها من ألوان ذات قتامه . كما يقوم علي لغة التذييل ، الذي يحمله السارد الثالث وهو بمثابة مؤلف ضمني أو ناقد ضمني يعلق علي الأحداث نيابة عن المؤلف نفسه حالة غياب السارد الأول ( أنا المؤلف) عن مسيرة الحدث الروائي أو الحدث الدرامي والمسرحي ، وأمثلة ذلك متعددة في الرواية وفي المسرح . ففي المسرح تظهر شخصية السارد الضمني الذي يتقنع المؤلف خلفه متمثلة في شخصية ( المنادي ) في مسرحية بريخت ( محاكمة لوكوللوس) الذي يحمل صوت فكر بريخت النقدي نفسه للحاكم الديكتاتور في وصفه التذييلي لموكب جنازة الإمبراطور لوكوللوس " وخلف نعشه يسير وزيره وحكيمه وحصانه الأثير" فهذا التذييل النقدي يساوي بين السلطة التنفيذية والسلطة الاستشارية والحصان فالسلطة التنفيذية والسلطة الاستشارية أو التشريعية كانت بمثابة مطية لنظام لوكوللوس الديكتاتوري .

• تقنية البناء السردي المتدرج:
وللتظليل والتذييل السردي مستويات متدرجة حالة تناظر وظيفة (الراوية) كما في مسرحية (سليمان الحلبي) إذ تأسست الرواية السردية للافتتاحية علي تقسيم نداء التحذير والوعيد الصادر عن قائد الحملة الفرنسية ضد الشعب المصري علي ثلاثة منادين خص كل منهم بخطاب مخصوص بطبقة من طبقات الشعب ( الزعماء ممثلي النخبة الحاكمة – التجار ممثلي الطبقة العليا والطبقة المتوسطة بالقاهرة – عامة سكان القطر المصري ) هكذا تأسس الخطاب السردي السلطوي الصادر عن قيادة الغازي المحتل وفق الصياغة الدرامية التسجيلية في نص ( سليمان الحلبي) . وهو أمر لاشك عندي أن ألفريد فرج قصد إليه قصدا ، ذلك أن الرسالة الموجهة من ساري عسكر فرنسيس ( نابليون أو كليبير) كان هدفها التخويف والردع حتي تخف حدة مقاومة الشعب المصري بكل طبقاته وطوائفه عن مقاومة الغزاة . ولأن الحقيقة الفنية تتجاوز الحقيقة التاريخية ، لذلك تجلت جماليات البناء السردي لرسالة التحذير والردع في توزيع مسيرة إذاعة خطاب الردع علي ثلاثة أصوات ، بما يفرق عن فهم ووعي بأن الشعب أي شعب في أي مكان ليس علي خط اجتماعي واقتصادي وسياسي واحد ، وإنما هو طبقات ثلاثة ( عليا ومتوسطة وصغري ) ولا يدرك أمر هذا ويضعه نصب عينيه سوي مفكر تنويري يساري عرف الانتماء الحزبي في الاتجاه الاشتراكي ، وهو حال ألفريد فرج نفسه الذي كتب مسرحيته الرائعة ( حلاق بغداد) ومثلها مع رفقاء الفكر في معتقل الواحات في الستينيات ، لذا أقول إن توزيع النداء الإرهابي للغازي الفرنسي، كان تجاوزا مقصودا للحقيقة التاريخية ، فخطاب الردع وحدة واحدة من حيث محتواه بغض النظر عن خصوصية الجزاء وعموميته وتفاوت مستويات العقوبة الموقعة علي الزعماء والعقوبة الموقعة علي تجار القاهرة والموقعة علي عموم سكان القطر المصري ، فتوزيع المؤلف للخطاب اعتمد ثلاثة أساليب :
• أسلوب عرض جزئي للتحذير الخاص للزعماء بسرد تخصيص التخصيص . وقد حمله المنادي الأول ليخص به خاصة الزعماء
• أسلوب سردي تعميمي ، ليخص به فئة كبار تجار القاهرة . خص بحمله المنادي الثالث
• أسلوب تعميم التعميم ليشمل كل سكان مصر
ويتمثل السرد التلخيصي: في المقدمة الدرامية التسجيلية لمسرحية سليمان الحلبي ، وهي علي صيغة منشور درامي أقرب ما يكون إلي مسرحية الأوتشرك الروسية ( تحقيق درامي بمثابة استبيان سياسي يستهدف اكتشاف عن بعد لتوجهات الرأي العام ). ومثال السرد التلخيصي الممهد للحدث نجده في مسرحية ( الطيب والشرير ) أيضا نجد مثالا آخر للسرد التلخيصي المحمول هذه المرة علي لسان السارد الأول الذي يتكلم بنفسه نيابة عن الجماعة ، علي النحو الذي نجده في التقديمة الدرامية لمسرحية ( ليالي الحصاد) لمحمود دياب

أما السرد التشخيصي : في أطلق عليه ( مجزوء المونولوج) وهو أسلوب سرد اعتمده توفيق الحكيم في حوارية القطع والوصل التي جمعت بين الزوج ( بهادر) والزوجة( بهانة) اللذين تلاحظ لي أن ن إسم كل من هما يبدأ بحرف الباء ، مما جعلني أحيل الأول إلي بداية جنس الرجل ( آدم) وأحيل الثاني إلي بداية جنس النساء ( حواء) بوصفهما رمزي الخليقة البشرية . أما عن فكرة سرد مجزوء المونولوج ، فقد لاحظت أن كلا من الزوج الذي يعني اسمه ( المتبختر أو المتباهي بنفسه) والزوجة التي يعني اسمها ( العايقة أوالمختالة) وكليهما يتحدث ظاهريا أمام الآخر في حيز مكاني وزماني واحد إلاّ أن حديث كل منهما غير متصل أو مشتبك مع حديث الآخر ، فلا اتصال ولا تواصل فعلي ، وإن بدا ظاهريا . ذلك أننا لو ضممنا كل ما قالته الزوجة ووصلنا جملها المتقطعة بعيدا عن مجمل جمله المتقطعة لأصبح لدينا مونولوجين أحدهما يخص الزوج بهادر والآخر يخص الزوجة بهانه . غير أن الحكيم صاغ النسق الحواري السردي بحيث جعل نهاية كل جملة من أقوال الزوج هي بداية للجملة التالية لها من كلام الزوجة ، بمعني أنه جزأ مونولوج الزوج وجزأ مونولوج الزوجة وأعاد تنسيقهما في منظومة هندسية سردية ، أساسها البوح الذاتي لكل شخصية منهما . لذلك أطلقت علي تلك الحوارية السردية القائمة علي التداعيات تحقيقا للبنية الدرامية العبثية التي تتقصد التقافز من فكرة إلي أخري ومن معني إلي آخر ليبدو الحديث بلا منطق ( وأقرب مثل له طريقة تمثيل الفنان المصري يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين ) ومن أمثلة السرد التشخيصي أيضا مسرحية ( جمهورية فرحات) وهي مسرحية قصيرة كانت في الأصل قصة قصيرة للكاتب نفسه ، لذلك اعتمدت السرد أساسا لمنظومة الحكي المتقاطع المتواصل تبعا للمشكلات الاجتماعية الطارئة التي توقف استرسال الصول فرحات في حلم يقظته اليوتوبي الذي يبوح به أمام مفكر اشتراكي معتقل في طريقه إلي السجن ، دون أن ينتبه الصول نفسه أو يتغافل عن ذلك ، وهنا تتحقق المفارقة الدرامية حيث الحاكم يحلم بصنع مجتمع العدالة المثالية المطلقة وهو في الوقت نفسه يعتقل المؤمنين بفكرة الاشتراكية – ولم يكن ذلك إلاّ إسقاطا سياسيا انتقاديا يوجهه يوسف إدريس إلي النظام الناصري الذي زعم أنه يقيم مجتمعا اشتراكيا في حين أنه يسير في اتجاه الطرف الأيسر من طريق الرجعية البيروقراطية ، التي اعتمدت تأميم وسائل الإنتاج وتمليكها للدولة وإدارتها بأهل الثقة من الضباط المبعدين عن الجيش شكا في ولائهم للنظام وتوجهاته اليسارية البيروقراطية .ومن أمثلة السرد التشخيصي أيضا مسرحية ( ياسين وبهية) ومسرحية ( ليلة زفاف الكترا) للشاعر مهدي بندق والأمثلة كثيرة ومتنوعة في الأنساق السردية الدرامية في المسرح , نجدها مشتبكة مع الحوار بقدر يتناسب مع طبيعة الحدث الدرامي وطبيعة بناء الشخصية ومخزون ثقافاتها . هذا بخلاف سعي رائد مثل توفيق الحكيم الذي مزج السرد الروائي بالحوار المسرحي في توليفته المسرواية ( بنك القلق ) وفي ريادة نجيب سرور للقصيدة الدرامية ( ياسين وبهية ) القائمة علي السرد التشخيصي.

ليست هناك تعليقات: