الكمبوشة
طوباوية معروف وطوباوية هنية
د. أبو الحسن سلام
للباحث الفلكلوري والكاتب المسرحي المصري (شوقي عبد الحكيم) مسرحية قمت بإخراجها عام 1966 وهي بعنوان ( الملك معروف ) يوزع فيها الملك كل ما بحوزة الدولة علي شعبه غير المنتج ؛ فلما فرغت مخازن البلاد وقصر الملك مما يمكن توزيعه علي الشعب المتضور جوعا وخلت مما تستر به العورات، خرج معروف وشعبه ليمدوا أيديهم إلي دولة غنية مجاورة.
أراد شوقي عبد الحكيم أن يثبت فشل تحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية المثالي اكتفاء بتوزيع كل ما لدى النظام الحاكم على شعبه مع عدم وجود تراكم إنتاجي مستمر ومتجدد . لأن ذلك أشبه بطائر يطير بجناح واحدة ، ومن الطبيعي والأمر كذلك أن يعجز بعد فترة قصيرة عن الطيران .
ما أشبه موقف السيد ( خالد مشعل ) قائد فصيل حماس من شعب فلسطين في قطاع غزة ؛ بموقف الملك معروف – من حيث الإطار- مع أن معروف اتسم بالسماحة والبراءة وحب شعبه والخوف عليه والحياة وسط شعبه والفناء فيه؛ فما يجري عليهم يجري عليه؛ إلاّ أننا لم نر نظيرا لذلك عند مشعل . ومع أن كليهما يعمل بالسياسة إلاّ أنهما كليهما أبعد ما يكونا عن السياسة ، ذلك أن السياسة هي فن التعامل مع الواقع ، مع الممكن . ولأن الانفصال بقطاع غزة باعتبار حماس نفسها نظاما بديلا للسلطة الفلسطينية في القطاع -علي أرض الواقع- وبديلا لفتح والجبهة الشعبية وبقية الفصائل علي كامل أرض فلسطين - وفق تصورها الافتراضي المأمول منها – لا يجعل منها نظاما سياسيا لأن نظام الدولة وفق كل الأعراف والتجارب السياسية للحكم عبر تاريخ البشرية ، يفترض به أن يسوس شعبا منتجا ، له عليه التزامات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ، بحيث يوفر له الأمن والأمان وكرامة الإنسان بدءا من حقه في التعبير عن ذاته وعن معتقداته وآرائه بحرية مطلقة ، طالما كان له حق المواطنة وواجباتها . ومن البداهة والعدو الصهيوني يحاصر شعب فلسطين في القطاع حصارا اقتصاديا ويغلق عليه منافذ الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي ، حتى مع دول الجوار، فإن عجز حماس عن توفير الاحتياجات الحياتية الدنيا للشعب في القطاع في ظل نفاد المخزون المعيشي للناس ، سيؤدي حتما إلي اضطرار الشعب إلي القفز من علي الأسلاك الشائكة التي تفصل حدود غزة مع البلد المجاور مصر ، أملا في تسامح مصر، دون قدرة أو مجرد التفكير في اقتحام الجدار العازل أو المعابر بين القطاع والأرض الفلسطينية المغتصبة لفك الحصار . ففي ظل الحصار الجغرافي برا وبحرا وجوا ، وفي ظل الحصار الاقتصادي داخليا وخارجيا وفي ظل حملات الإرهاب الصهيوني الاستباقي اليومي بهدم المنازل والمؤسسات وتقتيل القيادات النضالية ، وفي ظل قرارات عصبة الأمم التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لإخضاع الشعب الفلسطيني ، وفي ظل الاتهامات المتبادلة بالعمالة والتخوين مابين اتهامات بالتبعية للغرب ومقابلها بالتبعية لإيران ، وفي ظل حالة تشرذم قرارات الأنظمة العربية ، وفوق ذلك كله ترسانة الأسلحة في الدولة الصهيونية ، في مقابل الإرادة القتالية للمناضلين الفلسطينيين ، دون وجود الاستطاعة ؛ ولأن هذه السدود والحواجز هي نتاج فعل أنظمة سياسية معادية أو مهادنة أو بين هذا وذاك ؛ فقد بات من الضرورة بمكان أن تواجه بنظام سياسي موحد ذي إرادة ، قادر علي المواجهة النضالية القتالية والتفاوضية ، في حدود معطيات تلك المعادلة علي أرض الواقع . ومن أسف أن ذلك لم يحدث ، إذ أدي الانفصال إلي فراغ مخازن حماس من قوت يوم الناس ، وفرغت صيدلياتها من دواء المرضي ، وأظلمت المستشفيات والبيوت والورش وجرفت البساتين ومنعت الصادرات والواردات ، وتعطلت المصالح والمعامل ، فبات القطاع خالي الوفاض من أي شيء قابل للتوزيع ، فكان رد الفعل الحماسي ،محققا لإرادة شعب محاصر ، مضهد ومهدد باستمرار على أرضه ؛ غير أنه منتقص الاستطاعة ، حيث تحقق للحماسيين الشرط الذاتي لتغيير الواقع علي الأرض ولكن مع غياب الشرط الموضوعي ، المؤازرة العربية الجدية الفاعلة ، والمؤازرة الدولية لحق الشعب المحتل في النضال ومقاومة الاحتلال ، وكان الثمن الباهظ لتحقيق الإرادة الوطنية في الخلاص من مظهر من مظاهر ممارسات دولة الاحتلال تدمير 21 ألف مسكن ومستشفي ومدرسة ومعمل ، وسقوط الآلاف مابين قتلي وجرحي مهددين بالموت بسبب قنابل الفسفور الأبيض . على أن هناك وجه للتشابه بين الملك معروف وشعبه وحماس والشعب الفلسطيني الغزاوى ، هو أن خواء مخازن مملكة معروف بعد أن وزعها علي شعبه غير المنتج وخروجه وشعبه للتسول من ممالك غنية ، يماثل خواء مخازن وزارة ( هنية ) من أقوات الناس ، وعدم لتحقق الشرط الموضوعي فيما أقدمت عليه حماس ، فكان ما كان مما جرى على الناس ، و كان مما كان من بطولة صمود الناس ، وتماسكهم من وراء حماس . ومع كل ما كان وما جرى لم تتحقق العدالة الطوباوية ، للشعب الفلسطيني بسياسة ( هنية) ، كما لم تتحقق العدالة الطوباوية للشعب في مسرحية شوقي عبد الحكيم بسياسة ( معروف) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق