الكمبوشة
رجل القلعة وعلاقات الإنتاج الثقافي
د. أبو الحسن سلام
ما الذي يرجح إنتاج عرض مسرحي في فترة ما على نص آخر ؟! هل يرتبط ذلك بتوجهات النظام السياسي والاقتصادي السائد في المجتمع ؟ بمعني أن يخضع الإنتاج لشرط موضوعي (سياسي – اجتماعي - اقتصادي )أو أن المسألة مجرد أهواء شخصية لمدير مسرح أو هيئة أو لفنان أو كاتب ذي حيثية ؟!
لاشك أن الإنتاج وفق فكرة ترجيح نص يتوافق مع الوضع السياسي السائد كثيرا ما يرتبط بالفرق التابعة للدولة ، وبخاصة في ظل الأنظمة الشمولية التي تعتبر الكتاب والمعارض الفنية والمسرح والسينما والتليفزيون خدمة ثقافية ، تكسب التأييد لأطروحات الدولة وممارساتها السياسية والاقتصادية، وهذا ما شاهدناه في الستينيات . ومع تحول النظام السياسي اتجهت العروض المسرحية في السبعينيات في التعريض السياسي بسياسات الشمولية ، فرأينا ( ع الرصيف – يحيا الوفد – مدرسة المشاغبين – العيال كبرت ) من فرق المسرح الخاصة ، وشاهدنا ( جواز علي ورقة طلاق – علي جناح التبريزي وتابعه قفه) من فرق الدولة وفي الثمانينيات شاهدنا ( رجل القلعة) بإخراج سعد أردش . ولأن رجل المسرح لا يمكن إلاّ أن يكون مثقف تنويري ، لذلك لم نر تصور أردش لرجل القلعة مفارقا لفكرة ( الحاكم المستبد العادل) في إبرازه لصورة محمد على باشا حتى في لوثته النفسية ، حيث تتجلى مظاهر ازدواجية الولاء الفكري عند الكثير من الكتّاب والمخرجين الذي مازال إيمانهم بفكرة العدالة الاجتماعية وفق النظرة الشمولية قائمة .فلمسرحية رجل القلعة افتتاحيتان الأولى محمولة بأصوات الكورس لتشخيص عالمية محمد على ، مجاراة لنابليون ، والثانية محمولة بصوتي خادمين ( محروس – زوجته) للإخبار عن لوثة الباشا نفسيا ، غير أن أردش سجل حوار الكورس بصوته فهدم دلالة المؤلف التي أراد بها القول إن محمد علي ، شخصية عالمية باعتبار الكورس معادلا للرأي العام العالمي ، أناط به المؤلف إعلان محمد علي باشا زعيما عالميا وندا لنابليون . كما أنه ألغي مشهد المواجهة بين محمد علي والسيد عمر مكرم ( دون أن يعلم أنه يواجه ابن السيد عمر مكرم بتدبير من ديوان ومن زوجة محمد علي الثانية) خلاصا من عذاب الضمير الذي انتابه، وتطهرا مما فعله مع الرجل الذي وضعه علي عرش مصر . ألغى أردش مشهد المواجهة والصدام الدرامي وهو master scine لقد أثرت فكرة تغييب الرأي العام التي سادت فترة الستينيات علي تصور المخرج المؤمن بالنظام الشمولى ، بينما تخلص منها مخرج فترة التحول لاقتصاد السوق ( ناصر عبد المنعم) في إخراجه للمسرحية نفسها هذه الأيام ، حيث حمل الكورس خطاب النص المسرحي بإعلان محمد علي باشا زعيما عالميا ، وحمل خادمه وحرمه معا مهمة النميمة بالإخبار عن لوثة عقلي محمد علي ، بما يكشف عن العمومية والخصوصية وبلاغة رسم الحوار .
واتساقا مع ثقافة التصور الإخراجي المؤمن بالنظام الشمولي ، رفض المخرج الستيني الجلوس مع طلاب قسم المسرح للإجابة عن تساؤلاتهم وملاحظاتهم علي العرض وقال بصوته الجهوري المميز ( بعدين يابو الحسن!!) ، بينما قبل النجم الممثل الفذ ( توفيق عبد الحميد : ممثل شخصية محمد علي باشا) دعوة الفنان جمال ياقوت – مدير قصر التذوق- فكان أن خصص النجم الكبير ليلة بكاملها بمسرح قصر التذوق بسيدي جابر ليجيب عن أسئلة شباب المسرح بالإسكندرية بروح عالية وفي تواضع شديد وصراحة يحسد عليها . فضرب المثل علي الروح الديمقراطية الحضارية التي يجب أن تسود مجتمع المثقفين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق