الثلاثاء، نوفمبر 03، 2015

التمثيل في المسرح الحداثي

التمثيل في المسرح الحداثي
د. أبو الحسن سلام
الحداثة : هي الولادة الدائمة للذات . وهي بتعبير الناقد الإيطالي (جياني فاتيمو)
" تعدد الأنا الخاصة بالفنان " وهي تعدد دلالة االعمل الواحد ( نصا – عرضا – فيلما – لوحة ) من متلق لآخر . وقد سبق إليها النقد العربي في القرن السادس الهجري على يد ( حازم القرطاجني الجزري) بنظريته ( المتوسطات القرائية) حيث الدلالة هي نتاج متوسط قسمة جمع ثقافة النص أو العرض مع ثقافة المتلقي.
ومن المقطوع به في مسيرة المعرفة التاريخية أنه لا حداثة تسبق التحديث ، فالتحديث يستدعي الحداثة ، يوجد هذا فتتشكل ماهية الواجد فكرا ووجدانا وسلوكا.
وللحداثة وجهان : وجه يقطع الصلة بالماضي ، ووجه يعيد إنتاج بعض الإشعاعات التراثية الدافعة في اتجاه المستقبل المأمول. وهناك من يأخذ بهذا وهناك من يأخذ بذاك .
وكلاهما ؛ مع ذلك التباين بين المأخذين متنافر الذات مع تراثه ومع واقعه (مغترب عنهما) هادم لنماذج الموروث ، بغية إعادة إنتاجها بما يتوافق مع تفاعلات عصره .
أما قطع الصلة بالماضي فهي أشبه بقطع ساق النبتة عن جذرها .
وينطبق هذا على الإبداع والمبدعين الحداثيين من الأدباء والفنانين، مثلما ينطبق على النقد الحداثي وما بعده .
التمثيل الحداثي : لا ينفصل فن التمثيل بوصفه إبداعا عن عصره ، فما أن يحدث تجديد في فن المسرح إلا ويواكبه بالتبعية تجديد هوية التمثيل ونسق أدائه الفني؛ ذلك أن :
* الفنان المسرحي الحداثي متنافر مع تراثه ومع مجتمعه طلبا
لنسق أداء جديد يجسد أو يشخص هوية خطاب عصري متوالد
دوما .
• رافض للتوجيه القبلي لحركة العقل .
• لا يتبع ما لم يكن من اختياره العقلي .
• لا يكون على يقين أبدا.
• ناقض للعلاقة الثابتة بين الدال والمدلول.
• لا يؤمن بأنه على حق دائما.
• لا يصل أبدا إلى حالة الرضا بما حصله فكرا أو أسلوبا أو تعبيرا
وقيمة.
• لا يوقع مطلقا على الأبحدية الفكرية والمسكوكات الفنية.
• يدرك أن الحياة لا ترجع إنطلاقا من قالة (إنك لا تستطيع أن
تنزل النهر مرتين) .
• يدرك أنه ما من نص إلا ويعمل ضد نفسه ؛ ومن ثم فما من أسلوب أداء في الإخراج أو في التمثيل أو في السينوجرافيا إلا ويعمل ضد نفسه .
ولكي يتمثل الممثل الحداثي تلك الأسس ؛ عليه أن يكون ممثلا دراماتورجيا يعمل عمل الدراماتورجي ؛ غكما يشتغل الدراماتورجي على النص المسرحي ، يشتغل الممثل على الدور المسرحي ؛ فالدراماتورجي يعيد كتابة النص المسرحي بفهم متجدد تأسس على انعكاس متبادل بين معطيات ظواهر اجتماعية آنية الحضور وبنية النص المسرحي ؛ وهي حالة ارتباط بين النص المسرحي الأصلي والفهم المتجدد المتوالد له ؛ شريطة إالمامه بالظرف التاريخي للنص المنتج عند إعادة إنتاجه ؛ ذلك بمقاربة مادته بالظرف التاريخي والاجتماعي التي أنتجه النص الأصلي. وذلك نفسه الشغل الشاغل في فهم كل من المخرج المسرحي عند وضع رؤيته الإخراجية والممثل وهو يحلل مستويات الإدراك وعلاقتها بمستويات الشعور تعبيرا عن الفعل ، - وفق ستانيسلافسكي - أو مستويات الفعل وما يعادله من الشعور- وفق مايرهولد-
• يرتكز شغل الممثل الحداثي على دوره في قدرته على مواجهة علاقات دوره المسرحي بعضها بعضا ؛ ثم مواجهة علاقات دوره بالأدوار الآخرى المتفاعلة معه في الحدث الدرامي . وهي المهمة المناظرة لمهمة الدراماتورجي المشتغل على النص المسرحي الذي يواجه علاقات النص الذي يشتغل عليه ببعضها بعضا ليفسر مستويات الصراع ومحتواه ، وشكله وسياقه التاريخي تفصيلا ، من أجل تفعيل خطاب دراماتورجي –داثي ليس في النص الأصلي ؛ بمعنى توليد خطاب مسرحي متصل / منفصل مع خطاب النص الأصلي ، متوحد مع الواقع المعاصر المعيش .
• تتمحور مسؤولية الممثل حول تفكيك الدور المسرحي غير مكتف بتحليله . من هنا يمكن القول إن الدراماتورجي كاتبا كان أم مخرجا أم ممثلا لابد أن يكون ناقدا في المقام الأول قبل أن يكون كاتبا أو ناقدا أو مخرجا أو ممثلا أو سينوجرافياأو كريوجرافيا .
• لا يغيب الممثل الحداثي عن نظر الجمهور لجظة واحدة ؛ متمثلا واقع الممثل اليوياني القديم والممثل في المسرح الإليزابيثي . أو كما يقول رجل المسرح الألماني ( ليودفيج تيك 1773- 1853 " لكأنهم في حلبة سيرك" .
– ومن المعلوم أن مشاهد التمثيل في المسرح القديم وفي المسرح الأليزابيثي متصلة / منفصلة ، حيث ينتهي الممثل من أداء دوره أو بعض دوره ليختفي وفي لحظة خروجه واختفائه يظهر ممثل أو ممثلو المشهد النتالي ، حيث لا ستار ولا إضاءة مع إظلام في المسلرح اليوناني ، والمشاعل تضئ مكان التمثيل من بداية دخول المتفرجين حتى خروجهم -
• أن يجعل الطبيعة بالنسبة له مجرد إطار للإنسان. بأن يفعل ما كان الممثل اليوناني ؛ حيث يكسب كل ظاهرة طبيعية شكلا إنسانيا ، فالإنسان هو كل شئ في الطبيعة. الإنسان هو الطبيعة. بتعبير ( المهندس المعماري الكلاسيكي : شينكل 1781-1841)
• أن يكون الدور بمثابة قاعدة لتمثيل الدور الذي يبدعه.
• أن يتحول أداؤه إلى محاكاة ساخرة عند تمثيله لشخصية تاريخية .
تقنية الاقتباس في فن التمثيل الحداثي:
• يلجأ المخرج والممثل الحداثي كلاهما لأسلوب الاقتباس، فكما يلجأ بعض المؤلفين والكتاب والشعراء إلى اقتباس عبارة أو صورة أو تعبيرا أو أكثر من إبداع مؤلف أو شاعر أو مصور سابق ؛ يلجأ المخرج والممثل الحداثي إلى اقتباس صورة أو تقنية أداء شهر بها مخرجا أو ممثلا في عرض سابق ؛ باعتبار تمثيله لونا من ألوان السرد التصويري المرئي أو السرد الكلامي ( والسرد الانعكاسي ركن من أركان الإبداع الحداثي )
• يقتبس المخرج من عروض عدد من المخرجين بعض أساليبهم ، ويصوغ على أساسها بعضا من صوره المسرحية .
• يقتبس الممثل من طريقة أداء أحد كبار الممثلين المشاهير أسلوب أداء يعد أحد مميزات أداء الممثل / الممثلة الأشهر، ويدخلها في أدائه لدوره ؛ بما يمكن القول إنه لون من ألوان التأثر .
• من المهم هنا التذكير بأن الاقتباس في جميع أحواله تأليفا أو إخراجا أو تمثيلا أو تصميما يحتاج دائما إلى مهارة وتقانة عالية . كما يقول مايرهولد " كي لا تظهر خيوط الرتق "
( فسفولود مايرهولد ، في الفن المسرحي، ج1 ترجمة شريف شاكر دار الفارابي ، دمشق 1979 ، ص 175)
• مبحث تطبيقي على دور مسرحي :
• إذا افترضنا أننا بصدد تمثيل شخصية دور ( الزير سالم) في مسرحية ألفريد فرج بمنهج التمثيل الحداثي ؛ اعتمادا على الأسس السابقة بدءا من :
• تنافر صورة أدائه مع صورة الشخصية التراثية التي استقى معرفته لها خلال قراءاته المعمقة عنها ؛ من ناحية ، ومشاهداته لأداء يعض الممثلين المشاهير لها في المسرح أو في المسلسلات التليفزيونية .
• تجنب توقيعه أو بصم أدائه للشخصية التي يمثلها ببصمة مصكوكات فكرية أو فنية. – كأن يمثل حالة اعتلاء ملك ما للعرش زاحفا -
• حرص ممثل شخصية الدور على أن يكون ضد نفسه ، في أثناء تمثيله للدور. – ضد ميله لأداء نفسه من خلال الدور -
• مزج أسلوب أدائه لدوره باقتباس من أسلوب تمثيل ممثل أو ممثلة مشهورة للدور نفسه ، مثل أسلوب ( عبد الله غيث) في دور ( الزير سالم) أو أسلوب أداء ( شفيق نور الدين) في عرض ( سكة السلامة) أو في دور ( القرداتي) في مسرحية ( كوبري الناموس) لسعد الدين وهبة ، أو أسلوب تمثيل (سميحة أيوب) لدور( الولادة بنت المستكفي) في مسرحية فاروق جويدة (الوزير العاشق) أو أسلوب تمثيل (سناء جميل) أو( زوزو نبيل) لدور (كلارا زاخانسيان) في مسرحية دورينمات ( زيارة السيدة العجوز)
-

ليست هناك تعليقات: