الاثنين، يناير 25، 2010

المجتمع العربي والجوع إلى الحوار

المجتمع العربي والجوع إلى الحوار
- المسرح وفنون التسلط –
د.أبو الحسن سلام
عالج كتابنا المسرحيين فكرة التسلط في العديد من نصوصهم ، كما عالجها الكثير من كتاب المسرح العالمي؛ وتنوعت صوره فيما بين تسلط فرد صاحب نفوذ على فرد ضعيف أو لا حول له ولا قوة ، وتسلط فرد قوي صاحب زعامة في قومه أو في قبيلته على القبيلة كلها ، وتسلطت جماعة إيديولوجية قوية التنظيم والاستعداد لمواجهات عنيفة على جماعة أقل تنظيما وأضعف اعتقادا أو توحد فكري ، وتسلط نظام حكم دكتاتوري مستبد على شعب بأكمله . الصور كثيرة ومتعددة ، حتى إننا نرى اليوم كيف تتسلط دولة قوية ، تملك العتاد والمال والقدرة المتجددة على امتلاك المعرفة والتحكم في تكنولوجيا المعلومات على مستوى الكرة الأرضية كلها. ويرجع ذلك كله إلى ما سبق قوله عن (الجوع إلى الحوار) في محاضرة لي عن دور الفكرة في كتابة النص المسرحي السياسي مستشهدا بما كتبه ( سعد الله ونوس) في كلمته التي نشرت على مستوى دول العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في عام 1996 ، بتكليف من المعهد العالمي للمسرح بمنظمة اليونسكو ( المنظمة العالمية للثقافة) حيث يقول:" لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي عنوان وثيق الصلة بالحاجات ، التي يلبيها المسرح ، ولو على مستوي رمزي ، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان (الجوع إلى الحوار) حوار متعدد ، مركب ، وشامل ، حوار بين الأفراد ، وحوار بين الجماعات . ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.
وعندما أحس هذا الجوع وأدرك إلحاحه وضرورته، فإنني أتخيّل دائما أن هذا الحوار يبدأ من المسرح ، ثم يتموّج متّسعا ومتناميا ، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوّع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح ، ورغم كل الثورات التكنولوجية ، سيظل ذلك المكان النموذجي ، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا. وميزة المسرح التي تجعله مكانا لا يضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته ، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة."
يخلص من يقرأ كلمة (سعد الله ونوس) إلى أن افتقاد الناس إلى لغة تحقق التواصل بين الأفراد والجماعات بعضها بعضا ، فضلا عن الدول فيما بينها، لغة اتصال وتواصل يبني أو يفكر في مسارات البناء وأهدافه الإيجابية فيما هو خير للبشرية ، تواصل ينتهي بقبول الإنسان للآخر في المجتمع الواحد ، وفيما بين مجتمع ومجتمع آخر أجنبي عنه كما يخلص قارئ كلمة ونوّس إلى افتقاد الناس في عالمتا المعيش إلى لغة مشتركة ، تحول دون تحكّم فرد في فرد أو فرد في جماعة أو في مجتمع ، وتحول دون تحكم دولة قوية في دول ضعيفة. لغة لا انحياز فيها لفكر دون فكر آخر مغاير له سعيا وراء نفيه ، أو سعيا وراء مصلحة أو منفعة خاصة ضد منفعة عامة. لغة حوار أي تكافؤ في التعبير عن وجهتي نظر متعارضتين ، دون أن تسفّه إحداهما الأخرى. أو تنفيها من الوجود ، لمجرد اختلافهما . من هذا المنظور رأى (سعد الله ونوس) أهمية الحوار؛ ومن ثّم عني في نصوصه المسرحية بقضية التسلط ، لينبه إلى أن افتقاد الحوار في مجتمعنا العربي ؛ هو أس البلاء، وسبب الأسباب في تردّي أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وسبب تشّوه صورة العرب بين أمم الأرض. وقد يستطيع متأمل ، محلل لنص من نصوصه ملاحظة انعكاسات تلك الصورة ، ليعزوها في النهاية إلى دقة ما توصل إليه ونوس نفسه في كلمته تلك التي صّدر بها رسالته التي وجهها لمسرحيي العالم في ليل احتفالهم باليوم العالمي للمسرح.
الحوار .. الحوار .. ثم الحوار ، هو ما تفتقده المجتمعات الإنسانية أفرادا وجماعات ودول.
هكذا يرى ( سعدالله ونوس) أهمية المسرح ، إعادة الذات الفردية إلى حضن الجماعة ، عن طريق الحوار الذي تنفتح فيه الذات الفردية لكل منا على غيرها ، تتقارب النفوس وتتقارب ، تتعانق المشاعر ، تتكشف الأفكار ، وما في الرؤوس أمام أصحابها ليتأمل كل منّا ما يدور بداخل نفسه ، فلئن كان إيجابيا ينشد الانتماء؛ استحسنه ، ولئن كان سلبيا ونافرا عن الانتماء إلى الجماعة الإنسانية نفض عن وجدانه وعن فكره ما يشوّه تلك الرابطة البشرية التي هي أساس التئام الجماعة واستقرار حياتها وسعادتها. لذلك عالج سعد الله ونوس فكرة التسلط في مسرحه على نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( اغتصاب) وعلى نحو ما رسمت في مسرحية ( مغامرة رأس المملوك جابر) وعلى نحو ما رسمت أحداث مسرحية ( الفيل ياملك الزمان) ومسرحية ( الملك هو الملك).
• ( الملك هو الملك) نموذجا لافتقاد لغة حوار مشترك:
لا يدل المشهد الافتتاحي الذي أسس عليه سعد الله ونوس البناء الدرامي لنص ( الملك هو الملك) ، لا يدل على وجود لغة مشتركة حقيقية تقارب ، ولا نقول توحد بين الأطراف المتشاركة في اللعبة الإيهامية التي يحتشدون جميعهم من أجل تفعيلها ؛ بخاصة إذا كانت لعبة محترفين في السيرك. ( مكان الحدث) ومن جهة أخرى إذا كان السيرك هنا – وفق د. أبو الحسن – معادل رمزي للدنيا ، أو على سبيل الترميز معتركا للواقع السياسي العربي ، حيث اللاعبون هم السياسيون أنفسه الذين يتبادلون أدوار اللعب بمصائر شعوبهم ، الذين هم - افتراضا - جمهور المتفرجين على العرض نفسه.أو باعتبار السيرك معادلا للحياة واللاعبين هم البشر بنوازعهم في التنافس والتحفز تسلطا واستحواذا وتراجعا ، هذا فضلا عن استعراض مهارات بعضهم أمام بعض تفاخرا أو تحديا، أو تخويفا وتهديدا ، بما يعكس رغبة كل منهم في الكشف عن تفوقه في تحقيق ما يجيد إعلاء للذات . على ان تلك الرغبة في تفوق الذات عند كل لاعب في سيرك الحياة أو في سيرك المعترك السياسي ، لا تنفي ضرورة تضافر جهودهم الجماعية في إتمام لعبة مشتركة ؛ لا تتم بدون تضافر كل اللاعبين وتناغم أدوارهم في وحدة عرض جماعي. ولا يخفى على متأمل نقدي أن يلمح إلى أن ونوس نفسه ، ربما كان يريد أن يشير إشارة إطارية رمزية إلى أن أصول اللعب في السيرك ، من حيث كونها تقوم على تعاون اللاعبين وإخلاصهم ، هو الذي يصون عليهم أرواحهم ، حيث يتشاركون في لعبة واحدة خطرة ، وإن هذا التعاون بين المشاركين في اللعب هو الذي ينجز اللعبة ويتقنها لتظهر على أكمل وأجمل وجه من وجوه الإجادة والإبهار إمتاعا وإقناعا للمشاركين أنفسهم قبل جمهور المتفرجين . وكأن بسعد الله ونوس – كما يرى د. أبو الحسن – يوعز إيحاء لرجال السياسة و اللاعبين في حقل من حقولها- بأسلوب التورية الجمالية – حتى يتعلموا من ذلك التكاتف والتعاون في إنجاز مهماتهم السياسية ، وأن ينتفعوا من هذه الروح الجماعية التي يتمتع بها لاعبو السيرك . هذا من حيث المسكوت عنه من مضمون ذلك النص ، كدلالة استبق بها المؤلف كلمة نهائية التي يختم بها خطاب نصه المسرحي هذا ، في لغة فرجة مسرحية مكثفة.
* روعة المشهد الاستهلالي بين النص والتصور الدراماتورجي:
إن روعة المشهد الاستهلالي لهذا النص تكمن في تعدد دلالات تلقيها، حيث تحتمل أن تكون معادلة رمزية للحياة الدنيا بعامة ، وأن تكون معادلا رمزيا للممارسات السياسية بما فيها من ألاعيب السياسيين . وتحتمل كذلك أن تكون لونا من ألوان الإسقاط الرمزي على الواقع السياسي العربي الراهن ؛ باعتبارها مفتتحا تعليميا يوعز لرجال السياسة بكيفية اللعب في الحقل السياسي ، من حيث وجوب قيامه على جماعية الممارسة ، وروح الإخلاص للشركاء في الملعب السياسي ، حتى لا يخسر الجميع النتيجة في النهاية، ومن ثمّ فهي إيعاز لهم بالتعاون فيما بينهم والاستمتاع النظيف باللعب ، حتى يكون أداؤهم السياسي الممتع مدعاة لإمتاع شعوبهم الذين يترقبون ما يسفر عنه لعبهم السياسي ؛ أملا في أن يحقق لهم ولشعوبهم الفوز الذي ينعكس علي مسيرة البلاد . لا شك أن كل تلك التصورات تشكل مجالات متعددة ، مفترضة ، هي نتيجة لإعمال المخرج النابه ذي الحس الدراماتورجي ، إن لم يعتمد على دراماتوجي محترف ، يعيد له صياغة تصور إخراجي مفسر أو مؤول يذهب في طريق تفكيك خطاب النص الذي بين يديه وتفكيك أنساقه كشفا للتناقضات التي تستوطن الصورة المسرحية فيما يعرف بالمسكوت عنه.

ليست هناك تعليقات: