مصادر الثقافة المسرحية
فن المسرح بين التواصل الثقافى و الاجتماعى والحضارى
أ. د.أبو الحسن سلام
المسرح فن التواصل الثقافى بين الجماعات الاجتماعية فى البلدان المتحضرة منذ فجر التاريخ . عرفه المصريون الفراعنة قبل ألفى سنة من الميلاد تمثيلا وعرضا طقسياً فى المعابد، عرفته الحضارة اليونانية وخرجت به الى المجتمع فأزدهر وأنتشر وتطور حتى رسم له أرسطو معالم الطريق فخط التراجيديا (المأساة) طريقها وأهدافها، وحدد للكوميديا (الملهاة) حدودها وأهدافها وفصل بينهما فصلا تاماً، بحيث لا تتداخل الكوميديا فى مسرحية تراجيدية ولا تتداخل التراجيديا المسرحية الكوميدية، لهذه شروطها فى الكتابة ولتلك شروطها التى يلتزم فيها كتاب المسرحية بوحدات ثلاث هى (الموضوع - المكان - الزمان) ومع ذلك الفصل الذى أقره أرسطو بين نوعية الدراما (التراجيديا والكوميديا)؛ الا أن نقابة الممثلين على عصره رفضت ذلك التحديد الفاصل بين شقى الدراما (الملهاة - المأساة) فظهرت مسرحيات يخلط فيها كتابها بين المأساة والملهاة.
مع تطور المجتمعات عبر العصور ظهرت الحاجة الى أشكال مسرحية جديدة تواكب التطور، وتعكس ثقافة العصر وثقافة المجتمعات على اختلافها، فالمسرحية اليونانية التى عبرت عن الأختلافات الفكرية والفلسفية فى علاقة الإنسان بالكون والغيب، وفى علاقة الإنسان بالإنسان؛ أفراد وجماعات، حكاماً ومحكومين، رجالا ونساء، حقائق وأساطير، متوجهة بأنظارها نحو الموضوع، مقدمة الفعل البشرى للإنسان على الفاعل، باعتبار الفعل منجزاً غيبياً، ليس على الإنسان إلا تحقيقه ظاهريا، تأكيداً لإرادة الآلهة؛ تخلخلت نظرتها الأولى نوعاً ما على يد "يوريبديس" ثالث ثلاثة كانوا وما يزالون أعظم كتاب التراجيديا حتى الآن ، عندما رسم شخصية الانسان فى مسرحه مشاركا للآلهة فى صنع أفعاله ومسؤولا عن نتائجها وعندما رسم "ارسطوفانيس" أعظم مؤلفى الكوميديا شخصياته بشرا يناطحون الآلهة فى معارضاتهم لها، جريا على عادة الكتابة الكوميدية فى التهكم وعدم التحرج من وضع الكلمات البذيئة وفق الضرورة الدرامية على ألسنة الشخصيات ، جنبا الى جنب مع القفشة والتظرف فى تعبيرات شعبية قد تصل الى حد السوقية دون الخروج عن الموقف الدرامى ومفاراقاته الكوميدية ، حيث مغايرة الموقف لما هو متوقع مما يفجر الضحك، كما تغيرت المسرحية على يد كتاب العصر الرومانى فمالت كثيرا نحو الأستطراد والأستعراض بما يتلائم مع طبيعة الثقافة فى الأمبراطورية الكبيرة ذات الطابع العسكرى شبه العولمى حيث سيطرت روما على ممالك وبلدان أجنبية أوروبية وأفريقية وآسيوية ، مما نوع ثقافاتها وجعل منها مزيجا ثقايا مهمشا للهوية الثقافية القومية لدى الشعوب التى غزتها بجيوشها.
لذلك ظهرت أشكال فرعية للعروض المسرحية خرجت كلها من حضن المسرحية اليونانية القديمة منها ( مسرحية العباءة – مسرحية السيف – المسرحية المنتعلة ... وغيرها ) وما كانت هذه أو تلك سوى عناصر أو مفردات ( ملحقات مسرحية خاصة بالشخصية المجسدة فى العرض المسرحى ) حيث يرتدى الممثل عباءة هى جزء من أزياء الشخصية ويتمنطق بسيف بأعتباره يمثل دور ملك أو دور قائد ويسير بقبقاب أو حذاء مرتفع النعل، حتى تبدو للمشاهدين الذين يشكلون خمسة عشر ألفا وأربعين أو مائة ألف نسمة – حسب سعة المسرح المكشوف.
وعندما انزاح عصر الظلام والعسف الدينى الكنسى - عصر محاكم التفتيش، الذى أوقف التعليم وأبطل العلم وقتل العلماء وروج لثقافة التخلف والخرافات وأخذ الناس بالشبهات والوشايات بعد خمسة قرون بدأت مع القرن الميلادى الأول، ظهرت الحاجة من جديد الى المسرح، أداة توصيل للخطاب الدينى الذى استحال على الأوروبيين فهمه، لجهلهم باللغة اللاتينية التى كانت لغة التوراة ولغة الانجيل – فى تلك العصور - ليس هذا فحسب، بل جهل الناس للقراءءة والكتابة بسبب أغلاق الكنيسة للكتاتيب والمدارس ومعاهد العلم والمسارح والملاهى والمكتبات وتفشى صكوك الغفران التى لا يستطيع انسان ما من غير طبقة النبلاء او رجال الدين الأنتقال من مكان الى مكان فى بلد آخر اقليمى فى البلد الواحد الا بتصريح مرور، على النحو الذى نشهده فى دول الخليج العربى وفى السعودية .
وهنا تفجرت قريحة أحدى الراهبات وكانت تدعى " روزفيتا " عن التعامل مع المصلين بالإشارة والإماءة المصاحبة للخطبة أو القراءة الدينية للنص المقدس ؛ وبذلك وضعت بذرة التنفيذ الإيمائى من جديد بعد أن أندثر مع ما ضاع من آثار المسرح اليونانى، قبل أن تكتشف النصوص المسرحية لكبار الكتاب الأغارقة التى حفظتها للتراث الانسانى والعالمى مكتبة الإسكندرية القديمة وأنتقلت منها الى ( جوران ) فى الشام بعد حريق المكتبة ثم أنتقلت الى الأندلس ( أسبانيا والبرتغال ) فتلقفتها آيادي علمائها، الذين كان لأحدهم وهو " ابن رشد " فضل أعادة فكر أرسطو وكتاباته الى الحياة ومنها كتابه ( فن الشعر ) الذى يعد دستور المسرح قديما ودستور المسرح حديثا ومعاصرا .
مع عصر النهضة بدأ من القرن السادس عشر الميلادى تطور المسرح وأنفتحت آفاقه فى أسبانيا وفى بريطانيا فظهرت مسرحيات "بن جونسون - كريستوفر مارلو - شكسبير" وأعقبتها صيحة الكلاسيكيين الجدد فى فرنسا " راسين - كورنى – موليير " فتغيرت تقنيات كتابة المسرحية وتقنيات أدائها وعرضها دون أن يتغير دور المؤلف بوصفه كاتب المسرحية ومخرجها وممثلها الرئيسى ومدير الفرقة او المنتج للعرض وظل المؤلف مسيطرا على لعبة المسرح وظل هو اللاعب الرئيسى فى الحلقة او على المنصة المسرحية ، بعد أن خرج المسرح من داخل الكنائس الى فنائه الخارجى ثم الى قصور الملوك والنبلاء وصولا الى مسرح العلبة الايطالى وهو الماثل فى الأبنية المسرحية المعروفة لنا الآن والمصممة بحيث يؤدى العرض على المنصة فى صندوق أو غرفة كبيرة مواجهة لصالة المتفرجين، ليصبح العرض المسرحي بمثابة مجتمع مصغر يعرض نفسه بالتمثيل وبالسينوجرافيا (المعادل التشكيلي المرئي لموضوع المسرحية) علي جمهور أكبر، حتى قيض للمسرح أن يكون لوظيفة المخرج استقلالها وخصوصيتها على يد "جورج الثاني : دوق ساكس مايننجن" احدى المقاطعات الألمانية الذي نظم عمل المخرج وخصه بأسلوب طبيعي تاريخي يعني بكل تفاصيل العرض ، بما يحقق مصداقية الأداء وطبيعته في التمثيل وفي الأزياء وفي المناظر بعد أن كان الأداء خطابيا وعالي النبر وفيه من الزخارف والانفعالية والافتعالية الكثير الذي كان بمثابة تعويض عن غياب المناظر والملحقات المعبرة عن حقيقة البيئة الدرامية في عروض المسرح التي كانت تجري في قصور الملوك متحاشية وجود الجوقة ، مستبدلة لها بالراوى الذى ظل يحمل اسم الجوقة أو الكورس مع أنه ممثل واحد منفرد العزف مما يعبر عن الرأى العام وهى الوظيفة التى كانت منوطة بالجوقة فى المسرح اليونانى .
ازدهر المسرح فى العصر الاليزابيثى فى أنجلترا ولمع أسم " شكسبير" بوصفه الكلاسيكى الذى وضع بذرة الرومانتيكية (التى تغلب المشاعر الانسانية والفعل الانسانى المتدفق المشاعر والأنفعالات فى مواقفه الغرامية وفى نبله وفى معاركه الفروسية وفى مؤامراته، على التعقل والمضوعية) والذى شهر بمحطم الوحدات الأرسطية الثلاث : ( الموضوع - المكان - الزمان ) ومحطم (نظرية الفصل بين الأنواع) حيث مزج فى مسرحياته الكوميديا بالتراجيديا ؛ مع أن تحطيم شروط أرسطو تلك تم على عصره أولا ثم فى العصور الوسطى (التمثيليات الدينية كما فى مسرحية ( آدم ) التى أنتفت فيها وحدة الموضوع وأنتفت وحدة المكان حيث أنتقال آدم وحواء من السماء الى الأرض وحيث تغير الشخصيات بعد نزولهما الى الأرض وتغير الأزمنة أيضا) لذلك أختلطت الكوميديا بالتراجيديا والشعر بالنثر والفصحى بالعامية والتمثيل بالغناء تبعا لحاجة توصيل المغزى أو الخطاب التوراتى أو الدينى .
كذلك أنتقلت صفة النبل المطلق والآبدى عن الشخصيات التراجيدية، فلم تعد التراجيديا التى أتخذت أسمها (تراجو: ماعز – دى: غناء) من ( مآساة الماعز عند ذبحها أحتفالا بعيد الربيع أو الاله " ديونيسوس") مختصة بتجسيد نبل الملوك والنبلاء نيابة عن البشر.
ولم تعد الكوميديا التى أتخذت أسمها من (ضجيج غناء العامة والغوغاء والقرويين) ( كومو : أهل الريف - دى : غناء أو ضجيج) لم تعد مختصة بأعادة تصوير أو تشخيص دناءة بسطاء الناس وعامتهم ، وكأن النبل قدر الملوك والأغنياء والدناءة قدر العامة والفقراء . لم يعد المسرح يفصل بين الفن بحيث يخص الفقراء بالكوميديا عند عرض صورتهم وحياتهم منحطين ، بلهاء ، محتالين ، جهلاء، قبيحى المنظر ، متسولين ، أمام جمهور المشاهدين من الطبقات العليا والوسطى .
تغيرت الكتابة المسرحية والعروض أيضا تغيرا ملحوظا مع ظهور الكهرباء وتطور المخترعات والأكتشافات العلمية ، فأصبح بالامكان تغيير المناظر عند اطفاء أضواء المسرح بعد أن كان ذلك مستحيلا فى العصور السابقة ، حيث كان العرض يقدم قبل غروب الشمس مرورا بالمشاعل ، حتى أن الممثل عند أنتهاء المشهد كان ينسحب أمام الجمهور ليدخل الممثل الذى يليه فى المشهد التالى دون فواصل زمنية أو مكانية تميز زمنا عن آخر أو مكانا عن مكان . ولم يعد مستساغا نطق الممثل بجمل مثل ( نحن الآن على متن سفينة تتجه نحو قبرص ) كما فى مسرحية (عطيل) لشيكسبير، ولم يعد مقبولا أن يخرج الراوى بديلا عن الجوقة فى مسرحية .
(ريتشارد الثانى) لشيكسبير يصف لنا المعركة الحربية فى لطف ورقة : (تخيلوا أنكم تشاهدون الآن معركة حربية ..) فذلك كله أصبح من الماضى ، لأن مصمم المناظر ، وتطور علوم السينوجرافيا تستطيع أن تجعل الممثل الواحد عشرة ممثلين هم أنفسهم الممثل نفسه بتقنيات (الهولوغرام ).
تغيرت العروض المسرحية وتطورت وتعددت نسبتها ما بين عصر المؤلف بحيث يقال مسرح شيكسبير أو سوفوكليس أو توفيق الحكيم أو ألفريد فرج أو مسرح سعدالله ونوس ، فأصبح للمسرح كفيلا جديدا هو المخرج ، سريعا ما تبدل لنصبح امام مسرح الممثل على نحو ما هو حاصل في مصر الآن – بخاصة بعد العرض المدمر لفكرة العلاقة بين المعلم و التلاميذ التي تبدلت من :
" قم للمعلم و فه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا "
الى " قم للمعلم و فه التكديرا " بالاجراءات الأخيرة المهينة لتاريخ التعليم في مصر .
أصبحت نجومية الممثل هي أساس عملية أنتاج عرض مسرحي الآن بعد أن كان العرض المسرحي الواحد يضم عشرات من أكبر وألمع نجوم المسرح والسينما في مصر ( الريحاني – القصري – ماري منيب – عباس فارس – يوسف وهبي – أمينة رزق – فاطمة رشدي – أحمد علام – روزاليوسف ) أو ( كرم مطاوع – نجيب سرور – سعد أردش – زكي رستم – حسن فايق – اسماعيل يس – محمود المليجي – شفيق نور الدين – سميحة أيوب ) وغيرهم ، اصبح العرض المسرحي يضم مجموعة من ممثلي الأدوار الفرعية و الثانوية ، يخدمون على الممثل النجم الذي ينبري في اطلاق لسانه بالنكات أو القفشات أو الحركات و الايمائات السمجة و الألفاظ النابية . و ما كان ذلك كله الا تعبيرا عن ثقافة سادت بعد حرب 1973 وأنفراط عقد القيم ، نتيجة لسقوط كل الشعارات التى رفعت خلال الستينيات ووصولها الى الحضيض بعد اعتماد سياسات الأنفتاح الأستهلاكى ، وأنفراد القلة التى أستحوزت على الثروات ، وعدم قدرة النظام على الوفاء بحاجات الشعب الأساسية وأهمها الحياة الديمقراطية أو النابية الصحيحة التى بسبب غيابها عم الفساد ، فضلا عن الدور الثقافى المدمر الذى لعبه الغزو الثقافى الصحراوى الوافد باغراءاته الأقتصادية الزائفة وهجمته الشرسة على امتلاك العقارات والأراضى وتصقيعها استهدافا لحالة الغلو المتزايد فى الأسعار وانتهاء ببيعيها بأضعاف أضعاف السعر الذى أشترى به . هكذا أثرت تلك التحولات السياسية والأقتصادية تأثيرا سلبيا على المجتمع المصرى ومن ثم جسدت العروض المسرحية صورة الواقع المعيش بكل مخازيه ، كما فعلت حين صورت عروض مسرح الستينيات و السبعينيات واقع الحياة في مصر في مراحل الكفاح ضد الأستعمار ومراحل النهضة الصناعية والعلمية والثقافيه وايجابيات النظام جنبا الى جنب مع سلبيات الحجر على حرية الراى – آنذاك – فالمسرح مرآة تعكس الواقع الاجتماعى ، كما تعكس المسكوت عنه (ما وراء المظاهر او الظواهر الاجتماعيه) وهو يستشف المستقبل ايضا .
واذا كان مسرح الستينات قد قام على ايدى نخبة من الكتاب ورجال الادب مثل (توفيق الحكيم – نعمان عاشور- رشاد رشدى – الفريد فرج – محمود دياب – ميخائيل رومان) .
امتدادا للدور الذى اضطلع به قبل يوليو 1952 كتاب اخرون مثل ( محمود تيمور – فرح انطون – عباس علام - ابراهيم رمزى – اسماعيل عاصم – الريحانى – بديع خيرى – احمد شوقى ) فضلا عن نقاد واساتذة ادب كبار مثل ( طه حسين – لويس عوض- محمد مندور – المازنى ) ومن تبعهم كفؤاد دواره وعلى الراعى وعبد القادر القط ومن اعاد المسرحية الشعرية الى الحياة المسرحية مثل عبد الرحمن الشرقاوى وصلاح عبد الصبور ومهدى بندق وانس داوود وفاروق جويدة فى اطار كل هذا الزخم الثقافى وصوره التى انعكست حضاريا واجتماعيا على المسرح منذ نشوئه على الصورة التي وصلتنا عن اليونان ،تطويرا لصورته التقصيه عند الفراعنه الذين سبقوا اليونان الى فن المسرح بنحو الفى عام ، ومرورا بعصور الحضارة التى وصلت ذروتها فى عصر النهضة وما تبعه من اكتشافات علمية رفعت العقل البشرى محركا وحيدا لحركة المصير الانسانى حتى انكر دور الغيب فى مقدرات البشرية ، الى ان كشفت الحربان العالميتان زيف ذلك الزعم عندما اباد العقل البشرى المتغطرس ما يزيد عن خمسين مليونا من الادميين ، عندها فحسب تراجع دور العقل الانسانى وارجع العصمه الكونية وتقدير الامر مرة اخرى الى الغيب.
الا ان دأب الانسان نحو السعى الى التحرر من كل قيد ، فجر عنه النزوع نحو الفكر الفلسفى مرة اخرى ، لا لربطه بوصف الكون او بتفسير الكون والطبيعه فى احوالها وتقلباتها وعلاقة الانسان بذلك كله ، بل لتبصره فى توجية الانسانية نحو ايديولوجية تقود خطاه نحو التحرر من الطبقية المستغله لنتاج عمل الطبقة العاملة فيما خططت له المركسية فكرا ، وحولة الاشتراكيون فى بعض الدول مغلقا بالبيروقراطية وسيطرت الحزب الواحد ، التى انتهت بالفشل الزريع او نحو ايدولوجية تقود خطاه نحو تحرر (الانا) بوصفها ذاتا لا هوية لها سوى هويتها الذاتيه على نحو مسعى الفلسفة الوجودية والتى قيدة حرية الفرد بشرط التزامه بحرية الغير دون ان يكون لها تجسيد فى نظام حكم ، وعلى العكس اثر ذلك كله المسرح فظهر المسرح الملحملى عند بيكاتور وتلميذه بريخت وظهر المسرح التسجيلى خطوة أبعد نوعا ما نحو التحريض الجماهيرى من المسرح الملمحمى اذ ركز المسرح الملحمى بتقنيات التغريب (خلق مسافة بين العرض المسرحى و الجمهور حتى يترك له الحكم على ما يعرض عليه ويتخذ منه موقفا بالرفض او بالقبول ومن ثم يغير من عاداته او قيمة السلبية وبذلك خرج المسرح الملحمى من عباءة الفلسة الماركسية لأنها تدعو الى التغيير لا الى مجرد التفسير كالفلسفة الحديثة التى سبقتها) كما ركز المسرح التسجيلى على الظاهرة التاريخية ( ما يتكرر من ظواهر عبر تاريخ البشرية تكرس أستغلال القلة المحتكرة أو المستعمرة بأنظمتها العسكرية والحربية لدول أخرى تعج أراضيها بالثروات) وهو مغاير لما ركزت عليه الملحمية من ظواهر أجتماعية تكرس أستغلال الطبقة الأجتماعية للطبقة العاملة تحديدا .
عرفت الحياة المسرحية المسرح الملحمى وعرفت المسرح التسجيلى ترجمة على يد د. عبد الرحمن بدوى والدكتور عبد الغفار مكاوى والدكتور يسرى خميس وعرفت مسرح العبث لصموئيل بيكت ويونسكو وأداموف أربال أدوارألبى وكامى على يد نعيم عطية وفايز أسكندر ونادية كامل وصلاح عبد الصبور وسلماوى وغيرهم . كما عرفت مصر هذه الأنواع على يد سعد أردش وأحمد زكى فى العروض التى أخرجوها مع زملائهم كمال عيد وفاروق الدمرداش وكرم مطاوع ومن قبل هؤلاء الرائد المخرج نبيل الألفى.
وفى مجال الثقافة المسرحية عرفت مصر فن المسرح نصوصا وكتابات نقدية وتاريخا وحرفية تمثيل وحرفية عروض ومناظر على أيدى نخبة نذرت نفسها وعقولها لنقل آثار المسرحيين العالميين الغربيين والشرقيين ترجمة وأقتباسا وأعداد ، وتأليفا فى بعض الأحيان عرف المثقف العربى فى مصر وفى البلاد العربية من هو ستانسلافسكى بوصفه المفكر المسرحى الروسى الذى وضع نظاما لفنون التمثيل يحتذى به كل مخرجى المسرح والسينما والتليفزيون والاذاعة فى كل مجالات الحياة التمثيلية العالمية ، عرفناه عن طريق ترجمة د. محمد زكى العشماوى والفنان محمود مرسى وعرفته الحياة المسرحية خلال ترجمات درينى خشبة لمؤلفاته وعرفنا كتاب المسرح اليونانى أول ما عرفنا عبر ترجمات الدكتور طه حسين ووصلتنا الدراسات التاريخية والنقدية وترجمات النصوص المسرحية على يد أساتذة لا عد لهم ولا حصر منهم محمد القصاص ومحمد مندور ورشاد رشدى ولويس عوض ونعيم عطية وفايز أسكندر وأبراهيم رمزى وعبد القادر القط ومحمد عوض محمد وفاطمة موسى ونادية كامل ومحمد عنانى وسمير سرحان وعبدالعزيز حموده وفؤاد دواره وفتحى العشرى وجلال العشرى وسعد أردش وكمال عيد وصلاح عبد الصبور. وعدد كبير من الأدباء والمترجمين اللبنانيين والسوريين والعراقيين .
تواصلت حركة المسرح وواصلت زخمها مع أنشاء مهرجان القاهرة التجريبى الدولى وتوطدت علاقة السرح المصرى والعربى بالمسرح العالمى عبر دوراته المتكررة على مدى ثمانية عشر عاما مضت ، حيث رفدت العروض العالمية حركتنا المسرحية بالكثير من الأبتكارات التى فعلت القدرات والطاقات الأبداعية والتخييلية لدى شباب مخرجينا وكتابنا وفنانينا المسرحيين ومما لاشك فيه أن الدور التى تلعبه الجريدة الأسبوعية ( مسرحنا) فى رفد شباب مسرح الأقاليم بالثقافة المسرحية وتربط بين نشاطات المسرح فى أقاليم مصر وفى البلاد العربية بما يضفر جهود المسرحيين العرب ويبادل خبراتهم وتوثيقها فضلا عن تدعيمها وعرض مشكلاتها وكشف آفاتها وسلبياتها وأبراز ايجابياتها ، مع رفدها بنصوص مسرحية قصيرة مترجمة وفتح باب النشر أمام كتابات مسرحية أبداعية أو نقدية جديدة وتوسيع حركة المسرح المصرى والعربى ليصبح المسرح للجميع حقيقة فعلية مؤكدة لا مجرد شعار .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق