التنسيق الحضاري وسور السياسات العظيم
أ.د/ أبو الحسن سلاّم
من المفاهيم المستقرة في محيط الفكر أن العلم يصحح المعرفة ؛ ويبحث عمّا هو كائن. والفن يبحث عما ينبغي أن يكون . والثقافة واقع حياة الشعوب . وعلم الاجتماع إدراك الآخر . وعلم النفس إدراك الباعث الذاتي . وعلم الجمال إدراك النقاء . والتطرف تجاوز الآخر . والإرهاب نفي الآخر. والتعلم تعديل السلوك . والتنسيق توجيه القدرة على التلاؤم مع الوسط أي تعديل السلوك.
فما المشتبه في استقراره من تلك المفاهيم في المجتمع المصري ؟ فالكثير من معارفنا في خصومة تاريخية مع العلم وهي مسيجة بسياج صاعق – عن بعد – لكل عالم يحلم بمجرد الاقتراب من سورها الحصين .
وهو سور ثلاثي الأبعاد تلقيني المواد أحدهما : عقيدي (تراثي – خرافي) والثاني : تعليمي (مادة ووسائل) والثالث : إعلامي (مادة ووسائل) ليس هذا فحسب وإنما هناك سور آخر يحيط بتلك الأسوار الثلاثة وهو سور السياسات . وهذا السور الأكثر مناعة والأشد استشعاراً عن بعد بمصالح النظام الحاكم وأمنه ، وهو الذي يمد المصابيح المعدودة الموزعة أعمدتها على امتداد محيط تلك الأسوار الثلاثة المسيجة للمعرفة ببصيص الضوء الكافي لتأمين حراسة فكر السور الرئيس (سور السياسات العظيم) ومن الحق أن يكون لكل نظام منظومة سياسات ترسم وتخطط وتبرمج مسيرة البلاد بما يحقق للنظام أمنه في كل المستويات الاقتصادية والسياسية (الخارجية والداخلية) والخدمية سواء كرست لصالح رفاهية النخبة الحاكمة أم وسعت من هامش الصالح العام للتيسير ولو قليلاً على الطبقات الأدنى وفق نسب محسوبة لا تترك مسرباً لتسلل طبقي أكثر دنواً . ولاشك أن للمعلومات مكان السيادة في الحفاظ على تلك النسبة المطلوبة لحفظ أمن النخبة من خطر زيادة نسبة أي تسرب طبقي متطلع لبصيص من المعرفة لظل الحقيقة ، حقيقة رسم السياسات وما ورائها من مقاصد الفلاكة (الإفقار المادي والفكري والحسي والوجداني) للغالبية من أجل الثراء المادي الاقتصادي للنخبة دون الفكري والحسي والوجداني. ولاشك أن للأسوار الصاعقة الثلاثة (التراثي – التعليمي – الإعلامي) الدور الرئيس للفلاكة الفكرية والحسية والوجدانية . فإذا كان كل ما هو مستحدث ، بدعة وضلالة ستؤدي بصاحبها إلى النار ؛ فإن المبدع والمبتكر والمفكر في أي فرع من فروع المعارف علمية كانت أو أدبية أو فنية – نظرية أو تطبيقية – هو ضال ومضلل – وفق أعراف حراس السور الأول –
وإذا كان كل من قال ( هذا معرض فن سيريالي عَرْضُهُ ) أو قال : ( هذا إبداع مسرحي تجريبي إبداعُهُ ) بدلاً عن قول السلف المقرر في منهج النحو العربي ( هذا جُحر ضبٍ خربٍ جُحْرُه) يعد خارجاً على المنهج المقرر في كتب الوزارة في تدريس (النعت السببي) ومن ثم يستأهل أن يصعقه تيار كهربة السور الثاني لأنه مارق عن منهج الوزارة المقرر.
فماذا إذا رفض أحد التلاميذ تسميع شعر البحتري وأبي علي المتنبي أو أبي تمام .. أن يقرأ شعرهما : فالكل نافق الحكام مالا تسوّل بالكلام .. حتماً سيرسب التلميذ كخارج على النظام . حاسة النقد تموت هكذا عند الصغار .. حتى ولو كان الصغير على خطأ .. فكيف نصنع التقدم – كيف يكبر الصغار المانعون صغارنا حق الكلام والممنوعون عن الكلام ؟
وآما كتّاب الصحف وكل صنّاع الكلام القابضين على آذان كل قارئ أمي .. طوبي لهم . طوبي لصنّاع الصور .. فيديو الكليب والمالئين لعين كل مشاهد أمي ..
طوبي لهم طوبي لهم .. فهم كهارب سور هاتيك السياسة فكيف والإعلام بث مكبرات الصوت فوق آذاننا .. نميز الصوت الجميل وذلك الذي يراه صنّاع الكلام جميلاً ؟! فكيف وكل حائط لمنزل في كل حي .. يصوّب المكبرات .. مدافع الأصوات تصويباً على آذاننا ليل نهار ؟! من خيط ضوء الفجر حتى الانقطاع ، الكل يطلق النداء من سبعة الجهات : شرقاً وغرباً وشمالاًَ وجنوباً ثم من فوق وتحت .
ست الجهات تطلق الصوت معاً . لا أدري من أين أتى سابعهم ؟!
الأمر محتاج إلى التنسيق بين دوائر الثالوث تلك : الدين والتعليم والإعلام حتى تؤمم كل دائرة لها آذاننا شهراً لكل دائرة !! وكذا تؤمم العيون هذى تؤذن كل شهر وحدها . وبعدها شهر الكليب مع الإذاعة وبعدها شهر الكليب المدرسي . عشر لنا في الجامعة ومثلها للمدرسة والعشرة الأخرى تراها الطيبة .. حجزت لأطفال الحضانة .
وبعدها فلتنظروا يا أمة اللجان هل .. هل من مجيب ؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق